مصدر القرآن الكريم في رأي المستشرقين

مصدر القرآن الكريم في رأي المستشرقين

عرض ودراسة ونقد

أ. د / محمد السيد راضي جبريل

مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين ورحمة الله للعالمين محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين... وبعد
فإن عيون التاريخ وهي ترقب - عبر الأزمان- ساحة الصراع بين الحق والباطل قد رصدت عداءً شديداً للإسلام وأهله، انطوت عليه صدور أحزاب الكفر وجند الشيطان، وقد حمل هذا العداء السيف أحياناً، ونفث سموم الحقد تشكيكاً وإضلالاً، وتهجماً وتلبيساً أحياناً أخرى.
وتتعاقب دورات الصراع – تتخللها دروس للمؤمنين وابتلاءات – لتشهد مصارع الباطل، واندحار حزبه سواء في مجال السيف والقتال:
ﮋ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﮊ [المجادلة: ٢١ ] ﮋﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ [الأنفال: ٣٦ ] ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ  ﯕ ﯖ ﯗ  ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﮊ [الصافات: ١٧١ – ١٧٣].
أو في مجال الحجة والبرهان:
ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮊ [الأنبياء: ١٨ ] ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ [الشورى: ١٦].
ومنذ زمن بعيد – وفي مجال حرب الفكرة والكلمة – لبست جموع من أعداء الإسلام من خارج مجتمعه ومن داخله – في إطار التلبيس – مسوح العلم، وتسربلوا بلباس ظاهره الحيدة والإنصاف، وباطنه الكفر والتعصب، وراحوا يشنون أعنف الغارات على دين الإسلام في عقيدته وتشريعاته، وآدابه وأخلاقه، من خلال الطعن في كتابه الذي هو دستور ذلك كله، وتنوعت الوسائل في هذا الطعن بتنوع الطاعنين الذين اتحدت قواهم، وحاولوا جاهدين تفريغ الإسلام من مضمونه العقدي والتشريعي عن طريق غزو العقل الإسلامي والفكر الإسلامي فيما اصطلح الباحثون على تسميته بالتغريب.
يقول الأستاذ أنور الجندي ( ): ((ولقد حاربت فكرنا قوى عديدة: 1- الفكر الماسوني أساساً. 2- الفكر التبشيري التنصيري في أثوابه المختلفة، وآخرها الحوار. 3- الفكر الاستشراقي بمراحله الثلاث: الغربي، والماركسي، والصهيوني. 4-فكر التغريب الذي يقوده المغربون الجدد (بدائل الاستعمار).. إلى آخره)).
ويعنينا في هذا المقام من بين تلك القـوى: الفكر الاستشراقي الذي تناول القرآن بالتشكيك: بدءاً بمصدره ومروراً بقضاياه في العقيدة والتشريع، وانتهاءً بمنهجه في تربية أتباعه، وصياغة حياتهم.
إن من يملك أدنى قدر من الإنصاف لا يستطيع أن ينكر أو يغض الطرف عن تصاعد حملة العداء على الإسلام وكتابه القرآن تصاعداً تشابك فيه الجانب الفكري مع الجانب المادي.
ولقد تمثل ذلك في ممارسات شهدها العالم في الآونة الأخيرة، كان مبعثها الكراهية العمياء والحقد الدفين ليس للمسلمين أفراداً فحسب، ولكن للإسلام ديناً، وللقرآن دستوراً لهذا الدين.
لقد انتُحِلت الذرائع الباطلة، والحجج الواهية التي ثبت زيفها على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، اتُّخِذَت هذه الذرائع للانتقام من المسلمين في غير جريمة ولا سبب إلا أنهم يقولون: ربنا الله، وديننا الإسلام، ونبينا خاتم الرسل محمد -صلى الله عليه وسلم- فأريقت من أجل ذلك دماؤهم، وانتهبت أموالهم، وديست كرامتهم، وانتهكت أعراضهم في سجون ومعتقلات أعدت لذلك في بلاد المسلمين، وفي غيرها من أقاصي الأرض بدعاوى زائفة وتُهم باطلة هم منها براء.
ولا أدل على تلك الكراهية الصماء من أن العدوان تعدى البشر إلى المقدسات من هدم وتحريق للمساجد التي يذكر فيها اسم الله، ثم ظهر العداء عارياً مما يستر أي عورة عندما استهدف هؤلاء الأعداء كتاب الله ذاته (القرآن الكريم)، فتناولوه بالإهانة والتدنيس بالقاذورات -شلت أيديهم- فلقد بلغ الغيظ حد أنهم ليس فقط لم يطيقوا القرآن فكراً ومنهجاً، ولكنهم كذلك لم يطيقوه صحفاً وسطوراً.
ويزداد الأمر بشاعة بمعرفة أن هذه الأفعال ليست تصرفات طائشة من أفراد هنا أو هناك، ولكنها تمثل منهجاً يملى، وينفذ بقصد وتعمد.
في وسط ذلك كله، وفي تلك الظروف التي يمر بها الإسلام ويحياها المسلمون، حق على كل مسلم أنعم الله عليه بنعمة الإسلام عامة، والعلماء منهم خاصة أن يهبوا بما يملكون، وبما يحسنون من أدوات للدفاع عن هذا الدين وأن يكشفوا زيف الدعاوى المضللة التي تشكك في القرآن، وأن يعرضوا – رغم الجراح – على الدنيا منهج الخير، وأن يضيئوا للعالم مصابيح الهدى فذلك واجبهم وقدرهم، وأن يردوا عن دينهم ما يراد إلصاقه به من زيف وبهتان، وأن يصبروا على ذلك كله ويحتسبوه عند الله تعالى، وأن يستصحبوا في ذلك منطلق العالمية في رسالتهم: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [الأنبياء: ١٠٧].
لقد قيض الله -سبحانه وتعالى- في هذا الصدد -تحقيقاً لوعده سبحانه: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ [الحجر: ٩ ]- من الأسباب البشرية مِن عباده المؤمنين مَن ذاد ويذود عن حياض هذا الدين الحنيف قديماً وحديثاً، فكشفوا كل زيف، ودحروا كل هجوم، وسفهوا كل باطل، وسوف يظل الأمر كذلك – بتأييد الله إياهم – إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﮋ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮊ [الأنعام: ١٤٩].
ولقد كانت المملكة العربية السعودية سباقة في هذا المضمار إلى خدمة كتاب الله تعالى والذود عن حياضه، وذلك عن طريق ذلك الصرح الإسلامي الشامخ، وهو (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة) الذي قام ويقوم بفضل من الله تعالى بخدمة الكتاب الكريم: طباعة للمصحف، وتفسيراً للقرآن العظيم، وترجمة لمعانيه، وإثراءً للدراسات القرآنية في شتى مجالاتها.
وفي سياق جهود هذا الصرح الضخم تأتي هذه الندوة التي دعا المجمع إلى عقدها تحت عنوان: ((القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية)) شاملة العديد من المحاور التي تضمنت موضوعات تصب كلها في بيان موقف الاستشراق ومسلكه تجاه القرآن الكريم.
وتلبية لدعوة كريمة من أمانة المجمع يأتي هذا البحث في ((مصدر القرآن الكريم في رأي المستشرقين عرض ودراسة ونقد)) مشاركة متواضعة في فعاليات هذه الندوة تثبيتاً للمؤمنين، وردا على دعاوى المبطلين.
وصلب الموضوع في هذا البحث يتناول: موقف المستشرقين من مصدر القرآن الكريم، ويتضمن الحديث فيه عرض دعاواهم أن مصدر القرآن هو: النبي-صلى الله عليه وسلم- نفسه، أو البيئة الجاهلية، أو الحنفاء، أو اليهودية، أو النصرانية، ورد تلك الدعاوى وتفنيدها.
ولكن يسبق ذلك كله لتمام الفائدة، ولحاجة البحث: تمهيد يتعلق ببيان موقع القرآن الكريم من رسالة الإسلام، ومبحث: يبين موقف طوائف المكذبين للنبي -صلى الله عليه وسلم- من القرآن في عصر النبوة، وهم: كفار قريش، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى من جهة أخرى.
كما يلحق بالصلب مبحث: يجيب عن تساؤل: هل جاء المستشرقون بجديد في محاولة نفي صبغة الوحي الإلهي عن القرآن الكريم؟ ثم الخاتمة: وتتضمن الأدلة القاطعة من العقل والنقل على كون القرآن الكريم من عند الله –سبحانه وتعالى- وفي نهايتها: خلاصة البحث ونتائجه.
أسأل الله العلي القدير أن يوفقني لإتمام هذا البحث على ما يحبه ويرضاه سبحانه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجزل لي المثوبة من فضله، وأن يتجاوز عما يعرض فيه من التقصير أو الخطأ الذي هو من لوازم البشر، والله من وراء القصد، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، والآن إلى معالجة الموضوع.

تمهيد في: موقع القرآن الكريم من رسالة الإسلام
من بداهة القول: أن القرآن الكريم يقع من رسالة الإسلام موقع القلب النابض بعقيدته وتشريعاته، وآدابه، وأخلاقه، لا يختلف اثنان على هذه الحقيقة.
ولقد علم المستشرقون ذلك، فجعلوا القرآن الكريم موضوعاً لدراساتهم المتعددة، أيا كانت بواعث هذه الدراسات وأهدافها( )، ومن جهة أخرى عمل بعض المنافقين مدخولي النية على استغلال هذه الحقيقة الناطقة بمكانة القرآن عند المسلمين، فحاولوا إهدار السنة المطهرة، وإلغاء دورها في كونها المبينة للقرآن كما نص على ذلك القرآن ذاته في قوله تعالى: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﮊ [النحل: ٤٤ ] فادَّعوا كاذبين أنه لا حاجة لغير القرآن، وأنه وحده عليه المعوّل وفيه الكفاية؛ خطوة يهدفون من ورائها في النهاية إلى إهدار القرآن ذاته.
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الصنف عندما قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه))( ).
وهدف الفريقين في النهاية واحد هو: النيل من القرآن ومعه النيل من الإسلام، ولكن أنى لهم ذلك: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [الصف: ٨].
من أجل ذلك جاء هذا المبحث حول: موقع القرآن الكريم من رسالة الإسلام، وهو يتناول أمرين: الأول: تقرير القرآن حقية رسالة الإسلام وإلهية مصدرها، والثاني: نشر هذه الرسالة تحقيقاً لعالميتها التي ينطق بها قول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-: ﮋﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮊ [سبأ: ٢٨].
وفيما يلي إيضاح لكل من الأمرين:
أولاً: القرآن الكريم يقرر حقية رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم-:  بعث الله رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- برسالة الإسلام التي جاءت لتتم صرح الرسالات، ففي الحديث: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هَلاّ وُضِعَت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين))( ).
جاء النبي-صلى الله عليه وسلم- فدعا بدعوة الأنبياء من قبله، وهي دعوة واحدة، أصول الاعتقاد فيها: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأساس التشريع فيها: الطهارة والعفاف في الأخلاق، والاستقامة والقصد في السلوك، والعدل والنصفة في المعاملات، والنصح للأمة في الولايات: ﮋ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮊ [الشورى: ١٣].
جاءت رسالة الإسلام على حين فترة من الرسل كان العالم قد غرق في جاهلية مظلمة: طمست فيها معالم الخير، وأطفئت فيها مصابيح الفكر، وعطلت فيها مواهب العقل، مما لا نجد معه تعبيراً عن المنهج الذي ساد حياة البشرية قبل الإسلام أصدق من وصف القرآن الكريم في قول الله تعالى:
ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮊ [الجمعة: ٢].
فانبعث أشقياء القوم من عباد الأصنام، والطغاة وأرباب الشهوات يعارضون النبي-صلى الله عليه وسلم- ويكذبونه ويصدون عن دينه، ويعملون على وأد دعوته.
ومضت في النبي-صلى الله عليه وسلم- سنة الله –سبحانه وتعالى- في تأييد رسله وتصديقهم بالمعجزات، لكنه –سبحانه- إذا كان قد أيد رسله السابقين بمعجزات حسية يراها المشاهدون، ويعاينها الحاضرون: كناقة صالح وعصا موسى ونحوهما، فإنه تعالى قد جعل المعجزة الكبرى التي قامت شاهداً على صدق النبي-صلى الله عليه وسلم- وصدق ما دعا إليه كتاباً مباركاً، قرآناً عربيا، يخاطب الأجيال في كل عصر ويقرؤه الناس في كل حين.
وفي هذا يقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))( ).
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلسان العرب الذين اختارهم مهداً لخاتم رسالاته في وقت بلغت فيه لغتهم من الفصاحة، وروعة البلاغة، وعظمة البيان ما لم تبلغه لغة في الأرض على لسان أهلها في عصر من العصور، ثم إنه طالب المعارضين المنكرين –في تحدٍّ أثبته القرآن في آياته– أن يأتوا بمثل هذا القرآن: ﮋ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ  ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﮊ [الطور: ٣٣ – ٣٤].
أو بعشر سور من مثله: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ [هود: ١٣].
أو بسورة من مثله: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ  ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﮊ [البقرة: ٢٣ – ٢٤].
لقد واجههم القرآن بهذا التحدي فما كان منهم إلا العجز المطبق الناطق بصدق كتاب الله وصدق ما جاء به -صلى الله عليه وسلم-.
على أننا ينبغي أن نؤكد حقيقة ينبغي ألا تغيب عن الأذهان في شأن معجزة القرآن الكريم، وهي: أن هذه المعجزة قد حملت في ذات الوقت المنهج الذي يراد بناء أمة الإسلام على أساسه، والهداية إلى التي هي أقوم في شتى مجالات الحياة.
يقول الشيخ محمود شلتوت – رحمه الله تعالى – في هذا الصدد: ((وقد أنزله الله لأمرين عظيمين، أحدهما: أن يكون معجزة دالة على صدق الرسول في دعوة الرسالة والتبليغ عنه سبحانه، وبمقتضى هذا أنزله يحمل في أسلوبه ومعانيه، وتشريعه ومعارفه عناصر الإعجاز، وقد أمر رسوله أن يتحدى به القوم فتحداهم حتى ظهر عجزهم وتمت الحجة عليهم... وقد كانت معجزات الرسل قبله خوارق حسية لا عقلية يجول فيها العقل ويصول، ويعمل فيها الذهن بالتفكير والتدبر، وكانت منقرضة لا دائمة؛ وذلك لأن رسالتهم لم تكن عامة لأهل زمنهم ولا خالدة.
الأمر الثاني: أن يكون منبع هداية وإرشاد، ومصدر تشريع وأحكام، يجب اتباعه والرجوع إليه، ولا يكفي في إثبات أنه واجب الاتباع مجرد ثبوت أنه معجز، بل لابد مع هذا من ملاحظة أن إعجازه دل على أنه من عند الله، وقد احتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه، والعمل بما تضمنه من الأحكام في غير موضع، وبغير أسلوب واحد، فقال تعـالى: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﮊ [الأعراف: ٣ ] وقال سبحانه: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱﮊ [النساء: ١٠٥].
وقد انعقد إجماع المسلمين على أن القرآن الكريم هو أساس الدين والشريعة حتى صار ذلك عندهم مما علم من الدين بالضرورة))( ).
ولعلنا لا نجانب الفهم الصحيح إذا قلنا: إن ما سبق من الآيات يقرر ترابطاً لا ينفك بين إعجاز القرآن وهدايته، هو ترابط ما بين المقدمات والنتائج، فغرض الإعجاز مقدمة نتيجته الهداية، أو إن شئت فقل: إن غرض الإعجاز أمر يسبق في التقرير غرض الهداية؛ لأن الناس إذا دعوا إلى العمل بمنهج ما فلا بد من قناعتهم بسلامة مصدر هذا المنهج حتى ينقادوا له على بصيرة وطمأنينة، والإعجاز - في هذا المجال – قد أدى الغرض فأوفى، فبه علم أن القرآن كلام رب الناس وخالقهم، والأعلم بما يصلح لهم ويصلحهم.
وبهذا يتضح موقع القرآن الكريم من رسالة الإسلام تقريراً واحتجاجاً، فهو الدليل الحق القاطع على صدق النبي-صلى الله عليه وسلم- وصدق رسالته العامة الخاتمة.
ثانياً: القرآن الكريم ونشر رسالة الإسلام
وبنفس خصائص الصدق حمل القرآن الكريم لواء نشر دعوة الإسلام، لما سار به المسلمون وقت الشدة في أوائل سني الدعوة يلتمسون الأمن والتمكين، أو بعد ذلك لما انطلقوا فاتحين لأقطار الأرض بالهدى والخير والعمران والعدل.
(أ) ففي وقت الشدة والتماس الأمن والتمكين يبرز لنا في هذا الصدد مثالان، كان القرآن فيهما بمجرد سماعه سبباً مباشراً في إسلام من سمعوه:
أول هذين المثالين: تجلى في حوار جعفر بن أبي طالب – معبراً عن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة – مع ملكها النجاشي وأساقفته، لما أرسلت قريش لاستعادة هؤلاء المهاجرين عنوة، وأوعزت إلى رسوليها إلى النجاشي عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة قبل إسلامهما أن يغريا النجاشي بالهدايا، ويثيراه بالدسّ والوقيعة ليسلم المهاجرين إليهما، وأبى النجاشي ذلك قبل أن يسمع من المسلمين، فتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال: ((أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام... فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا... فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك.. ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته – أي بللتها دموعه - وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون -أي لا يكيدهم أحد-))( ).
وفي النجاشي وأساقفته وانصياعهم للحق نزل قول الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ [المائدة: ٨٣ ]( ).
ثاني هذين المثالين: تجلى في قصة إسلام سعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير:
ومجمل ما جاء فيها على ما حدَّث ابن إسحاق في السيرة عن عبيد الله ابن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن مصعب بن عمير جاء مبعوثاً من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة ليعلِّم أهلَها القرآن، فنَزل على أسعد بن زرارة، الذي خرج به إلى حائط -أي بستان– من حوائط بني ظفر على بئر منها، واجتمع إليه رجال ممن أسلموا يعلمهم القرآن، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومِهما، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا بمصعب أرسل سعد بن معاذ أسيداً ليمنعه ويزجره، فلما رأى أسعد بن زرارة أسيد بن الحضير مقبلاً قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلِّمه، فوقف أسيد عليهما يشتمهما، وقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، وهددهما بالقتل، فقال له مصعب: أو تجلس وتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، فكلَّمه مصعب، وقرأ عليه القرآن، فلما سمعه قال: ما أحسن هذا وما أجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، ففعل، ثم عاد إلى سعد بن معاذ، فأنكر عليه سعد موقفه، وذهب بنفسه ليفعل ما لم يفعله أسيد، فكلمه مصعب بمثل ما كلم به أسيداً، وقرأ عليه القرآن فأسلم( ).
(ب) أما في الفتوحات، وما شهدته من وقائع دخول الناس في الإسلام عند سماعهم القرآن من المسلمين فالأمثلة أكثر من أن تحصى عدا، ولا يتسع المقام لذكرها، ويكفينا للدلالة على ذلك أن الدافع لخليفة المسلمين عثمان -رضي الله عنه- إلى جمع القرآن على حرف قريش؛ لَدرء الاختلاف في قراءته، كان لكثرة الداخلين في الإسلام من غير العرب من الأقطار المفتوحة الذين لا يتصور إكراههم على حفظ القرآن والشغف به وقراءته، فقد أسلموا لما عرض عليهم الإسلام وسمعوا القرآن، الذي أخذ بمجامع قلوبهم لما له من أثر لا يقاوم.
وخلاصة القول: أن القرآن يقع من رسالة الإسلام – كما قدمنا – موقع القلب من البدن، والروح من الجسد، سواء كان ذلك في كونه حجة لهذا الدين العظيم، أو حاملاً للواء نشره في العالمين.

المبحث الأول
موقف طوائف المكذبين للنبي- صلى الله عليه وسلم-
من القرآن (في عصر النبوة)
تمهيد: حديث القرآن عن مصدره:
لقد حسم القرآن الكريم في كثير من آياته قضية مصدره، وأنه بلفظه ومعناه وحي من عند الله –سبحانه وتعالى- وليس للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيه إلا: التلقي الواضح، والبلاغ الأمين، والبيان الشافي، فإذا قال معاند: تلك مجرد دعوى، قلنا: إنها صادقة في ذاتها صدقاً لا يتطرق إليه أدنى شك، ولم يقم الدليل على خلاف ذلك، وفصل القول في القضية: إعجاز هذا الكتاب الكريم، وسيأتي لذلك حديث في ختام البحث إن شاء الله تعالى، عند عرض أدلة العقل والنقل على كون القرآن من عند الله –عز وجل-.
ولكنا نبادر هنا: فنسوق بعض الآيات شواهد لذلك من القرآن على سبيل التمثيل لا الحصر: ففي سورة آل عمران يخبر الله تعالى بأنه الموحي لما نزَّل على أنبيائه من كتب، وفي مقدمة ذلك القرآن الكريم: ﮋ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ  ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ  ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ [آل عمران: ٢ – ٤].
وفي سورة الأنعام أمر للنبي-صلى الله عليه وسلم- بأن يعلن هذه الحقيقة تصريحاً: ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﮊ [الأنعام: ١٩].
وفي سورة النساء يؤكد الله تعالى حقيقة أنه منَزِّل القرآن: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ [النساء: ١٠٥].
ويتكرر تقرير هذه الحقيقة في أكثر سور القرآن من أوله إلى آخره، فيما يمكن أن نعده نوعاً من التذكير الدائم لقارئ القرآن وسامعه أنه يعيش مع وحي الله تعالى المنـزل على خاتم رسله، وهذه طائفة من تلك الآيات: ﮋﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮊ [يوسف:٢] ﮋ ﭵ  ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ  ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ  ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮊ [طه: ١ - ٤ ] ﮋ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ  ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮊ [الزمر: ١ - ٢ ] ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮊ [الشورى: ٧].
ويطول بنا المقام إذا نحن حاولنا استقصاء مواضع إخبار القرآن بهذه الحقيقة، وتقريره لها وتأكيدها.
وعلى الرغم من ذلك: فإن طوائف المكذبين من الكفار الوثنيين ومن على شاكلتهم من جهة، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى من جهة أخرى قد وقفت من القرآن ونبي الإسلام موقف العداء الذي اتخذ التكذيب والجحود والمكابرة وسائل للصد عن دين الإسلام، وفيما يلي بيان لموقف كل فريق:
أولاً: موقف كفار قريش ومن تبعهم من القرآن الكريم:
لقد وقف كفار قريش من أول الأمر موقف العداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحتى يوهموا غيرهم أنهم على شيء، زعموا أن القرآن الذي يُدعون إلى الإيمان به ليس وحياً من عند الله، بل هو كذب واختلاق.
ولقد اضطربت أحوالهم في ذلك اضطراباً شديداً، فتارة يزعمون أن القرآن كلام مفترى اختلقه النبي-صلى الله عليه وسلم- من عند نفسه:
ﮋ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮊ [سبأ: ٤٣].
وتارة يقولون: إن النبي-صلى الله عليه وسلم- استعان في القرآن بآخرين، أو أن هذا القرآن أساطير الأولين أمليت عليه فدوّنها، وراح يتلوها على الناس: ﮋﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ [الفرقان: ٤ – ٥].
على أن المتأمل في موقفهم هذا من خلال ما حكاه القرآن من مقولاتهم، وسطره التاريخ عنهم يتبين في هذا الموقف معالم ثلاثة تنطق بحيرتهم، وضلالهم، وكذبهم، وفي النهاية إصرارهم على الكفر.

أول هذه المعالم: التخبط الذي يكشف عن جهلهم وحيرتهم وظلام أنفسهم.
وهم في هذا المجال: تارة يسوقون التهم جزافاً، ففي آية واحدة يقص الله تعالى من مقولاتهم صوراً متعددة من الاتهامات، لا يركنون إلى واحد منها؛ لسبب بديهي هو: أنه ليس شيء منها يصدق على القرآن: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮊ [الأنبياء: ٥].
وتارة تكون حقيقة كون القرآن وحياً أثقل من أن ينكروها، فيصرفون اتهامهم عن القرآن إلى من أنزل عليه، فيتضمن كلامهم الإقرار بأن القرآن مُنَزَّلٌ، ولكنه نزل على من ليس أهلاً لذلك؛ لفقره: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﮊ [الزخرف: ٣١].
وتارة يقرون بصدق المنَزَّل وأهلية المنَزّل عليه، ولكنهم ينكرون كيفية إنزاله: ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﮊ [الفرقان: ٣٢].
وتارة أخرى يُعييهم الاعتراض فيطلبون قرآناً غيره: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﮊ [يونس: ١٥].
وذلك كله ينطق بتخبطهم في إنكار حق لا يجدون وجهاً لإنكاره، أو دليلاً على عدم صحته.
المَعْلَم الثاني من معالم موقف الكفار من القرآن: التكلف والتعسف لتسويغ موقفهم المكذب للقرآن:
وذلك يتجلى واضحاً في حيرة بعض فصحائهم عندما استمع إلى القرآن فلم يجد أحسن منه كلاماً، وأفصح منه لفظاً، وأرقى منه فكراً، فعاد إلى قومه بهذا الرأي في القرآن، فنهروه ولم يرضوا منه إلا أن يقول في القرآن قولاً يناسب ما هم عليه من كفر وتكذيب به.
وهذا ما جاء مفصلاً في حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً كثيراً، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قِبَله، قال: قد علمتْ قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز، ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنَزلت: ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ( ).
وتمام ما نزل من القرآن في هذا الرجل قول الله تعالى: ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ  ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ  ﯼ ﯽ  ﯿ ﰀ ﰁ  ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ  ﰈﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ  ﰏ ﰐ  ﭑ ﭒ ﭓ  ﭕ ﭖ ﭗ  ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ  ﭡ ﭢ ﭣ  ﭥ ﭦ ﭧ  ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ  ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﮊ [المدثر: ١١ – ٢٥].
والآيات الكريمة تصور مدى المعاناة في تقرير باطل يصادم الحق، فهذا الكافر يكدّ ذهنه ويعتصر قريحته، ويقطب جبينه، وهو يعاني ميلاداً عسيراً لفكرة يعيب بها القرآن الكريم فلا يجد شيئاً من ذلك، ويتصاعد ما به فيعبس وجهه، ويتغير لونه، ولا ينتهي إلى شيء فيه مقنع، وبدلاً من قبول الحق يدبر عن ذلك، ويقول في القرآن قولاً هو في قرارة نفسه لا يصدقه: ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﮊ ولكنه التكلف للكفر، والانتصار للباطل!
المعلم الثالث: الإصرار على الكفر بعد ظهور الحق وغلبة حجته:
وذلك يتمثل في رفض الإذعان للحق في الإيمان بالقرآن عناداً واستكباراً، بل دفعهم العناد إلى رفض الإيمان بأي وحي قبل القرآن:
ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﮊ [سبأ: ٣١].
لقد كان الكفار يتواصون فيما بينهم بعدم الاستماع إلى القرآن، والتشويش على من يتلوه؛ خشية من أن يتأثر سامعوه فتنهار مقاومتهم لهذا الحق بحجته الصادقة، وبرهانه الناصع: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ [فصلت: ٢٦].
وهكذا تقلب موقف كفار قريش من القرآن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين: اتهام باطل لا يستند إلى دليل، وتخبط بين دعاوى لا يصح منها شيء، ومكابرة وإصرار على الكفر رغم وضوح الحق، كل ذلك والقرآن يقذف بالحجة تلو الحجة، والبرهان إثر البرهان في وجوه هؤلاء الأفاكين، ومن قال بقولهم ولف لفهم إلى يوم الدين.
ثانياً: موقف أهل الكتاب من اليهود والنصارى من القرآن الكريم:
يختلف موقف هؤلاء عن سابقيهم من الكفار، فالجرم في جانبهم أفدح، والضلال في موقفهم أوضح؛ لأنهم أهل كتاب، عرفوا الحق فأنكروه بغياً وحسداً من عند أنفسهم أنْ لم تكن فيهم النبوة، على الرغم من أن كتبهم حدثتهم بصدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يبعث أو يأتي زمانه.
لقد جاءت آيات القرآن الكريم تسجل هذه الحقائق، وتصف هؤلاء المعاندين الجاحدين بما يستحقون: قال الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﮊ [البقرة: ٨٩].
وقال سبحانه: ﮋ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [البقرة: ١٠١].
وقال –عز وجل-: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ [البقرة: ١٤٦].
وقال –عز وجل-: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ [الأنعام: ١١٤].
ولقد قصت السيرة علينا الكثير من نبأ هؤلاء المعاندين، ومن أبرز ما ذكرته قصة حُيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر، قصتها أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب -رضي الله عنها- قالت: ((كنت أحبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين( ) قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالّيْن( ) كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت))( ).
وفي المقابل سجل القرآن موقف الفريق الذي عرف الحق من هؤلاء فاتبعه، قال الله سبحانه: ﮋ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﮊ [القصص: ٥٢ – ٥٣].
وقال تعالى: ﮋ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ [العنكبوت: ٤٧].
ولعل من أبرز الأمثلة لهذا الفريق مخيريق الذي يروي ابن إسحاق قصته فيقول: ((وكان من حديث مخيريق، وكان حبراً عالماً، وكان رجلاً غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد -صلى الله عليه وسلم- يصنع فيها ما أراه الله، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم فيما بلغني- يقول: مخيريق خير يهود، وقبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمواله، فعامة صدقات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة منها))( ).
وفي سياق تقرير وشرح بشارة التوراة بالنبي-صلى الله عليه وسلم- وكونه النبي المنتظر يذكر الشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي المثالين السابقين في نهاية عشرة أوجه لإحدى بشارات التوراة بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ثم يعلق قائلاً: ((فتلك عشرة كاملة))( ).
هؤلاء الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب فاتبعوه كانوا قلة إذا ما قيسوا بالذين عرفوا الحق فجحدوه، وهو ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر موقف أهل الكتاب من القرآن، وقد علل القرآن نفسه لهذا الموقف – خاصة اليهود – بأنه الحسد البغيض للنبي-صلى الله عليه وسلم- لما أنعم الله عليه بالرسالة وهو الحسد الذي دفعهم إلى محالفة كفار قريش على مستوى السيف قتالاً، كما حدث منهم في غزوة الأحزاب، وعلى مستوى شهادة الزور مقالاً، كما ورد في قوله تعالى: ﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ  ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ  ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ  ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮊ [النساء: ٥١ – ٥٥].
فعن ابن عباس -رضي الله عنهم- قال: ((قدم حيي بن أخطب وكعب ابن الأشرف مكة على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم والكتاب الأول، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء -يعني الناقة المرتفعة السنام- ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة –الأسارى- ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام، قالوا: فما محمد؟ قالوا: صنبور – يعني لا عقب له – قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، قالوا: بل أنتم خير منه وأهدى سبيلاً، فأنزل الله -عز وجل-: ﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﮊ الآية))( ).

المبحث الثاني
موقف المستشرقين من مصدر القرآن الكريم
تمهيد: لماذا ركز المستشرقون هجومهم على مصدر القرآن الكريم؟
إذا استدعينا ما قلناه في المقدمة عن الحرب الفكرية الضارية التي شنها على الإسلام أعداؤه من أحزاب الكفر، وكذلك ما ذكرناه في التمهيد: عن موقع القرآن الكريم من الإسلام في أمر تقرير حقيته، وحمل لواء نشره، فإن الجواب على السؤال المطروح هنا يكون ميسوراً.
وبوضوح نقول: لقد ركز المستشرقون -في حربهم على الإسلام- هجومهم على القرآن؛ لأنه معجزة هذا الدين، ومنهجه في العقيدة والتشريع -كما ذكرنا- فإن نجحوا في النيل من القرآن -ولن يفعلوا- فقد نالوا من الإسلام.
واختص هؤلاء في الهجوم مصدر القرآن بغرض إهدار قدسية كونه وحياً معصوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى يصبح في خطوة أولى نصا قابلاً للنقد في محتواه، وفي خطوة أخرى يطرح ادعاء قصور هذا المحتوى، وعدم ملاءمته لمقتضيات الحياة وتطورها، بل مصادمته لها، حتى يتم لهم ما أرادوا من الطعن في هذا الدين القيم الذي ختمت برسالته الرسالات، وهذا الكتاب العظيم الذي نزل مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه.
وهذا المبحث الذي يمثل لب الموضوع وجوهره يعالج هذه القضية، فيعرض دعاوى القوم هنا، ويردها ويفندها وذلك في مسائل يأتي تفصيلها فيما بعد، لكن قبل ذلك نؤكد أن باعث المستشرقين وهدفهم في نقطة بعنوان:
المنطلق والغاية:
يتظاهر المستشرقون بالتجرد في البحث العلمي عندما يشككون في القرآن، وينطلقون من هذه القاعدة، وهدفهم إنكار أن يكون القرآن وحياً إلهيا، وإثبات أنه كلام بشري، أنشأه محمد -صلى الله عليه وسلم- أو انتحله عن غيره.
لقد جعل المستشرقون هذا الأمر محور بحثهم، ولقد بلغ من تنكرهم لقواعد البحث العلمي في هذا المجال أنهم لم يجعلوا ما يهدفون إلى تقريره فرضية علمية يعملون على إثباتها، ولكنهم جعلوه أمراً واقعاً يلتمسون له التعليل والتفسير، وما نسوقه هنا ليس كلاماً مرسلاً، ولكن يؤكده أن واحداً من أهم أعمال المستشرقين في دراستهم للإسلام وعلومه، وهو دائرة المعارف الإسلامية عند مادة القرآن الكريم انطلق في نفي الصبغة الإلهية عن القرآن من تلك الحقيقة.
ونحن نسوق هنا كلامهم في هذا الصدد، وسنورد عبارتهم على طولها دون تجزئة لتتضح الصورة أمام القارئ، ثم نعود إليها بالتحليل والنقد، لنرى أنهم -فيما تناولوه- يهدفون يقيناً إلى التشكيك في كون القرآن الكريم وحياً إلهيا، ليس للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيه -كما قدمنا- إلا التلقي الواضح، والبلاغ الأمين، والبيان الشافي، وليكن عندهم بعد ذلك ما يكون من أن القرآن من كلام النبي-صلى الله عليه وسلم- أو من تعليم غيره.
يقول محرر مادة (القرآن)( ) تحت عنوان: محمد -صلى الله عليه وسلم- والقرآن: ((ارتبط القرآن الكريم بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بحيث لا يمكننا فهم أي منهما دون فهم الآخر، ونظرة المسلمين السنة لا تعدو أن يكون الله –سبحانه وتعالى- هو المتحدث، وأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو المتلقي، وأن جبريل هو الوسيط الموكل به توصيل كلام الله ((الوحي)) إلى محمد-صلى الله عليه وسلم- بصرف النظر عن المتكلم ((جبريل)) المتلقي، أو المخاطب ((محمد-صلى الله عليه وسلم-)) لكن تحليل النص القرآني يظهر لنا أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك.
إذ لا توجد إشارة قط إلى مصدر الوحي أو صيغة المتكلم في السور والآيات التي يظهر أنها أقدم ما نزل من القرآن الكريم، ففي بعض الآيات ليست هناك أدنى إشارة إلى أن هناك رسالة من الله-سبحانه وتعالى-، انظر على سبيل المثال الآيات من 1 إلى 10 من سورة الضحى( )، وكذلك القارعة والتكاثر والعصر.
ونورد هنا الآيات الكريمة المشار إليها على التوالي: ﮋ ﭑ ﭒ  ﭔ ﭕ ﭖ  ﭘ ﭙ ﭚ  ﭜ ﭝ ﭞ  ﭠ ﭡ ﭢ  ﭤ ﭥ ﭦ  ﭨ ﭩ ﭪ  ﭬ ﭭ ﭮ ﮊ الآيات.
وما جاء في سورة القارعة: ﮋ ﭜ  ﭞ ﭟ  ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﮊ الآيات.
وفي سورة التكاثر: ﮋ ﮋ ﮌ ﮎ ﮏ ﮐ ﮊ الآيات، وفي سورة العصر: ﮋ ﭑ  ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﮊ الآيات، وفي بعض الآيات الأخرى يبدو وكأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو المتحدث كما في سورة التكوير: آية 15-21 وسورة الانشقاق: آية 16-19.
وفي المرحلة المدنية الباكرة نجد في الآية 97 من سورة البقرة ما يشير إلى أن جبريل-عليه السلام- هو الموكول إليه الوحي: ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮊ، واعتماداً على هذه الآية الكريمة وعدد من الأحاديث الشريفة فسّر المفسرون الروح في الآية السابقة وفي سورة الشعراء الآية 194 على أن المقصود بها هو جبريل –عليه السلام-.
وقد أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتابة القرآن -تدوينه كتابة- وجمعه، وقد تم جزء من هذا العمل -كتابة النص القرآني وجمعه- أيام محمد -صلى الله عليه وسلم- وبتوجيه منه، وتشير أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى توجيهاته فيما يتعلق بترتيب النص القرآني، وتتابع الآيات. ((راجع باب فضل القرآن في صحيح البخاري، وباب الصلاة في سنن أبي داود، كما تعرّض ابن سعد لهذه المسألة)).

ومن غير المستبعد أن يكون محمد -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحيان يكتب بنفسه ما يوحى عليه من القرآن الكريم، ويمكن أن يفهم ذلك من الآية الكريمة التالية:
سورة الفرقان، الآيات 4-6: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ  ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ  ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮊ لكن بشكل عام فمن المفهوم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان له كتبة خاصة في المرحلة المدنية يكتبون ما يمليه عليهم من الوحي( ).
وعند تجميع النص القرآني في عهد الرسول-صلى الله عليه وسلم- اقتضى الأمر بعض المراجعات والتغييرات كما يفهم من النص القرآني ذاته، ففي الآية 106 من سورة البقرة: ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ وفي آية 101 من سورة النحل: ﮋ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﮊ))( ).
ونتوقف مع هذا النص لنرى ما يهدف إليه: إشارة أو تصريحاً تجاه اعتقاد كاتبه في مصدر القرآن الكريم:
1- يقتضينا إنصاف أنفسنا أن نقول: إننا لا نقف ابتداء موقف التربص بالآخرين لتصيد الأخطاء، بل إننا ننحاز مباشرة إلى الصواب الذي ينطق به العقل عندما نجده من كلامهم أو كلام غيرهم، ومن هذا المنطلق: فإننا نتفق مع كاتب المقال فيما استهل به عبارته بقوله: ((ارتبط القرآن الكريم..)) إلى قوله: ((... دون فهم الآخر)).
ذلك أن نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- قد بدأت بالوحي في غار حراء: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮊ [العلق: ١ ] وعليه فلم يعرف العالم بشأن ما نزل من القرآن إلا من خلال محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم تعرف نبوته -صلى الله عليه وسلم- إلا بما تلا وبلغ من القرآن الكريم، فكان أول تصريح له -صلى الله عليه وسلم- بشأن ما حدث هو ما جاءه به جبريل-عليه السلام-، قال ذلك لخديجة – رضي الله تعالى عنها – التي ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكان الحوار الذي قصته علينا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في حديث بدء الوحي:
قالت: ((أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد، قبل أن ينْزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ  ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ  ﮆ ﮇ ﮈ ﮊ فرجع بها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى – ابن عم خديجة – وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأى فقال له ورقة: ((هذا الناموس الذي نَزَّل الله على موسى))..))( ).
لكن الغمز والتلبيس والتشكيك يبدأ في كلام الكاتب بعد هذا الاستهلال مباشرة:
2- أما الغمز:
فنطالعه في قول الكاتب: ((ونظرة المسلمين السنة لا تعدو أن يكون الله سبحانه هو المتحدث...)) إلى آخره.
فتقييد المسلمين في هذه العبارة بأنهم السنة تعطي انطباعاً بأن هناك مذاهب في الإسلام لا ترى في القرآن هذا الرأي من كونه وحي الله تعالى إلى رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- كما حدث في نظرة المسيحيين تجاه المسيح من اتساع خلافهم واحتدامه حول مفهوم وطبيعة عيسى -عليه السلام- إلى درجة التناقض وعدم التلاقي، وهذا ليس وارداً بأي حال في موقف جميع المسلمين من القرآن الكريم، فإجماعهم قائم على أن القرآن كله كلام الله تعالى نزل به جبريل –عليه السلام- على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن ما نقرؤه اليوم، وبعد اليوم إلى قيام الساعة هو بلفظه ما أنزله الله تعالى على النبي -صلى الله عليه وسلم- دون زيادة حرف أو نقصانه أو تغييره.
3- وأما التشكيك: فيأتي بعد ذلك مباشرة:
وذلك في قول الكاتب: ((لكن تحليل النص القرآني يظهر لنا أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك..)) إلى آخره.
ولنا مع الكاتب هنا وقفتان:
الوقفة الأولى:
نكشف فيها عن مغالطة واضحة باعثها الرغبة في إثبات ما افترضه من كون القرآن ليس وحياً، ذلك أن الكاتب يدعي أنه: لا توجد إشارة قط إلى مصدر الوحي أو صيغة المتكلم في أقدم السور نزولاً، وساق في هذا المجال سوراً مكية من أوائل ما نزل مثل: الشمس والقارعة والتكاثر والعصر، وذكر الآيات تفصيلاً للتدليل على ما يقول.
ونحن نعجب أشد العجب؛ لأن الكاتب – ولا أظنه إلا عامداً – ترك سوراً فيها التصريح بمنـزل القرآن، وتعدد ضمائر العظمة للمتكلم سبحانه فيها، وهي أسبق في النـزول من السور التي ذكرها، أعني بذلك سورة المزمل، وهي الثالثة في ترتيب النُّزول، وفيها يقول الحق –عز وجل-:
ﮋ ﭑ ﭒ  ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ  ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ  ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ  ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﮊ [المزمل: ١ - ٥ ] والقول الثقيل هو القرآن في قول جميع المفسرين.
وفي سورة المدثر، وهي الرابعة في النُّزول – وفق ما أورده السيوطي رحمه الله تعالى من رواية الثقات( ) –يقول الله –سبحانه وتعالى-: ﮋ ﮬ ﮭ  ﮯ ﮰ  ﯓ ﯔ ﮊ [المدثر: ١ - ٣ ] والإنذار إنما هو بالقرآن الذي نزل من قبل في سورة العلق، وجاء في آياتها كذلك قوله الله-سبحانه وتعالى- بضمير التكلم: ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ [الآيات: 11-26].
يترك المؤلف ذلك ويذكر سور: (العصر) وهي الثانية عشر في النُّزول، و (الشمس) وهي السادسة والعشرون، و(القارعة) وهي الحادية والثلاثون.
الوقفة الثانية:
أن كلام الكاتب لا يصلح دليلاً على ما يريد الاستدلال عليه، ولا يصمد أمام أي نقد علمي جاد، فإما أن القرآن كله من مصدر واحد، أو أنه أبعاض متعددة المصادر، وهذا الأخير لم يقل به أحد، بل القرآن كله من معين واحد هو الوحي الإلهي.
ولقد صرحت آيات القرآن في مواضع كثيرة بأن منَزله كله هو الله تعالى، وأنه حافظه إلى يوم القيامة، ونذكر هنا بعض هذه الآيات وليس كلها؛ خشية الإطالة:
ففي سورة الإنسان يقول الله –سبحانه وتعالى-: ﮋ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﮊ [٢٣] وفي سورة طه يقوله –سبحانه وتعالى-:
ﮋ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﮊ [١١٣]، وفي سورة الحجر إخبار بأن الله –عز وجل- هو منَزل القرآن المتعهد بحفظه: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ [٩].
فهل يعقل حتى يستقيم الأمر في ذهن كاتب المقال هذا أن يأتي التصريح في كل آية من آيات القرآن وعددها: 6236 آية بأن منَزل القرآن هو الله، وأن الذي نزل به جبريل، وأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو المُتلقي، وكيف تكون بلاغة القرآن وإعجازه عندما يصاغ الأمر على هذا النحو، وأترك للقارئ بعد ذلك أن يحكم على هذا المسلك العلمي للمستشرقين!
4- نأتي إلى الفقرة الأخيرة من كلام دائرة المعارف الذي نقلناه من قبل:
والتي يقول فيها الكاتب: ((وعند تجميع النص القرآني في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- اقتضى الأمر بعض المراجعات والتغييرات كما يفهم من النص القرآني ذاته)).
الكاتب هنا يشير إلى قضية النسخ، ولكنه يستخدم عبارة: ((المراجعة والتغيير)) ليتوهم القارئ أن ذلك لم يكن يتم بوحي، وإنما من قبل النبي-صلى الله عليه وسلم- لظروف اقتضت ذلك، وربما – بناءً على ما تقدم من كلامه في شأن مصدر القرآن – يرجع الضمائر في قوله: ((ننسخ، نأت)) وفي قوله: ((بدلنا آية)) إلى النبي-صلى الله عليه وسلم-... وقد بينا من قبل ما يدل على أن القرآن بآياته وكلماته وحروفه من عند الله رب العالمين.
أما قضية النسخ في ذاتها: فلها حديث آخر ليس موضعه هذا البحث، ولكن في عجالة نقول: النسخ هو: رفع حكم شرعي سابق بخطاب شرعي متأخر عنه، والناسخ والمنسوخ كلاهما من عند الله تعالى، ليس للنبي-صلى الله عليه وسلم- إلا التلقي والبلاغ، وقد وقع النسخ في شريعة الإسلام كما وقع في الشرائع السابقة، فقد ورد أن آدم –عليه السلام- كان يزوج الأخ من أخته، وقد حرم ذلك في شريعة موسى-عليه السلام- وما بعدها، وليس هذا مجال التفصيل في هذا الأمر.
وباستعراض ما سبق: فإنه قد ظهر جليا: أن الوحي ليس هو مصدر القرآن في رأي هؤلاء المستشرقين في دائرة المعارف الإسلامية، وهي من أهم دراساتهم عن الإسلام وأكثرها شيوعاً.
فماذا يكون مصدره عندهم بعد هذا الجهد – غير المشكور – الذي بذلوه في محاولة نزع صفة الوحي عنه زوراً وبهتاناً؟ لقد ادعوا في ذلك دعاوى باطلة، نوردها مقرونة بإبطالها ونقضها فيما يلي:
أولاً: دعوى أن مصدر القرآن الكريم النبي-صلى الله عليه وسلم- نفسه، ونقض هذه الدعوى:
المتتبع لموقف جموع المستشرقين من القرآن الكريم يجد أن محصلة العقيدة الاستشراقية في نهاية الأمر تجزم بأن القرآن الكريم من كلام محمد-صلى الله عليه وسلم- وأنه – أي القرآن – يمثل ثمرة معاناة محمد -صلى الله عليه وسلم- النفسية، ويعكس الصراع والتطور النفسي له( ).
قال المستشرق الإنجليزي الدكتور (سنكلير تسدل) في كتابه: ميزان الحق ص372: ((إذا اتفق المسلمون على أن القرآن من تأليف محمد، وكتب بالوحي؟؟ وليس كما يقولون: إنه أملاه عليه جبرائيل لكانت حجتهم أقوى)) ا.ﻫ.
وقال المستشرق الإنجليزي (جورج سيل) في كتابه: مقالة في الإسلام ص 116: ((ومما لا شك فيه، ولا ينبغي أن يختلف فيه اثنان أن محمداً هو في الحقيقة مصنف القرآن وأول واضعيه، وإن كان لا يبعد أن غيره أعانه عليه كما اتهمته العرب، لكنهم لشدة اختلافهم في تعيين الأشخاص الذين زعموا أنهم كانوا يعينونه، وَهَتْ حجتهم، وعجزوا عن إثبات دعواهم، ولعل ذلك لأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- كان أشد احتياطاً من أن يترك سبيلاً لكشف الأمر))ا.ﻫ.
وقال صاحب ذيل (مقالة في الإسلام في تعليقه على قول (جورج سيل) في الصفحة المذكورة نفسها: ((قال بعض العرب كما ذكره الزمخشري والبيضاوي في سورة 16: 105، 25: 5، 6 ((أعانه عليه جبر الرومي مولى عامر بن الحضرمي وكان قارئاً كاتباً، وقال الآخرون منهم: بل أعانه اثنان من الموالي يعملان السيوف بمكة، وكان لهما حظ من القراءة فكان محمد إذا مر بهما وقف، واستمع ما يقرآن ووعاه)) ( ) ا.ﻫ.
وقال فللوزن( ): ((ويبرز في القرآن شأن القدرة الإلهية تارة، وشأن العدل الإلهي تارة أخرى، وذلك بحسب ما كان يحس به النبي-صلى الله عليه وسلم- دون مراعاة للتوازن بين الطرفين، ولا يشعر محمد -صلى الله عليه وسلم- بما في ذلك من تناقض؛ لأنه لم يكن فيلسوفاً، ولا واضعاً لمذهب نظري في العقائد))( ).
ويعلق الأستاذ محمد قطب( ) على ما قاله فللوزن بعد نقله بقوله: ((وبصرف النظر عن كون المؤلِّف يَنسبُ القرآنَ إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو أمر يشترك فيه المستشرقون جميعاً بطبيعة الحال، فإن المؤلف يضيف إلى ذلك أن هناك تناقضاً وعدم توازن في القرآن؛ لأنه يبرز شأن القدرة الإلهية تارة، وشأن العدل الإلهي تارة أخرى، ثم يردّ ذلك إلى الحالة النفسية الخاصة التي يكون عليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقت ((التأليف)) ثم يقول إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يشعر بذلك التناقض؛ لأنه ليس فيلسوفاً ولا مفكراً عقائديا!)) ا.ﻫ.
وقبل أن نأخذ في نقض هذه الدعوى نود أن نبين مدى استهانة أدعيائها بالبحث العلمي ومنهجه خاصة فيما يتعلق بما قاله صاحب: ((ذيل مقالة في الإسلام)) مما نقله عن الزمخشري من قوله: ((قال بعض العرب..)) إلى آخره، فقد تعمد الكاتب بتر كلام الزمخشري للإيهام بموافقته على ما قاله المُدَّعون بأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- تعلم القرآن من غيره.
فنص كلام الزمخشري: ((أرادوا بالبشر: غلاماً كان لحويطب بن عبدالعزى عند تفسير قول الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﮊ [النحل: ١٠٣] قد أسلم وحسن إسلامه، اسمه ((عائش)) أو ((يعيش)) وكان صاحب كتب، وقيل: هو ((جبر)) غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي، وقيل: عبدان: ((جبر، ويسار)) كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن، فقالوا: يعلمانه، فقيل لأحدهما، فقال: بل هو يعلمني))( ).
والأمانة العلمية تقتضي أن نقول: إنه بعد طول عناء وصبر في بحث ما ذكره المفسرون حول هذه المسألة نجد أن التفاسير المسندة مثل الطبري وغيره قد اقتصرت فيما نقلته على عبارة: (فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقف عليهما يسمع ما يقرآن، فقالوا: يعلمانه) ولم تذكر عبارة: (فقيل لأحدهما، فقال: بل هو يعلمني).
ولسنا هنا بصدد مناقشة الرواية في إسنادها وتوثيقها، إذ إن الكاتب قد نقل عبارة الزمخشري دون غيره، بما فيها عبارة (بل هو يعلمني)، فحاكمناه إليها وقد أغفل الكاتب نقل هذه العبارة، وفي هذا ما يدل على استهانته بأمانة البحث العلمي من جهة، كما يرد الدعوى من أساسها من جهة أخرى، وعلى كل فإن المعول ليس على ذلك وحده كما سنبين.
والآن: إلى نقض هذه الدعوى:
بداية نقول: إن دعوى المستشرقين تلك دعوى كاذبة، وباطل مفضوح، لا يقبله عقل، ولا يؤيده نقل، ولا يقره واقع، لما يلي:
(أ) لو كان القرآن الكريم من كلام محمد-صلى الله عليه وسلم- لما حار العرب في أمره، ولما اختلفوا وتخبطت آراؤهم فيه، ولما ترددوا بين الثناء عليه – كما فعل الوليد بن المغيرة مما سبق ذكره – واتهامه بكونه أساطير الأولين تارة أخرى، بل كانوا أجمعوا أمرهم على أنه من كلام النبي-صلى الله عليه وسلم- وتعاملوا معه على ذلك، ولَكِِنا رأينا أن اعتراضهم انصب تارة على القرآن، وتارة على كيفية إنزاله منجماً، وتارة على من أنزل عليه، وقد سبق بيان ذلك.
(ب) لو كان القرآن من إنشاء النبي-صلى الله عليه وسلم- لما عجز العرب عن معارضته، وفيهم الفصحاء والبلغاء مع أنه تحداهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، وقذف في وجوههم بقوة بهذا التحدي فعجزوا رغم حرصهم على معارضته وتكذيبه.
(ﺟ) لو كان القرآن من كلام محمد -صلى الله عليه وسلم- للزم أن يكون قبل البعثة قارئاً كاتباً، ليس ذلك فحسب، ولكن عالماً بكل قضايا المنهج القرآني في: الاعتقاد، والتشريع، والأخلاق، والمعاملات، وأن يكون على معرفة بقصص السابقين بالدقة المتناهية التي لم يستطع الأعداء إيجاد ثغرة فيها، والله تعالى يقول: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ [العنكبوت: ٤٨ ] والواقع التاريخي ينطق بذلك.
(د) وفصل الكلام الذي يقطع قول كل مدع في هذا الباب أن هذا القرآن لو كان من كلام محمد -صلى الله عليه وسلم- لحرص على إثباته لنفسه، ولما تبرأ من كونه قائله، بل كان يرى في نسبته إليه عزا وشرفاً، وطريقاً للسيادة إن كان يرومها.
ولفضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله تعالى – في بيان ذلك – كلام نفيس، نحرص على إثباته بلفظه؛ لما فيه: من وضوح الفكرة، ونصاعة الحجة، وبلاغة العبارة، قال رحمه الله تعالى: ((القرآن صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمد-صلى الله عليه وسلم- ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منَزل من عند الله بلفظه ومعناه. والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد.
في الحق إن هذه القضية لو وجدت قاضياً يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، وذلك أنها ليست من جنس الدعاوى فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع الإقرار الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، فأي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة؟ نقول: أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخاً؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها ما وجد من البشر أحداً يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيراً من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها، أو يسرقون منها ما خف حمله وغلت قيمته وأُمِنَت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة، أما أن أحداً ينسب لغيره أنفسَ آثارِ عقله وأغلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يلده الدهر بعد.
ولو أننا افترضناه افتراضاً لما عرفنا له تعليلاً معقولاً ولا شبه معقول، اللهم إلا شيئاً واحداً قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم، ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقولـه من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه لنفسه... وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه.
أما أنه فاسد في ذاته؛ فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه، والكلام المنسوب إلى الله تعالى، فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئاً، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه زائدة فيها شيئاً، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتهما في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء، فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته، لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأن سرّه وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق، وصرامة الحق في جليل الشؤون وحقيرها، وأن ذلك كان أخص شمائله، وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه))( ).
على أن المتأمل في بقية تعليق صاحب ((ذيل مقالة الإسلام)) من ادعاء تعليم البعض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن يجد أنه ادعاء أشد سقوطاً وبطلاناً من سابقه.
فالذين نُسِب إليهم ذلك هم من الموالي أصحاب الحرف الدنيا، الذين لا علاقة لهم بفكر أو علم أو ثقافة، فضلاً عن عجمتهم التي هي بمنأى عن العربية في كلامها العادي، بله قمة الفصاحة التي جاءت بها لغة القرآن الكريم، فهم -والأمر كذلك- بمعزل عن المجال كلية، ولو افترضناه جدلاً، لكان لهم أحد مسلكين: إما أنهم كانوا يصنعون ذلك لأنفسهم، فبدلاً من أن يعلّموا من يذهب بشرف النبوة دونهم كانوا يدّعونها هم، ولن يستطيع أن يمنعهم من ذلك، وإما أنهم كانوا يعلنون أنهم أساتذة هذا النبي الذين علموه، ولم يُحدِّث التاريخ بأي من الأمرين، فأي منطق يستقيم في عقل عاقل أن يزعم بعد ذلك أحد أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- تلقى القرآن عن غيره.
ثانياً: دعوى أن مصدر القرآن الكريم البيئة الجاهلية الوثنية، ونقض هذه الدعوى:
الأساس الذي بنى عليه المستشرقون موقفهم في هذه الدعوى وما قبلها هو: اعتقادهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يطلب زعامة سياسية، وسيادة دنيوية وجد في نفسه مقوماتها، وأن ظروف النشأة في مكة كانت مواتية لذلك.
يرى المستشرق (جب) ( ): ((أن مكة كانت فيها حياة زاخرة بالتجارة والسياسة والدين، وأنه وجدت فيها زعامة وزعماء، وأنه وجد ظلم اجتماعي بين سكانها، وأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- انطبعت في نفسه كل هذه الجوانب، وكان على وعي تام بها، وترى آثارها في حياته: في قرآنه وفي كفاحه إلى أن مات!
ويرى ((جب)) كذلك أن ثورة الرسول النفسية لم تبرز في صورة إصلاح اجتماعي، ولم يقم بها على أنه مصلح للحياة المكية الاجتماعية، وإنما برزت في صورة دينية، وفي صورة أنه رسول؛ وذلك لأنه أراد أن يستغل قيم المقدسات الدينية بمكة في الزعامة، والرواج الاقتصادي! ومعارضة المكيين إياه – لذلك – كانت معارضة في الزعامة السياسية، وخشية على ازدهارهم الاقتصادي من أن يضعف لو قبلوا دعوته، ولم تكن – معارضتهم إياه – بسبب العقيدة والإيمان! وإلا فالقرآن نفسه يدل على أن فكرة الوحدانية – وهي الفكرة الأساسية في الإسلام – كانت معروفة في غربي الجزيرة العربية))( ).
بعد ذلك يمكن أن يكون البحث في دعوى (أن البيئة الجاهلية مصدر القرآن) مبنيا على جملة من المقدمات وضعها المستشرقون ليستنتجوا منها نتائج لا تفضي إليها تلك المقدمات.
لقد حاول المستشرقون أن يجعلوا من رسالة الإسلام امتداداً – مع بعض التهذيب – للحركة الدينية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، ذلك أن مجتمع العرب – في نظرهم – قبل الإسلام كانت تتوافر فيه كل مقومات الحياة الدينية التي جاءت بها رسالة الإسلام من اعتقاد وتشريع وأخلاق.
ففي مجال الاعتقاد زعم هؤلاء أن العرب عرفوا التوحيد، ودانوا به، ولم يشركوا في عبادة الله، وفي مجال العبادات زعموا أن العرب كانوا يصلُّون، ويحجُّون ويعتمرون، وفي مجال الأخلاق زعموا أنهم اتصفوا بالعفة والشجاعة، والكرم وإغاثة الملهوف، وذلك هو ما جاء به الإسلام، فالأمر لا يعدو إذاً أن يكون القرآن نتاج هذه الحياة الراقية، وأن محمداً -صلى الله عليه وسلم - وهو أحد المكيين – لا يعدو أن يكون زعيماً استلهم حياة الجاهلية في عصره، وقدمها في كتابه الذي قال فيه إنه وحي، وإنه رسول.
يكرس هذا المعنى صاحب كتاب (الشعر الجاهلي) الذي تقوم فكرته على أن الحياة العربية الجاهلية لا تلتمس من أشعار العرب الجاهليين التي يرى أنها منتحلة مكذوبة عليهم، بما تمثله من غلظة وشدة وعدم تحضر، وإنما تلتمس من القرآن.
يقول المؤلف عن العرب في تلك الفترة: إنهم ((لم يكونوا على غير دين، ولم يكونوا جهالاً ولا غلاظاً، ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى.. كذلك يمثلهم القرآن، وإذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها مؤثرة فيها، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية، وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن ظهر في أمة جاهلة همجية))( ).
فالقرآن على ذلك في نظر المؤلف – وليس الشعر الجاهلي – هو أصدق مرآة للعصر الجاهلي. هذا المعنى قرره من قبل (رينان)( ).
يقول الدكتور/محمد عبد الله دراز: ففي مقال له أي (رينان) عن (محمد ومصادر الإسلام): ((عرض لنا صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد، وبدلاً من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا، وضع لنا شعباً آخر لم يعرف في حياته عن الله تعدداً ولا تنوعاً، وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد، كما نجح هذا المستشرق في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية، وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه، فبدلاً من هذه النـزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعاً في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات، وجميع الحضارات، بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل، وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- امتداداً للحركة الدينية التي سارت في عصره دون أن يسبقها محمد في أي جديد))( ).
والأمر بعد ذلك يحتاج إلى مناقشة هادئة:
ففي مجال التوحيد وعبادة الله وحده: أكان العرب في الجزيرة وما حولها موحدين حقا لا يشركون مع الله آلهة أخرى؟ وهل يستقيم هذا الادعاء وما عرفه القاصي والداني من تعدد أصنامهم التي يعبدونها أفراداً بتعدد أشخاصهم، وأسماءً بتعدد قبائلهم، حتى وضع حول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، دخل النبي-صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح وهي كذلك، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً))( ) كما ذكر القرآن - في مجال الإنكار عليهم - أسماء كبار أصنامهم: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ  ﮱ ﯓ ﯔ  ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ  ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ  ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﮊ [النجم: ١٩ – ٢٣].
وإذا كان هؤلاء موحدين – كما يزعم رينان – ففيم كان استغرابهم، ونفورهم وغضبهم عندما بعث النبي-صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى كلمة التوحيد –لا إله إلا الله– فقالوا منكرين: ﮋ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ  ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ  ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ [ص: ٥ – ٧].
فهذه آيات ثلاث من سورة (ص) وهي مكية، تبين الأولى منها: كيف أنكروا دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى التوحيد، وتصرح الثانية بإصرارهم على الشرك والصمود في وجه دعوة التوحيد، وتفيد الثالثة تقادم عهدهم بهذا الشرك.
أفبعد هذا يزعم زاعم أن التوحيد كان دين أهل مكة، وأن القرآن جاء امتداداً لتقرير تلك العقيدة؟!
وفي مجال العبادات يذكر القرآن الكريم نمطاً من تلك العبادة في صلاة المشركين التي كانت خليطاً من التصفيق والصفير والضجيج واللهو، يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﮊ [الأنفال: ٣٥ ]، فهل تلك هي الصلاة التي شرعها الإسلام في خشوعها وذكرها ودعائها وتجردها لله تعالى؟
وفي مجال الحج: كانت نداءات الشرك يضج بها المشركون حول الكعبة، تعلن الكفر الصراح، فعن ابن عباس -رضي الله عنهم- قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ويلكم قدٍٍ قدٍ))( )، فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت( ).
وفي مجال التشريع الذي يقوم عليه بناء المجتمع، وأساسه الأسرة، كان النكاح في الجاهلية في أكثر صوره ضروباً من الزنا الصريح، فجاء الإسلام فمحا كل صوره وأبطلها ولم يستبق منها إلا الصورة النقية المثلى التي شرعها الله تعالى لعباده.
فعن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها -: ((أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا: كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطَتْه به ودعي ابنَه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم))( ).
هذا إلى ما حكاه القرآن من وأد الأطفال [الأنعام: 140] وابتزاز المهور وإرث النساء والأقارب كرهاً [النساء: 19-21]، وظلم اليتامى [النساء: 2] والجشع وإهمال الفقراء وازدراء الضعفاء [الفجر: 17 – 20].
أما الكرم والشجاعة والنجدة وبقية قيم المروءة العربية المشهورة، فلم يكن منطلقها إيماناً أو ديناً كما يزعم المستشرقون، وإنما كانت ضروباً من المباهاة والتفاخر؛ لاستجلاب الثناء وحسن السمعة والذكر، وإلا فبجانبها كان الظلم والبغي والعدوان كما مر.
كانت تلك حياتهم في مجالاتها المذكورة، فجاء القرآن فدعا إلى: نقاء التوحيد، وسلامة العبادة، وعدالة التشريع، وطهارة الأخلاق.
أفبعد هذا كله يقال: إن البيئة الوثنية كانت مصدراً للقرآن في: العقيدة والتشريع والأخلاق؟ فهل يُخرج الحنظل شهداً، أو تنبت الجَلامِدُ ثمراً؟!

ثالثاً: دعوى أن مصدر القرآن الكريم هم الحنفاء، ونقض هذه الدعوى:
ما معنى الحنيفية التي ينسب إليها الحنفاء؟
مادة الكلمة (ح ن ف) تدل على الميل، وعليه فالحنيف مطلقاً هو: المائل من شرٍ إلى خير، أو من خيرٍ إلى شر، ومنه أُخِذ الحنَفُ، وحَنَف: مال، والحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان، أي يميل إلى الحق، وقيل: هو من أسلم في أمر الله فلم يَلْتوِ في شيء، قال أبو عبيدة في قول الله –عز وجل-: ﮋ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﮊ قال: من كان على دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب، وكان عبدة الأوثان في الجاهلية يقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم، فلما جاء الإسلام سموا المسلم: حنيفاً( ).
هذا هو معنى الكلمة في الإسلام، وإذا كان كل مسلم حنيفاً فإن التخصيص في التسمية لم تعد له ضرورة، بل هي صفة تذكر عند تعداد ما عليه المسلم من استقامة في منهجه.
أما الحنفاء إذا ذكروا في مضمار البحث التاريخي فهم أعداد متفرقون من الناس مالوا عن الوثنية وعبادة الأصنام إلى التوحيد، ولم تنتظمهم بعد ذلك شريعة واحدة، بل كان ظهورهم في أماكن مختلفة، وفي أزمان متباعدة: فظهروا في اليمن متأثرين بمبادئ التوحيد التي حملتها إليهم اليهودية والنصرانية... وظهروا في الجزيرة العربية امتداداً لدعوة أنبياء الله إبراهيم وابنه إسماعيل – عليهما السلام – فبقوا محافظين على شيء من تراث إبراهيم
-عليه السلام- من دعوة إلى الوحدانية ونبذ لعبادة الأصنام، والإقرار بالبعث والنشور، والحشر وتبشير المؤمنين بالجنة، وتخويف الكافرين من النار، والابتعاد عن الخمر ووأد البنات وسيِّئ الأخلاق))( ).
ومن أشهر الحنفاء الذين ظهروا في جزيرة العرب قبل البعثة (قس بن ساعدة الإيادي) كان يعظ الناس في أنديتهم، ويدعوهم إلى ما هو عليه من دين إبراهيم –عليه السلام-، خطب يوماً في سوق عكاظ( ) فكان مما قاله: ((تبا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا، بل هو إله واحد، وليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والأنثى، ربُّ الآخرة والأولى، أما بعد: فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ وأين العليل والعواد؟ كل له معاد، يقسم قس برب العباد، وساطع المهاد، لتحشرن على الانفراد في يوم التناد، إذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الأرض، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط، وأبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الأشهر، والنور الأزهر، والعرض الأكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير))( ).
وخطب يوماً فيه كذلك على جمل أحمر، فقال: ((يا معشر الناس اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وظلام، وليل وأيام، وبرّ وآثام، إن في السماء خبراً، وإن في الأرض عبراً.. إلى أن قال: يا أيها الناس: إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه))( ).
هذه الدعوة التي دعا إليها هؤلاء الذين أرقهم ضلال الناس وجهلهم، فأرادوا أن ينأوا بأنفسهم عنها إلى ما كان من دين إبراهيم –عليه السلام- هي التي جعلت المستشرقين يعتقدون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخذ منهم الوحي وكانوا مصدره فيما جاء به من القرآن.
ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين منهم (تسدال) و(مستر كانون رسل)( ) وهم في ذلك يُغفلون من الحقائق التاريخية والملابسات ما يفقدهم أي أساس أو سند في دعواهم، ويجعلها مجرد اتهام – باعثه الهوى – لا يستند إلى دليل، ونستطيع أن نقرر ذلك فيما يلي:
(أ) لم يثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جلس إلى هؤلاء أو تَعَلَّم منهم، وإذا كان هناك لقاء ببعضهم، كورقة بن نوفل -الذي كان قد تنصر -فهو لقاء عابر، سجلت الروايات ما حدث فيه، وذلك عندما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه بصحبة زوجه خديجة -رضي الله عنها- لإخباره بما كان من شأن الوحي، وقد اعترف له ورقة بالنبوة والرسالة، ولم يجلس منه حينها مجلس المعلم ولم يقل له: تلك آثار الحنيفية التي دعونا إليها، أو أن الرسالة ثمرتها.
(ب) كما أن هؤلاء الحنفاء أنفسهم – مع دعوتهم تلك – كانوا يتطلعون إلى نبي يبعث – فيجدد دين إبراهيم عليه السلام- ليتبعوه، ويسيروا معه على هذا الدين الحق، الذي يهديهم هذا النبي إليه بإذن الله تعالى، كما ورد قريباً في موعظة قس.
(ﺟ) هناك فرق كبير بين ما ورد في عظات هؤلاء الحنفاء للناس في أمر الاستدلال بالخلق على الخالق، والتوجيه إلى العمل الصالح، والاستعداد للموت والحشر، وبين المنهج الكامل الذي جاء به الإسلام في عقيدة التوحيد وأسسها، وتقرير العبادات وأركانها وصفاتها، والمعاملات ومنطلقاتها، والأخلاق ومقوماتها، والزواجر وحدودها، والموت والقيامة، وما بعدهما من الجزاء والحساب والجنة والنار، ذلك الدين القيم الكامل الحق.
وتمام القول في ذلك: أن من أدرك الإسلام منهم فأسلم، وهو ورقة بن نوفل، قد تبع النبي -صلى الله عليه وسلم- مصدقاً، ولم يجلس منه مجلس المعلم، ولم يدّع أن تلك الرسالة ثمرة تعاليمه هو وأضرابه من الحنفاء، وإنما تمنى أن يمتد به العمر عند معاناة النبي -صلى الله عليه وسلم- من قومه، ليكون في نصرته.
كما ورد -في سياق حديث عائشة رضي الله عنها- من قول ورقة للنبي-صلى الله عليه وسلم-: ((هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: ((أو مخرجي هم؟)) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً،ثم لم ينشب ورقة بن نوفل أن توفي))( ).
قال ابن حجر -رحمه الله تعالى- يرجح موت ورقة بعد ذلك بقليل كما يدل عليه ((ثم لم ينشب)): ((أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات))( ).
فأي منهج علمي – والأمر كذلك – يقرر في أدنى قدر من الثقة أن فكر الحنفاء كان مصدر القرآن، أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذه عنهم... هذا في ميزان الحق والعلم لا يستقيم!
رابعاً: دعوى أن مصدر القرآن الكريم اليهودية والنصرانية، ونقض هذه الدعوى:
كان من المفترض أن نفرد كلا من جانبي هذه الدعوى بمسألة، لكنا عدلنا عن ذلك؛ لأن ادعاء المستشرقين في هذا الصدد واحد، وهو كون القرآن منتحلاً من اليهودية والنصرانية، والرد على هذا الادعاء واحد وإن اختلفت بعض التفصيلات.
يزعم المستشرقون أن مصدر القرآن الكريم: هو اليهودية والنصرانية، وأنه في هذا الاستمداد قد جمع بين كتب اليهود والنصارى (التوراة والإنجيل) وبين التراث الذي خلفه علماؤهم، وقد ورد التصريح بذلك فيما كتبوه.
يقول جولدزيهر (1850-1921م)( ) في سياق تشكيكه في مصدر القرآن الكريم من خلال تعدد القراءات، وأن القرآن ليس له نص واحد مع كثرة المحاولات التي لم يحالفها التوفيق، يقول ما نصه: ((في آية 54 من سورة البقرة يدور الحديث حول غضب موسى حين علم بصنع بني إسرائيل عجلاً من ذهب وعبادتهم إياه، فهو يقول: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮊ أي فليقتل بعضكم بعضاً، أو بالمعنى الحرفي للنص: فاقتلوا أنفسكم بأنفسكم، وهذا ينطبق في الواقع على ما جاء في سفر الخروج فصل 32 فصلة 27 الذي هو مصدر الكلمات القرآنية))( ).
ويقول في موضع آخر في تعميم يشمل الإسلام: ((وكما تقدم تعاليم الإسلام، حتى في مرحلته البدائية صورة من مذهبي الانتخاب والمزج (من اليهودية والنصرانية وديانة الفرس وغيرها) كذلك عملت آثار أجنبية من التجارب العلمية النافذة من المحيط الخارجي في تنمية ما جد بعد ذلك من المسائل))( ).
كما زعم نفس الزعم المستشرقون: (تسدال)، (ماسيه)، (أندريه)، (لامنْز) ( ).
ويقول المستشرق الألماني ((شاخت)) المولود 1902م( ) -موسعاً دائرة الاتهام في انتحال القرآن من غيره- تحت عنوان: ((محمد والقرآن)) ما نصه: ((إن محمداً قد ظهر في مكة كمصلح ديني، وأنه احتج بشدة على كفار مكة من أهل مكة واعتبروه كمجرد كاهن، أو عراف آخر، وأنه بسبب قوة شخصيته قد دُعِي إلى المدينة في عام 622م كحكم في نزاع قبلي بين أهل المدينة، وأنه كالنبي قد أصبح قائداً ومشرعاً، يحكم مجتمعاً جديداً على أساس ديني، وأن محمداً قد اقتبس من اليهود في المدينة كثيراً من الأحكام، إن روايات جمع القرآن ملفقة، لفَّقَهَا الفقهاء؛ وأصول الفقه وكذلك التشريعات الإسلامية منتحلة من القانون الروماني، والقانون البيزنطي، وقوانين الكنائس الشرقية، ومن التعاليم التلمودية، وأقوال الأحبار، ومن القانون الساساني. كل هذه القوانين والتعاليم والقواعد تَشَكَّلَ منها القانون الديني للإسلام))( ).
هذه هي الدعوى التي يدعيها المستشرقون ومن لف لفهم، وهي دعوى كاذبة في أصلها، مغرضة في هدفها، زائفة في شواهدها، منقوضة في كل جوانبها.
وقبل أن نخوض في الرد عليها يجب أن نحدد وجهة البحث في المسألة من أصلها ببيان علاقة القرآن الكريم بالكتب السابقة (التوراة والإنجيل).
تتمثل علاقة القرآن بما سبقه من الكتب، وفي مقدمتها (التوراة والإنجيل) في ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: التصديق لما جاء فيها من أصول الإيمان، وأصول الشرائع التي لم تمتد إليها يد التحريف؛ لأن أصل الدين واحد، فلا يعتبر التشابه هنا دليلاً على أخذ القرآن مما قبله، بل هي أصول واحدة تواترت عليها الكتب.
الجانب الثاني: الهيمنة، وهي بمعنى: الشهادة والحفظ والرقابة( ) وهي هنا تعني الحكم على ما في هذه الكتب من حيث النسخ أو الإحكام، ونحو ذلك، وفي تقرير الأمرين معاً يقول الله تعالى: ﮋ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮊ [المائدة: ٤٨].
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور في شرح الآية مبيناً كنه العلاقة في الجانين: ((وقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيد لبعض ما في الشرائع مقرر له، من كل حكم كانت مصلحته كلية لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مصدِّق، أي محقق ومقرر، وهو أيضاً مبطل لبعض ما في الشرائع السالفة، وناسخ لأحكام كثيرة من كل ما كانت مصالحه جزئية مؤقتة مراعى فيها أحوال أقوام خاصة))( ).
ولا يفوتنا هنا أن نذكر بأن هذا كله فيما لم تتناوله يد التحريف في هذه الكتب من أتباع النبيين الذين استحفظوا عليها فلم يحفظوها، وما أكثر ما بدلوا وغيروا فيها.
كما أنه ليس من قبيل استباق الأمور، أو المصادرة على النتائج أن نؤكد حقيقة كون القرآن كله معجزاً محكماً متقناً لا يعتريه أدنى خلل، وتلك قضية قامت عليها أدلة الإعجاز، ولا تحتاج إلى دليل وراءه، والغرض من هذا التأكيد بيان أن ميزان الحكم القرآني على تلك العلاقة بينه وبين الكتب السابقة ميزان عدلٍ واحدٍ لا يتغير.
الجانب الثالث: من علاقة القرآن بما سبقه من الكتب: كشف ما فعله أهل الكتاب في شأن رسلهم، وما أجرموه في حقهم وحق كتبهم، وهذا الجانب هو موضوع الحديث، وهو الفيصل في نقض دعوى المستشرقين انتحال القرآن من اليهودية والنصرانية.
لقد سجل عليهم القرآن الكريم، وكشف من أفعالهم ما يلي:

1- كتمانهم الحق في كتبهم:
قال الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ [البقرة: ١٤٦ ] والمراد بكتمان الحق في هذه الآية هو كتمان نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- التي نوّه بها في كتبهم، وقد مر تفصيل ذلك في المبحث الثاني عند بيان موقف اليهود من القرآن الكريم.
2- تحريفهم لتلك الكتب بتغيير ما فيها من أحكام:
قال الله تعالى: ﮋ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﮊ [المائدة: ٤١].
فمما غيروه مما يوافق أهواءهم حد الزنا، وكانوا يتآمرون فيما بينهم: إن حكم النبي-صلى الله عليه وسلم- بما يوافق ما غيروه قبلوه، وإلا ردوه، وهذا معنى: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ.
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-: ((أن اليهود جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم...)) الحديث( ).
ولا يقال بأن الذي أرشد النبي-صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك عبدالله ابن سلام، فالوحي هو الذي جعله -صلى الله عليه وسلم- يسألهم عن حكم الزنى في التوراة، لما يعلم من كذبهم، وإنما ساعد عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- في تحديد موضع عقوبة الرجم في التوراة.
3- إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض:
قال الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮊ [البقرة: ٨٤ – ٨٥].
قال الشوكاني – رحمه الله تعالى -: ((قال المفسرون: كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك بقوله: ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﮊ ( ).
4- نبذهم الكتاب كله وراء ظهورهم عناداً في القرآن:
قال الله تعالى: ﮋ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [البقرة: ١٠١].
والمعنى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء مصدقاً بنبوة موسى –عليه السلام-، وبإنزال التوراة عليه، ولما كانت التوراة مبشرة بمقدم محمد -صلى الله عليه وسلم- فإن مجرد مجيئه وبعثه -صلى الله عليه وسلم- هو تصديق لما معهم من التوراة في ذلك.
أما قوله: ((نبذ فريق...)) فهو تمثيل لتركهم وإعراضهم عن كتاب الله بمثل ما يرمي به وراء الظهر: استغناءً عنه، وقلة التفات إليه، والكتاب الذي نبذوه هو التوراة؛ لأن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً، وأما إذا لم يلتفتوا إليه فلا يقال إنهم نبذوه، فإن قيل: كيف يصح منهم ذلك؟ فالجواب: أنه لما كانت التوراة دالة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- لما فيها من نعته وصفته عدلوا عن التصديق بذلك فيها، فكانوا نابذين لها( ).

5- تلبيسهم الحق بالباطل وكتمانهم الحق:
قال الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﮊ [آل عمران: ٧١].
قال القاسمي – رحمه الله تعالى – في بيان معنى الآية: ((أي تسترون الحق المنـزل بتمويهاتكم الباطلة)) وتكتمون الحق ((أي الذي لا يقبل تمويهاً ولا تحريفاً)) وأنتم تعلمون ((أي عالمين بما تكتمونه من حقيته، وقد كانوا يعلمون ما في التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونبوته، ويلبسون على الناس في ذلك كدأبهم في غيره))( ).
6- اختلافهم فيما بينهم حول ما عليه كل منهم:
قال الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﮊ [البقرة: ١١٣].
7- تسجيل السيرة الطاهرة، ورفعة المكانة لأنبياء الله تعالى رداً على ما ألصقه بهم أهل الكتاب من القبائح – حاشاهم -:
تعتبر قصص الأنبياء وسيرهم الإطار العام الذي ادعى المستشرقون من خلاله أن القرآن أخذ من كتب اليهود والنصارى، وذلك للتشابه في الأحداث الواردة فيها، كقصة: ابني آدم، وقصة إبراهيم وإنقاذه من نار النمروذ، وقصة سليمان مع ملكة سبأ، وقصة هاروت وماروت، وقصة موسى -عليه السلام-( )، وأغفلوا التباين الكامل في الأساس الذي قامت عليه هذه القصص، وما أحاط بالأنبياء وسيرهم في هذه الكتب التي حرفوها، وفي القرآن الكريم الذي قص قصصهم بأليق ما يكون بهم: طهارة، ونقاءً، وعدلاً، وصدقاً، واستقامة، وعزماً.
وسنذكر هنا ما جاء في القرآن الكريم حول مكانة الرسل عامة، مما يشهد لما قلناه، ثم بعد ذلك نذكر في شيء من التفصيل ما ألصقه اليهود والنصارى بالعديد من الأنبياء، وما أورده القرآن عن هؤلاء الأنبياء أنفسهم.
(أ) فرسل الله تعالى هم صفوة خلقه – صلوات الله عليهم جميعاً – وخلاصة عباده اصطفاهم لأداء رسالته إلى الخلق: ﮋ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮊ [الحج: ٧٥ ]
ﮋ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﮊ [آل عمران: ١٧٩].
(ب) هذا الاصطفاء مبني على علم الله تعالى بمن اصطفاهم وأهليتهم لأداء الرسالة: ﮋ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶﮊ [الأنعام: ١٢٤].
(ﺟ) دَعوا جميعا بأمر الله إلى عبادته وحده: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ [الأنبياء: ٢٥].
(د) وحُذِّروا من التهاون في أمر التوحيد لِيُحذَّر أتباعُهم: ﮋ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﮊ [الزمر: ٦٥].
(ﻫ) هم أئمة الهدى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﮊ [الأنبياء: ٧٣].
(و) سباقون إلى الخير تحدوهم خشية الله تعالى: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [الأنبياء: ٩٠].
(ز) صبروا على الإيذاء والتكذيب، وكانوا قدوة لأممهم في الثبات على الحق: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﮊ [الأنعام: ٣٤].
(ح) جعل الله تعالى عاقبتهم الفوز والنصر: ﮋ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ  ﯕ ﯖ ﯗ  ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﮊ [الصافات: ١٧١ – ١٧٣].
(ط) وهم الجديرون بالسلام والتحية والتكريم: ﮋ ﰁ ﰂ ﰃ  ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﮊ [الصافات: ١٨١ – ١٨٢].
هذه بعض معالم مكانة الرسل كما جاءت في القرآن الكريم، جاءت آياتها في سياق قصصهم التي قص الله تعالى في كتابه العظيم.
فماذا كان من شأن هؤلاء الرسل فيما حرفه اليهود والنصارى في كتبهم التي زعم المستشرقون أنها مصدر القرآن الكريم؟
ندع النصوص تنطق بما أوردته هذه الكتب المحرفة، ننقلها مضطرين – ونستغفر الله كثيراً قبل وبعد وأثناء نقلها – حتى نتبين موقف القوم من أنبيائهم، ونشفعها بما ذكره القرآن في شأنهم حتى نتبين: أيّ الفريقين أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً؟ ثم بعدها ندع للقارئ أن يتساءل: كيف ساغ لمستشرق – والأمر كذلك – أن يقول ما قال؟
لقد أجرم هؤلاء في حق الأنبياء، فادعوا كذباً وبهتاناً – نستغفر الله من ذكره – أن منهم من أشرك بالله تعالى وعبد غيره، ومنهم من قتل غيره بالحيلة، ومنهم من زنا، وهذه افتراءاتهم نذكر بعضها من غير أن نحصيها عدا، لثقل حكايتها على النفس:

أولاً: افتروا أن هارون –عليه السلام- هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل وعبده معهم!
في الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج، الفاصلة من 1-6 ورد
ما يلي:
(( (1) ورأى الشعب أن موسى قد أبطأ في النـزول من الجبل فاجتمع الشعب على هارون وقالوا له قم فاصنع لنا آلهة تسير أمامنا فإن ذلك الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا تعلم ماذا أصابه (2) فقال لهم هارون: انزعوا شنوف الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها (3) فنَزع جموع الشعب شنوف الذهب التي في آذانهم وأتوا بها هارون (4) فأخذها من أيديهم وصورها في قالب وصنعها عجلاً مسبوكاً فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أخرجتك من أرض مصر (5) فلما رأي ذلك هارون بنى أمامه مذبحاً ونادى هارون وقال غداً عيد للرب (6) فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقربوا ذبائح سلامة، وجلس الشعب يأكلون ويشربون ثم قاموا يلعبون)).
هذا ما ذكره من استحفظوا على التوراة، فماذا قال القرآن الكريم في شأن هارون-عليه السلام-:
قال الله تعالى: ﮋ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ  ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ  ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ  ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ  ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ  ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ  ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ  ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮊ [طه: ٨٣ – ٩١].
ثانياً: افتروا أن داود –عليه السلام- زنى بزوجة رجل من جنده، وتحايل على قتله للخلاص منه:
في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الثاني: (( (2) وكان عند المساء أن قام داود عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة جدا (3) فأرسل داود وسأل عن المرأة فقيل له: هذه بتشايع بنت أليعام امرأة أوريا الحثى (4) فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت عليه فدخل بها وتطهرت من نجاستها (5) ورجعت إلى بيتها وحملت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت إنني حامل (6) فأرسل إلى يوآب أن أرسل إلى أوريا الحثى فأرسل يوآب أوريا إلى داود... إلى (14) فلما كان الصباح كتب داود إلى يوآب كتاباً وأرسله بيد أوريا (15) وكتب في الكتاب قائلاً: وجهوا إلى حيث يكون القتال شديداً وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت (16) فكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن فيه رجال البأس (17) فخرج رجال المدينة فحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود وقتل أوريا الحثى أيضاً)).
هذا ما ذكره المحرفون، فأين ذلك من صورة داود –عليه السلام- في القرآن الكريم؟ فهو الذي يلهج بالتسبيح، ويسبح معه الكون: طيره وجماده: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ [سبأ: ١٠ ] ﮋ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ  ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ  ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮊ [ص: ١٧ - ٢٠ ] فهل من الحكمة الزنى والقتل؟ وهو الذي أعطاه الله الخلافة وأمره أن يحكم بين الناس بالعدل:
ﮋ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﮊ [ص: ٢٦].
ثالثاً: افتروا أن لوطاً –عليه السلام- شرب الخمر، وزنى بابنتيه الواحدة بعد الأخرى وحملتا منه سفاحاً:
في الفصل التاسع عشر من سفر التكوين من الفاصلة 30 إلى آخر الفصل ورد ما يلي:
(( (30) وصعد لوط من صوعر وأقام في الجبل هو وابنتاه إذ خاف أن يقيم في صوعر فأقام في المغارة هو وابنتاه (31) فقالت الكبرى للصغرى: إن أبانا قد شاخ وليس في الأرض رجل يدخل علينا على عادة الأرض كلها (32) تعالي نسقي أبانا خمراً ونضاجعه ونقيم من أبينا نسلاً (33) فسقتا أباهما خمراً تلك الليلة وجاءت الكبرى فضاجعت أباها ولم يعلم بنيامها ولا قيامها (34) فلما كان الغد قالت الكبرى للصغرى هاأنذا ضاجعت أمس أبي فلنسقه خمراً الليلة أيضاً وتعالي أنت فضاجعيه لنقيم من أبينا نسلاً (35) فسقتا أباهما خمراً تلك الليلة أيضاً وقامت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنيامها ولا قيامها (36) فحملت ابنتا لوط من أبيهما (37) وولدت الكبرى ابناً وسمته موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم (38) والصغرى أيضاً ولدت ابناً وسمته بنعمى وهو أبو بني عمون إلى اليوم)).
هذا ما ذكره الكذابون المزورون! فأين هذا مما ذكره الله تعالى عن نبيه لوط –عليه السلام- في القرآن الكريم، لقد آتاه الله تعالى الحكم والعلم:
ﮋ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﮊ [الأنبياء: ٧٤ ]، وفضله في جملة من الرسل على العالمين:
ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮊ [الأنعام: ٨٦ ]، أنكر على قومه الفاحشة: ﮋ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ [العنكبوت: ٢٨ ]، ودافع عن طهارة الأخلاق حتى أراد قومه أن يخرجوه بسبب ذلك: ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ  ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ  ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﮊ [النمل: ٥٤ – ٥٦].
أفبعد كل ما ذكرنا في هذا الباب يستقيم في عقل عاقل أن يكون ما حرفه اليهود والنصارى( ) من كتبهم وأكاذيبهم -بزعم المستشرقين- مصدراً للقرآن الكريم؟ أليس ذلك من قبيل العبث والمغالطة في منهج البحث العلمي؟ لا أجد بعد ذلك إلا أن أهتف بما ينبغي في مثل هذا الموطن: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﮊ.

المبحث الثالث
هل جاء المستشرقون بجديد
في محاولة نفي صبغة الوحي الإلهي عن القرآن الكريم؟
إذا استعرضنا ما سبق من دعاوى المستشرقين، وقلبنا فيها وجوه النظر، فإننا سنتبين على الفور أن ما أتوا به ما هو إلا أصداء تتردد – عبر القرون – لدعاوى كفار قريش، ومن عاصرهم من اليهود والنصارى في شأن القرآن الكريم، وشأن الرسول-صلى الله عليه وسلم-.
فما محاولة المستشرقين في نفي صبغة الوحي الإلهي عن القرآن الكريم -تلك المحاولة التي أجلبوا من أجل إنجاحها بخيلهم ورجلهم، وأنفقوا من أجل تسويقها أموالهم- ما تلك المحاولة إلا صورة مما فعله الكفار سابقاً، ألبسوها ثوباً جديداً، سموه البحث العلمي، وألحوا في أن تقبلها العقول كَرْهاً رغم زيفها، فباءوا بفشل لا يقل عن فشل سابقيهم من المكذبين، وبقى الحق الأبلج ينطق بأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- خاتم الرسل، وأن القرآن -وحي الله تعالى إليه- خاتم الكتب، وأن الإسلام خاتم الرسالات إلى البشرية كلها، ومن يبتغ غيره ديناً فلن يقبل منه.
ذلك إجمال يحتاج إلى بعض التفصيل:
عندما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وقابله كفار قريش بالتكذيب، وآزرهم اليهود بجحود الحق، ما كان حجتهم إلا أن قالوا: إن القرآن ليس وحياً من الله إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم تخبطوا بعد ذلك في تحديد مصدره، فتارة قالوا: إنه من عند محمد افتراه واختلقه، وملؤوا الأرض ضجيجاً بهذا الادعاء، وقد حكى القرآن مقولاتهم، وردها.
وقد مر ذلك تفصيلاً فلا حاجة لإعادته، ولكننا نُذَكِّر فقط ببعض ما حكاه القرآن من تلك المقولات، فمنها ما جاء في قول الله تعالى: ﮋ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ [سبأ: ٤٣].
يعنون بكلامهم أن القرآن كذب مختلق أتى به محمد من عند نفسه، ونسبه إلى ربه، والدليل على أنهم يقصدون ذلك قوله تعالى في موضع آخر: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﮊ [هود: ١٣].
والمعنى: إن صحت دعواكم في كون القرآن من عند محمد -صلى الله عليه وسلم- فلماذا لا تأتون بمثله، وأنتم عرب فصحاء بلغاء؟
وتارة قالوا عن القرآن: إن محمداً -صلى الله عليه وسلم- تعلمه من غيره -كما ورد- في قول الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﮊ [النحل: ١٠٣ ] وفي قوله سبحانه: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [الفرقان: ٤].
هذا ما ادعاه الكفار في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل أتى المستشرقون بجديد عندما أنكروا كون القرآن وحياً من الله تعالى؟ كلا، إنهم ذكروا نفس الدعاوى، وكرروا نفس الكلام.
أما الادعاء بأن القرآن من كلام النبي-صلى الله عليه وسلم- فلم يتجاوز ما قاله (تسدال) و(جرجس سال) و(فللوزن) ومحرروا دائرة المعارف الإسلامية وغيرهم في هذا الشأن قول كفار قريش، فأين الجديد في دعواهم؟
وأما الادعاء بأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- قد تعلم القرآن من غيره، فلم يَعدُ ما قاله المستشرقون قول كفار قريش كذلك، غير أنهم أخذوا في تفصيل مصادر القرآن – في زعمهم – فتارة ادعوا أن مصدره معطيات الحركة الدينية التي سادت الجزيرة العربية، كما قال (جب) و (رينان) وتلميذهما صاحب (الشعر الجاهلي).
وتارة افتروا أن مصدره الحنفاء كما زعم (تسدال) و (مستر كانون رسل) وغيرهم، وتارة ثالثة ادعوا أن مصدر القرآن هو مزيج من تعاليم اليهودية والنصرانية كما زعم (جولدزيهر) و(تسدال) و(ماسيه) و(أندريه) و(لامنـز) و(شاخت) وغيرهم، وقد مر نقض ذلك كله، فما الجديد في قولهم؟
الواقع أنه ليس في دعوى هؤلاء أي جديد، فمنطلقهم واحد هو: التعصب وعداوة الحق، وهدفهم واحد هو: إهدار حجية رسالة الإسلام وعالميتها وكونها خاتمة بمحاولة إهدار حجية دستور تلك الرسالة وهو: القرآن الكريم بالتشكيك في مصدره.
إننا لا نجاوز الحقيقة عندما نقول: إن هؤلاء المستشرقين متطفلون في تلك الدعوى الباطلة على من سبقهم من الكفار، ولا نجاوز الحقيقة كذلك إذا قلنا: إن الكفار السابقين كانوا أكثر فطنة من هؤلاء المستشرقين، إذ إنهم -وقد عرفوا في قرارة أنفسهم أنهم على باطل، وأنهم معاندون للحق- قذفوا بدعواهم مجملة، كأنها عبء يريدون الخلاص منه، كما فعل الوليد بن المغيرة عندما حاصره وضيَّق عليه أبو جهل ليقول في القرآن قولاً يرضي قومه، فقال بعد معاناة وعبوس: ((إن هذا إلا سحر يؤثر، يأثره محمد عن غيره)).
أما هؤلاء المستشرقون، فإنهم أتوا بالدعوى نفسها، ولكنهم جعلوا يسوقون الأكاذيب تلو الأكاذيب لتأكيدها، فما يزيدهم ما يقولون إلا تخبطاً وتناقضاً يدركه كل من يقرأ كلامهم.
ومجمل القول: أن هؤلاء وأولئك قد أسسوا بنيانهم على شفا جرف هارٍ، فانهار بهم في هاوية العجز واليأس من أن ينالوا من هذا الدين القويم في رسوله الكريم، أو قرآنه المبين: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [الصف: ٨].

الخاتمة: وفيها بيان
الأدلة القاطعة على كون القرآن الكريم من عند الله تعالى

الحق أن القرآن الكريم ليس في حاجة إلى إثبات كونه من عند الله -عز وجل-( ) فحقيقة ذلك أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وإلا لن يصح في الأذهان بعدها شيء، وعليه فكلامنا هنا في هذا الأمر من باب إبراء الذمة، وإقامـة الحجة، على نحو قول الله تعـالى: ﮋ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ [الأعراف: ١٦٤].
والحديث في هذه القضية نسوقه -بتوفيق الله- مركزاً محدداً على دعائم ثلاث، تتعانق فيها أدلة العقل والنقل، ونعرضها فيما يلي:
أولاً: تأخر الوحي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع شدة الحاجة إليه:
وأبرز الأمثلة على ذلك ملابسات نزول الوحي في قصة الإفك، فقد أرجف المنافقون -أخزاهم الله- بحديث السوء عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ورموها بالفاحشة، وهي أبعد نساء الأرض عنها، وكان ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق( ) وشاع الحديث، ووقع فيه من وقع، وطال الأمر والناس يخوضون وأبطأ الوحي، واشتدت بالمسلمين المحنة حتى بلغت القلوب الحناجر، والنبي-صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع إلا أن يقول: ((إني لا أعلم عنها إلا خيراً)) وهو أدرى الناس بطهارتها، والمؤمنون يرددون: ((ما علمنا عليها من سوء)).
ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- من منطلق كونه بشراً وزوجاً أخذ بأسباب المشورة والسؤال والتحري الذي لم يكن باعثه الشك، كلا، وإنما التعليم للأمة ألا يتسرع المسلم في أمره، ولما مضى شهر بكامله أو يزيد وأصبح الأمر لا يحتمل التعليق، والوحي لا ينْزل، ما زاد -صلى الله عليه وسلم- على أن قال للصدِّيقة -رضي الله عنها-: ((يا عائشة: إني قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه))( ).
وهنا في تلك اللحظة بعد هذا التمحيص والعناء ينْزل الوحي ببراءة عائشة – رضي الله عنها- في قوله الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ  ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ  ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ [النور: ١١ - ١٣ ] وما بعدها حتى آية [26].
لقد لبث الوحي أكثر من شهر لا ينْزل رغم شدة الحاجة إلى ما نزل من براءة أم المؤمنين -رضي الله عنها - أليس من البداهة – والأمر كذلك أن نقول: إن القرآن لو كان من كلام محمد -صلى الله عليه وسلم- لما ظل بعد هذا الاتهام الشنيع لزوجه ساعة ألم، أو لحظة حرج يعيشها والمسلمون معه، ولكان قد بادر إلى تلاوة هذه الآيات ناسباً إياها إلى الوحي كما هو الشأن في القرآن كله فيحمي عرضه، ويدفع عن حرمته، ويقطع ألسنة الخراصين، ويرد كيد الكائدين؟
ولكنه -صلى الله عليه وسلم- ما كان ليفعل لسبب واضح، وهو:أن الأمر ليس إليه، والوحي ليس طوع أمره، والكلام ليس من عنده، والدفاع ليس دفاعه، وإنما كل ذلك من عند رب العالمين، وليس له فيه -صلى الله عليه وسلم- إلا البلاغ الذي لا يتجاوز ما أمر بتبليغه، وكان مما نزل عليه وبلغه قول الله تعالى: ﮋ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ  ﮌ ﮍ ﮎ  ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ  ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮊ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].

ثانياً: إتيان الوحي معاتباً له -صلى الله عليه وسلم- أو موجهاً إلى غير ما أراد:
والأمثلة على ذلك كثيرة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه شواهد منها:
1- ما رواه البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: ((يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله))، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك))، فأنزل الله تعالى فيه: ﮋﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﮊ [التوبة: ١١٣ ]( ).
فلو كان الأمر إليه -صلى الله عليه وسلم- وكان القرآن من كلامه لما عزم على أمر له فيه رغبة، ثم تلا على الناس النهي عنه، أو أنه ما كان قد قال ما قال أصلاً حتى لا يكون هذا العتاب المقرون بالنهي، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- إنما يُعاتب ويُؤمر ويُنهى من قبل ربه لا من قبيل نفسه.
2- لما نصر الله تعالى رسوله في غزوة بدر، وأسر المسلمون عدداً كبيراً من المشركين، استشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في هؤلاء الأسرى: أيقتلهم أم يقبل منهم الفداء؟ فأشار عمر -رضي الله عنه- بقتلهم، وأشار أبو بكر -رضي الله عنه- بأخذ الفداء، ومال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى رأي أبي بكر فأخذ منهم الفداء، فأنزل الله تعالى قوله:
ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ  ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨ ] ( ).
فلو كان -صلى الله عليه وسلم- يقول ما يقول من قبل نفسه لما سجل عليها هذا العتاب الشديد، حتى لا يهتم بتخطئة نفسه أو بتردده، أو أنه ما كان قد قبل بأخذ الفداء أصلاً، ولكنه القرآن ينْزل من لدن حكيم حميد.
3- كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً يكلم واحداً من ذوي المكانة في قريش من المشركين يرجو إسلامه، وبينما هو كذلك جاءه عبد الله بن أم مكتوم -وهو رجل أعمى- يسأله أن يعلمه ويرشده، فأعرض عنه عابساً؛ لأنه يشغله عما يطمع فيه من إسلام الرجل، فأنزل الله تعالى قولـه: ﮋ ﭑ ﭒ  ﭔ ﭕ ﭖ  ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ  ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ  ﭢ ﭣ ﭤ  ﭦ ﭧ ﭨ  ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ  ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ  ﭴ ﭵ  ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ [عبس: ١ - ١٠ ]( ).
أفيعقل أن يكون هذا الكلام صادراً عمن قيل في شأنه، وعوتب به، كلا.. لا يقول ذلك عاقل، والأمثلة غير ذلك كثيرة.
ثالثاً: إعجاز القرآن البشر جميعاً عن الإتيان بمثله:
من الأدلة القاطعة -التي لا تقبل جدالاً- على كون القرآن كله وحياً من عند الله تعالى: إعجازه البشر جميعاً -مع التحدي الدائم- أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، وأوجه الإعجاز كثيرة ليس هذا مقام تعديدها، لكنا سنكتفي هنا بوجهين يقطعان جدال كل مجادل:
أولهما: إعجازه في إخباره بالغيوب المستقبلة:
مما جاء في القرآن الكريم في مجال إعجاز البشر أنه أخبر بأمور تقع في المستقبل، فجاءت كما أخبر، لم تتخلف أو تتغير، وهذا ما لا سبيل للبشر إليه بحال، وذلك في القرآن كثير، لكنا سنورد أمثلة تفي بالغرض:
(أ) لعل أوضح ما يذكر في هذا المجال آيات التحدي بالقرآن ذاتها، فقد أخبر الله تعالى أن الكفار سيعجزون عجزاً كاملاً عما ووجهوا به من التحدي أن يأتوا بمثل القرآن، أو بسورة من مثله، وذلك في قوله الله تعالى: ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﮊ [الإسراء: ٨٨]. وقوله سبحانه: ﮋﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ  ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﮊ [البقرة: ٢٣ – ٢٤].
فكان الأمر كما أخبر، يشهد بذلك الواقع، فلم يستطع عربي فضلاً عن أعجمي أن يواجه هذا التحدي ويأتي بسورة من مثله.
(ب) إخبار القرآن بنصر المؤمنين، وإحقاق الحق، وهزيمة الكفار واندحارهم، وذلك في قول الله تعالى: ﮋﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ [القمر: ٤٥ ] وقد نزلت هذه الآية في مكة، وحدث ما أخبرت به في المدينة في (بدر) بدقة كانت مثار عجب عند الصحابة -رضي الله عنهم- أنفسهم، حتى إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما نزلت هذه الآية قال: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ فلما كان يوم بدر رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يثب في الدرع، وهو يقول: ﮋﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ فعرف تأويلها يومئذ( ).
(ﺟ) إخباره بانتصار الروم بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس، وذلك في قوله الله تعالى: ﮋ ﮭ ﮮ  ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ  ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ  ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﮊ [الروم: ٢ – ٥].
وقد تحقق ذلك في أقل من عشر سنين، كما ورد في حديث ابن عباس -رضي الله عنهم( ).
(د) إخباره بعدم تمني اليهود الموت، وذلك في قوله تعالى: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ  ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ [الجمعة: ٦ - ٧ ]، وذلك متحقق دوماً، فلم يحدث – ولن يحدث – أن تمنى يهودي الموت – ولو ادعاءً – مناقضة للقرآن.
والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المقام، ونقول: إن تلك أدلة لا تقبل الجدل على كون القرآن من عند الله تعالى؛ إذ ليس في مقدور أحد من البشر أن يتنبأ بشيء فيصدق كما قال تماماً ولو حدث ذلك مرة أو مرات على سبيل الافتراض، فإن ذلك لا يمكن أن يكون دائماً مطرداً.
ثاني الوجهين من أوجه الإعجاز: إخباره عن القرون السابقة والأمم البائدة:
لقد حفل القرآن الكريم بأخبار السابقين الأولين من الرسل مع أقوامهم، ومن غير الرسل، فجاء فيه قصص: آدم ونوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى وعيسى وغيرهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، كما جاء فيه قصص ابني آدم، وأصحاب الكهف، وأصحاب السبت وأصحاب الجنة، وأصحاب الأخدود، ولقمان، وقارون، وغيرهم.
ولما كانت القسمة العقلية في معرفة الأحداث والوقائع وأخبارها في القرآن بالنسبة لرسول الله-صلى الله عليه وسلم- وهو الذي جاء قومه بذلك – تقتضي واحداً من أربعة فروض، فإن تحقيق هذا الوجه من الإعجاز يقتضي عرض هذه الفروض على واقع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليتبين أن ما جاء به وحي من عند الله تعالى:
الفرض الأول: حضوره -صلى الله عليه وسلم- ومشاهدته أحداث هذه القصص، وإخباره بذلك عن معاينة، وذلك مردود بالواقع والتاريخ بداهة، وعلى الرغم من ذلك لفت القرآن النظر إلى هذا الأمر في أكثر من موضع، ففي قصة مريم يقول الله تعالى: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ [آل عمران: ٤٤ ] وفي قصة يوسف –عليه السلام- يقول: ﮋ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﮊ [يوسف: ١٠٢ ]، وفي قصة موسى-عليه السلام- يقول: ﮋﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮊ [القصص: ٤٦].

الفرض الثاني: أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قرأ هذه القصص، وعرف أخبارها من مصادر مكتوبة، ثم نقلها إلى القرآن، وذلك مردود بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وتلك حقيقة عرفها العرب، كما سجلها القرآن واحتج بها عليهم: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮊ [العنكبوت: ٤٨].
الفرض الثالث: أن يكون قد تعلمها تلقياً ومشافهة عن غيره، وذلك مردود بأنه لم يعرف عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه جلس إلى معلم أو تلقى عن أحد، ولما حاول المشركون ادعاء ذلك وقعوا في عثرة عمرهم، وسوءة فعلهم، فقد فضحهم القرآن؛ إذ نسبوا تعليمه إلى حدادٍ رومي لا يدري شيئاً عن أخبار السابقين، ولا يعرف شيئاً عن فصاحة اللغة العربية وبلاغتها:
ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﮊ [النحل: ١٠٣].
لم يبق إلا الفرض الرابع والأخير، وهو الحق الذي لا معدل عنه، وهو أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قد أوحى إليه بها في جملة ما أوحى إليه من القرآن، فهي حق من حق، كما وصفها الله تعالى في أكثر من موضع: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﮊ [آل عمران: ٦٢ ]، ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ [القصص: ٣]، ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﮊ [الكهف: ١٣].
وهذا كله في إطار الحق الذي هو شأن القرآن كله: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮊ [الزمر: ٢].
على هذه الدعائم القوية قام بحثنا في سوق الأدلة القاطعة التي يتعانق فيها صدق النقل وسلامة العقل مع عدم المعارض على كون القرآن من عند الله تعالى، وهو خاتم الكتب أنزله الله تعالى على خاتم الرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا ضممنا إلى ذلك نقضَ كلِّ الدعاوى الباطلة التي حاولت التشكيك في تلك الحقيقة، ودحض كل الشبهات التي سيقت في محاولة لحجب نور الحق، فإن دور البحث عندئذ يكون قد اكتمل فيما جعل لأجله، ويقف الجميع بعد هذا الوضوح أمام خيارين لا ثالث لهما، ورد بهما قول الحق تبارك وتعالى: ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﮊ [الكهف: ٢٩].
ونتأسى بعد ذلك كله بقول ربنا –سبحانه وتعالى-: ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ [القصص: ٥٦ ]، وبقوله -عز وجل-: ﮋ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﮊ [يونس: ٩٩].
وبعد... فهذا ما مَنَّ الله تعالى به من الحديث في موضوع (مصدر القرآن الكريم في رأي المستشرقين) عالجنا فيه بقدر ما يقتضيه المقام، ويتسع له المجال ما يلي:
(1) بيان موقع القرآن الكريم من رسالة الإسلام، وأنه يحتل منها موقع القلب النابض، فهو يقرر حقِّية هذه الرسالة بإعجازه وهدايته، وهو الحامل للواء نشرها في العالمين، بتأثيره القوي الصادق فيمن يسمعه، وأمثلة ذلك إسلام الجم الغفير لمجرد سماع القرآن الكريم.
(2) عرض موقف طوائف المكذبين للنبي-صلى الله عليه وسلم- من القرآن في عصر النبوة، وفي هذا الصدد بدأنا بحديث القرآن نفسه عن مصدره، وحسمه قضية كونه من عند الله تعالى لفظاً ومعنى ثم ثنينا بموقف كفار قريش من القرآن وهو: التكذيب المضطرب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهم تارة يتخبطون في الاتهامات التي يوجهونها للقرآن من أنه مفترى، أو أضغاث أحلام، أو قول شاعر، وتارة يتكلفون الشطط في تسويغ موقفهم من القرآن كما فعل الوليد بن المغيرة، وتارة يُقرّون بكونه منَزلاً، ولكنهم يكفرون به مع ذلك لكراهيتهم من أنزل عليه.
ثم بينا موقف أهل الكتاب من النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو جحود الحق وإنكاره رغم وجوده في كتبهم: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ [البقرة: ١٤٦].
(3) دراسة موقف المستشرقين من مصدر القرآن الكريم، وقد بينا في هذا الصدد أن موقفهم تأسس على رفضهم كون القرآن وحياً من الله إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- ثم تعددت أقوالهم بعد ذلك في بيان مصدره من: كونه كلام النبي-صلى الله عليه وسلم- أو: من نتاج البيئة الجاهلية الوثنية، التي زعموا أنها كانت من الرقي، والتمدن الديني والاجتماعي بحيث أنتجت هذا القرآن، أو: أن مصدره الحنفاء بفكرهم الديني الذي نزع إلى التوحيد والأخلاق الحميدة، أو: أن مصدره مزيج من اليهودية والنصرانية، وختمنا كل دعوى بنقضها وهدمها عقلاً ونقلاً.
(4) إيضاح أن المستشرقين فيما ادعوه بشأن القرآن لم يأتوا بجديد في هذا الشأن، وأن ما أوردوه هو نفس ما قاله كفار قريش ومن عاصرهم من أهل الكتاب في موقفهم من النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يزيدوا على ذلك إلا تفصيلات في بيان مصدر القرآن الكريم أوقعتهم في تناقضات كشفت عن تعصبهم ضد الإسلام وكراهيتهم للحق.
(5) عرض الأدلة القاطعة عقلاً ونقلاً على كون القرآن الكريم هو وحي الله تعالى إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ليس للنبي-صلى الله عليه وسلم- فيه إلا التلقي الواضح، والبلاغ الأمين، والبيان الشافي.
أسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله بمنّه وكرمه، ويجعله لبنة قوية في قلعة الدفاع عن هذا الكتاب المبارك الذي نفتديه بمهجنا وأرواحنا.
ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﮊ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى وسلم، وبارك وأنعم على سيد ولد آدم محمد بن عبد الله نبي الهدى والرحمة، وعلى آله وصحبه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع
- آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره دراسة ونقد: د / عمر إبراهيم رضوان ط / دار طيبة، الأولى 1413ﻫ.
- الإتقان في علوم القرآن: للإمام عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت 910ﻫ، تحقيق/ مصطفى ديب البغا، الأولى 1407ﻫ - 1987م.
- أسباب النُزول: للإمام علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468ﻫ.
- المدخل إلى دراسة القرآن الكريم: د. محمد عبدالله دراز، دار القلم 1414ﻫ - 1993م.
- الإسلام عقيدة وشريعة: للإمام محمود شلتوت، ط / دار الشروق، السادسة 1973م.
- إظهار الحق: للشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي ت 1308ﻫ، ط / الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعوديـة 1410ﻫ - 1989م.
- البداية والنهاية: للإمام إسماعيل بن كثير ت 774ﻫ، ط / دار الفكر العربي، الأولى 1351ﻫ - 1932م.
- التحرير والتنوير: للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ط / دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس.
- تفسير القرآن العظيم: للإمام إسماعيل بن كثير ت774ﻫ، ط / دار المعرفة بيروت 1403ﻫ.
- التفسير الكبير: للإمام محمد بن عمر بن الحسين الرازي ت606ﻫ، ط / دار الفكر، الثالثة 1405ﻫ - 1985م.
- الجامع الصحيح: للإمام محمد بن عيسى الترمذي ت 279ﻫ، ط / مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الثانية 1395ﻫ.
- الجامع لأحكام القرآن:للإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ت 671ﻫ، ط/ دار الغد العربي القاهرة، الطبعة الأولى 1410ﻫ.
- سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ت 275ﻫ، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، ط / دار الفكر بيروت.
- السيرة النبوية: للإمام أبي محمد عبد الملك بن هشام ت 218ﻫ، ط / مكتبة الكليات الأزهرية 1974م.
- صحيح البخاري: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري ت256ﻫ، تحقيق / مصطفى ديب البغا، ط / دار ابن كثير اليمامة، الثالثة 1407ﻫ.
- صحيح مسلم: للإمام مسلم بن الحجاج القشيري ت 261ﻫ، تحقيق / محمد فؤاد عبدالباقي، ط / دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.
- فتح القدير: للإمام محمد بن علي الشوكاني ت1250ﻫ، ط / دار الوفاء، الأولى 1415ﻫ - 1994م.
- الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي الحديث: د / محمد محمد البهي، ط / المكتبة الفيصلية مكة المكرمة، السادسة 1973م.
- القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي: د / محمد محمد أبو ليلة، ط / دار النشر للجامعات مصر، الأولى 1423ﻫ - 2002م.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للإمام علي بن أبي بكر الهيثمي ت 807ﻫ، ط / دار الفكر بيروت 1414ﻫ - 1994م.
- محاسن التأويل: للإمام محمد جمال الدين القاسمي ت1322ﻫ، ط / مؤسسة التاريخ العربي، الأولى 1415ﻫ - 1995م.
- مذاهب التفسير الإسلامي: للمستشرق إجنتس جولد تسيهر ط / دار اقرأ بيروت الطبعة الثانية 1403 ﻫ - 1983م ترجمة د / عبد الحليم النجار.
- المستدرك على الصحيحين: للإمام محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري ت 405ﻫ، تحقيق / محمد عبد القادر عطا، ط / دار الكتب العلمية، بيروت الأولى 1411ﻫ - 1990م.
- المستشرقون: نجيب العقيقي، ط / دار المعارف، الثالثة 1965م.
- المستشرقون والإسلام: محمد قطب، ط / مكتبة وهبة، الأولى 1420ﻫ- 1999م.
- المستشرقون والقرآن الكريم: د/ يوسف لقمان، رسالة دكتوراه مخطوطة بمكتبة كلية أصول الدين بالقاهرة، جامعة الأزهر برقم 793 لسنة 1977م.
- مقال بعنوان (كشف مخططات التغريب) نشرته جريدة النور، القاهرة – العدد 377- الأربعاء 5 محرم 1409ﻫ أغسطس 1988م.
- موجز دائرة المعارف الإسلامية لمجموعة من المستشرقين، مركز الشارقة للإبداع الفكري ط أولى 1418ﻫ - 1998م.
- النبأ العظيم: د / محمد عبدالله دراز، ط / دار إحياء التراث الإسلامي قطر 1405ﻫ 1985م.

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك