السلطنة العثمانية: من دولة الخلافة إلى الدولة المركزية

أسامة عرابي

 

مقدِّمة تاريخية:

 

عرفت السلطنة العثمانية على امتداد القرن التاسع عشر تغييرات جذرية على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية، كان محركها الأبرز الاحتكاك المباشر مع الحضارة الأوروبية، كما تجلت في دول أوربا الناهضة: بريطانيا، فرنسا، وروسيا.

 

لقد أدركت النخبة العثمانية الحاكمة في خضم المواجهات القاسية مع هذه الدول-ولاسيما الهزائم العسكرية التي أدت إلى خسارة السلطنة لأجزاء من مقاطعاتها الأوروبية في البلقان والبحر الأسود- أدركت أنه لا مناص من محاكاة أوروبا عسكرياً واقتصادياً للحفاظ على منعة السلطنة. ولم يتردد الحكام في إسطنبول من الغوص والتمحيص في أدق العناصر والهياكل الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأوروبية والتي خبروا مدى فعاليتها بالتجربة المباشرة، فأدركوا أنه لا بد من التغيير؛ لكن هذا التغيير لم يتخذ شكل المواجهة مع المؤسّسة الدينية الإسلامية والأسس العقدية للسلطنة، كما حصل في التجربة الأوروبية المتمثلة بالثورة الفرنسية، عندما تمت القطيعة بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية بإقصاء الدين عن الدولة، وحصره في المجال التعبدي والوجداني للفرد. لجملة من الأسباب التاريخية والفكرية كان توجه الحداثون العثمانيين أكثر براغماتية من ثوريي أوروبا؛ إذ بدأ القادة في إسطنبول (سليم الثالث) والقاهرة (محمَّد علي) بادئ ذي بدء بإصلاح البنية العسكرية، عندها فقهوا أن التقنية الأوروبية العسكرية الحديثة تحتاج إلى مصادر مالية لا تتحقق إلا بزيادة مداخيل الدولة زيادة مضطردة. فكان لا بد من تحديث البنية الصناعية والزراعية عبر استيراد تقنيات أوروبية وإغراء الرأسمال الأوروبي بفوائد عالية لتصدير آلاته الحديثة من سفن بخارية وسكك حديد. مما أدى إلى زيادة الامتيازات المعطاة للتجار والصناعيين الأوروبيين من قبل الباب العالي، ونمو سطوة قناصل دولهم في إسطنبول، الثمن الباهظ الذي دفعته السلطنة لدخولها العالم المعاصر.

 

قبل الدخول في تفصيل هذا المخاض لا بد أن نعرج على تطورات الفترة التاريخية التي سبقت الإصلاح العثماني الحداثي؛ أي القرنين السابع والثامن عشر، والتي تمس الهياكل الأساسية للمجتمع العثماني: السلطة السياسية، العسكر، والطبقات الاجتماعية. ويمكننا تلخيصها تحت ثلاثة عناوين:

 

أوَّلاً: مشاركة الوزير الأول وكبار موظفي الدولة للسلطان في صنع القرار السياسي. بالطبع كان السلطان العثماني في القرنين السابع والثامن عشر لا يزال صاحب الكلمة الفصل في الدولة، لكن تدريجياً ظهرت نخب حول الباب العالي ذات نفوذ واسع من حاشية الوزير الأول وشيخ الإسلام في المؤسّسة الدينية والقضائية، فكان أن غلبت سمة المشاركة والمشورة بين هذين الطرفين والسلطان على الطابع الانفرادي الأوتوقراطي الذي ميز السلطنة في القرن السادس عشر، وشكلت أموال الوقف الميري وعائدات الالتزام من الأراضي القاعدة الاقتصادية لكبار موظفي الدولة والفقهاء والقضاة في إسطنبول.

 

ثانياً: وفي الفترة نفسها بدأت فرق النخبة في الجيش -العثماني المعروفة بالانكشارية- بالانخراط في النشاط الاقتصادي من تجارة وصناعات حرفية في مختلف الأقاليم والمحافظات في بلاد الشام والأناضول والبلقان. فأصبح لقادة الفرق-بالإضافة إلى شكوتهم العسكرية- قوة اقتصادية لا يستهان بها أسهمت في تعزير سلطتهم على الأقاليم والأطراف على حساب المركز في إسطنبول.

 

وأخيرا وليس آخراً، كان نشوء طبقة جديدة من الأسر الحاكمة في الأقاليم والمحافظات من كبار الإقطاعيين ورؤساء الإدارة المحلية؛ أي طبقة الأعيان التي سخرت أموال العائدات الضريبية من الأراضي والإدارة لإنشاء جيوش محلية خاصة بها، فكان لها نصيب كبير من النفوذ السياسي والاقتصادي في المحافظات، مما حدى بالسلطان والباب العالي إلى الاعتراف بها واقعاً كأُسَرٍ حاكمة منضوية تحت لواء السلطنة. فكانت أسرة العظم في دمشق، وأسر المماليك المحلية في بغداد وفلسطين ومصر، و"الباي" في تونس وطرابلس الغرب، و"الدي" في الجزائر تشكل إمارات شبه مستقلة اقتصاديا وعسكرياً، مع قبولها بأن تكون جزءاً من الدولة العثمانية بوصفها ممثلة للأمة الإسلامية وحاضنة للخلافة.

 

تلك إذن كانت الإشكالية التاريخية -السياسية والاجتماعية- السابقة على الإصلاح الحداثي العثماني موضوع بحثنا. إذ نسعى في هذا البحث إلى تبيان السمات المشتركة الكامنة في ثلاثة أنواع من الإصلاحات عرفتْها الدولة العثمانية (بما فيها مصر محمَّد علي وأحفاده) على امتداد القرن التاسع عشر، والتي غالباً ما يشار إليها بالتنظيمات. وإذا كان "المجلس الأعلى للتنظيمات" هو الاسم الذي وضعه العثمانيون للهيئة المشرفة على تحديث القوانين والتشريع والإدارة الحكومية عام 1850 ميلادية؛ فإنه قد جرت العادة على إطلاق تسمية "التنظيمات" على ما سبق وما تلا هذا المجلس من تشريعات وإجراءات تصبّ في ذات المنحى. وهذا ليس مستغرباً؛ كون الدافع وراء إعادة تنظيم الجيش (النظام الجديد)، والمحاكم (النظامية)، والتشريعات الجديدة (التنظيمات)، هو نفسه؛ أي رغبة المركز في بسط سلطته ورؤياه على قوى وعناصر نافرة في أجهزة الدولة وإدارتها، سواء في إسطنبول أم الأقاليم. بَسْطُ سلطة المركز هذا جرى عبر تبني هياكل وبنى عسكرية وتشريعية وقانونية أوروبية المنشأ والمضمون، عرفت النخبة العثمانية المحاكمة مدى فعاليتها بالإدراك المباشر والملموس، عنينا على أرض الهزائم المتوالية التي تكبدها جيش السلطنة ضد الجيوش الروسية والفرنسية والإنكليزية بدءاً من الربع الأخير من القرن الثامن عشر.عندها بدأت سلسلة الهزائم العسكرية والتنازلات الناتجة عنها تفعل فعلها في وعي السلطنة، فكانت أولى بوادر إعادة هيكلة الدولة في الحقل العسكري عندما أدخل السلطان سليم الثالث (1789-1807) ما عرف "بالنظام الجديد". وهو جملة من التدابير غير المسبوقة في التجنيد والتدريب والتسليح كانت كفيلة -إذا ما طبقت- بالقضاء على الفرق الانكشارية المتحكمة بمفاصل الجيش الأساسية والقائمة على مبدأ التوريث وجيش النخبة. وذلك لصالح بنية فرنسية الأصل في التجنيد العام الإلزامي، ظهرت مع الثورة الفرنسية الكبرى تحت اسم "جيش الشعب"، ومن ثم جرى تبنيها من قبل الدول الأوربية الأخرى. وعملاً بالتقليد نبدأ في تبيان ماهية التنظيمات والمحاكم النظامية وموقعها من الأطر السياسية والعقدية العامة للسلطنة العثمانية، تاركين الإصلاح في بنية الجيش إلى مقال لاحق.

 

شكلت عملية التقنين مَعْلماً أساسًا في سعي النخب الحاكمة إلى بناء الدولة المركزية، في كل من إسطنبول والقاهرة على مدى القرن التاسع عشر. فالنخب العثمانية في تركيا والشركسية في مصر دخلت في حيزّ تنافسي مع الدول الأوروبية وروسيا، مع نجاح هذه الدول في اقتطاع أجزاء من الدولة العثمانية في البلقان وشرق المتوسط (اليونان 1832)، وقد تناول السعي العثماني إلى مركزة الدولة ثلاث بنى أساسية: الجيش والقانون والاقتصاد، متخذاً من النموذج الأوروبي عامة -والفرنسي على وجه الخصوص- دليله ومرجعه. وغالباً ما يطلق اسم "التقنين" على مركزة البنى القانونية، ولفظ "النظام الجديد" على البنى العسكرية المستلهمة من أوروبا. وما يظهر في اللغة العربية المعاصرة من تعابير "جيش نظامي" أو "قوة نظامية" ليس إلا أثراً بادياً لذلك الفعل الذي بدأ قبل قرنين ونيّف، واللافت أن العثمانيين لم يتخلفوا كثيراً عن اللحاق بركب الدولة الفرنسية في الحيزيْن القانوني والعسكري، كما يظهر من المقارنة الزمنية لتواريخ صدور القوانين في كلتا الدولتين:

 

- فرنسا: -القانون المدني أو شرعة نابوليون في الملكية والعقود والأحوال الشخصية: 1804.

 

- قانون أصول المحاكمات المدنية:1806.

 

- القانون التجاري: 1807

 

- قانون أصول المحاكمات الجزائية: 1808.

 

- القانون الجزائي: 1810.

 

- الدولة العثمانية:- القانون التجاري: 1850.

 

- القانون الجزائي: 1858.

 

- مجلة الاحكام العدلية، وهي أحكام في القانون المدني أو المعاملات حسب المذهب الحنفي: 1870-1877.

 

- قانون أصول المحاكمات المدنية: 1880.

 

- مصر الخديوية: القانون التجاري: 1853، نقلاً عن القانون العثماني.

 

-القانون المدني، القانون الجزائي، قوانين أصول المحاكمة المدنية والتجارية والجزائية: 1875، نقلاً عن القوانين الفرنسية.

 

وليس الفارق الزمني المتمثل بأربعة أو خمسة عقود بين القوانين العثمانية والفرنسية بالأمر العظيم في المنظار التاريخي، إذا ما أُخذ بالاعتبار السبق الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي الهائل الذي جعل الدول الأوروبية الحديثة في موقع متقدم على مثيلاتها في آسيا وأفريقيا. الأهم من الفارق الزمني كان قرار وفعل النخب العثمانية الحاكمة بالالتحاق بأوروبا ونتائجه التاريخية. فكان إدخال المفاهيم القانونية الأوروبية في جسد السلطة السياسية وفي علاقاتها القسرية مع الخاضعين لها بداية عملية تحوّل تاريخي غطّت المجال السلطوي/الفكري، وبالتالي المجتمعي بكلّيته. من هذه المفاهيم الجديدة المحورية: القضاء المدني والقانون الوضعي، والهوية القومية، وجيش الشعب، وهي مفاهيم وبنى ذات منشأ أوروبي لا لبس فيه، واكبت على مدى قرن من الزمن التحول من دولة الخلافة الإسلامية إلى الجمهورية التركية الحديثة (1923).

 

وإذا كانت الثورة الفرنسية ضد هيمنة الإقطاع والأكليروس على الحياة السياسية والاقتصادية (كانت الكنيسة الكاثوليكية تملك 30 بالمائة من الأراضي الزراعية) انتصاراً للدولة المدنية العلمانية؛ فمن الصحيح أيضا أن مدى جذرية هذا المفهوم مرتبط بالسياق الحضاري الأوروبي، وبمسيرة المؤسّسة الدينية الكاثوليكية تحديداً. لا شك أن المجال الحضاري الإسلامي لم يكن بمنأى عن تلك اللُّوثة، وقد عرفها بالفعل، إلا أن أبرز تجلياتها كان محصوراً بفترة قصيرة جداً لا تتعدى السبعة عشر عاماً، وهي محنة خلق القرآن التي قادها فقهاء المعتزلة من داخل السلطة العباسية في بغداد بين215-234 للهجرة. ومهما تكن الأسباب العقدية والتاريخية لهذا التمايز بين المجالين الحضاريين المسيحي والإسلامي؛ فإن من نتائجه أن مسار تحديث وعلمنة دولة الخلافة-خلال القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين- لم يكن مساراً تصادمياً بين المؤسّسة الدينية الإسلامية والنخب السياسية والعسكرية المستلهمة لنموذج الدولة الأوروبي.

 

في عام 1838 أعلن السلطان العثماني محمود الثاني تشكيل المجلس الأعلى للأحكام العدلية بوصفه أعلى هيئة قضائية في الدولة، آذناً بذلك إلى الانتقال من نظام عدلي كان يحكمه شيخ الإسلام وقضاة الشرع والمحاكم الشرعية على المذهب الحنفي منذ القرن السادس عشر، إلى نظام تغلب عليه المحاكم النظامية التي يديرها موظفون مدنيون تعينهم السلطة، ويصدرون أحكامهم وفق قوانين أوروبية المنشأ. وإذا كانت هذه الخطوة ترمز إلى ازدياد هيمنة الدولة عبر موظفيها على القضاء الشرعي فإن التحضير لها يعود إلى عام 1826، عندما قام محمود الثاني بإضعاف القاعدة الاقتصادية لشيخ الإسلام والوزير الأول وعدد من كبار المسؤولين. عندها نقل السلطان الأوقاف العامة -أي أراضي الميري الموقوفة التي كانت خاضعة لسلطتهم- جاعلاً إياها تحت إشراف وزارة جديدة مستقلة للأوقاف يعود فيها ريع الأراضي والعقارات الميرية الموقوفة إلى الدولة بدلاً من كبار المسؤولين والمتنفذين. وإذا ما علمنا أن هذه الأوقاف شكلت بحجمها أكثر من نصف مجموع العقارات على أراضي الدولة، أدركنا كم كان العوائد الاقتصادية للسلطة المركزية من جرّاء ذلك هائلاً، بالإضافة إلى تعزيز قوة المركز على حساب الأطراف. وقد تم إنفاق جزء كبير من هذه العائدات على تحديث الجيش العثماني الذي كان يشهد بدوره في ذاتها الحقبة -أي السنوات العشر الأخيرة من حكم محمود الثاني (1808-1839)- أكبر عملية إعادة تنظيم في تاريخه.

 

بعد وفاة محمود الثاني بقليل، صدر عام 1939 عن الباب العالي خط الشريف جولهان المعروف بالتنظيمات. وهي إعادة تنظيم راديكالية وشاملة لبنى الدولة الاقتصادية والسياسية محاكاة للدولة الأوروبية الحديثة، ورضوخاً لمطالب الدول الأوروبية بإعطاء رعاياها كامل حرية النشاط الاقتصادي والتجاري على امتداد أراضي السلطنة، وضمان المساواة في الحقوق السياسية للأقليات المسيحية واليهودية مع الغالبية المسلمة من السكان. فكان أن فُتحت السوق العثمانية بمصراعيها على الإنتاج الأوروبي، وأصبح الإنتاج المحلي خاضعاً لآليات التنافس غير المتكافئة مع الصناعة الأوروبية، معززة بامتيازات جمركية وإدارية للتجار والصناعيين الأوروبيين من مستوردين ومصدرين. لا شك أن الضغوط المباشرة من قبل بريطانيا وفرنسا وروسيا لعبت دوراً حاسماً في تبني "التنظيمات"، خاصة أن بداية عهد الامتيازات للتجار الأجانب المقيمين على الأراضي العثمانية ولرعايا الدولة غير المسلمين تعود إلى معاهدة 1774، عام الهزيمة العسكرية الأولى للعثمانيين أمام روسيا، والتي تلتها هزائم أخرى في عامي 1792 و1812 استولت روسيا على أثرها على الساحل الشمالي للبحر الأسود وشبه جزيرة القرم.

 

قد تكون هذه الإصلاحات السياسية والاقتصادية -التي دفعت إليها النخبة العثمانية دفعاً تحت وطأة حروب ومنافسة لا هوادة فيها مع دول أوروبا الكبرى- مبرراً لقطيعة مع الأسس العقدية الدينية لدولة الخلافة، على غرار القطيعة التي أنجزتها الدول الأوربية مع الفكر والمؤسّسة الدينية المسيحية على عتبة الحداثة إبان الثورة الفرنسية؛ لكن النخب الحاكمة التي أقرت خط الشريف جولهان ترى الأمر من منظار معاكس تماماً، كما يتبدى من النص الذي يتصدر الأمر السلطاني: "العالم بأسره يعرف أن منذ الأيام الأولى للدولة العثمانية جرى تطبيق مبادئ القرآن وقواعد الشريعة تطبيقاً كاملاً. وهو ما وضع السلطنة في أعلى مرتبات القوة والمنعة، ونشرَ اليسر والازدهار بين رعاياها؛ لكن جملة من الأسباب المتنوعة والظروف الصعبة على مدى السنوات المائة والخمسين السالفة أدّت إلى إهمال الشرع الحنيف ولم تُتبع قواعده الناصحة، فكان أن عرفت السلطنة الضعف والقلة بعد القوة واليسر؛ لأن الدولة التي تهمل الشريعة ليس بوسعها الاستمرار. وإيمانا منا بمدد الله تعالى وثقتنا بدعم نبيّنا -صلَّى الله عليه وسلم-، أصبح لزاماً علينا منذ اليوم وصاعداً أن نرسم تشريعات جديدة لتحقيق إدارة فاعلة للحكومة المركزية والأقاليم".

 

يمكن فهم هذا النص على وجوه عدة، بادئين بما هو ظاهر وخالصين إلى التعقيدات التاريخية الملموسة التي أملته، والتي عرجنا على بعضها فيما سبق. ظاهراً ثمة مفارقة بين القول بالعودة إلى القرآن الكريم والمبادئ الشرعية من جهة، والمضمون الأوروبي الجلي للتنظيمات الجديدة، هذه المفارقة قد تزول إذا نظرنا إلى القواعد الشرعية من منظار مقاصد الشريعة الكلّية الخمسة، في الزود عن الدين والنفس والعقل والعرض والمُلك لمجموع المسلمين. وأي تشريع أو قرار للحاكم من شأنه أن يدافع أو يعزز واحدًا أو أكثر من هذه الضرورات الخمس للجماعة يكتسب صفة شرعية دون الرجوع إلى نص قرآني بعينه أو سنة نبوية محددة. واندراج التنظيمات في وعي واضعيها ضمن المقاصد الكلية للشريعة واضح من إشارتهم إلى قوة وازدهار المسلمين كأهداف رئيسة لإجراءاتهم. من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن النظام العدلي العثماني منذ نشأته في القرن السادس عشر لم يكن مقتصراً على الأحكام الشرعية للمذهب الحنفي صحيح أن شيخ الإسلام والقضاة الأحناف في إسطنبول شكلوا اللبنة الأساسية لهذا النظام -عبر إرسالهم لقضاة ممثلين لهم للإشراف على عمل المحاكم المحلية في البلقان والمغرب ومصر وفلسطين وسوريا والعراق والأناضول، وأن فعالية ونجاعة هذا النظام العدلي كان مفخرة للدولة العثمانية بالمقارنة مع الأنظمة العدلية السائدة في أوربا في القرنين السابع والثامن عشر. لكن من الصحيح أيضاً أن البنية العدلية العثمانية عرفت نظاماً تشريعياً وقضائياً موازياً للشريعة أطلق عليه العثمانيون اسم "القانون". هذا القانون مصدره الإرادة السلطانية، وأحكامه ملزمة ونافذة كأحكام الشريعة، فكان ثمة توزيع للاختصاص بين الشرع والقانون السلطاني، اختص الأول بأحكام النكاح والأهلية والمواريث والعقود والملكية؛ بينما كانت الضرائب وأراضي الميري والحرابة والقتل والسرقة من اختصاص الثاني.

 

أما التعقيدات التاريخية الملموسة التي أملت التنظيمات فهي ظاهرة في الإشارة المقتضبة في نهاية النص العثماني إلى "تحقيق إدارة فاعلة للحكومة المركزية والأقاليم"، وهذا يتطابق مع ما خلص إليه أحد أبرز الباحثين الأتراك في هذه الحقبة: "هدفت الإصلاحات إلى إخضاع الإدارات المحلية في المقاطعات إلى سلطة ورقابة الحكومة المركزية الصارمة، عبر تحرير الإدارات الإقليمية من نفوذ العلماء والأعيان المحليين"(إنالشيك، "تطبيق التنظيمات"). لقد أدرك محمود الثاني ورشيد باشا-سفيره إلى باريس، وأبرز رجالات السلطنة الذين دفعوا بالإصلاحات- أن النظرة الأوروبية لإدارة الدولة لصالح الغلبة المطلقة للمركز على الأطراف، وبالتالي فالدولة المركزية التي تبسط قوانينها على كامل ترابها الوطني لا تتماشى مع سيطرة القضاة والفقهاء والأعيان المحليين على شؤون الأقاليم. فما كان متاحاً في زمن غابر عندما كانت السلطنة نداً وقوة على قدم المساواة مع القوى الأوروبية أصبح خطراً داهماً وداءً خبيثاً يجب معالجته بأسرع ما يكون؛ لكي تتمكن الدولة العثمانية من مواكبة القوى الأوربية الصاعدة اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً.

المصدر: http://tafahom.om/index.php/nums/view/5/111