التأريخ الاستشراقي للأدب العربي، وإشكالية المركز والهامش

التأريخ الاستشراقي للأدب العربي، وإشكالية المركز والهامش

محمد مريني(*

هناك فكرة تكاد تكون محل إجماع أغلب الباحثين المعاصرين الذين قاموا بتحليل ونقد الخطاب الاستشراقي؛ مفادها أن ما أنتجه المستشرقون في مختلف حقول المعرفة الإنسانية يندرج ضمن إطار تعزيز وتقوية المركزية الأوروبية: التاريخ الأوروبي هو «المركز»، وما عداه مجرد هامش. وإذا كانت هذه الفكرة قد وردت بصيغ متعددة عند الدارسين للأطروحة الاستشراقية، فإنها بتواترها وقوة حجيتها تكاد تصبح مسلمة أو بديهة من البديهات(1). لذلك سنحاول من خلال هذا البحث تأكيد مدى صدقية هذه الفكرة في إطار حقل معرفي خاص هو «تاريخ الأدب العربي».

سأقدم هذا البحث في قسمين: أحدد في أولهما الشروط التاريخية والمعرفية -الداخلية- التي ساهمت في تشكيل الرؤية الاستشراقية، لتاريخ الأدب العربي. وأحلل في ثانيهما العناصر الأساسية التي تقوم عليها هذه الرؤية، مع الحرص على مناقشة القضايا المثارة ضمن هذين القسمين، من خلال إشكالية المركز والهامش، التي تشكل محور البحث.

1- الشروط التاريخية والمعرفية الداخلية المؤطرة للـتأريخ الاستشراقي للأدب العربي:
يمكن تحديد إطار للدراسات الاستشراقية التي تناولت الأدب العربي من منظور تاريخي في القرن التاسع عشر؛ إذ لا نجد –قبل هذا التاريخ- دراسات استشراقية حول تاريخ الأدب العربي بالمفهوم الاصطلاحي الحديث. لكن الرؤية للعالم التي انصاغت ضمنها هذه المؤلفات قد تشكلت من معطيات تاريخية وثقافية وحضارية سابقة لهذه الفترة، من خلال التراكمات العلمية والثقافية لعصر الأنوار، والنهضة الأوروبية، والثورات السياسية والاجتماعية المختلفة التي عرفتها أوروبا.

إذا حاولنا تحليل النسيج الثقافي العام الذي طبع التفكير الأوروبي في هذه الفترة، ورمنا الوقوف عند ملامحه الأساسية تعين علينا أن ننتبه إلى أن جل المعارف قد سادها طيلة هذه الفترة منزعان،، بهما تحددت الملامح الإبستمولوجية لمختلف العلوم: أولهما منزع الوعي بأثر التاريخ وفعله في صيرورة الإنسان، ثانيهما منزع البحث عن القوانين المتحكمة في الظواهر الطبيعية والإنسانية بشكل عام(2).

وقد طبع هذان المنزعان مختلف المجالات والحقول المعرفية الطبيعية والإنسانية والفنية، وكان لهما تأثير ملحوظ في ظهور الاتجاهات الفلسفية الكبرى، بكل ما تحمله من ملامح «وضعية» و«تطورية» و«تجريبية»...إلخ.

وسيطول بنا الحديث، إذا حاولنا تتبع تجليات هذين المنزعين على مستوى الحقول المعرفية المختلفة(3)، لكن حسبنا أن نشير هنا إلى ماله علاقة مباشرة بموضوعنا. نشير هنا إلى جانبين:

- يتصل أولهما بـ«نظرية الوحدة والتقدم»:

فكرة «الوحدة» التي تعني هنا الإقرار بوجود قوانين واحدة تحكم المسار التاريخي للأمم والشعوب بما، يمكن أن يؤدي إلى وحدة التاريخ الإنساني.

وفكرة «التقدم»، التي مفادها أن الإنسان على مر العصور يسير إلى الأمام على درب التقدم، ونحو نمو متزايد باتجاه الكمال الإنساني. وسيطول بنا الحديث لو حاولنا تتبع هذه الفكرة في أصولها وامتداداتها في الفكر الغربي الحديث، لكننا سنكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج:

1- نشير هنا إلى جيوفاني بابتيس فيكو (J.P. Vico) (1668-1744)، الذي يرى أن الإنسان ليس مجرد عقل محض، وإنما هو عضو في جماعة، وبما أن العلوم الطبيعية لا يمكن أن تفسر تاريخه، فهو يقترح علما جديدا، يعتبر نفسه مبتكرا له، وهذا ما يفهم ضمنيا من العنوان الذي اختاره لكتابه: «العلم الجديد في الطبيعة المشتركة بين البشر».

وقد ضمن الكتاب نظريته حول «الدورات الحضارية المتعاقبة»؛ ومفادها أن الأمم جميعها تمر بثلاثة أطوار:

- طور الآلهة: الذي يمثل المرحلة «البدائية» في حياة الأمة، حيث تسود الخرافات والأساطير والخوف من الظواهر الطبيعية، والأرواح الخيرة أو الشريرة التي تتحكم في مصائر البشر.

- طور الأبطال: حيث تدخل الأمة في مرحلة أرقى من الطور السابق؛ إذ تنجب أفرادا عظاما، يقودون الأمة في مختلف مجالات الحياة التشريعية والفلسفية والفكرية.

- طور الإنسان: الذي يتم فيه الاعتراف بالمساواة بين الناس ويصبح الحكم قائما على مؤسسات منبثقة من حاجات أفراد المجتمع(4).

2- سيقوم هاردر (1893-1744) J.G. Herder بجمع هذه الشذرات وإعادة صياغتها في كتابه «أفكار في التاريخ الفلسفي للإنسانية»، وهو كتاب يعتبره بعض المفكرين «بمثابة عقد الميلاد الرسمي - في الفكر الغربي- لما يدعى فلسفة التاريخ»(5). يسعى هاردر في هذا الكتاب إلى إثبات «وحدة الشعوب» و«وحدة التاريخ»؛ إذ على الرغم مما يبدو ظاهريا من مظاهر التفكك والتباين في المسار التاريخي للبشرية، فإن الشعوب أشبه بأعضاء في مجموعة كبيرة: فالحضارات القديمة تمثل طفولة الإنسانية، والحضارة الإفريقية والرومانية تمثل شبابها، والحضارة الجرمانية تمثل كهولة الإنسانية ونضجها(6).

3- ستبلغ هذه التصورات مداها مع هيغل (1831-1770) Hegel الذي انطلق من منظومة فلسفية متكاملة تقوم على فكرة الجدل: إن التاريخ عند هيغل ليس خليطا أعمى من المصادفات، وإنما هو تطور، يتم وفق آلية الديالكتيك، التي تتضمن ثلاثة عناصر: الموضوع، نقيضه، مؤلف الموضوع المركب من كليهما(7).

هذه النماذج التي ذكرناها هنا - على سبيل المثال لا الحصر- يمكن أن تعطي لنا صورة عن طبيعة الانشغالات التي كانت توجه الفكر الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع، وهي انشغالات قائمة أساسا على إعادة كتابة التاريخ الثقافي الأوروبي بصورة تحقق له «التقدم والاستمرارية من جهة»، وتجعل منه التاريخ «النموذجي» و«المثالي» للبشرية بشكل عام من جهة أخرى: التاريخ الأوروبي وحده هو التاريخ «العام» و«الرسمي» للفكر الإنساني كله، أما ما عداه فهوامش، إن حظيت ببعض الاعتراف فليس بوصفها عنصرا مقوما لهذا التاريخ العام، بل بوصفها «بركا» أشبه بـ«البحر الميت» معزولة ومفصولة عن «النهر الخالد» المتدفق من بلاد اليونان»(8).

من هذا المنظور سيقرأ الغرب - عموما- والمستشرقون - خصوصا - «تاريخ الأدب العربي»، وسيعتمد - في ذلك - على الأدوات المنهجية والإجرائية نفسها التي اعتمدها في قراءة تراثه الخاص. وسينظم المعارف الأدبية العربية وفقا لتوقعاته وانتظارا ته منه، حتى يضمن التحكم في كينونته، وينفذ إلى هويته، ليبرز فيها ما يشاء، ويخفي ما يشاء(9).

وقد شكلت هذه المعطيات، الخلفية الفكرية والفلسفية لظهور التأريخ الاستشراقي القائم على فكرة المقايسة بين تطور الأدب وتطور التاريخ العام، كما يتجلى ذلك في تاريخ الأدب العربي الذي يعتمد التحقيب السياسي.

- أما الجانب الثاني فله علاقة باللغة؛ وذلك من خلال ظهور نظريات تبحث عن أسرار اللغات، وتنظر إليها باعتبارها منتظمة في سلسلة مترابطة، وخاضعة لأنساق وقوانين معينة، وكونها تجسد بنسب متفاوتة الفكر البشري وتحاكيه... إلى غير ذلك من العناصر التي شكلت تأسيسا معرفيا لما يسمى المقاربة الفيلولوجية، التي ستتجاوز فيها بعد دائرة اللغة إلى مجال النقد وتاريخ الأدب.

لن أتوسع في تقديم الجوانب النظرية لهذا المصطلح، والتحولات التي خضع لها. خاصة أن حدود هذا المصطلح لم تضبط بوضوح عند الدارسين، فتقلصت عند البعض لتنحصر في حدود الحقل اللغوي، واتسعت أحيانا أخرى لتصبح «بحثا في الحياة العقلية من جميع وجوهها». من هنا يعرف ويليك ووارين الفيلولوجيا -استناد إلى بوش- باعتبارها «معرفة المعروف»(10)، ومن ثم فهي دراسة اللغة والآداب، الفنون والسياسات، الديانة والعادات الاجتماعية.

وينتظم التحليل الأدبي من الوجهة الفيلولوجية – حسب «جاك بيري» J- Perret- في ثلاثة محاور رئيسية هي: العالم المرجعي المقصود بعملية التبليغ، واللغة المستعملة، والقائم بعميلة التبليغ أو المؤلف. وتتغير طبيعة التحليل بحسب المحور الذي منه ننطلق والمحور الذي إليه ننتهي. لذلك يمكن الاعتماد على النص لدراسة اللغة أو المحيط الخارجي والواقع الاجتماعي كما يمكن للدراسة أن تشتغل على هذه المستويات كلها(11).

من المفاهيم الأساسية في هذه المقاربة الفيلولوجية أيضا مفهوم «الانعكاس». الذي يجعل من الأدب مرآة لصاحبه وعصره، مما يجعل الدراسة الأدبية - من الوجهة الفيلولوجية- منصبة أساسا على المؤلف، من خلال جمع المعطيات الاجتماعية والسياسية الاقتصادية التي ساهمت في تشكيل شخصيته الأدبية، والمصادر الفكرية والأدبية التي نهل منها، والبحث عن أفكار المؤلف ورؤيته للعالم في مصادر أخرى، اعتمادا على عمليات المقارنة بين النصوص المختلفة للمؤلف.

وقد قدم فرانسواراستيي F. Rastier تحليلا مركزا لنظرية المحاكاة الفيلولوجية، قائما على ما يسميه نظرية الدليل اللغوي التقليدية: «للدليل (من وجهة نظر هذه النظرية) مرجعا في الواقع المجاوز للغة، يتمثل في «العالم». ومن ثم، لا يمكن اعتبار كلمة أو تركيب ما في النص إلا بالإحالة على هذا الواقع»(12).

إذن، مبدأ التحقيب السياسي، والمقاربة الفيلولوجية للنصوص، هي أهم الدعائم التي قام عليها مفهوم تاريخ الآداب الأوروبي في القرن 19. أغلب ا لمؤلفات التي أرخت للآداب الأوروبية -في هذه الفترة- تستوحي بشكل أو بآخر هذين المبدأين.

ظهرت -في البداية- المؤلفات التي طغى عليها التأريخ للمدد الطويلة، والمعالجة الشمولية. كما يتجلى ذلك في «تاريخ الأدب الإغريقي» ل «دلتور» Deltour(13). وستظهر- بعد ذلك- مؤلفات تعنى بالتواريخ القومية للبلاد الأوروبية، كل منها على حدة، وذلك في سياق التنافس الذي كان على أشده بين هذه البلدان، وسعيها إلى التمايز وإثبات تاريخها القومي المتميز، خاصة بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

ولما شرعت هذه البلدان في تقسيم العالم، والتطلع إلى تصدير قوتها المادية والتقنية والعسكرية خارج الإطار الأوروبي، كان من الضروري أن تعمل على إعادة ترتيب المعارف العلمية والأدبية والفنية للبلاد التي تسعى إلى استكشافها والسيطرة عليها. من هذا المنظور سيحاول الغرب إعادة صياغة عالم الشرق، وسيقرأ أنساقه الإنسانية والفنية وفقا لتوقعاته وانتظاراته منه(14). وإذا كانت هذه القراءة قد عمت مختلف المجالات المعرفية، فإن المهم عندنا هو ماله علاقة بتاريخ الأدب، إذ ظهرت مجموعة من التآليف الاستشراقية في هذا المجال، وهي تشتغل على الأدوات المفهومية والمنهجية والإجرائية نفسها التي تمت الإشارة إليها سابقا.

هكذا ظهر أول مؤلف يحمل عنوان «تاريخ الأدب العربي» عام 1850م، وقد ألفه المستشرق النمساوي «هامر بورجشتال»، ثم ظهر كتاب كريمر سنة 1877م، ثم مؤلف الإنجليزي «أربتونت» سنة 1890م، والألماني كارل بروكلمان سنة 1898م. ثم ظهرت مؤلفات أخرى في تاريخ الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين لكل من نيكلسون، وبلاشير ونلينو... وغير هؤلاء كثير من الأسماء والمؤلفات التي لا يمكن إحصاؤها. ولتأكيد ذلك نشير إلى أن المستشرق الجماعة «كارل بروكلمان» ذكر ا لعديد من الأسماء وعلق قائلا - بعد ذلك-: «لا نستطيع أن نسمي هنا إلا بعض الكتب»(15).

بعد هذا المدخل الذي حاولت من خلاله تسليط الضوء على الشروط التاريخية والمعرفية التي ظهرت فيها التآليف الاستشراقية للأدب العربي، سننتقل إلى القسم الثاني من هذا البحث، وذلك قصد تحليل العناصر الأساسية التي تقوم عليها هذه التآليف. وسنركز هنا على عنصرين، سبق أن أشرت إليهما باعتبارهما يشكلان الدعامة الأساسية التي قام عليها التأريخ للآداب الأوروبية أولا، ثم التأريخ الاستشراقي للأدب العربي بعد ذلك. يتعلق الأمر باعتماد التحقيب السياسي والقراءة الفيلولوجية. سنحلل هذين العنصرين في علاقتهما بفكرة المركز والهامش كما تم عرضها في مقدمة البحث.

1- تحليل العناصر الأساسية التي يقوم عليها التاريخ الاستشراقي للأدب العربي:
- مبدأ التحقيب السياسي:

ماذا نقصد بالتحقيب؟

التحقيب من الأدوات المنهجية الأساسية في الممارسة التاريخية بشكل عام، ويمكن البحث عن أصوله المرجعية ضمن السياق الثقافي العام الذي ألمحت إليه في مدخل هذا البحث، القائم على الوعي بأهمية العامل التاريخي، والبحث عن القوانين المتحكمة فيه، ودور المنعطفات التاريخية الكبرى وأثرها في الانعطافات المعرفية والأدبية والفنية.

وإذا نظرنا إلى مفهوم الحقبة في معناه اللغوي - سواء في اللغة العربية أو في اللغات الأجنبية- فإننا سنجدها تفيد المقطع الزمني الذي قد يطول أو يقصر، لذلك فالتحقيب وصف للزمن المتعلق بحركية المعارف، بما تحمله هذه العملية من بعد نقدي وما تتطلبه من استحضار للحس التاريخي والتعالقي(16). يستلزم التأريخ في الحقول المعرفية المختلفة، تقديم المادة في حلقات أو حقب خاضعة لنظام معين، فينشئ المؤرخ حقبا يسمها بمواصفات معينة، تختلف باختلاف الأطر المرجعية النظرية التي تصدر عنها عملية التصنيف: فهناك -على سبيل المثال- التحقيب الذي وضعه بشلارBachelard لتطور الفكر العلمي(17)، وقد أقامه على اسس إبستمولوجية، وهو التحقيب الذي سيستوحيه «ميشيل فوكو» M..Foucault في إطار ما يسميه «الإبستيم(18) Epistème». وهناك التحقيبات التي وضعها الماركسيون، المبنية أساسا على البنية الاقتصادية، فألتوسيرAlthusser - مثلا- يقيم التحقيب على أساس نمط الإنتاج(19)، وسيعتمد غولدمانL.Goldmann مفهوم «البنية الدالة»(20) التي تتحكم في التحقيب الأدبي وبنى ياوس تحقيبه على «أفق التوقع»(21)... إلى غير ذلك من النماذج.

كما ظهر في التراث العربي تحقيبا قائما على ما اصطلح عليه بـ«الطبقة»، أو علم الطبقات، «الذي يعد من إبداعات الحضارة الإسلامية»(22)، وقد وضع العلماء العرب عدة ضوابط للتصنيف حسب الطبقات. من هذه الضوابط: ضابط الدين، وضابط العدد، وضابط الزمان، وضابط المكان(23).

أما التحقيب الذي اختاره المستشرقون في تأريخهم للأدب العربي فهو التحقيب الذي يجعل من عصور التاريخ السياسي عصورا لتاريخ الأدب العربي. ويركز على دور المنعطفات السياسية والتاريخية الكبرى في الانعطافات الأدبية والفنية. وفي ما يلي نماذج من هذا التحقيب:

قسم كارل بروكمان - تاريخ الأدب العربي- إلى مرحلتين أساسيتين:

أ- أدب الأمة العربية من أوليته إلى سقوط الأمويين سنة 132هـ/750م، وتنقسم هذه المرحلة إلى الأقسام التالية:

1- الأدب العربي إلى ظهور الإسلام.

2- محمد e وعصره.

3- عصر الدولة الأموية.

ب- الأدب الإسلامي باللغة العربية. وقد قسم هذه المرحلة إلى ما يلي:

1- عصر ازدهار الأدب في عهد العباسيين بالعراق منذ حوالي 750م إلى سنة 1000م تقريبا.

2- عصر الازدهار المتأخر للأدب منذ سنة 1000م تقريبا إلى سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 1258م.

3- عصر الأدب العربي منذ سيادة المغول إلى فتح مصر على يد السلطان سليم سنة 1517م.

4- عصر الأدب العربي من سنة 1517م حتى أواسط القرن التاسع عشر.

5- الأدب العربي الحديث(24).

أما المستشرق «كارلو نالينو» فقد اعتمد تحقيبا يقوم على ثلاثة عصور أدبية:

1- الآداب العربية في العصر الجاهلي.

2- الآداب في صدر الإسلام وأيام الخلفاء الراشدين.

3- الشعر في عصر بني أمية(25).

تكاد هذه الخطاطة المنهجية تتكرر في أغلب التآليف التاريخية الاستشراقية المذكورة سابقا، مع وجود اختلافات بينها حول قضايا جانبية منها:

- عدد العصور الأدبية، فهي عند بروكلمان ستة عصور، وعند نالينو وجيب خمسة عصور وعند نيكلسون وهوار سبعة عصور.

- بداية ونهاية هذه العصور، في علاقتها بالمدة التي يستغرقها كل عصر.

- مسألة التسمية؛ إذ هناك من المستشرقين من حافظ على الاصطلاح التاريخي السياسي (العصر الجاهلي -العصر الإسلامي- فالعصر العباسي...إلخ)، وهناك من اعتمد اصطلاحات أخرى: فالمستشرق جيب- مثلا- يغلف العصور السياسية بالصفات التي يعتقد أنها طغت على العصر من بين هذه الاصطلاحات: العصر البطولي (يقصد به العصر الجاهلي)، ثم عصر الغزو والتوسع (يقصد به العصر العباسي الثاني)، العصر المملوكي(26).

وقد هيمنت هذه الخطاطة المنهجية على أغلب المؤلفات الاستشراقية التي أرخت للأدب العربي، وهي خطاطة تطابق بين التحولات السياسية والتحولات الأدبية، بحيث يصبح الحدث السياسي المتمثل في سقوط دولة أو نشوئها حدا فاصلا بين العصر الأدبي السابق واللاحق. وغالبا ما تقدم هذه المطابقة بصورة أقرب إلى الميكانيكية والآلية، دون الانتباه إلى أن تاريخ الأدب العربي لا تحكمه دائما الانقطاعات التي تسود التاريخ السياسي في انتقاله من مرحلة إلى أخرى، وآية ذلك أن هناك شبه إجماع بين هذه التآليف على اعتبار «الجاهلية» حقبة من تاريخ الأدب العربي تنتهي سنة 622م، والعصر الأموي حقبة من تاريخ الأدب العربي تنتهي سنة 750م، وبذلك فهم يؤكدون تمايز هذين العصرين تبعا للتمايز السياسي، لكنهم في الوقت نفسه يركز أغلبهم على وجود تشابه بين هذين العصرين على مستوى المضامين والأشكال الفنية. نشير هنا إلى ما أورده بروكلمان في هذا المجال بقوله: «ولم يؤثر الإسلام تأثيرا عميقا في شعراء العرب، كما يريد النقاد العرب أن يقنعونا بذلك، فقد سلك شعراء العصر الأموي دون مبالاة في مسالك أسلافهم الجاهليين»(27).

صحيح، قد نصادف ضمن المداخل النظرية لهذه المؤلفات التاريخية، بعض الأقوال والشواهد التي تكشف عن وجود وعي بالتفاوت الحاصل بين التحقيب السياسي والتحقيب الأدبي. لكن الممارسة العملية - من خلال عملية التأريخ- لا تخرج عن الإطار المشار إليه سابقا، الذي يقوم على تسويد التحولات السياسية على التحولات الأدبية. يقول نالينو:

«إن هذه الحدود التي ذكرتها لكل عصر من الأعصر الستة ليست إلا حدودا صناعية اصطلاحية أثبتها على التقريب، فإن عصرا من التاريخ السياسي أو من تاريخ الآداب لا يحصر في مواقيت معينة بدقة (...) وقصارى القول إن قسمة تاريخ الآداب أقساما محصورة محدودة إنما هي وسيلة لتسهيل بيان سير الآداب في مدا رج الرقي أو رجوعها القهقرى. فالحدود المعينة لكل عصر هي كالأعلام التي كان أهل البدو ينصبونها في البراري والقفار، ليهتدي بها ابن السبيل»(28).

ولم يخرج عن هذه القاعدة غير المستشرق «ريجيس بلاشير»، الذي جعل المرحلة الأدبية الملاصقة لظهور الإسلام، امتدادا لمرحلة ما قبل إسلام. فالدعوة المحمدية – عنده- لم تحدث فورا انقطاعا في مفاهيم الشعراء السابقين لها واللاحقين، ذلك أن ما أحدث قفزة نوعية في مجال الأدب أو صدمة تغييرية، وخلق ظروفا مؤاتية هو إرساء الخلافة الأموية، وازدياد أهمية سوريا والعراق(29).

ما هي علاقة هذا المنهج القائم على المقايسة بين الأدب والسياسة، بالإشكالية التي تطرحها المداخلة، إشكالية المركز والهامش؟

هذا النوع من التحقيب الذي وضعه المستشرقون لا يخرج عن الإطار العام الذي قدمت أهم عناصره في بداية المداخلة، إطار تعزيز المركزية الأوروبية. وذلك من خلال تقديم التاريخ الأدبي الأوروبي على أساس أنه العام والرسمي للتاريخ الأدبي الإنساني كله.

وكان لهذا التوجه نتائج علمية وتاريخية رهنت الإبداع العربي بالسياسة وبالسلطة السياسية، وتجاوزت المنظورات التأريخية التي كانت سائدة في الكتابات العربية القديمة. وذلك ما يتجلى في التآليف التي كتبها المؤرخون العرب حول الأدب العربي، وهي تآليف أعادت إنتاج الرؤية الاستشراقية مضمونا وشكلا، مما يجعلها تندرج ضمن ما يسميه إدوارد سعيد «استشراق من الدرجة الثانية»(30). يكفي أن نشير هنا إلى جرجي زيدان الذي يعتبر نفسه أول من ألف في تاريخ الأدب العربي، ويعتبر المؤلفات الاستشراقية هي النموذج في مجال التأليف التاريخي الأدبي الحديث. وبشكل عام يعتبر النموذج الأوروبي معيارا يحتكم إليه لصياغة الملامح العامة للتاريخ العربي لأن «أفضل نموذج لآداب العالم المتمدن (على حد تعبيره) هو آداب اللغة اليونانية وهي أهمها جميعا. ولها تاريخ طويل يرجع إلى قرون عدة قبل الميلاد»(31).

- ننتقل الآن إلى تحليل المبدأ الثاني الذي يقوم عليه التأريخ الاستشراقي للأدب العربي، يتعلق الأمر هنا بما سميناه القراءة الفيلولوجية. وسنتناول تجليات هذه القراءة في التآليف الاستشراقية التي أرخت للأدب العربي، في علاقتها بإشكالية المركز والهامش. وسنتعرض هنا لثلاثة عناصر:

1- من العناصر الأساسية التي تقوم عليها هذه القراءة الفيلولجية، ما يسمى بمبدأ التأصيل. يحمل التأصيل «مفهوم الأصل الذي تتولد عنه الفروع وترجع إليه وتحمل خواصه. وهو المعيار الذي يجب أن يقاس إليه كل فعل تال له؛ لأنَّه الأول أو اتخذ كذلك. البحث عن الأصول هو حفر إلى الوراء، لإثبات وجود الخيط المرتبط بالرحم أي بالنص الأول، أو الإنتاج الأول»(32).

لذلك فالمؤلفات الاستشراقية التي أنجزت ضمن تاريخ الأدب العربي كانت معنية بإرجاع الظواهر والنصوص والقضايا إلى أصولها الأولية، فتأريخ الأدب العربي من منظور القراءة الاستشراقية هو تتبع وتأريخ للمرجعية العربية والإسلامية في خصوصيتها وعموميتها.

يفترض التأصيل وجود نموذج أصلي أو ما يسميه أحد الباحثين «الشاهد الأمثل» أو «المثال الأول»(33) الذي يمكن أن نقيس إليه. بحيث نرجع الفرع إلى الأصل، أو الهامش إلى المركز. «فعل إسناد صلاحية الاتباع إلى بعض النصوص دون أخرى لتصبح نصا أو شرعة، هو فعل انتقائي واختياري، يخضع لأحكام المؤسسة الاجتماعية العامة، وغايتها، ونوع الرؤية العامة للعالم والوجود»(34).

لذلك فإن التأريخ الاستشراقي للأدب العربي المحكوم بالمركزية الأوروبية، كثيرا ما ينظر إلى مباحث تاريخ الأدب العربي وقضاياه وعلومه في علاقتها بأصول يونانية أو هندية أوربية عموما. لذلك نصادف في الـتآليف الاستشراقية المذكورة من يتناول النحو العربي في علاقته بالأصول والمراجع النحوية في الإسكندرية أو غيرها، وينظر إلى علم العروض العربي في علاقته بالأوزان الأوروبية، كما يضع تصورا للهجات العربية القديمة واللغة العربية الفصحى، من خلال العلاقة التي حكمت اللغة اللاتينية واللهجات الرومانية المختلفة.

كما نصادف هذا النوع من التأصيل -الذي يرد الظواهر الثقافية العربية والإسلامية إلى أصول غربية- في الدراسات التي اهتمت ببعض المبدعين العرب من كتاب وشعراء: فمذهب ابن الحزم في طوق الحمامة، القائم على الحب العذري «غير مألوف ولا معهود في الثقافة العربية الإسلامية التي يطبعها الحب الحسي» في نظر دوزي، لذلك فهو يبحث عن أصول لهذا النوع من الحب في الثقافة المسيحية! ذلك فإن «هذا الشاعر الأكثر عفة» هو أيضا «الأكثر مسيحية»(35) فالمثالية المسيحية هي أصل ما نعثر عليه في كتاب طوق الحمامة- وغيره من المؤلفات العربية- من حب عذري(36) وتصوف الحلاج -عند ماسينيون- ثورة على الإسلام «السني»، ورجوع به إلى التثليث المسيحي الذي هو المتنفس الحقيقي للعقل والفكر.

كما نصادف في التآليف التاريخية الاستشراقية -ضمن هذا المنحى التأصيلي- آراء ومواقف ترجع صدى النظريات العرقية التي ميزت بين العقلية السامية والعقلية الآرية، ونسبت إلى الأولى كل مظاهر الجمود والتخلف.

تستمد هذه الفرضيات الاستشراقية- المستندة إلى الخلفية العرقية- أطرها المعرفية من بعض الكتابات العنصرية التي تعتمد فرضية تقول بوجود سلالات بشرية ترث سمات ثابتة تتجاوز مراحل التطور التاريخي للمجتمع، وأن تلك السمات الوراثية هي المسؤولة عن اختلاف التطورات الاجتماعية. ويعد «غوبينو» أبرز دعاة هذه النظرية، من خلال كتابه «بحث في تفاوت العروق البشرية»، الذي أبرز فيه أن التفاوت بين الأعراق موافق لنظام الطبيعة، وأن «العروق الدنيا» غير مؤهلة للحضارة، وإنما خلقت كحيوانات جرل «العروق العليا»(37).

وقد أسهمت بعض النظريات اللغوية في تأكيد هذه النزعات العنصرية؛ فقد ذهب «رينان» إلى القول بأن اللغات الهندية الأوروبية بلغت درجة الكمال، بينما اللغات السامية «شنيعة التركيب»، ثم خلص إلى استنتاجات حول سمات الشعوب الموصوفة؛ فالشرقيون يتسمون بالتحجر والبحث عن المطلق، بينما الغربيون يميلون إلى المعرفة العلمية(38).

نصادف هذا الموقف -مثلا- عند «بلاشير» الذي يرى في كتابه «تاريخ الأدب العربي» أن الأدب العربي يفتقد عموما إلى الإبداع والعبقرية، مبررا ذلك بقوله: «إن الفعالية الأدبية، في أدوار عدة، بل في الأدوار الهامة تظل جماعية بمعزل عن كل خلق فردي حقا، وإذا ما اتفق أن وجدنا خلافا لذلك فإننا لا نلبث إذا أمعنا النظر أن ندرك أن الظاهرة، حركة تجديد أوجدتها فئة، أو جماعة أدبية أو هي صفة خاصة إقليمية... وعلى الجملة فالأدب العربي- وقد نلحق به آداب الشرق الأدنى- لم يعرف إلا في ومضات خاطفة تلك الحاجة المرهفة للتجديد، والتميز، والتعارض»(39).

2- العنصر الثاني الذي سنقف عنده ضمن القراءة الفيلولوجية، التي وظفها المستشرقون لها علاقة بالدراسة اللغوية للنصوص، وتحقيقها، والمقارنة بينها، واعتماد مختلف أشكال التدقيق والنمذجة والتصنيف والتبويب وعقد المقارنات ورصد مواطن الاتفاق والشبه، والاختلاف والتقابل. وقد شيد الاستشراق في هذا الإطار معمارا من الأجهزة، يمكن إجماله في خطوتين: تقوم الأولى على ما يسمى بعملية التنصيص Textification، من حيث جمع النصوص، والوثائق الأدبية، وتفسير ماضي الظواهر الأدبية في سياقها التاريخي والاجتماعي: كيف جاءت؟ ومتى ظهرت... الخ. في حين تقوم الخطوة الثانية على تحليل النصوصDetextification، اعتمادا على الشرح على طريقة ما يسميه لانسون «السير خطوة خطوة»، وذلك من خلال تعقب الأفكار وفق تسلسلها في النص، أي وفق نظام خطي متتابع.

تقدم هذه القراءة الفيلولجية نفسها باعتبارها قراءة تتوخى الحياد وتهدف إلى إنتاج خطاب موضوعي،وتزعم أنها تقف عند حدود التلقي المباشر من النص أو من التاريخ وتجتهد في أن يكون هذا التلقي بأقل تدخل ممكن من المؤرخ، وبأكبر قدر من «الأمانة»، وحتى على مستوى الخطاب، تغيب الذات المتكلمة، ويعتمد المستشرق /المؤرخ في سرده للأخبار والمعلومات طريقة أقرب إلى ما يقوم به «السارد المحايد الموضوعي» في السرد، حين تغيب الذات المتكلمة على الصعيد اللغوي ويحافظ السارد على مسافة فاصلة بينه وبين ما يرويه(40).

لكن ماذا وراء الجهاز التحليلي من تحيز؟
يشكل هذا النوع من الممارسة التحليلية، عدوانا على الأدب العربي وتاريخه، وذلك عندما يفتته ويقتل الحياة فيه، ويبرز فيه ما يشاء، ويختزل ما يشاء، ويعيد صياغته وفقا لتوقعاته وانتظارا ته منه!

في حين يتعلق الأمر هنا بتراثنا الأدبي الذي هو جزء من هويتنا الثقافية وكياننا المعنوي، لذلك لا يمكن التعامل معه برؤية ستاتيكية جامدة، بل لا بد من دراسته بهدف إعادة الانتظام الواعي فيه، واستعادته في ضوء أسئلة حاضرنا وحاجياته. لذلك فمن المفروض أن قراءة التاريخ الأدبي العربي ينبغي أن تتم من موقعنا التاريخي لا من الموقع التاريخي للغير. الأدوات المنهجية والإجرائية التي جاء بها المستشرقون يمكن اعتمادها كمكتسبات علمية إنسانية عامة، لكن على أساس ملاءمتها واستيعابها ضمن المنظور الخاص.

3- من العناصر الأساسية في هذه القراءة الفيلولوجية الاستشراقية ما يتعلق بالطابع الشمولي. ينطلق المستشرقون -في هذا الإطار- من تصور مفاده أن الأدب يشمل «كل ما صاغه الإنسان في قالب لغوي ليوصله إلى الذاكرة»(41)، وتاريخ الأدب العربي من هذا المنظور هو تأريخ للحياة العقلية بشكل عام، ومن ثم فعلى مؤرخ الأدب العربي أن يدخل كل ظواهر التعبير اللغوي في دائرة عامله، ولا يجوز له الاقتصار على فن القول في نطاقه الضيق»(42). وهذا ما يفسر الطابع الشمولي والموسوعي الذي يميز التآليف التأريخية الاستشراقية في مجال الأدب. وهي تآليف تاريخية عامة تؤرخ للأدب كما تؤرخ للأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية والدينية بشكل عام، ولا تؤرخ للأدب بمعناه الاصطلاحي المحدود، مما يجعل هذه المؤلفات تحضن كل مكونات الثقافة العربية الإسلامية.

لعل النموذج الذي يمكن تقديمه في هذا المجال هو نموذج تاريخ الأدب العربي لبروكلمان بأجزائه الأساسية التي أصدرها سنة 1898م، وأجزائه التكميلية التي صدرت في مجلدات كبيرة تصل إلى حوالي 2600 صفحة سنة 1942م، ليكون هذا المشروع قد استغرق حوالي نصف قرن مع تأكيد بروكلمان في مقدمة الكتاب بأنه في هذا التاريخ لم يكن يطمح إلى إنجاز البحث الخصوصي المتصل بجميع الدوائر العلمية، وأنه يقتصر على إعداد المادة المطلوبة لمثل ذلك البحث، وعلى تعبيد الطريق للجيل المتأخر، وكأن بروكلمان يستوحي ما سبق أن عبر عنه لانسون وهو يشعر بأن عمر المؤرخ الواحد لا يسعف في إنجاز تاريخ أدبي على الوجه الأكمل «ولكن ما يعجز عنه عمر تستطيع أعمار أن تعمله»!(43).

هذه النزعة الشمولية والموسوعية تجعل المادة المقدمة من خلال هذه التآليف التاريخية متعددة الأدوار والوظائف، وتحمل إمكانيات قراءية وتأويلية متعددة ومختلفة. لذلك لا يعدم الباحثون في موضوع الرغبات الدفينة والأغراض الخاصة لبعض المستشرقين من حجج لتأكيد آرائهم، اعتمادا على هذه المادة المعرفية الغزيرة المقدمة من خلال هذه التواريخ، وهذا موضوع قيل فيه الكثير. هكذا يصادف القارئ عناوين من قبيل «طابع الإنجيل في القرآن» و«عناصر نصرانية في القرآن» و«القصص الكتابية في القرآن»... إلى غير ذلك من العناوين التي تجدها مبثوثة في التواريخ الأدبية ل «بلاشير» و«نالينو» و«بروكلمان».. وهي قضايا مؤسسة على علاقات الصراع بين المسيحية والإسلام، وتقوم على شبكة واسعة من الأحكام المسبقة والرغبات الدفينة التي يقوم عليها الوعي الجماعي الغربي المسيحي. إذ «هناك أفكار ثابتة عن الإسلام والنبي –صلى الله عليه وسلم-، تدخل في التفاصيل، وتتجاوز الحقب الوسيطة إلى الاستشراق. من هذه الأفكار الاقتناع بافتقار الإسلام إلى الأخلاقية، وبإباء الإسلام للنقاش الفكري، وتبلد المسلمين العقلي أما دعوى اللاأخلاقية، فتجد شواهد في سلوك النبي الشخصي وفي عدم إقبال المسلمين على المسيحية رغم الوضوح الظاهر لحقيقتها. بينما يبقى أصل فكرة «لا عقلانية» المسلمين وتحريم نبيهم للحوار والجدل غامضا. في حين يتأسس الاعتقاد بتبلد المسلمين على الذهاب إلى أنهم جبريون في العقيدة والإيمان، وبالتالي فإنهم لا يقبلون على استخدام عقولهم حتى لا يفقدون إيمانهم»(44).

كما يمكن التماس العديد من الشواهد والأمثلة في هذه التواريخ الأدبية لتأكيد الدور الاستكشافي للمستشرق/المؤرخ، وتأكيد العلاقة الصريحة أحيانا والخفية أحيانا أخرى بين الظاهرة الاستشراقية والظاهرة الاستعمارية(45). ومن ثم تأكيد الفكرة المذكورة في مستهل هذه المداخلة، المتعلقة بالسياق العام الذي ظهر فيه الاستشراق وهو سياق التوسع الأوروبي والسعي إلى تصدير القوة التقنية والعلمية والعسكرية إلى العالم العربي الذي سيوصف بالشرق المتخلف، مقابل الغرب المتقدم.

في الأخير، من المفيد أن أقتبس عن إدوارد سعيد هذه الخلاصات التي حاول من خلالها تكثيف وظائف الاستشراق، وأرى أن هذه الوظائف تنطبق إلى حد كبير مع وظائف التأريخ الاستشراقي للأدب العربي. يقول إدوارد سعيد: «المستشرق يمكن أن يزود مجتمعه بتمثيلات للشرق: 1- تحمل طابعه المميز الخاص، 2- توضح تصوره لما يمكن للشرق أو ينبغي له أن يكون، 3- تتحدى تحديا واعيا وجهة نظر إنسان آخر للشرق، 4- تزود الإنشاء الاستشراقي بما يبدو، في تلك اللحظة، بأمس الحاجة إليه، 5- تستجيب لمتطلبات معينة ثقافية، ومهنية، وقومية، وسياسية، واقتصادية تفرضها الحقبة التاريخية»(46).

***********************

الحواشي

*) باحث من المغرب.

1- انظر: –على سبيل المثال– لا الحصر:

- إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط2: 1984م.

- سالم يفوت، حفريات الاستشراق في نقد العقل الاستشراقي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1: 1989م.

- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية إشكالية التكون والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1: 1997م.

2- عبد السلام المسدي، في آليات النقد الأدبي، دار الجنوب للنشر، تونس 1994م، ص85.

3- يمكن الرجوع في هذا الإطار إلى:

J.Y. Tadié, Introduction à la vie littéraire du XIX siècle, Nouvelle ed, Paris, 1984, p74.

4- للمزيد من التفاصيل حول نظرية فيكو يمكن الرجوع إلى المراجع التالية:

- ويد جيري، المذاهب الكبرى في التاريخ، دار القلم، بيروت، 1972م، ص194.

- كولنجوود، فكرة التاريخ، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1961م، ص132.

- غاستون بوتول، تاريخ السوسيولوجيا، مطبعة عويدات، بيروت، 1977م، ص48.

5- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1: 1991م، ص97.

6- انظر: أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية الإسكندرية 1990م.

7- للمزيد من التفاصيل: انظر: هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة: إمام، عبد الفتاح إمام، دار الثقافة، القاهرة، 1986م.

8- محمد عابد الجابري، الاستشراق في الفلسفة منهجا ورؤية، ضمن كتابه: التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي – بيروت، ط1: 1991م، ص76.

9- انظر: أحمد بوحسن، مفهوم تاريخ الأدب بين التصور العربي القديم والتصور الأوربي الحديث، ضمن: انتقال النظريات والمفاهيم، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم: 76، 1999م، ص29-43.

10- رينيه ويليك، أوستين وارين، نظرية الأدب، ترجمة: محي الدين صبحي، مراجعة: حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987م، ص39.

11 -J. Perret, qu’est ce qu’un texte (ouvrage collectif) , librairie corté 1975, p14-15.

12- F. Rastier, un concept dans le discours des études littéraires, littérature, N°: 7-1972, p87.

13- Deltour, Histoire de la littérature Grecque, Paris, 1896.

14- أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب (نموذج كتاب الأغاني)، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط1: 2003م، ص117.

15- كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج1، ترجمة: عبد الحليم النجار، دار المعارف، القاهرة، ط5-1983م، ص33.

16- انظر: مجموعة من المؤلفين إشكال التحقيب، تنسيق: محمد مفتاح وأحمد بوحسن، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات، رقم: 56-1996م.

17- G. Bachelard, la formation de l’esprit scientifique, Paris, 1989, p6.

18- ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة: سالم يفوت المركز الثقافي العربي، البيضاء، 1986م.

19- L. Althusser, lire le capital, Maspero, 1968, p20.

20- Lucien Goldman, Recherches dialectiques, Gallimard, paris, 1959, p110.

21- هانس روبير ياوس، جمالية التلقي، تقديم وترجمة: رشيد بنحدو، مكتبة النجاح، الجديدة، ط1: 2003م، ص63.

22- محمد أمين، مفهوم الطبقة بين المحدثين والأدباء، مجلة التسامح، مؤسسة عمان للأنباء والنشر والإعلان، عمان، س: 2، شتاء 2004م، ص190.

23- للمزيد من التفاصيل حول هذه الضوابط، يمكن الرجوع إلى البحث المذكور أعلاه، ص195-207.

24- كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج1، ص37-38.

25- كارلو نالينو، تاريخ الآداب العربية، دار المعرف، القاهرة، 1954م.

26- لأخذ صورة عن هذه الفروق يمكن الرجوع إلى الخطاطة التي وضعها حسين الواد للمؤلفات الاستشراقية المذكورة، انظر: حسين الواد، في تأريخ الأدب مفاهيم ومناهج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2: 1993م، ص143.

27- كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج1، ص36.

28- كارلو نالينو، تاريخ الآداب العربية، ص48-49.

29- للمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة يمكن الرجوع إلى: إبراهيم هاشم، جديد بلاشير، (بين بلاشيروكل من: بروكلمان، زيدان، ضيف)، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد: 36 – خريف 1985م، ص100-109.

30- إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط2: 1984م، ص319.

31- جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط1: 1978م، ص21.

32- أحمد بوحسن، التقليد وتاريخ الأدب العربي، ضمن كتاب: (التحقيب – القطيعة - السبرورة)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات، رقم: 81.

33- محمد مفتاح، التلقي والتأويل، مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي، بيروت 1994م، ص101.

34- أحمد بوحسن، التقليد وتاريخ الأدب العربي، ص70.

35- R. Dozy, Histoire des musulmans d’Espagne, Leiden 1861, T: 3: p338.

نقلا عن سالم يفوت، حفريات الاستشراق، ص35.

36- المرجع نفسه، ص25.

37- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، ص25.

38- المرجع نفسه، ص26.

39- ريجيس بلاشير، تاريخ الأدب العربي، ترجمة: إبراهيم الكيلاني، الدار التونسية للنشر، 1986م، ج1، ص14.

40- Rolond Barthes, le discours de l’histoire poétique: N° 49, 1982.

41- كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج1، ص3.

42- نفسه، ص4.

43- لانسون، منهج البحث في تاريخ الآداب، ضمن كتاب محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة (ب.ت)، ص420.

44- ريتشارد سوزن، صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: رضوان السيد، بيروت 1984م، ص13.

45- حول الدور الاستكشافي الاستعماري للدراسات الاستشراقية التاريخية، يمكن الرجوع إلى: إدوارد سعيد، الاستشراق، ص221.

46- إدوارد سعيد، الاستشراق، ص275.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=628

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك