ثقافة التسامح بين الغرب والشرق

ثقافة التسامح بين الغرب والشرق

وهبة الزحيلي*

التسامح أو السماحة في المفهوم الحضاري الإسلامي معناه: التزام ضابط التوازن والاعتدال في خطاب الآخرين والتعامل معهم نظرياً وعملياً على أساس منهج موضوعي مرن، دون ضرر ولا إضرار، ودون انتظار مقابل أو جزاء.

وغايته الانفتاح على الشعوب الأخرى، وإشعاع الخير والمعروف، والحفاظ على ألق الحضارة، ونشر ثقافة الحوار ونبذ التعصب والصراع، واحترام كرامة الإنسان، والحرص على توفير الأمن والسلام، والحب والعطاء، والعيش الودّي المشترك بين المذاهب والأديان والفلسفات والقيم الخلقية السامية، ونشدان الاستقرار، وزرع الثقة والطمأنينة بين الناس.

وآفاق التسامح في شرعة الإسلام لا تقتصر على الوسط الإسلامي وإنما تعم العالم كله، وتشمل مختلف الأمم والجماعات، وأصحاب العقائد والأفكار من غير أي تفريق ولا تمييز، ولا تعصب ولا أحقاد، ولا توترات أو إثارة خصومات أو منازعات تفرِّق ولا تجمع، وتُضعف ولا تقوِّي، ولا تسمح أولا تُشعر بوجود امتيازات فئوية عنصرية أو طبقية أو دينية، أو غيرها مما يدمّر بنية المجتمع، ويؤدي إلى التصادم والفتن.

هذا التسامح يتلازم فيه المبدأ مع المنهج النظري والتطبيقي، لتحقيق الغاية المرجوة؛ لأن طريقه واضح، وأصوله هي أصول الإسلام الكبرى في الحياة الإنسانية.

وتأصيله ثابت في السنة النبوية في حديث: «إني أرسلت بحنيفية سمحة»([i]) وحديث: «أحب الدين إلي الحنيفية السمحة»([ii]).

وأصوله أو أسسه خمسة، وهي: الإخاء الإنساني، والاعتراف بالآخر واحترامه، والمساواة بين الناس جميعاً، والعدل في التعامل، وإقرار الحرية المنظمة.

أما الإخاء الإنساني فلم نجد مثل القرآن الكريم والسيرة والسنة النبوية يشيدان به ويعضدانه، لأنه منطلق كل المعاني الكريمة، مثل قول الله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا..﴾(النساء: 1) وقول النبي -عليه الصلاة والسلام- في ميثاق حجة الوداع: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى».

فالآية الكريمة والقول النبوي الشريف يدلان على وحدة الأصل الإنساني، ووحدة الإنسانية، والإخاء الإنسـاني الواسع الشامل، والأسرة الإنسانية المتولدة من أب وأم واحدة، فلا عنصرية، ولا طبقية، ولا فوقية أو نبل أو شرف لجنس على آخر، أو عنصر على عنصر، وكل ما يهدر هذه المعاني فهو معادٍ لأصله، منتكس على فطرته السوية النقية.

والاعتراف بالآخر مسلماً كان أو غير مسلم هو منهج التعامل مع البشرية في القرآن المجيد، كما نلمس في آيات قرآنية كثيرة منها: ﴿.. تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ..﴾(النحل: 92) أي تتخذون أيمانكم على الوفاء بالعهد مكراً وخديعة لغيركم وتغريراً بهم، وتضمرون النقض والميل لغيركم، لأنهم أقوى وأغنى، فهذا إقرار واضح بوجود الدول والأمم والشعوب الأخرى، فلا يصح لأحد أن يطمس معالم هذا الواقع، وهو التعدد الأممي والدولي والشعبي، ويؤكد ذلك آية أخرى: ﴿ولو شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾(يونس: 92) وهذا يعني الاعتراف بوجود الآخر، وبالتعددية بين الأديان والطوائف.

وأما المساواة بين الناس جميعاً في الإنسانية فلأنهم إخوة، والإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، وهم جميعاً من مخلوقات الله تعالى، والله رازقهم، وموجدهم ومميتهم، وحاشرهم إليه في ميعاد ثابت في علم الله سبحانه، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «الناس سواسية كأسنان المشط»([iii]).

وأما العدل في التعامل: فهو قمة الأخلاق، وتاج الفضائل، ورأس القيم العليا في معاملة الآخرين، وقد كان للمسلمين في عهودهم المتلاحقة أمثلة فذة ورائعة في معاملة الشعوب المفتوحة بلادهم أو غيرهم، عملاً بالتنزيل المجيد، مثل آية: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(المائدة: 8) أي لا يحملنكم بغض قومهم وكراهيتهم على إلحاق الظلم بهم، اعدلوا فالعدل سياج التقوى لله تعالى، وهو أساس الملك، وبه دوام العمران والمدنية والحضارة.

وأما إقرار الحرية المنظمة لكل إنسان فهو قوام الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لأن الاستبداد والاستعباد والفوضى من طبائع البعيدين عن هدي الله تعالى، لاسيما المستعمرون منهم، فهم يقمعون حريات الشعوب المستضعفة، ويسلبون خيرات البلاد المستعمرة، ويخنقون نسائم الحرية حتى يبقى ظلمهم واعتداؤهم وتسلطهم. والحرية هي القائمة على النظام، البعيدة عن كل ألوان الفوضى، التي يعقبها الخراب والدمار وإماتة الإنسان.

قال الله تعالى مؤصلاً بعض أنواع الحرية وأخطرها وهي اختيار الإيمان والكفر: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...﴾(الآية: 29) فهي حرية قائمة على الإقرار بالحق وعلى المسئولية الراسخة بدليل التهديد على الانحراف عن مدلول الحرية الصحيحة من غير إساءة ولا سوء اختيار. وفي قمة أنواع الحرية: الحرية الدينية التي أعلن عنها القرآن الكريم في الآية: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة: 256) والآية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾(الكافرون: 6).

إن هذه الأصول الخمسة للتسامح منشؤها أن الإسلام دين عالمي أو ذو نزعة عالمية، ولا تلتقي العالمية مع شيء مما يهدم برج التسامح، ولأن أصول الحوار فيه نابع من استعمال العقل الرشيد الذي يستضيء بنور الهداية الإلهية.

وعلى صعيد الفلسفة الإسلامية: فأكتفي بإيراد مبادئ التسامح ومنطلقاته عند الفيلسوف الكندي، وهي خمسة:

المبدأ الأول: من الضروري البحث عن الحقيقة لذاتها.

المبدأ الثاني: الحقيقة لا يحيط بِها رجل واحد، ولم يحط بِها جميعهم.

المبدأ الثالث: الكل معرض للخطأ.

المبدأ الرابع: الوصول إلى الحقيقة يتطلب جهود الجميع.

المبدأ الخامس: التسامح ضروري لتحقيق التقدم.

أي إن التسامح في المفهوم الإسلامي مبدأ سامٍ مجرد وموضوعي، يشمل جميع الآفاق الدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وهذا على عكس ما يقرره بعض الغربيين، مثل فولتير حيث يرى أن التسامح مبدأ نفعي تبادلي، أي إنه يقوم على مبدأ التقابل، وليس فقط على نحو تسامح ديني، وهو لم يتوقع قيام مجتمع ديمقراطي يصبح فيه التسامح مبدأً مقبولاً، أو على النحو الإسلامي الذي يحترم معطيات التسمح على أنها منطلق رفيع وقاعدة وطيدة، ومنهج سياسي مطبق عملياً ومؤصل نظرياً، يرفض العنف أو التصادم الحربي القائم على الأسس غير المشروعة، والبعيدة عن نزعات التسلط العرقي أو الطمع الاقتصادي، أو النزعة الاستكبارية أو إرواء الأهواء الجامحة والنزعات النفسية، كما شاهدنا في الحربين العالميتين في القرن العشرين، وتطلعات الدول الاستعمارية، وأمزجة القادة.

وفي إطار المنهج الواقعي لتفاعل مبدأ التسامح مع التعددية في الأعراق والأجناس والمعتقدات واللغات والثقافات والألوان والسياسات، نرى في المنظار القرآني أن الإسلام:

أولاً: حقق هذا التفاعل والانسجام بين التسامح والتعدد في مجالات كثيرة، منها تجاوز هذه الخلافات، كما وجَّه إليه القرآن المجيد في قوله –تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ..﴾(هود: 117–119) علماً بأن الاختلاف في الرأي أو الفكر أو الاعتقاد لا يعكر صفو العلاقات العامة.

ثم تجاوز القرآن الكريم ظاهرة التعدد إلى بناء واقع إيجابي، وهو:

النقلة النوعية إلى أفق التعارف والتعاون والتآلف، لتحقيق المصالح والمكاسب المعيشية، وتبادل المنافع، وإثراء الحياة والنهوض بِها في قول الله -سبحانه-: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات: 13).

ومن البراهين القاطعة على إقرار نظام الإسلام قاعدة التعددية: ما نصت عليه صحيفة (دستور) المدينة المنورة في بدء تكون الدولة الإسلامية وبناء الأمة الجديدة عقب الهجرة إلى المدينة، والإقرار بتعايش المسـلمين مع الأنصار والمهاجرين مع طوائف اليهود المقيمين في المدينة، فلهم حقوق متسـاوية مع المسـلمين، وعليهم واجبات مشـتركة كالمسلمين، ونص الدستور الإسلامي في المدينة على أن (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومن تبعنا من يهود، فإن لهم النصر والأسوة، غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم.. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر المحض من أهل هذه الصحيفة دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه).

ومن أجلى مظاهر أو حقائق التعددية: الاعتراف بحق المواطنة لغير المسلمين في دولة الإسلام، وتحقيق الاندماج مع الأمة، وتوفير التعايش الودي والسياسي والاقتصادي بين المسلمين وغيرهم، وظل هذا النهج سائداً في تعايش غير المسلمين مع المسلمين على مدى القرون المتلاحقة الأربعة عشر قرناً ونيِّف (ربع قرن في عصرنا إذا لاحظنا التوقيت الهجري).

وكانت المساواة بين المسلمين وغيرهم في الحقوق أساس المواطنة مع احتفاظ كل فريق بالتنوع الديني والاختلاف العقدي، على نقيض ما نجده في الدول العلمانية المعاصرة.

ثانياً: أقام الإسلام أصول التسامح على قاعدة صلبة وقوية وهي الحوار البناء الذي يعتمد على الاحترام المتبادل بين أطراف الحوار، واعتراف كل جانب بالآخر، وتحكيم العقل المجرد والفكر المنفتح، والحرص على الحقيقة، والترفع عن نزاع أو صراع الحضارات، وعن تعصب الأديان، وتشنج المتدينين، وهذا واضح في آيات قرآنية ثلاث:

الأولى: قوله -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(النحل: 125) وهي الآية الداعية إلى لطف الخطاب، وأسلوب النقاش، ثم التفويض لله في إعلان الحق والحقيقة.

والآية الثانية الداعية إلى الحوار القائم على منطلق الحقيقة والتساوي بين المتحاورين الذي هو أساس الاحتكام في قضايا الاختلاف، وهي قول الله –تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران: 64) أي إن الإقرار بوحدة الإله، ورفض تعدد الأرباب هو الأساس المشترك الذي ينبغي الالتزام به، وللوصول في نهاية المطاف إليه، دون أي اختلاجات أو مباعدات، أو طمس لهذه الحقيقة.

والآية الثالثة ترسم منهج الحوار وأسلوب النقاش الديني الذي يتبعه كل نقاش في مقدَّرات الشعوب والأمم والحريات والحقوق والواجبات وهي قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(العنكبوت: 46).

فإن استعصى الوصول إلى الوفاق، وتباعد المتحاوران، يحسم الحوار بإعلان الموقف النهائي في تبين الحق من الضلال، والخطأ من الصواب، وذلك بترداد مدلول الآية الكريمة وهي: ﴿.. وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾(سبأ: 24) فهي فاصلة الحوار والنقاش، وتبيُّن المواقف بعد التأمل والتفكر.

والمشكلة الأساسية في تباين الاحتكام إلى الحوار الديني أو الحضاري وتفضيل اللجوء إلى إعلان الصراع بين الحضارات تكمن في أن الغرب لا يعترف بمعطيات الشرق، وفي قمتها العطاء الثقافي والحضاري الإسلامي، وإذا لم يعترف أحد طرفي الحوار بالآخر ولم يحترم فكره ونظرته أو منهجه أو غايته، فإن الحوار يجمد، ويبقى الصراع هو المهيمن.

وأما المطالبة بتغيير الخطاب الديني الإسلامي فلا داعي له، لأن أساليب هذا الخطاب في القرآن تمتاز باللطف واللين، فيكون قديم الخطاب وجديده سواء.

وأما المسلمون مثلاً فهم يمجدّون الفضيلة والشرف والعدل والصدق، والوفاء بالمعاهدات، لما لها من أثر فعال في تحقيق الاستقرار، والوئام، والسلام، والأمن، واجتناب اللجوء إلى التطرف أو العنف أو اندلاع نيران القتال أو الصراع والنزاع.

إن الإسلام السياسي والدعوي -ومن أجل نشر دعوته وتحقيق الاستقرار في العالم والبعد عن مفجِّرات الصراع، وحماية الأمن وإشاعة فضيلة الحب والثقة والتفاهم بين الشعوب والأمم في الداخل والخارج- يُؤْثِرُ السلم ويبتعد عن الحرب والقتال والدمار، ما لم يكن هناك عدوان من الآخرين بصريح القرآن الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(البقرة: 208) وقول الله -عز وجل- في إرساء معالم الوحدة الوطنية والسلام العالمي: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(الممتحنة: 8–9).

وشريعة الحرب العادلة أو الجهاد تحددت بنحو دائم في النص القرآني الواضح وهو آية: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾(البقرة: 190).

وليس في الإسلام تشدد ولا تزمت ولا استعلاء ولا عنف ولا تطرف، ولا ما يسمى بالإرهاب إلا إذا كان في حال المقاومة أو حينما تدور رحى الحرب، قال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً»([iv]) أي ولا غير مسلم. وأما الحرب المشروعة ومقدماتها فتقتضي طبيعتها الصمود والبأس والشجاعة والثبات في المواقف الحربية، وهو ما وردت في شأنه الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾(الأنفال: 60) أليس هذا هو مقتضى الحال ومنطق المجابهة والدفاع والمقاومة؟! وهو ما تفعله جميع الأطراف المتحاربة، فهو إرهاب مشروع من أجل صد العدوان ودحر المعتدين والمحتلين، قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: «لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، وأكثروا ذكر الله»([v]).

وهل علاج الإرهاب المزعوم على يد فئة قليلة جداً لا تقرها شريعة الإسلام، يكون بقتل المئات يومياً في أفغانستان والصومال والعراق؛ أيكون ذلك عدلاً وحقاً؟ أم هو زرع كل ألوان الإرهاب والدمار بغير حق ولا شرع ولا قانون مقبول؟! غير ممارسة الغطرسة والتسلط والسيطرة والاحتلال الجديد الذي هو أسوأ بكثير من الاستعمار القديم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

إن شريعة الإسلام تلتزم بقيم الإسلام الكبرى وحقوق الإنسان في بلاد الإسلام وبلاد الشرق والغرب، فالحرب ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وهذه القيم تنظم معاملة المتحاربين والمدنيين الآمنين، وتقر السلم بمعاهدات ومواثيق مبرمة، وكما تنظم معاملة الأسرى والجرحى والمرضى معاملة كريمة على نحو أرقى وأثبت مما يقرره القانون الدولي الإنساني المعاصر، بسبب التزام العدل، واحترام الكرامة الإنسانية لقوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء: 70) وتحقيق التكافل الاجتماعي الذي يشمل المسلمين وغيرهم، وتوفير فرص العمل، والحرية الاقتصادية، واستمرار المبادلات الاقتصادية المعيشية ونحوها، وحظر بيع الأسلحة للعدو حتى لا يتقوى بِها علينا، وتتوطد حالة السِّلْم.

والتسامح بين الأديان وأتباعها في الحقوق والعقود والأموال والملكيات إنما هو ليعم الرخاء الجميع، وتستقر الأوضاع، وينعم الناس بالأمن، وتتهيأ الفرصة المواتية لإعمال الفكر والعقل، وشحذ الهمم، وإذكاء أو قدح المهارات والحرف الصناعية والزراعية والابتكارات، فيعم الخير جميع الناس، وتتهيأ النفوس للحوار البنَّاء، وقبول الانفتاح على دعوة الإسلام، واختيار العقيدة الحقة بحرية وكرامة.

الخاتمة

هذه مبادئنا الأساسية في التسامح الإيجابي الشامل لعلاقتنا مع غيرنا في بلاد الشرق والغرب، وهي مبادئ نابعة من شريعة الرحمة ذات النزعة العالمية، القائمة على العقل المتفتح والفكر العميق المدى، وليس من مصلحة دعوة عالمية أن تتصلب أو تتحجر أو تتصادم مع الآخرين، وإنما هي دعوة مرنة في صالح الإنسانية جمعاء، لأنها تقوم على أسس الحق والعدل وتوحيد الله والمساواة الإنسانية وحماية كرامة الإنسان، وحريته والإقرار بحقوقه الإنسانية العامة، أياً كان عرقه أو جنسه أو دينه أو انتماؤه أو مذهبه أو ثقافته، مما يدل على تلازم التسامح مع هذا الدين الحق، القائم على المنطق والمصلحة العامة العليا، وإشاعة الخير للجميع، ونبذ التعصب والانغلاق، وكل ألوان الإساءة.

ولكن التسامح الإسلامي أو السماحة الذاتية في الإسلام تتطلب أمرين:

الأول: الاعتراف بالآخر وهذا يتبعه الاعتراف بالتعددية السياسية والمذهبية والعرقية والدينية والثقافية، ويتطلب أيضاً اللجوء إلى الحوار الحضاري البنَّاء من غير أي استعلاء أو تشنج، أو صراع بين الحضارات، أو الأديان أو المذاهب العقدية، وهذا مقرر في صلب تعاليم الإسلام، ومفقود في خطط الغرب.

الثاني: اجتناب اللجوء إلى العدوان أو الحروب لحل المشكلات، فإن ذلك يولِّد الأحقاد والعداوات ويعقِّد نظام العلاقات العامة، ويمهد لاستعلاء النزعات القومية والعرقية، والأهواء القاتلة، وإشاعة الظلم والقسوة والتصرفات الهجمية الوحشية.

وهذان الأمران أو الظاهرتان هما لدى المسلمين ينظر إليهما على وفق دقيق لتنمية العلاقات الإنسانية، أما الغرب أو الشرق المعتمد على غطرسة القوة والتفوق العسكري والنهضة الصناعية وغيرها، فليس عنده أي استعداد للإقرار بالقيم الروحية أو الإنسانية أو الحضارية العامة، لأنه يريد طحن وجود الآخرين المستضعفين، وهذا ما يجعل ظاهرة التسامح بل وحقوق الإنسان في زاوية الإهمال من الناحية الواقعية.

وفي الواقع لقد أدت ظاهرة التسامح الإسلامي إلى انتشار الإسلام عن قناعة وحماس في المشارق والمغارب، وإلى جعل الدولة الإسلامية مناخاً صالحاً تتعايش فيه الأديان والمذاهب واللغات والقوميات والأجناس والألوان على مدى التاريخ القديم والمعاصر، وبهذا انتصر الإسلام وعمَّ جميع الأقطار، على عكس المنهج الغربي في ضيقه وتبرمه بالتعددية الدينية بل والمذهبية، كما كان الشأن في القرون الوسطى وما تبعها من تطاحن الكاثوليكية وفظائع محاكم التفتيش في أوروبا ضد المذاهب الأخرى، وكان التسامح الإسلامي متميزاً بالممارسة أو التطبيق لا بمجرد الشعارات البراقة.

والحاصل أن ثقافة التسامح تتبلور في المفهوم الإسلامي بما يأتي:

1- ثقافة التسامح: هي المنهج الإسلامي الرصين الذي رافق الإسلام على مدى القرون السابقة والحالية في جميع أحواله وظروفه ضعفاً وقوة، سلماً وحرباً.

2- ثقافة التسامح: أكسبت الإسلام رفعة ومجداً وسمواً وخلوداً وتفوقاً في جميع مناهج الحياة العامة والخاصة.

3- ثقافة التسامح: لازمت انتشار دعوة الإسلام في المشارق والمغارب.

4- ثقاة التسامح: أقامت منهج التحرك الإسلامي على أسس من الحق والعدل والشورى والحرية والمساواة والإخاء الإنساني.

5- ثقافة التسامح: انطلقت من المعين الإسلامي الخصب على أساس من الثقة بالذات، ومراعاة مقتضيات التعددية الكونية، وتبني مبدأ الحوار الشامخ والقائم على منطق العقل والقوة والذود عن العزة والكرامة وحفظ كرامة الإنسان، وتحقيق آفاق السعادة والاستقرار في العالم كله.

6- ثقافة التسامح: هي التي ميزت الإسلام بالمرونة والانفتاح على العالم، وحافظت عليه قوياً عزيزاً أمام التحديات المختلفة، وجعلته خالداً باقياً أبد الدهر، لأنه بكلمة واحدة (شريعة رب العالمين إلى يوم القيامة).

وفي إبان هذه الحروب قدَّم العالم الإسلامي أسمى معاني التسامح في الحروب وأعقابها، وانتقلت ثقافة التسامح من الثقافة الإسلامية العربية إلى الثقافة الغربية، لاسيما في الأعمال الإنسانية الخالدة للقائد صلاح الدين الأيوبي.

أن المسيحية الحقة في أصولها ومنهج عيسى -عليه السلام- لا تعرف غير السماحة والحب والسلام. وعادت ثقافة التسامح للظهور في العالم الإسلامي والعربي في التاريخ الحديث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث تداعى بعض المثقفين من المسيحيين العرب والمسلمين إلى الدعوة إلى التزام منهج التسامح.

ومع كل هذه المساعي الخيرة وجدت في أوروبا موجات التمييز العنصري في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وعادت الفكرة حديثاً إلى ضرورة اندماج الجاليات الإسلامية مع مناهج النظام الغربي في فرنسا وغيرها، وهذا يعني تدمير الهويات الثقافية الإسلامية وإذابة الشخصية والمقومات الإسلامية.

واليوم يريد بعض الدعاة الغربيين إلغاء مفهوم التسامح تحت ستار التعددية الثقافية والحوار بين الأديان ونحو ذلك من العناوين المضللة.

ولكنا نحن العرب والمسلمين ما زلنا نحافظ على إبقاء ظاهرة التسامح أو السماحة وتفعيلها في سلوكياتنا من الناحية الواقعية، ومنهاجنا يتمثل في الوسطية القرآنية الجامعة بين التسامح والحفاظ على الوجود والكرامة، وذلك في ضوء الآيتين الكريمتين وهما: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾(الممتحنة: 8–9).

*****************

الحواشي

*) فقيه ومفكر من سورية.

1- رواه الإمام أحمد.

2- رواه البخاري وأحمد.

3- أخرجه ابن لاَل عن سهل بن سعد (سبل السلام: 3/ 129).

4- رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح.

5- رواه الدارمي.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=547

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك