من أساليب المستشرقين في حروبهم الفكرية: التزهيد في العربية

د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر 

 

من أهم مجالات الدراسات الاستشراقية اللغة العربية وآدابها، وبخاصة فقه اللغة الذي كان المدخل لكثير من المستشرقين للكتابة في مجالات كثيرة حيث يبدأ المستشرق مهتماً باللغة العربية وينطلق للكتابة في التاريخ والاجتماع. ومن الأمثلة على ذلك المستشرق هاملتون جب وكذلك المستشرق ماسنيون والمستشرق سيلفستر دو ساسي الذي أسس "مدرسة اللغات الشرقية الحية" في باريس عام 1795م وكانت "قبلة" المستشرقين في ذلك الزمن.

 

ومن خلال اهتمام المستشرقين باللغة العربية وآدابها نادى بعضهم بالاهتمام باللهجات المحلية وما يسمى بالفلوكلور حتى إنهم أقنعوا كثيراُ من الطلاب العرب والمسلمين لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه حول اللهجات المحلية والفولوكلور. ودعا بعض المستشرقين أيضاً إلى العامية ووضع قواعد خاصة بها بحجة صعوبة اللغة الفصحى أو أنها قديمة أو كلاسيكية غير صالحة في الوقت الحاضر. بل إن بعض المستشرقين نادوا بكتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية.

 

ومن اهتمام المستشرقين باللغة العربية وآدابها أن جعلوا من بعض المنحرفين فكرياً رموزاً في الأدب العربي المعاصر واخترعوا لهم من الألقاب مثل (عميد الأدب العربي) و(أستاذ الجيل) وغير ذلك. وقد تسلم بعض هؤلاء مناصب حساسة مثل وزارات التعليم في العالم الإسلامي ليبثوا انحرافاتهم ويفرضوها على الناشئة.

 

وقد كان المستشرقون وأذنابهم من تلاميذهم المعجبين بهم العاقين لأمتهم موقف سيئة من لغتنا الفصحى سطروها في الصحف السيارة والدوريات والكتب. فرموا العربية بتهم ليقنعوا الناس بالتخلي عنها، ليخلو لهم الجو كما قال القائل:

خلا لك الجو فبيضي وأصفري 
ونقِّري ما شئت أن تنقري 
قد رفع الفخ فماذا تحذري 

 

وللمستشرقين وأذنابهم عدة وسائل للتزهيد في العربية من إلقاء الاتهامات الباطلة جزافا، والتي لا تستند إلى دليل ولا تعليل. فمن سمومهم التي لاكتها ألسنتهم ونفثتها أقلامهم:

1. قولهم أن العربية لا تتسع لمعارف العصر، وعجب قولهم كيف تسع العربية كتاب الله ويصطفيها الله لتكون لغة القرآن ثم لا تتسع لمخترعات بشرية. وقد أحسن حافظ في قصيدته التي قالها لسان الفصحى والتي مطلعها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي 
وناديت قومي فاحتسبت حياتي 
رموني بعقم في الشباب وليتني 
عقمت فلم أجزع لقول عداتي 
ولدت ولما لم أجد لعرائسي 
رجالاً وأكفاء وأدت بناتي 
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية 
وما ضقت عن آي به وعظاتِ 
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلَةٍ 
وتنسيق أسماء لمخترعاتِ 
أنا البحر في أحشائه الدر كامن 
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟ 
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني 
ومنكم وإن عز الدواء أساتي 
فلا تكلوني للزمان فإنني 
أخاف عليكم أن تحين وفاتي 
أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة 
وكم عز أقوام بعز لغات 
أتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً 
فيا ليتكم تأتون بالكلمات 
أيطربكم من جانب الغرب ناعب 
ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟ 
ولو تزجرون الطير يوماً علمتم 
بما تحته من عثرة وشتات 
سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً 
يعز عليها أن تلين قناتي 
حفظن ودادي في البلى وحفظته 
لهن بقلب دائم الحسرات 
وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق 
حياء بتلك الأعظم النخرات 
أرى كل يوم بالجرائد مزلقاً 
من القبر يدنيني بغير أناة 
وأسمع للكتَّاب في مصر ضجة 
فأعلم أن النائحين نعاتي 
أيهجرني قومي عفا الله عنهم 
إلى لغة لم تتصل برواة؟ 
سرت لوثة الأعجام فيها كما سرى 
لعاب الأفاعي في مسيل فرات 
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة 
مشكلة الألوان مختلفات 
إلى معشر الكتاب والجمع حافل 
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي 
فإما حياة تبعث الميت في البلى 
وتنبت في تلك الرموس رفاتي 
وإما ممات لا قيامة بعده 
ممات لعمري لم يقس بممات[1] 

 

وما أحسن ما قاله الشيخ محمد الخضر حسين حين امتدح العربية بقوله:

لغة أودع في أصدافها 
من قوانين الهدى أبهى درر 
لغة قد عقد الدين لها 
ذمة يكلؤها كل البشر 
أولم تنسج على منوالها 
كلم التنزيل في أرقى سور[2] 

 

2. ومن سمومهم أنهم يقولون إنها لغة ميتة[3]، وهذا عجيب، إذ كيف تموت لغة القرآن الباقي إلى قيل يوم الدين؟ أليس هناك مئات الملايين يصلون لله تعالى وينطقون بالعربية في صلاتهم وكثير من شعائرهم. بل إن العامي يسمع الأخبار في وسائل الإعلام فلا يغيب عنه معنى وهي تقرأ بالفصحى.

 

3. ومن ذلك زعمهم بأن العربية صعبة على الأفهام معقدة في القواعد،[4]. فنقول لم يترك الصينيون لغتهم لصعوبتها ولا الألمان، ومن قال إن الإنجليزية والفرنسية أسهل من العربية. فالسهولة أمر نسبي.

 

4. وأفكوا يقولهم: إن العربية مليئة بالشذوذ، وجميع اللغات الأوروبية أكثر شذوذا منها.

 

5. وقالوا: إن الكتابة بالعربية غير ميسرة[5]، فنقول إن التوافق بين النطق والكتابة في العربية أكثر منه في الفرنسية والإنجليزية، فالفرنسي يسقط أواخر الكلمات وقد تصل إلى أربعة أحرف. والإنجليزي لا ينطق (H) في أوائل كلمات كثيرة. وحرفي (gh).

 

وكذلك الياء في قولك: سمير، يمكن أن تكتب في الإنجليزية على ستة أشكال وهي:

(y-e-ie-ei-ea-ee). والفاء يكتب على ثلاثة أوجه في الإنجليزية وهي: (f-gh-ph). والكاف على صور عدة في الإنجليزية وهي: (k-c-q-ck-ch).

 

وحرف الشين في العربية يكتب حرفان في الإنجليزية وهي: (sh). والذال والثاء يكتبان بحرفين إنجليزيين ولا سبيل إلى التفريق بينهما وهما: (th).

 

والحرف العربي له صورة واحدة، أما بعض الحروف الإنجليزية فقد تنطق صورتين مثل (c) قد ينطق كافا وقد ينطق سينا إذا أتى بعد بعض الحروف. ومثلها (g) قد ينطق قافا وقد ينطق جيما.

 

6. وقالوا إن العربية لا تتطور كبقية لغات العالم، فنقول كما قال الشاعر:

إذا محاسنيَ التي أدل بها ♦♦♦ كانت ذنوباً فقل لي كيف أعتذر

 

إن العربية لغة محافظة ومتطورة في آن واحد. فالتطور الذي نعنيه هو استيعابها للمصطلحات الجديدة وما يحتاجه الناس في معاشهم وحياتهم. ومحافظتها بأن قواعدها لم تتغير من العهد النبوي وإلى يوم الدين.

 

7. وقالوا بأن العامة لا يفهمون لغة الخاصة فالجواب على ذلك " لغة العامة في كل أمة لا تنطبق بجملتها على اللسان الذي يكتب به علماؤها. وإن كان الفرق كبيرا في العربية فبسبب اهتمامهم بالتعليم بينما الأمية فاشية في بلاد الإسلام. ولذا نرى أن المتعلمين من بني العرب لا يعسر عليهم فهم كلام الفصحاء من العرب"[6].

 

وهكذا ترى أخي القارئ أنها حجج متهافتة، لم تضر العربية بل جعلتنا نتأمل في محاسنها ونبرزها للقراء الكرام، فالحمد لله الذي اصطفى هذه اللغة العظيمة ليكون كتاب الله يتلى بها إلى يوم القيامة.



[1] ديوان حافظ إبراهيم 1/ 253 عن الاتجاهات الوطنية 2/ 360.

[2] حياة اللغة العربية / 80،82.

[3] الاتجاهات الوطنية 2/ 365.

[4] الاتجاهات الوطنية 2/ 366.

[5] الاتجاهات الوطنية 2/ 366.

[6] حياة اللغة العربية / 75.



المصدر: https://www.alukah.net/literature_language/0/106446/#ixzz5llHKTwrr

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك