إشكالية الحوار مع الآخر

رقية القضاة

 

يعتبر الحوار البناء الهادف المليء بالتفهم للآخر، والاحترام لآداب التداول المعرفي، والتناول الموضوعي للمواضيع المطروحة، يعتبرمقياساً لرقي المتحاورين، وحرصهم الصادق على الوصول إلى الحقيقة المجردة عن الغموض والزيف.

وعليه فإن سمات المتحاورين، وطريقة تفكيرهم ،تبدوا اكثر جلاء ووضوحاً عند احتدام النقاش ووصول الطرفين إلى نقطة الخلاف التي يدور الحوار حولها.

وهنا تتبلور الشخصيات المتحاورة ما بين محاور واثق من رأيه واضح الفكرة بليغ العبارة حريص على إيصال الفكرة إلى الآخر، وما بين داخل الى حلبة صراع، يحسب أن آراءه لابد لها من صوت هادر وكلمة نابية وإرغاء وإزباد وشتم واحتقار للآراء " المعادية " حتى تصل إلى الأسماع وتملأ الأذهان .

وما بين متبنّ لأفكار ليست له مناد على بضاعة غيره يتخذ من النفاق والتزيين الخادع والمظهر البراق للكلمات مدخلاً للحوار الأجوف الذي لا يشعره هو نفسه بصدق فكرته ولا بنبل هدفه.

وما بين محب لفكرة سامية مشفق على مصيرها ساع لإيصالها لغيره حريص على إظهارها ولكنه غير متمكن من أدوات الحوار، ولا من إبداعات البيان المؤثر في الآخ، وهكذا تجد الحوار وقد دخل في أزمة الفوضى، وإشكالية الأنا ، والجمود والتشنج وانعدام التفهم فيفقد الهدف الذي قام من أجله ، والمصداقية اللازمة لإنجاحه .

ولأن الإنسان هو الناطق الوحيد بين باقي الكائنات فإن اللغة هي الوسيلة الأمثل لديه في التعبير والبيان، وبما أن اللغة مليئة بالمفردات المصنفة مابين لغة راقية إنسانية اللهجة، ندية التعابير، سهلة الاستيعاب ومابين لغة سوقية المفردات همجية المعاني استبدادية الإقناع، تقول للآخر: ما أريك إلا ما أرى وإلا فأنت مخطئ مرفوض الرأي منبوذ الفكر.

وهكذا يفقد الحوار نكهة الرقي، وإمكانية الإستمرار، وبالتالي تظل المعسكرات الحوارية المتحاربة على شفا الاصطدام المدمر لآخر خيط من خيوط التفاهم والتواصل، وتلاقي الأفكار المبدعة، وتآخي النقاط الجامعة لكل الأطراف على هدف واحد ، وهو الوصول إلى الحقيقة.

لقد ذكر القرآن الكريم لنا الكثير من الحوارات التي دارت بين متحاورين مختلفي الأفكار والمعتقدات ،والأهداف والغايات ، وحمل كل حوار روحا خاصة به ، فيها معانيه ومنطقيته عند هذا الطرف أو ذاك ، ابتداء من تلك المحاورة بين الخالق العظيم وملائكته الأبرار (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ))[البقرة:30] .

لقد جاءت الفكرة واضحة كل الوضوح ، والغاية منها لا لبس فيها ولا احتمالات، وجاء السؤال المستفسرعن وجه الحكمة وليس المستنكر للفكرة ((أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ))[البقرة:30] .

ويأتي الرد المقرون بالدليل على صلاحية الفكرة ، وحكمة الخالق واستحقاق الإنسان للخلافة وقدرته عليها، وتوج الحوار بالاستسلام التام لأمر الله .

وقد يقول قائل: هذا أمر الله، والملائكة معصومون عن الخطأ، وبديهي أن يستسلموا لأمر الله ويصدقوه سبحانه، فنقول: إن الملائكة لم تعص الله تعالى بسؤالها ، ولم تفكر أصلاً بالمعصية، ولكن الله تعالى يضرب الأمثال للناس ويعلمهم وهذا الحوار يعلمنا أن الأمور فيها تحاور، وأن الآراء قابلة للاستفسار.

فإذا كان الله سبحانه قد قدم الدليل للمتسائل وطالبنا بالبحث عن أدلة وجوده وحكمته سبحانه، وهو العلي العظيم الحكيم الذي أمره كن فيكون، فنحن البشر الضعاف القابلين للخطأ والصواب، والضعف والتغير، والجور وقصور الإدراك حري بنا أن نتحاور ونقدم الأدلة.

ونرتقي بأسلوب الطرح ويعذر بعضنا بعضاً في الاختلاف ونأخذ بأسباب نجاح الحوار، ونقبل حجة غيرنا إن كانت أصح ونرفض بقوة مقنعة وصريحة وواضحة الأدلة كل مافيه مساس بثوابتنا العقائدية ، ونوسع صدورنا للاراء التي تحتمل أوجه عدة .

ولقد فصل لنا القرآن الكريم الكثير من المحاورات التي تواجه فيها الفكر السليم والحجة والبرهان الجلي والعلم الغزير والمنطق السديد مع الجهل والتحايل والتشنج والعدوانية الفكرية والنظرة المتعالية لكل مخالف ، والأسلوب المتهم لغير المؤيد كحوار موسى عليه السلام مع فرعون.

ولا تزال الأرض ملأى بالفراعنة، وأهل الحجة والبرهان، وحوار رجلي سورة الكهف المؤمن والملحد ، ولا تزال الدنيا تخجل بالملاحدة وتزهو بالمؤمنين ومابين الظالم والمظلوم كابني آدم الشهيد والقاتل.

وما تزال الأرض مخضرة بدماء الشهداء ضائقة بالقتلة، ومابين المجادلة عن حقها، وولي الأمر القادر على إنصافها، ولا تزال الأرض تنعم برحمة السميع العليم، وعدل شرع الرسول الرحيم وجرأة المطالبين بحقوقهم دون أن يخشوا على أنفسهم حيفا من الله ورسوله ، والأمثلة كثيرة من القرآن والسنة والسير والمآثر التي نفتقدها في أيامنا هذه بين المتحاورين حتى من حملة الفكر الواحد وذوي الغاية السامية نفسها .

إن ما أود قوله لكل من يؤمن بالحوار كوسيلة لإثراء التجربة الانسانية وكرافد حضاري لمسيرة الأمة الواعدة وكمغيّر إيجابي لوجه البشرية الحزين ، وكشراكة إنسانية مخلصة ، تسعى لإيصال فكرة طيبة إلى الآخر.

أيها المتحاورون الفكرة الواضحة تحتاج الى دليل، والدليل يحتاج الى منطق ، والمنطق يحتاج الى ايمان صادق باحقيته ،وتاج هذا كله ، الادب المنبثق من انسانيتنا، والاحترام المتولد عن شعورنا بكرامتنا، والمحبة للإنسان كمخلوق نحرص على أن يلقى الله على الحق والنور، فالآخر لديه رأي ولديه تصور، وعنده مبررات مثلك تماماً.

فإذا أردت إقناعه برأيك فكن مقتنعاً أنت بما تقول وتعتنق، واحترم فكرك وقدمه بأجمل حله وابسط مقولة وأدق تعبير وليشعر الاخر أنك حقاً تحب له ما تحب لنفسك، وتعطيه من الإصغاء والإنصاف ما تتمنى أن يعطيك وتحترم شخصه حتى لو لم تعجبك آراؤه.

وفي ديننا منهج للحوار راق وبناء ومقنع، ومحرر لأدمية الإنسان ولنرجع إلى قرآننا ونرى إشراقة الحرية،وانطلاقة الرأي وتعايش الأفكار، ومساحة التداول والتبادل الثقافي المنسجم مع الشرع الإلهي، ولهفة النداء المشفق في الحوار والذي كثيراً ما انتهى بالرافضين للحق إلى اعتناقه بكل رضى وقناعة واعتزاز ((وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ))[الأحزاب:4].

 

المصدر: http://www.denana.com/main/articles.aspx?article_no=11964&pgtyp=66

 
الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك