الكلمة القرآنية بين وثنية الحرف وفضاء المعنى

 

 

الناس ينـزعون بمرور الزمن و بطبيعتهم البشرية إلى تقديس وعبادة الوثن، ولهذا السبب كان إرسال الرسل وبعث الأنبياء، الذين يتجلى غرض إرسالهم بعملية الإخراج من هذه الوثنية إلى فضاء الروح وإطلاق المعنى. والكتب السماوية كلها نوهت إلى هذا الغرض الغيبي في إرسال هؤلاء الأنبياء.
قبل النبي إبراهيم اعتاد الناس على عبادة الوثن، وصار تقديس الوثن عبادة لها طقوسها وأحكامها ونظامها، من يتعداها تجاوز النظام وأفسد التشريع، ولذلك تركزت رسالة إبراهيم على كسر رمزية الصنم، وتحويل الناس إلى وجهة جديدة هي الكلمة المفتوحة التي تخاطب العقل والروح ولكن الكلمة - كالحجر - ما تلبث أن تتحول مع مرور الزمن بإيمان معتنقيها إلى وثن جديد، ومن هنا كانت الحاجة إلى بعث نبي جديد يجدد هذه الكلمة ويعطيها إطارا آخر من الانفتاح والحرية يغذي المعتنقين الجدد برؤية جديدة وروح متجددة. وقد تستدعي الحاجة أن تكون هذه الكلمة هي النبي ذاته، وهي رؤية فريدة يقدمها النص الغيبي للإنسان تكاد تكون أعلى قمم الإبداع عبر تاريخ الأديان، حيث كان عيسى عليه السلام هو الكلمة ذاتها التي حملتها مريم "إن الله يبشرك بكلمة اسمه المسيح عيسى ابن مريم" "إنما عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" وبالتالي كانت مريم هي النبية التي حملت الكلمة "عيسى - الإنجيل" ولكن بمرور الزمن - كما أسلفت - تتحول هذه الكلمة إلى وثن يعبد بإيمان معتنقيها وإرادتهم الدينية في تحديد هذه الكلمة وتحويلها إلى نظام، ورسم حدودها، وتحديد ملامحها. وهذا الوثن يحتاج من جديد إلى كسر يخرجه من أسر قداسته وتحليقه في أفق الوثنية إلى فضاء المعنى وإنعاش الحياة فيه. ومن هنا أيضا أتى إرسال النبي محمد الذي تمحورت معجزته - حسبما اتفق عليها علماء الإسلام - حول الكلمة وإعجاز هذه الكلمة، و إبراز الجانب اللغوي العالي المستوى في هذا النص الفريد اللانهائي التأويلات. فقد عكف العلماء بعد استقرار الإسلام و استتباب أمر هذا الدين على هذا النص بيانا ودراسة وشرحا وإخراجا لكنوزه، وتفجيرا لطاقاته، ورسما لفضاءاته. وكانت هناك توصيفات قام بها معتنقوا هذا الدين الجديد برسم ملامح هذا النص الفريد "لاتنقضي عجائبه، ولايخلق على كثرة الرد" وكان هذا التوصيف من أبدع ما يمكن أن يوصف به هذا النص المفتوح. ولكن ما لبث الناس كعادتهم في تعاملهم مع الكلمة الغيبية أن تحولوا إلى تقديس الكلمة وإغلاق فضاءاتها وتحديدها بما أراد لها علماء السلف، و توثينها بتقديسها، وبالتالي تحولت هذه الكلمة مع مرور الزمن إلى وثن يعبد لذاته دون النظر إلى مضامينه اللانهائية، وبات الأمر مظهرا واضحا للرؤية القرآنية "يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" فالنص يصف بوضوح أن أتباعه هجروه، وهو ما تشير إليه دلالة (قومي) ولكن ماذا عن الأعداد الكبيرة التي نشاهدها اليوم من حفظة القرآن والمتعبدين بهذا النص والذين تخضل لحاهم حبا وخوفا من وعد ووعيد هذا النص، ومن ورائهم الفقهاء والمفسرين التقليدين والحرفيين وعلماء الدين، فكل هذا حسب الظاهر يشير إلى أن الناس ملازمين لهذا النص غير هاجرين له، وبات تفسير هذه الآية مربكاًَ في فضاءات هذا الواقع الغريب. فهل يقصد القرآن بقومي أولئك المتمسكين بهذا النص بطريقةٍ حرفية وثنيةٍ تقيد فضاءات النص، وهم العلماء والمفسرون الذين نظن بهم خيراً، أم أن الأمر يختص بأولئك العصاة اللاهين، أعتقد أن الأمر هنا معقد جداً، فهل يمكن للقرآن أن يذم أولئك العلماء الذين يعتقد بهم الناس أنهم القائمون على حمى الدين الصائنون لبيضته، إن الحل لهذا اللغز العجيب يكمن في آية "ومنهم أميون لايعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فبئس مايشترون" في هذه الآيات إشارات ورموز لاتقف عند حدود التفسير التقليدي من قضية التحريف والتبديل، القضية تطال عمل رجال الدين وتحريفهم للحقائق وتوثينهم لهذا النص وتحنيطهم لمجموعة من المفاهيم التي لايراد لها أن تتزحزح عن مضامينها طمعا بالعائد المادي والمكانة الاجتماعية. وهذا يعم جميع القائمين على الأمر الديني في كل الأديان.
إن أول حوار بين الغيب وبين النبي محمد كان أمر "اقرأ" ولكن الآمر يعرف حق المعرفة أن هذا النبي ليس بقارئ وإنما هو أمي! وأتى الرد طبيعيا من هذا النبي ما أنا بقارئ. هناك حيرة حقيقية لفهم المقصود من هذا السؤال، لماذا وُجِّه السؤال بالقراءة للنبي وهو أمي؟ هل يراد بالقراءة ذلك المعنى الذي يفهمه المسلمون اليوم من أننا أمة "اقرأ"، ويريدون بذلك مجرد القراءة الحرفية. إن هذا السؤال في الحقيقة ما هو إلا إكمال للمسيرة الإلهية - التي لاتقف ولاتنتهي - في رسم خارطة الكون التي بدأت من عهد آدم بتعريفه الأسماء التي جهلها الملائكة. والأمر للنبي محمد هنا بـ"اقرأ" هو محاولة لكسر نظام اللغة المعروف وكسر تلك القراءة الحرفية لهذا النص، هو محاولة للخروج من نظام الحرف إلى فضاء الكلمة إلى فضاء الكون، ولهذا أتى الجواب مركزا على المعرفة الإنسانية الكونية قائلا: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق" إن هذه القراءة هي كسر للنظام الحرفي للكلمة، كسر لتحديد الكلمة ضمن أيقونة النظام. وبالتالي تفجير طاقات الكلمة لتكون نصا كونيا لا تأسره رسم الحروف. إن أعمال العلماء المسلمين حول الكلمة القرآنية عبر تاريخهم كانت تفجيراً لطاقات هذه الكلمة إلى الدرجة التي ساروا بها إلى حدود مغلقة في نهاية الأمر، وبتنا نحتاج اليوم إلى المخلص الذي يخلصنا من وثنية الكلمة المأسورة بحروفها، و من نظامها القاسي المحدد إلى فضاء مفتوح لا نهائي. إن اللغة العربية - كما يقول أدونيس - ولدت في المنفى، ولدت عندما هاجر إبراهيم وزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى مكة، وترك أسرته هناك في المنفى حيث تنشأ اللغة العربية، والمنفى أسر، واللغة بطبيعتها تحتاج إلى نظام قواعدي محدد لرسم ملامحها وتحديد إطارها، وبالتالي هي محدودة بحدود لايمكن تجاوزها، والذي يتكلمها يحتاج إلى نظام، وفي كل نظام شكل من أشكال النفي. ومن هنا كانت الحاجة لهذا القرآن الذي يكسر هذا النظام، والذي - أي القرآن - تاه بلغاء العرب في وصفه وتحيروا، قالوا: إنه نثر ولكنه ليس كالنثر وإنه شعر لكنه ليس كالشعر، هذا النص الذي يحمل رؤية معينة للإنسان والحياة و الكون، والذي تتمثل بنيته الداخلية العميقة في موسيقية لغته، ولكن أنغامه لاتندرج في نسق معين أونظام وزني ثابت، مما يجعلها تنساب في حركية مفتوحة. هذا القرآن الذي لا يشبه كتابا في نظامه وبنيته الداخلية وحركيته لا يمكن أن يكون إلا رؤية مختلفة عن اللغة ونظامها، إنه كسر للغة المألوفة التي - في الوقت نفسه - يُتلى بها. ومن هنا فهو حالة تمرد على الأسر والمنفى، وهو بالتالي ضد النظام. و عليه فإن قراءة هذا النص يجب ألا تخضع لرؤية الماضي، ولا تخضع للنظام المحدد المعهود، ينبغي إطلاق مكامن هذا النص وإخراجه من وثنية حروفه التي شكلها التقليد الإسلامي ليكسب بعدا جديدا في حياة الناس ومعاشهم، وليعطي روحا جديدة في تقديم رؤية إنسانية خاضعة لمعطيات الحاضر.

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=597&idC=1&idSC=1

 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك