إنما المؤمنون إخوة

محمد حلمي عيسى باشا

 

• المستشرقون أعرف منّا بقوّة ما يجمع بيننا• القوى الاستعمارية وراء تخلّفنا عن ركب الحضارة • إذا لم يتكاتف المسلمون ويتعاونوا فسيطول الأمد على تقدّمهم وتكوين شخصيتهم • لا تزال الدول المسلمة تفضّل التعاون مع الأجانب على التعاون مع البلدان الإسلامية.

تحقُّقُ مؤدّى الآية معنوياً وعدم تحققه عملياً، قصورٌ يجب تلافيه لتقوم قائمة المسلمين وتظهر شخصيتهم وتحقق ذاتيتهم ويثبتون للأجانب أنهم يعملون بأحكام دينهم عملياً كما هم قائمون به معنوياً.

آمنتُ بتحقق معنى ومغزى هذه الآية الكريمة ومرماها بين المؤمنين جميعاً في سائر العهود من نشأة الإسلام إلى يومنا هذا، ولكن فيما يتعلّق بمعناها الظاهر ومؤدها المعنوي. وآمنتُ كما يؤمن كل مسلم بأننا إخوان متوادّون متحابّون تجمعنا جامعات كثيرة أهمها تآخي المسلمين جميعاً من سائر الأقطار حين اجتماعهم يوم عرفات، يأتون لحج البيت العتيق من كل فج عميق، لا تمييز ولا تفاضل بين كبير وصغير،وأمير وحقير، بل الكل سواء أمام الواحد القهار، لأن كتابهم المنـزل هو القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم، فيه هدى للمسلمين كافة بلا فارق بين جنس وجنس أو لون ولون، إذ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. وأشربت قلوبهم ما حواه الكتاب المنزل من آيات بينات ترمي إلى أسمى الحكَم والمعاني التي تهدي إلى السعادة والفلاح لمن عمل بها ووعاها.

وهي مبادئ واحدة لا تختلف باختلاف الزمان، ولا تتغير بتغير المكان، يلقنها الصغير، ويعمل بها الكبير، ولو اختلفت لغات المسلمين وألسنتهم التي ينطقون بها باختلاف ديارهم، فإن شعائرهم الدينية ومواسيمهم وأعيادهم تؤدّى في أوقات واحدة، وتتجه وجهة واحدة، وتؤدى بلغة القرآن الكريم، وهي اللغة العربية.

ولقد فطن الأجانب والمستشرقون لهذا الأمر وما يرمي إليه من توطيد وتركيز لوحدة الشعور ولدوام الإخاء، لا يحول دون ذلك حواجز جغرافية، ولا تحجبه موانع سياسية.

وفي هذا الصدد أذكر أنني طلبت من أحد المستشرقين الإنجليز حينما كنت وزيراً للمعارف أن يلقي بعض المحاضرات على طلاب الجامعة، فاختار من بينها موضوع «تأثير اللغة العربية في البلاد الإسلامية» ولاحظ أن المسلمين جميعاً الناطقين منهم باللغة العربية أو المتكلمين بلغات أخرى كالإيرانيين والأفغانيين والهنود والصينيين، إنما يؤدون فرائض دينهم، ومراسيم أعيادهم، وجميع أحكام عباداتهم وشعائرهم في وقت واحد، متجهين إلى قبلة واحدة، يؤدونها بلغة واحدة، وهي اللغة العربية لغة القرآن الكريم كما قدمنا، مما يجعل التماسك بينهم والتضامن والوحدة مأمونة مكفولة، بينما أهل المذهب الواحد من المسيحيين يؤدونها بلغاتهم المختلفة، فيؤدي الإيطالي فرائض دينه باللغة الإيطالية، والفرنسي بالفرنسية، والإنجليزي بالإنجليزية، لإن للحواجز الجغرافية والأوضاع السياسية آثاراً عنيفة تحول دون جعل وحدة الشعور قائمة بارزة.

ولقد استلفت نظري من حيث تحقق مؤدّى هذه الآية الكريمة: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ شواهد عديدة وحوادث تواردت وتوالت، يدركها كلّ مؤمن حينما يحل ببلاده غريب عن دياره من إخوانه المسلمين أو هو يؤم ديارهم.

فمنذ عهد بعيد بينما كنت مديراً للغربية سمعت بقدوم عالم صيني إلى طنطا، فشعرت بحافز يحفّزني للقائه فاستضفته، وعلمت أن سبب قدومه لمصر سعيه في إتقان اللغة العربية بالأزهر الشريف، لأنه يؤمن بضرورة تعلّمها لرجال الدين الصينيين من أهل بلده، حتى يستطيعوا فهم أحكام القرآن الكريم، ويبلّغوا رسالة الإسلام للمسلمين ولإحسان القيام بفرائض الدين.

وحينما لقيته لمحت أنه يشعر بأن ليس بيني وبينه حجاب، فأفاض في القول بصراحة المؤمن الذي يسعى لخير المؤمنين، وأشاد بفضل الأزهر، ورأيت تجاوباً في الشعور وتجاذباً في العواطف، وامتزاجاً في الآراء كأنه أقام بين رجال الأزهر ردحاً طويلاً، فآمنت بأن المؤمن حقاً أخو المؤمن، وأن تأثير كتاب الله في نفوسهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وفي خلال تلك الفترة الطويلة التي انقضت بعد لقاء العالم الصيني التقيت بالكثير من علماء وأدباء من سائر البلاد الإسلامية من أبناء مراكش وتونس والجزائر والأفغان والهند والباكستان وأندونيسيا وغيرها، ووجدت الشعور المتبادل بين أولئك جميعاً ملموساً ومحسوساً يتجاذبها شعور واحد وتتناجى أرواحهم مناجاة واحدة، وتتآلف قلوبهم على ما فيه رفعة شأن بلادهم، وإعلاء كلمة دينهم، والرغبة في نهضة بلادهم وتبوئها مكاناً عليّاً، فتجعلك تشعر بأن الأرواح حقاً جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر اختلف.

جاء مصر رئيس وزراء إندونيسيا السابق، فرحب به سائر العرب المقيمين بمصر على اختلاف بلادهم، وكان الجميع يخفّون لملاقاته بصدور منشرحة وقلوب فرحة ونفوس مخلصة، ويرون أنه يسعى كما يسعى أهل الباكستان ومسلمو الهند وغيرهم إلى ما فيه خير المسلمين، والعمل على رفعة شأنهم وسموّ مكانتهم، وضرورة تعاونهم وتساندهم لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً.

ولقد أظهر أهل هذه البلاد فعلاً تضامنهم فيما يتعلق بكفاحهم لنيل الحقوق السياسية كاملة لأهل البلاد العربية جميعاً، وأظهروا ضرورة تعاضدهم وتكاتفهم وتساندهم أمام هيئة الأمم المتحدة، وأمام مجلس الأمن، ولقد رأينا قيام المفوضيات في البلاد الإسلامية التي استردت استقلالها، ويشعر كل مَن حلّ منهم من موظفي تلك المفوضيات في أي بلد أنه يلقى أهلا بأهل، وأنه حلّ بين إخوان يبادلونه نفس شعوره وإحساسه، ويقاسمهم أفراحهم وأتراحهم، ويبثون شكواهم من نكبات الاستعمار وويلاته، وأصبحوا يدركون أنه سبب تخلّفهم عن ركب الحضارة، وتأخرهم في مضمار التقدم العلمي وازدهار الصناعة.

ومن عهد بعيد فتحت المعاهد العلمية في مصر أبوابها على مصراعيها لقبول أبناء العربية من شواطئ مراكش إلى أطراف جاوه وأندونيسيا لتلقّي العلم في معاهدها، وأجابت مطالب كثيرة لتلك البلاد بإرسال مدرسين لتعليم أبنائها في مدارسهم، وقضاة شرع لرياسة قضائهم، ومن هذه الوجهة كان تبادل الثقافة والتعاون قائماً حقاً، وهو عمل جليل الفائدة ويؤتي أحسن الثمار وأفضل النتائج.

نرى كذلك أن الأزهر الشريف الذي يحتل منذ ألف سنة ونيف مركز الصدارة للدراسات الإسلامية، يؤمه الطلاب الغرباء من مشارق الأرض ومغاربها ليرتشفوا العلم من مناهله...

فهذه روابط محكمة من حيث تبادل الثقافة الدينية والعلمية، توحّد بين شعور المسلمين، وتؤلّف بين قلوبهم، وتزيل ما قد تعمله دسائس المستعمرين، الواقفين بالمرصاد دون توحيد كلمة البلاد الإسلامية أو رفع رؤس أبنائها، والسعي لبث الحقد والضغائن بينهم.

وفي هذا الصدد يجب أن نشير إلى ما تسعى إليه دار التقريب التي تضم فضلاء من سائر المذاهب الإسلامية لتعمل على إزالة سوء التفاهم، وتجمع كلمة المسلمين على هدى القرآن الكريم ﴿ِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

وملخص هذا، أن المسلمين أفراداً وجماعات، يريدون جمع كلمتهم، ولمّ شملهم ورفعة شأنهم، والسموّ بمكانتهم في هذا الخضمّ المتلاطم الأمواج، المتنافر الشعور المتناقض الغايات، لأن كل فريق يسعى إلى استغلال البلاد المستضعفة لحسابه، وإلى بسط نفوذه لمصلحته، ليستثمر كلّ ما حباه الله من خيرات وأرزاق بتلك البلاد.

لذلك تنافس الاستعمار في السيطرة على البلاد الإسلامية والعربية من عهد بعيد وأقام الأسوار والحواجز، حتى لا يتم التواصل والتماسك فيما بينها، وقضى على تعليم أبنائها قضاء مبرماً حتى لا يدركوا نور العلم ويستضيئوا به، فيطالبون بحقّهم، ويطردونهم من ديارهم، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا يستوي الأعمى والبصير.

ولذلك نرى الأمم الإسلامية خارجة من ظلمات فوقها ظلمات، تكافح وتجاهد بالعدد القليل من رجالها الذين أصابهم حظّ وفير من العلم والوطنية، والإخلاص في المبادئ، حتى أننا لنرى تلك البلاد الأجنبية، كأنما اتفقت كلّها، واتحدت مشاعرها لمقاومة نهضة البلاد الإسلامية، وعدم تمكينها من الوصول إلى حقّها، لأنها تعرف أن هذه البلاد كثيرة الخيرات، وفيرة الثمرات، زاخرة بالثروات الزراعية والمعدنية والزيتية مشحونة من فوق أرضها ومن تحتها، وجيدة في مناخها وأنهارها، مما لو انتفعت به البلاد الإسلامية لاستكفت بنفسها، وأصبحت كأنها في جنات عدن، وفي نعيم مقيم.

لهذا إذا حققنا النظر، رأينا أن تلك الأخوّة التي وصفنا قاصرة على النواحي المعنوية والثقافية، وربما السياسية.

ولكن ذلك كله أصبح لا يجدي نفعاً حقيقياً للأمم الإسلامية، ولا يغني فتيلاً إذا لم يتحقق من الناحية العملية الواقعية، لأنه لا تظهر لها شخصية قائمة، ولا يتم لها كيان يحسب حسابه، ولا ذاتية تدل عليها، إلا بعمل يدعمه العلم، والأجنبي المستعمر لا يعرف غير المقدرة والقوة والتضامن والتماسك أمام حيله، ووسائل استعماره، وما يطلق عليها من مسميات والجوهر واحد.

لهذا يجب على المسلمين أن يتبدروا عواقب أمرهم، وأن يعلموا أنهم إذا لم يتكاتفوا ويتعاونوا في الناحية الاقتصادية، ويتبادلوا تجارتهم فيما بينهم فسيطول الأمد على تقدمهم واستخلاص حقوقهم، واستكمال ذاتيتهم، وتكوين شخصيتهم.

لذلك نطلب من القائمين بالأمر، والمفكرين والكتاب، أن يوجهوا نظر إخوانهم المسلمين إلى هذه الناحية الخطيرة، وأن يحضّوهم على بعث البعوث التجارية والاقتصادية، أسوة بما تعمل الحكومات من معاهدات تجارية، وأن يقوم بهذه البعوث المشتغلون بالتجارة على اختلاف بلادهم، وأن يتعاونوا ويتفاهموا ليكون كل منهم نائباً عن الآخر في بلاده، إذ لا فائدة من زرع تزرعه ويجني ثماره أجنبي، وأن يعلموا أن تعاليم القرآن الكريم ترمي إلى تحقيق هذه الغاية الشريفة، فليس المقصود بالتعاون على البر والتقوى: التعاون القاصر على الإحسان للفقراء، إنما البر بتفضيل إخوانه من المؤمنين على غيرهم من المستغَلّين واتقاء الله في معاملاتهم، وعدم تسخير نفسه لأجنبي يريد أن يمتصّ دمه، ويبتزّ ثروته، ويصيب أهل وطنه بالخسران المبين، ويتركهم أذلّة مسخّرين.

وإنا لنلاحظ كما جاء في الصحف أن الحياة الاقتصادية بين البلاد العربية غير متصلة ولا متماسكة، ومعنى ذلك أنها تفضل التعامل مع دول أجنبية على التعامل مع شقيقتها المتاخمة لها، وفي هذا إضعاف كبير، بل ذهاب لمعنى التعاون الواجب أن يقوم بين البلاد العربية ووجوب تقديرها أن الاجنبي إنما يغزو بها، لتسخيرها واستغلال خيراتها، وإنا لنخشى عواقب ذلك وسوء مغبته، ونخشى أن إهمال العمل في هذه الناحية يبوء بأوخم العواقب، ويحق على أهل البلاد العربية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾.

ولكل هذا نبصّر الأمم الإسلامية بالعمل على تحقيق ترابطهم وتماسكهم وتآخيهم عملاً بقوله تعالى: ﴿ِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

المصدر: https://iranarab.com/Default.asp?Page=ViewArticle&ArticleID=804

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك