الإسلام والغرب بين ثقافة الحرية وتجسيد قيم التواصل

الإسلام والغرب بين ثقافة الحرية وتجسيد قيم التواصل

محمد القاضي*

كثر الحديث في السنوات الأخيرة من القرن العشرين عن نهاية الإيديولوجيات ونهاية التاريخ، هذه المقولة التي طرحها الأمريكي من أصل ياباني (فوكوياما), والتي حاول من خلالها أن يستثمر سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفياتي ودول أوربا الشرقية، وانهيار نموذج معين للبناء الاشتراكي لكي يؤكد بذلك أننا نشهد (نهاية التاريخ) ثم سقوط حائط برلين الذي يعد علامة العصر وبداية التحول الكبير في مسار حركة التاريخ سياسيا واجتماعيا وعسكريا واقتصاديا، وبالتزامن مع طروحات ومقولات النظام العالمي الجديد: (وصراع الحضارات) الذي أطلقه (هنتنغون) سنة 1993م, والقائم على أن النزاعات الدولية سواء منها الإقليمية أو العالمية ستكون في المستقبل على شكل (صدام حضارات), وليس على شكل (صراع إيديولوجيات), والتأكيد والإلحاح في الخاتمة على ضرورة أن يتخذ الغرب جميع التدابير على المستوى القريب كما على المستوى البعيد للدفاع عن مركزه ومصالحه(1).

كل هذا فجر سلسلة من الأزمات والقضايا الجديدة لتضاف إلى الكم المتراكم من الأزمات وبؤر التوتر التي كان يعاني منها العالم ولا يزال ودخل العالم في دوامة من الأحداث وصلت إلى مرحلة وصفها البعض بأنها (عصر الأزمة), أو عصر الصراع الخطير.

الإسلام في الواجهة

يرى الدكتور محمد عابد الجابري أن خطورة مقالة هنتغتون تكمن فيما بين (المقدمة), و (النتيجة), ويشغل كل منهما بضعة أسطر لا غير، أما (بؤرة) الموضوع -بالتعبير الأمريكي- فهو (الإسلام) بالدرجة الأولى.
ذلك أن صاحب المقالة يركز على الإسلام سواء في تحليله (التاريخي) أو في عرضه لوقائع الحاضر(2). والإسلام الآن ومنذ عقدين من السنين أصبح في الواجهة، فهو الشغل الشاغل في الغرب. فلماذا الخوف من الإسلام؟ وهل أصبح الخوف سمة العصر الحديث؟ يعلل الدكتور المهدي المنجزة ذلك بانعدام الثقة في الذات الغربية، وزعزعة الثقة في النفس. فانتاب من جراء ذلك الغرب خوف وارتباك بيّن. (وفي رأيي لفهم هذا العنف الغربي وإصراره على محاولة غزوه الحضاري لباقي بلدان العالم، ولكي نفهم جيدا إعلامه باعتباره يكشف عما بداخله ، ينبغي علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الشعور بالخوف الذي يسيطر عليه. ففي هذا السياق لدي حجج حول الموضوع... لقد ظهرت في الغرب عشرات من الكتب بعناوين فيها الخوف، لدرجة أن الكلمة انتقلت إلى الصحف والمجلات وشاشات التليفزيون وأمواج الإذاعات، دائما تصادفنا كلمة الخوف... الخوف مماذا؟ الخوف من الديمقراطية، من الإسلام، من اليابان، من الحضارات الأخرى... لقد صارت الحضارة الغربية حضارة خوف، والحضارة التي يدخلها الخوف بهذا الهوس الشديد، والمبني بالخصوص على انعدام الثقة في النفس، تدخل في مراحل اندفاعية ويبقى على الآخرين أن يؤدوا ثمن هذا الاندفاع حتى وجود توازن جديد في العالم)(3). إن قوة الإعلام الفاعلة التي يحسن الغرب استخدامها للتأثير والتوجيه في الأفكار والأحداث. وأصبحت الصورة المعاصرة عن (الإسلام) ترتسم في أذهان الغربيين من عدة مكونات أعمقها العوامل التاريخية، بينهما المتشابكة لأكثر من ألف عام.

جذور الصراع بين الشرق والغرب

كان بزوغ فجر الإسلام الخاطف، وقيام إمبراطورية العرب الواسعة بين اسبانيا والهند، مع حضارتهم التي ازدهرت ازدهارا عجيبا مشكلة عويصة حارت أوربا في القرون الوسطى في فهمها كما احتارت في أي سبيل تسلك وأي عمل حاسم تقوم به لتقرير موقفها من الشرق: حروب صليبية، أم تبشير، أم معايشة أم تبادل تجاري؟ وقد احتاج الوصول إلى قرار بشأن هذا إلى معرفة صحيحة وإلى حكم عادل. وبحكم قانون التطور ونمو الحاجات العلمية، توثقت العلاقات، وحصلت اتصالات مباشرة واحتك عالما الشرق والغرب احتكاكا مباشرا في اسبانيا وصقلية. ثم حدثت تحولات في الاتجاه المعاكس: الحروب الصليبية ثم الهيمنة الإمبريالية واستعمار أوربا لبعض الدول الإسلامية. وأصبح الغرب يمتلك الكثير من المعلومات حول الإسلام، وهي معلومات متنوعة في مصدرها ومختلفة في منابعها ، ولكنه يمتلك القليل من الإدراك الواعي الجيد بأمر هذا الدين. ويرى المفكر الاسباني خوان غويتسولو (أنه منذ بداية (مشكلة الشرق) والمستعمرون الأنجلو فرنسيون يضعون أنفسهم رهن إشارة الأطماع الإمبريالية لبلدانهم، فقد كانوا عبارة عن طليعة أو قنطرة -بتحقيقاتهم وآرائهم- لتدخل الجيش بعد ذلك. وإن طموح رجل النهضة ليجمع بين السلاح والقلم جعله يتحول إلى عالم أو رحالة أو دارس اللغات أو من المتعاطين لدراسة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا قصد إخضاع القلم إلى الأهداف التوسعية للسيف. وغني عن كل بيان بأن معرفتهم عوض أن تظهر حقيقة التصورات المضادة للإسلام فإنها غالبا ما كانت تستعمل لتدعيمها. فالتصورات والعقائد والأفكار المسبقة والأساطير والنوادر وبعض التفاصيل تأخذ في كتابهم طابع قرارات لا رجعة فيها وتصبح ذات صلاحية مسلم بها)(4).

أما أسباب عدم تفهم الغرب للإسلام فهي عديدة ومعقدة وتستند بشكل خاص إلى محركات دينية وتاريخية ونفسية وثقافية وتربوية كما أنها شرعت تستند مؤخرا إلى اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية. فقد ظل الإسلام يثير اهتمام الكثيرين ومخاوفهم، وتنظر إليه نظرة عداوة نظرا إلى أن التاريخ كان في معظمه تاريخ صراع متواصل وفي كل صراع يعتقد كل طرف أن الشر في الطرف الخصم. وقد تولد احتكاك الغرب بالشرق ردود فعل عربية وإسلامية متعددة وذات مستويات مختلفة. ولقد كان لعامل التنافس الحاد بين البرجوازيتين المتطورتين الانجليزية والفرنسية على منطقة الشرق، دور هام في حمل الفئات المثقفة العربية والإسلامية على تعميق ردود فعلها ورفعها إلى مستوى المواقف المعلنة والصريحة من الأجنبي الدخيل الذي داهم البلاد العربية الإسلامية بقوة جيوشه وتنوع أسلحته وشدة مكره، وخاصة بعد احتلال مصر من طرف الانجليز (سنة 1882م). لقد كان رد الفعل الإسلامي هو أول ردود الفعل التي أدى إلى بلورتها الاحتلال الأجنبي لمصر والشام. فبعد الاحتلال الانجليزي لمصر قام هناك تيار ديني إسلامي أعلن موقف المعارضة والرفض للوجود الأجنبي على أرض مصر، وعمل دعاة هذا التيار على حمل الجماهير العربية والإسلامية على مقاومة الأجنبي الغازي، والوقوف في وجه كل تحدياته الحضارية والاجتماعية.

قام على أثر ذلك التيار السلفي بكل فصائله والذي لم ير في الغرب الحديث إلا ذلك الخصم العنيد والقديم للشرق الإسلامي المؤمن، فهو مصدر الكفر والإلحاد وهو المتربص الدائم بالإسلام والمسلمين. إذن فالتقابل هنا هو بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي بقطع النظر عن أي تحديد تاريخي لهذا أو ذاك.

لقد كانت الرغبة في الحفاظ على أصالة الذات العربية وصيانة الأنا الإسلامي المستقر في عمق هذه الذات، والذي تقوم على أساسه هويتها التاريخية التي اكتسبتها مع مجيء الإسلام، يقول الدكتور صبري حافظ: (تنطوي العلاقة بين العرب (الشرق), وأوروبا (الغرب) على قدر كبير من الكثافة والتوتر والتعقيد، ليس فقط لأنها علاقة حركية مشروطة بقدر كبير من الحتمية والقدرية التي لا فكاك منها، أو لأنها علاقة تاريخية تمتد من الأغوار إلى قرون وقرون وتبتدئ عبر كل مرحلة تاريخية معينة في صورة متميزة ورداء جديد، وان لم تخل هذه الصورة جميعا من سمتي التوتر والتعقيد. ولكن أيضا لأنها بين قطبي حضارتين متباينين، بل متنافرين، ومن هنا فإنما تنهض على جدلية الجذب والتنافر واستهواء الضد لنقيضه ورغبته في الاستحواذ عليه والصراع معه وأحيانا تدميره، وتنطوي عبر مراحلها التاريخية على قدر كبير من تبادل الأدوار والمراكز، بحيث تخضع حضارة لأخرى مرة ثم تعود هذه الحضارة الخاضعة فتنهض من كبوتها، بل تخضع الحضارة التي هزمتها من قبل لنفوذها وأحيانا لسيطرتها الكاملة)(5).

هذا النمط المتكرر من الاتصال الحضاري بين الشرق وبين الغرب، بما فيه من أخذ وعطاء متعاقبين، يثبت لنا أن للعلاقة بين هذين الإقليمين طابعا فريدا يندر أن نجد له نظيرا في حالات الاتصال الحضاري الأخرى. ذلك لأن هناك أدلة لا شك فيها على أن ما وصل إليه الغرب في مرحلته الراهنة من تقدم، إنما كانت نتيجة لتضافر حضارات الشرق معه في العصور القديمة والوسطى وأوائل العصور الحديثة. ففي مراحل متعددة كان الشرق يقدم إلى الغرب المادة الخام لحضارته، فيصوغها هذا في أشكال محددة منظمة: قدم إليه معلومات عملية تطبيقية مستمدة من خبرته الحرفية والزراعية القديمة، فصاغها الغرب في اليونان على شكل نظريات هندسية ورياضية أيام فيتاغورس و إقليدس. وقدم إليه مبادئ روحية في العقيدة المسيحية جعلها الغرب لاهوتا منظما في العصور الوسطى، وصورها تبعا لمقتضيات حياته الخاصة في حركات الإصلاح الديني في عصر النهضة. وقدم إليه ترجمات للفلسفة اليونانية وشروحا لها، ومناهج تجريبية للبحث العلمي الذي ازدهر في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، فاتخذ الغرب من هذا كله أساسا لنهضة علمية وفكرية ضخمة تتسع آفاقها حتى اليوم على نحو متزايد. وعلى ذلك، فإذا كان الغرب في المرحلة الراهنة من تاريخ العالم متفوقا على غيره من الحضارات تفوقا لا شك فيه، وإذا كان المثقفون المنتمون إلى حضارات متعددة يجدون حرجا في الأخذ عن حضارة غربية تماما عنهم كالحضارة الغربية، فينبغي كما يرى الدكتور فؤاد زكريا أن يخف هذا الحرج إلى حد بعيد عند المثقفين المنتمين إلى الحضارة العربية، وحضارة الشرق الأوسط بوجه عام، إذ أنهم حين يأخذون اليوم عن الغرب فهم إنما يهتدون من جديد إلى كثير من العناصر التي سبق لبلادهم أن قدمتها للغرب وإن تكن مصوغة في شكل جديد. وإذا كان الأمر كذلك، فمن واجبنا أن نتخلى تماما عن ذلك الموقف الذي نعتقد فيه بوجود ثنائية حضارية قاطعة، لا يكون لنا فيها مفرد من الاختيار بين أحد أمرين لا ثالث لهما: إما التمسك بتراثنا القومي، وإما مسايرة الحضارة الغربية. ذلك لأن تراثنا متداخل مع تاريخهم، وماضينا قد أثر في حاضرهم، والدور الذي قمنا به لكي تبلغ حضارة الغرب مستواها الحالي حقيقة لا يمكن إنكارها، ولو جاز لنا أن نضع عقولنا أمام هذا الاختيار المزدوج ونرغمها على أن ننحاز إلى أحد الطرفين دون الآخر، لجاز للغرب بدوره أن يدعو إلى التخلي عن كل ما يتصل بالمسيحية من قريب أو بعيد لأنها ذات أصل شرقي ولجاز أن ينظر إلى حركة إحياء العلوم في عصر النهضة على أنها غزو حضاري أجنبي, لأنها ذات أصل شرقي ولجاز أن ينظر إلى حركة إحياء العلوم في عصر النهضة على أنها غزو حضاري أجنبي ، لأن القوة الدافعة لا كانت علوم العرب وفلسفاتهم(6). ولكن الحقيقة المؤلمة كما جسدها الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا هي: (إنه رغم التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصالات الجماعية التي حققناها في النصف الثاني من القرن العشرين ورغما عن سهولة السفر والتنقل الجماعي واختلاط الأجناس البشرية فان الهبوط المتزايد -أو هكذا نعتقد- في أسرار وغرائب عالمنا، فان سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والغربي ما زال قائما وفي الواقع فإن سوء الفهم هذا هو في ازدياد. ولا يمكن أن يكون هذا سببه الجهل في العالم الغربي.

فهناك بليون مسلم موزعون في أنحاء العالم، عدة ملايين منهم يعيشون في دول رابطة الكومنولث منهم مليون مسلم في بريطانيا وحوالي عشرة ملايين موزعين في مختلف أنحاء العالم الغربي، إن المجتمع الإسلامي في بريطانيا هو في ازدياد ونمو منذ عشرات السنين وهناك حوالي خمسمائة جامع في بريطانيا، كما أن الاهتمام الشعبي بالتراث الإسلامي يزداد بسرعة في بريطانيا... الإسلام هو بيننا وحوالينا، ومع ذلك ما زال الشك بل الخوف مستمرا، وفي أعقاب انتهاء الحرب الباردة في مطلع التسعينات فإن إمكانيات السلام يجب أن تكون أقوى وأكثر منها في أي وقت في هذا القرن... إنه من الغريب أن يستمر سوء الفهم قائما بين العالمين الإسلامي والمسيحي، إذ أن الروابط التي تجمع بين عالمينا هي أقوى بكثير من العوامل التي تفرق بيننا. فإن المسلمين والمسيحيين واليهود هم كلهم (أصحاب كتاب), فالإسلام والمسيحية من ناحية يشتركان في فكرة التوحيد، الإيمان بإله قدسي واحد، وزوال حياتنا الدنيوية يوما ما ومحاسبتنا على ما اقترفناه من أعمال في هذا العالم، وكذلك في اعتقادنا في حياة ثانية. كما أننا نجد لدينا قيما مشتركة رئيسية كاحترامنا للمعرفة والعدل والعطف على الفقير والمستضعفين واهتمامنا بالحياة العائلية واحترام الوالدين(7).

من المهم التسليم بأن التقاليد الإسلامية تطمح نحو رؤية العالم كوحدة متكاملة يمتزج فيها الدين بالسياسة، ويكون المجتمع الواحد جزء من كل، وبالمقابل تميل التقاليد الدينية المسيحية في الغرب إلى اعتبار الدين أمرا منفصلا عن السياسة، والى اعتبار السياسة والاقتصاد أداتين لخدمة المصالح الشخصية. وهذا الاختلاف الأساسي في الرؤية هو أساس الخلاف بين التوجه السياسي النفعي في الغرب من جهة، والسياسة الواقعية من جهة أخرى، أضف إلى ذلك ميل الغرب إلى الوقوف ضد كل ما هو أجنبي، دون اعتبار القيم الأخلاقية، كما هو الحال في أوساط الأمة الإسلامية.

تنامي التيار العنصري في الغرب

شهد العقد الأخير من القرن العشرين تنامي التيارات اليمينية في أوروبا بسبب تزايد الحضور الإسلامي في الغرب, وسجلت هذه التيارات اليمينية حضورا يبعث على القلق، فظهر على سبيل المثال: فلاميش بلوك في بلجيكا، والحزب القومي البريطاني، وحزب الشعب الدانمركي، والجبهة الوطنية الفرنسية، ورابطة الشمال الايطالي، وحزب الشعب السويسري. ولعل العديد من الحكومات الأوربية اليوم تضم تيارات يمينية ضمانا للأغلبية البرلمانية على الرغم من العداء العلني الذي تبديه هذه التيارات للإسلام والمسلمين.

وقد ارتفعت العديد من الأصوات في أوربا تطالب بحماية المصالح الأوربية لتمرر خطابها المناوئ للجهد الإسلامي، فبدأت الحملة للحد من الهجرة، والمطالبة بسن قوانين تحضر الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة وتشديد قوانين اللجوء. وقد صرح المستشرق برنارد لويس لصحيفة (دي فيلت) الألمانية بأن (أوروبا ستكون جزءا من المغرب العربي. وليس العكس، لماذا? لأن التوجهات الحالية تظهر أن أوروبا ستشهد أغلبية مسلمة في نهاية القرن الواحد والعشرين على أقصى تقدير، إذ فضلا عن الأعداد المتزايدة من المهاجرين العرب والمسلمين، فإن الأوروبيين يتأخرون في سن الزواج ولا ينجبون سوى عدد قليل من الأطفال بعكس مسلمي أوروبا الذين يتزوجون في سن مبكرة وينجبون عددا أكبر من الأطفال)(8).

أما جريدة (لوموند) الفرنسية, فقد أنجزت ملحقا خاصا عن الإسلام في: (13/10/1994م) ضم مجموعة من المقالات لأسماء فرنسية إضافة إلى استطلاع للرأي نشرت نتائجه بنفس الملحق. ورد في الاستطلاع أن الإسلام يعتبر الدين الثاني في فرنسا، لكنه دين غير محبوب ومحتقر بالنسبة للفرنسيين. لأنه يرفض كل ما هو غربي، ويميل بشكل كبير إلى التعصب.. وقد ركزت الصحيفة في كل المقالات التي ضمنها الملحق الإسلامي على العناصر التي تضاعف من كراهية الإنسان الغربي للإسلام والمسلم. فقد تحدثت عن القهر الذي تعاني منه المرأة في بعض بلدان الشرق، وقطع يد السارق والانتصار لتعدد الزوجات واستفراد الرجل بالعصمة، وجلد الزاني... لأنه لا يوجد في الإسلام إلا هذه الأمور، بينما أغفلت كل حديث عن النبل والتسامح والإخاء والعدالة. وهو ما أكدته المستشرقة الفرنسية (آنا ماري ديل كامبر) المتخصصة في الفقه الإسلامي التي تقول: (إن الغرب يكره الإسلام لأنه يجهله، باعتبار أن الإنسان عدو ما يجهل. فكلمة (مسلم) لا تستدعي في ذهن الغرب -للأسف الشديد- سوى الجهل والصحراء وحياة البداوة.

أما صورة نبي الإسلام فقد أشبعها الغربيون إساءة. ويجب تصحيح هذه الصورة ليس فقط لأنها مغلوطة من أساسها، ولكن أيضا لأن الدين الإسلامي هو دين التسامح وعقيدته إنسانية شاملة كما أنه يخاطب في الإنسان أقدس حاسة وهي: العقل.... فهو دين العقل والحرية ويحترم أهل الكتاب.

النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الكتابات الغربية

إستهوت شخصية النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- العديد من المستشرقين والباحثين في الغرب منذ القرن العاشر الميلادي, وحظيت بتقدير كبير عند بعضهم، فدرسوها وأنجزوا عنها دراسات عديدة يصعب حرصها وإحصاؤها، تناولوا فيها جوانب كثيرة من حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما عقدت ندوات حولها شارك فيها باحثون من الشرق والغرب. بالرغم مما تكلفه مثل هذه اللقاءات من مجهود مادي ومعنوي. فلماذا هذا الاهتمام بشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحياته؟ وإلى أي مدى يمكن التعامل مع هذه المنجزات؟ الدكتور عبد الغني أبو العزم يرى أن الدراسات الإسلامية بأوروبا المسيحية كانت تتم تحت إشراف الكنيسة،ويقوم بها رجال الدين، واحتكروها لسنوات طوال، وغدوا بذلك المرجع والمبادر في ميدان الترجمة، حيث انحصرت رؤيتهم للأشياء في العقيدة المسيحية باعتبارها ديانة الحق والعدالة, وأن كل الديانات الأخرى ما هي إلا تشويه للحقيقة، مع العلم أن دراسة شرائع القران والفلسفة الإسلامية قد ساهمت كما يقول: (مونتغمري واط) في خلق وعي ديني بالهوية الأوربية، وعلى حساب الإسلام، مما أعطى إمكانية تأسيس نظام فلسفي منطقي ورؤية فلسفية جديدة للعالم. وكان ينبغي انتظار عدة قرون لكشف هذا الواقع. ومما يلاحظ أن الصورة الوهمية الخيالية التي تكونت في أوربا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لا يمكن فصلها عن الرؤية الفكرية الأوربية اللاهوتية للقران. وترجمة القران لم تكن في الواقع إلا مدخلا لمعرفة السيرة النبوية، وهذا ما عبر عنه(جان دي سر كوفي), و(نيقولا دو كوس), في دراستهما.. إذ في ضوئها شاعت كل خرافات القرون الوسطى التي ظلت مهيمنة، وقد تغلغلت في الوسط الشعبي الأوربي، ومن بين هذه الخرافات اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم رجلا مسيحيا ضالا وهرطقيا ادعى النبوة، لأنه لا يستطيع تحقيق طموحه الأدبي في أن يصبح بابا بعد أن وصل إلى مرتبة كاردينال(10). وضمن هذا السياق ظهرت مجموعة من المقالات والروايات التي لا حصر لها تتعرض إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم. ولنقرأ ما كتبه توفيق الحكيم في كتابه (تحت شمس الفكر- ص17و18), عن فولتير وقصته التمثيلية (محمد):

(قرأت لثلاث عشرة سنة خلت (1925) قصة (فولتير) التمثيلية (محمد) فخجلت أن يكون كاتبها معدودا من أصحاب الفكر الحر، فقد سب فيها النبي العربي سبا قبيحا عجبت له، وما أدركت له علة!... لكن عجبي لم يطل، فقد رأيته يهديها إلى البابا (بنوا الرابع عشر) بهذه العبارات: (فلتستغفر قداستك لعبد خاضع، من أشد الناس إعجابا بالفضيلة إذ تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة الحقيقية ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية، وإلى من غير وكيل رب السلام والحقيقة أستطيع أن أتوجه بنقد قسوة نبي كاذب وأغلاطه! فلتأذن لي قداستك من أن أضع عند قدميك الكتاب ومؤلفه، وأن أجرأ على سؤالك الحماية والبركة, وإني مع الإجلال العميق أجثو وأقبل قدميك القديستين). (فولتير 17/غشت 1745 م).

ومن المفيد أن نشير هنا إلى الانعطاف الذي حصل في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي حيث دخل علم الاستشراق مرحلة جديدة في محاولة جديدة لفهم عالم الشرق، وفهم الذهنية الشرقية والعقيدة الإسلامية، وفي هذا الإطار ترجمت أمهات الكتب التي تتناول الإسلام وحياة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-. وتعتبر سيرة ابن هشام المصدر الأول والأهم الذي حفظ لنا المعلومات الخاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ونشاطه وأصحابه وزمانه، وقد ترجم في البداية إلى اللغة الألمانية (سنة 1958م), تلاه كتاب (تاريخ الأمم والملوك) للطبري الذي ترجم (سنة 1879م)، وكتاب (المغازي) للواقدي (سنة 1882م). وتاريخ اليعقوبي (سنة 1883م) وانتهت هذه المرحلة بترجمة كتاب (البخاري) (سنة 1895م).

ويقسم حسين أحمد أمين كتابات الغربيين حول سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى اتجاهات ثلاثة: هذه الاتجاهات واضحة وتكاد تكون متعاقبة الاتجاه… والذي يهمنا هو الاتجاه الثاني، وخيرة ممثليه هو: (جولدزيهر) و(لين بول) و (فرانتس بول) و(تور أندري) و(مارجوليوت) و(ريتشاردبيل) و(نودلكه) و(فلهاوزن) و(هاملتون جيب). فقد كان لأصحاب هذا الاتجاه فضل الكثير مما كان غامضا في تاريخ الإسلام والسيرة، وتسهيل فهم التاريخ العربي في الجاهلية والإسلام. وكان موقف هؤلاء من السيرة موضوعيا قدر ما في وسعهم من الموضوعية، رأوا فيه شخصية قوية مؤثرة، استطاعت أن توفر الحل لمشكلة بالغة الصعوبة والتعقيد، ألا وهي بناء دولة وإمبراطورية عظيمة من لبنات القبائل العربية المتفرقة المتنازعة، وإيجاد المنفذ للعبقرية العربية الخلاقة حتى تساهم مساهمة إيجابية في تاريخ العالم وحضارته. وقد أنصفوا في بيان جوانب عظمة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورجاحة عقله (11).

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ الدارسون يفضلون دراسة شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك بظهور العديد من الأعمال الهامة. فالدراسة الوافية التي قدمها المستشرق الانجليزي (مونتغمري واط) عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، قد أبرزت الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية وخلفية نشاطه. وأوضحت ذكاء علاقته بالقبائل. كما أبرزت السؤال المعقد عن جدارة المواد التي تعتبر مرجعا لدراسة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومجراها. ودافع في دراسته عن زيادة الاعتماد على المصادر التقليدية للمعلومات المتعلقة بذلك، بأكثر مما رآه الجيل السابق للدارسين.

وأهم سمات مؤلف (مونتغمري واط), هو حساسيته للمسائل الأخلاقية التي يواجهها بالضرورة أي شخص غير مسلم يدرس النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأراد أن يتفادى أية مبالغات وحتى أية لغة من شأنها، ولو ضمينا, أن تصدر حكما على المعنى الديني الذي يراه المسلمون في النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. وقد غطت دراسته كل حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولمست معظم المشاكل المطروحة. ولهذا اعتبرت أهم دراسة كتبت عن النبي منذ السيرة التي كتبها (فرانتز بول), والتي كانت المعيار السابق في الوسط العلمي الغربي(12).

أما المستشرق الفرنسي (مكسيم رودنسون), فيرى أن الكثير من كتب المستشرقين حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد قومت شخصية الرسول بشكل ايجابي وفيها الكثير من التمجيد له ، ولكنها بالطبع ليست كتبا دينية لأنها كتبت من طرف مستشرقين غربيين. وقام بانجاز دراسة قدم فيها جردا بالدراسات المحمدية وقد نشرها في المجلة التاريخية (عدد: يناير – مارس 1963م/ ص169–220). وأعلن بأنه كان مولعا كثيرا بحياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (فضمنت ولعي في كتاب عنه، وأعلنت بأنني معجب بعظمة هذا الرسول وعبقريته، لكني عندما أدرسه، أدرس حياته وفق منظور تحليلي مادي أعتبره المنظور الصائب الذي يمكن عبره فهم حياة الرسول ودوره التاريخي الهام أو إنسانية الرسالة التي أثر بها... الكتاب يحمل الكثير من التمجيد لشخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- باعتبارها واحدة من تلك الشخصيات الهامة التي غيرت تاريخ العالم... ويضيف قائلا: منذ البداية ظهر الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- كزعيم ديني وسياسي ومشرع في نفس الوقت معطيا قواعد السلوك والحياة للمجتمع الصغير الذي يحكمه، والذي سيصبح فيما بعد ذا أبعاد عالمية)(13).

حمى معاداة الإسلام والمسلمين

عاش العالم الإسلامي خلال شهري يناير وفبراير (2006م) على إيقاعات الغضب العارم جراء الرسومات المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم والتي نشرتها الصحيفة الدانمركية (يولند بوسطن) بعدما طلب محررها الثقافي من مجموعة من الرسامين إنجاز هذه الصور. وبقدر ما كانت الإساءة للنبي شديدة، بقدر ما كانت الاحتجاجات والمظاهرات قوية وبليغة، بلغت في معظمها إحراق السفارتين الدانمركية إن الرسومات بكل ما تعكسه من كراهية وحقد وتحقير وافتراء تثير الكثير من الأسئلة حول حوار الحضارات أو (صدام الحضارات) الذي يتمنى تحقيقه كثير من مؤيدي (صمويل هنتنغتون). والذي لا يصدمهم في الواقع إلا فيلسوف أكثر رزانة وحكمة هو (وليام جيمس), المؤسس الحقيقي للفلسفة البراغماتية التي تنبني على أنه لا وجود لحقائق مطلقة وأن المستقبل مفتوح أمام الإبداع، والإنسان يمتلك الإمكانيات لخلق عالم أفضل. أما الدين فقد استخدمه استخداما براغماتيا حيث اعتبر أنه (طالما أن الدين يحقق الراحة للإنسان ولا يؤذي الآخرين فهو نافع) البراغماتيون طالبوا باعتذار الصحيفة والصحف التي التحقت بركبها والحكومة الدانمركية ومن سار على طريقها في أوروبا. إنهم يعلمون أن الدين قد يكون صمام أمان للتماسك الاجتماعي داخل المجتمعات الأوربية وأيضا على المستوى العالمي، كما يمكن أن يكون جذوة تذهب بالقليل من (حوار الحضارات) الذي جرى إلى اليوم. وكان المفكر الفرنسي أندري مالرو الذي توفي في شهر نوفمبر (1976م) قد تنبأ (بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن تدين أولا يكون) ومنذ ذلك الحين تغير كل شيء ولكن النبوءة تحققت(14).

صحيح إن علاقة العالم الإسلامي مع العالم الغربي تتميز بالتوتر والاضطراب واللاثقة منذ ما قبل أحداث (11 سبتمبر 2001م) إلا أن هذا التوتر تصاعد بعد اتهام الإسلام بالإرهاب والمسلمين بالإرهابيين. وبدا للمسلمين أن هذه التهمة لم تعد تخص فئة قليلة فهمت دينها خطأ، بل إن الغرب أصبح ينظر إلى الإسلام في حد ذاته باعتباره إيديولوجية دموية إرهابية هدفها الوحيد هو القتل والتدمير ولا شيء غيرهما. فجاءت القطرة التي أفاضت كأس الأمة الإسلامية من الدانمرك لينفجر بعد ذلك غضب المسلمين ويكبر شيئا فشيئا إلى أن انفلتت الأمور ببعض الدول العربية والإسلامية.

وفي ذلك السياق وفي حماة الحدث يرى الدكتور الطيب تيزيني (أنه قد ظهر الحديث عن ضرورة التمييز الدقيق بين خطابين اثنين، خطاب في حرية الرأي النقدي العقلاني، وخطاب في الإنسان والإنسانية وفي ضرورة احترام مقدساته، كما في النظر إليها بمثابة خطا أحمر لا يجوز اختراقه هجاء أو هزلا أو قدحا أو غمزا، وقد لقي هذا التمييز إقرارا ضمنيا ومعلنا من قبل جل الناس، وجدير بالإشارة أن المسألة المطروحة هنا تجد جذورا عميقة لها في التاريخ البشري, وفي صراع البشر فكريا ودينيا وسياسيا، ولعلنا نجد هذه الجذور ماثلة في تاريخ العالم كله، ومن ضمنه التاريخ العربي والآخر الأوربي الوسيط والحديث، وظهر ذلك، خصوصا في معضلة العلاقة بين الخطابين الديني والعلمي، الشرعي والفلسفي، وتعاظم هذه المعضلة، حين انتقلت إلى مستوى الحياة السياسية، بحيث أخذت تسهم في إشعال العواطف الدينية وتحويلها إلى مطالب ومبادئ واستحقاقات سياسية تتصارع حولها الخناجر)(1).

أهمية الحوار والتفاعل بين الثقافات و الحضارات

لقد أضحى واجبا اليوم على مختلف دول العالم ومنظماته المدنية أن تتعاون معا لنقل الحوار حول تلك النوعية من الأزمات التي تعكس وتمس اختلاف الثقافات والأديان والقيم بين شعوب العالم إلى المستوى العالمي وما يعبر عنه من منظمات وبخاصة منظمة الأمم المتحدة. إن التوافق على فتح حوار موسع بداخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة حول كيفية التوفيق بين قيم العالم الحديث وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير وبين احترام تعدد الثقافات والأديان والقيم واحترامها سيكون البداية الجادة لحل الأزمة الحالية ووضع أساس صلب لمنع تكرارها بشأن أي دين أو ثقافة أو شعب في أي مكان من الأرض.

ونظرا لما للحوار من مكانة في التثقيف والتواصل الإنساني المعرفي، فقد أولاه المسلمون قسطا من اهتماماتهم.ومما جاء عن المسلمين، أن رجلا نصح ابنه قائلا (تعلم حسن الاستماع قبل أن تتعلم حسن الحديث). (وبالعودة إلى الماضي نجد أن دعوة الإسلام إلى الحوار تتمثل في العودة إلى الأرومة الإبراهيمية موحدا بذلك بين الأديان السماوية الثلاثة، فقد جاء محددا الحنيفية مزيلا ما علق بها من أساطير وطقوس رهبانية في الديانتين السابقتين ولا علاقة لها بدعوة التوحيد البسيطة التي بشر بها إبراهيم الخليل. وتواصل الحوار في المستوى الحضاري والتعايش بين مختلف الأديان والطوائف داخل المجتمع الإسلامي، أما ما ظهر هنا وهناك من موجات تعصب ورفض للآخر فقد كانت أسبابه سياسية، كما هو الشأن اليوم ولا علاقة له بالإسلام. إن كتب التراث العربي الإسلامي زاخرة بمظاهر التعايش السلمي بين المسلمين وأصحاب الديانات السماوية الأخرى، بل حتى مع من لم يكن من أهل الكتاب كالمجوس مثلا ،فقد عوملوا في فترة الفتوحات الكبرى معاملة أهل الكتاب(16).

إن الحوار والتفاهم والتعاون أصول ثابتة في الإسلام وثقافته ويلتزم بها المسلمون منذ أمد بعيد، ولكن هذه الأصول لا يمكن أن تثمر إلا مع وجود حسن النية والرغبة الحقيقية لدى الطرف الآخر، والذي يظهر من التصرفات والمواقف أن الطرف الآخر لم يدرك بعد أن الحوار والتفاهم يقضيان تجاوز إرث الأساليب القديمة. يقول الدكتور طارق البشري: (...والحوار الحضاري يقوم في ظني على اعتراف طرف بأن للطرف الآخر(مرجعية مختلفة)، أي موقف ثقافي مختلف وأسس مختلفة تقوم عليها أصول شرعية ومعايير الاحتكام لديه، ذلك أن الوضع الحضاري في ظني هو في النهاية (وجهة نظر) حاكمة، هو(شرعة) بالمعنى اللغوي الشرعة أو المشرع، أي نقطة البدء على أن يرتبط كل ذلك بجماعة ممتدة في صيرورة تاريخية، فتمثل هذه الوجهة قوة التماسك الجمعي التاريخي لهذه الجماعة وتشكل لها لغتها الذهنية ومعايير قيمها من حيث السلوك الفردي والقيم والتعامل بين الناس وبناء هياكل نظمهم ومؤسساتهم)(17).

إن العالم الواحد يقوم على حضارات متميزة عن بعضها بعضا تشترك في أشياء وتختلف في أخرى، كما أن كل حضارة واحدة تقوم على ثقافات قومية متميزة عن بعضها بخصائص تختلف من أمة إلى أخرى. فالمصدر الواحد للخلق-الله تعالى- هو الذي جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ومن تعددهم واختلافهم وتبادل المعرفة بينهم، يزدادون تطورا وتقدما في جدل اجتماعي يتميز به الإنسان منذ بدء الخليقة. ﴿ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة﴾.

علما بأن هناك جهودا متواصلة تبدل منذ سنوات للتقريب بين الثقافات والحضارات والديانات، ولبناء علاقات الاحترام المتبادل بينها إعلاء لمصالح الشعوب ومن أجل إزالة أي مواقف تحرض على الكراهية على أساس ديني وعنصري أو قومي، أو تزكي الصراعات التي تهدد مصالح الشعوب جميعا، إلا أن هذه الجهود تواجه أحيانا بمواقف وأحداث سلبية فتعود بها إلى نقطة الصفر، وهو ما يمثل تهديدا فعليا لعلاقات الاحترام المتبادل بين الثقافات والأديان المختلفة.

*********************

الهوامش:

*) باحث وأكاديمي من المغرب.

1- تعرضت المقولة لردود ومناقشات في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، انظر دراسة الدكتور محمد عابد الجابري في جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد: 3/ 2/ 1997م، ص4.

2- انظر دراسته عن قضايا الفكر المعاصر (صدام الحضارات) الحلقة 9، صحيفة الاتحاد الاشتراكي، عدد = 2/2/1997م، ص4.

3- انظر حوارا معه في جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد=15/2/1993م، ص5، أجراه معه عبد السلام بن عيسى.

4- تأملات في الاستعراب الأسباني، العلم الثقافي، عدد، 722، 15/ 12/ 198 م، ص5.

5- انظر مجلة (فصول) المصرية، عدد 3, 1983م، ص233.

6- انظر مجلة (الفكر المعاصر) بتصرف، عدد السابع، 1965م، ص48.

7- انظر محاضرته المنشورة في صحيفة الشرق الأوسط القسم الأول، عدد 6/ 11/ 1993م، ص21.

8- نقلا عن صحيفة القدس، 10/09/2004م، ص19.

9- انظر: حوارا معها في صحيفة (الميثاق الوطني) عدد 29/ 10/ 1993م، ص5.

10- بتصرف عن الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 17/ 2/ 2006م)الرؤية الغربية لصورة النبي

محمد –صلى الله عليه وسلم- في أدبيات القرون الوسطى).

11- انظر دراسته عن (تأملات في تطور كتاب سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشرق والغرب) مجلة (العربي) الكويتية، عدد 215/1976م، ص112-113.

12- انظر ما كتبه في هذا الموضوع عبد المحمود نور الدائم الكرنكي في صفيحة (القدس) عن فصل الإسلام عن سياقه الديني والحضاري للشرق القديم، عدد 25، 26 نوفمبر 1995م، ص14.

13- انظر حوارا معه في مجلة (رسالة الجهاد) الليبية، عدد70، ص61، والملحق الثقافي لصحيفة (الأنباء) الكويتية، عدد10/3/1982م، ص5.

14- انظر صحيفة الصحراء المغربية، عدد 19/2/2006م، ص15.

15- نظر صحيفة الصحراء المغربية عدد12/2/2006، ص14.

16- انظر ما كتبه الدكتور الحبيب الجنحاني في صحيفة (الحياة) عن (الحوار بين الأديان :عقبتنا السياسية واللاهوتية) عدد:26/1/1988م، ص11.

17- انظر صحيفة (الشرق الأوسط) عدد30/4/1996م، ص17(ملاحظات حول الحوار بين الإسلام والغرب).
المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=407

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك