هناك أكثر مما تراه العين بالنسبة للتسامح أو عدمه في إندونيسيا

هناك أكثر مما تراه العين بالنسبة للتسامح أو عدمه في إندونيسيا

بقلـم تستريونو

جاكرتا – نشرت منظمتا مجتمع مدني إندونيسيتان تعملان في مجال تشجيع التسامح والتفاهم في إندونيسيا هما "جمعية المسلم المعتدل" و "مؤسسة وحيد"، نشرتا في نهاية عام 2010 وبشكل منفصل نتائج بحوث أجرتاهما حول الحياة الدينية في إندونيسيا. ويُظهِر كلا البحثين زيادات هامة في أعداد الهجمات ذات الحوافز الدينية والتفرقة ضد الجماعات الدينية من الأقليات.

سجّلت جمعية المسلم المعتدل خلال السنة الماضية 81 حالة من حالات عدم التسامح الديني، بارتفاع بلغ 30% عن عام 2009، بينما سجلت مؤسسة وحيد 193 حالة من التمييز الديني و133 حالة من عدم التسامح الديني، أي بزيادة بلغت 50% عن السنة السابقة. وتضم هذه الحالات أعمال إغلاق جبرية للكنائس وتعطيل خدمات العبادة وحرق مسجد لطائفة الأحمدية وهجمات عنفية على المصلّين.

في النظرة الأولى، يرسم هذا صورة مخيفة عن الحياة الدينية في إندونيسيا، خاصة وأن هذه هي القصص الأكثر شيوعاً التي يغطيها الإعلام الغربي.

وتصف المقالات التي تركّز على العنف ضد الأقليات الدينية المسلمين الإندونيسيين بأنهم أفراد غاضبون مدمّرون يعيقون حرية الآخرين الدينية رغم أن الدستور الإندونيسي يضمن رسمياً حق الإيمان وممارسة الفرد لدينه.

وبينما تُظهر هذه الصورة المشاكل الحقيقية في إندونيسيا، إلا أن هذه التي تُرسَم عن الإندونيسيين مضلّلة، فمعظم الإندونيسيين يتقبّلون دين الآخر، ويسود السلام في معظم أنحاء إندونيسيا اليوم.

على سبيل المثال وفي جاكرتا، يتواجد مسجد الاستقلال والكاتدرائية المسيحية مقابل بعضهما بعضاً بتناغم وتعايش. وفي يوغياكارتا، عمل المسلمون والمسيحيون معاً لمساعدة ضحايا بركان ميرابي الذي أجبر ثورانه العديد من الإندونيسيين على الهرب من منازلهم. وفي العديد من أجزاء إندونيسيا ذات الأقليات الدينية الكبيرة العدد، مثل سومطرة الشمالية وشمال سولاويزي وبالي، يعتبر التناغم الديني هو المعيار.

لا نستطيع أن نغلق عيوننا على عدم التسامح الديني. بدلاً من ذلك وبوجود الغالبية الكبرى من الإندونيسيين تدعم التعايش السلمي، وفرّت هذه الأعمال قوة الدفع للإندونيسيين العاملين في هذا المجال للاستمرار في تطوير برامج ومبادرات لبناء السلام.

على سبيل المثال، نشرت مؤسسة "بارامادينا" التي أسسها المُصلِح المسلم الراحل نورشوليش مجيد، نشرت مؤخراً ترجمة إندونيسية لكتاب محمد أبو نمر "اللاعنف وبناء السلام في الإسلام: النظرية والممارسة" الذي صدر عام 2003. والكاتب هو أستاذ يعمل في بناء السلام وناشط في الجامعة الأمريكية بواشنطن العاصمة.

يدحض أبو نمر الصورة النمطية في الإعلام الغربي والقائلة بأن العالم المسلم غير متسامح وينزع إلى الحرب والمواجهة، وبأن الإسلام كدين وثقافة يعارض مبادئ السلام. ويقول أن المشكلة الرئيسية تكمن في أن العديد من المحللين تستحوذ عليهم أعمال العنف والإرهاب التي ترتكب باسم الإسلام، ولذا تذهب القيم والممارسات الإسلامية في بناء الإسلام دون ملاحظة.

تهدف مؤسسة برامادينا من خلال ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الإندونيسية إلى الترويج لوجهات النظر الإسلامية ومبادئ صنع السلام للقارئ الإندونيسي، والتشارك في نماذج من اللاعنف، مثل تلك التي استخدمت بنجاح في بوزو وأتشيه وأماكن أخرى في إندونيسيا، لحل مشاكل العنف التي كانت تقع على خطوط دينية.

صحيح أن إندونيسيا تمرّ اليوم في حالة انتقالية ديمقراطية، إلا أنها معترف بها كثالث أكبر دولة ديمقراطية في العالم، بعد الولايات المتحدة والهند، وأكبر دولة ديمقراطية ذات غالبية مسلمة في العالم.

صُنّفت إندونيسيا أثناء حقبة "النظام الجديد" السلطوية (1966 – 1998) من قبل "فريدوم هاوس" على أنها دولة نصف حرّة، خالية من العنف فقط لأن السكان كانوا يخافون من الإعراب عن آرائهم. ولكن منذ العام 2005 دخلت إندونيسيا صفوف الدول "الحرة بالكامل" حيث يشعر الناس بالحرية للتعبير عن آرائهم. لسوء الحظ أن هذا يعني أحياناً أن الأفراد ينتهكون حريات الآخرين، من خلال التعبير عن رأي يعارض حق الآخرين في بناء دور العبادة على سبيل المثال.

القضية الحاسمة الآن هي كيف يمكن المساعدة على رعاية حوار صحي حول الدين، وكيف يمكن للإندونيسيين أن يشجّعوا بشكل جيد التعددية واحترام معتقدات الآخرين دون التعدي على حريات الآخرين.

ما زال التحول الديمقراطي الذي يجري منذ عام 1998 يترك كمية كبيرة من العمل الذي يتوجب إنجازه في مجال تطبيق القانون، بما في ذلك حماية حق الإنسان في ممارسته لدينه بحريّة. تلك مسؤولية يجب التعامل معها من قبل الحكومة والقادة الدينيين وناشطي المجتمع المدني إضافة إلى محبي السلام والحرية.

يظهر التاريخ لنا أن الإندونيسيين قادرين على مواجهة التحدي. وبينما تنضم أعداد متزايدة من الأفراد والجماعات إلى صفوف هؤلاء الذين يعملون لتشجيع التعددية والتسامح الديني، نأمل أن نرى تحسّناً ملحوظاً في تقارير التسامح الديني عام 2011.

###

* تستريونو باحث في مركز دراسة الإسلام والمجتمع في جامعة الدولة الإسلامية سياريف هداية الله بجاكرتا. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.
المصدر: http://www.commongroundnews.org/article.php?id=29290&lan=ar&sp=1

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك