الحوار الإعلامي والطبقة الثالثة

علي الخشيبان

 

يقول مكيافللي "ويتمتع الشيء العادل دائماً بالجمال" ومن هذا المنطلق سوف أناقش قضية حوار إعلامي حدث في المجتمع خلال الأيام الماضية وكان هذا الحوار موضوعاً مثيراً موجهاً للأمة السعودية بشكل دقيق، لقد كان الهدف الأساسي كما يبدو لي أن يتم الحوار مع المجتمع تحقيقاً للشفافية وهذا توجه إيجابي ورائع ان يتم الحوار مع المجتمع من أجل إيضاح تلك الإجراءات التي تم اتخاذها ولكن السؤال يتوقف عند كيفية الحوار الإعلامي والطبقة الثالثة..؟

الإعلام المحلي والدولي اليوم لا يعتمد على الحوارات التلفزيونية المسجلة لأن الإعلام الحديث دفن فكرة التسجيل المسبق ولم تعد الحوارات المسجلة تشكل جزءاً من أي نظرية إعلامية لأن ملايين التغريدات الفورية في تويتر على سبيل المثال تكسر قواعد التسجيل وتقضي عليها، إذن انتهت هذه الفكرة ولم تعد تحقق أهدافها لأن عظمة الإعلام اليوم تولد من سرعته وليس من وسيلته التي يظهر فيها، فالاحتكار الإعلامي انتهى بتملك المجتمعات وكالات إعلامية مستقلة لديها مئات الوسائل والطرق للوصول إلى الآخرين.

أنا شخصياً من الذين دعوا إلى أهمية الظهور والحوار بشفافية مع المجتمع إذا ما كان هناك من قضية تستدعي ذلك، وليس هناك قضية من وجهة نظري أهم من المساس بالدخل الخاص بالموظفين، ولكني لست من دعاة الحوار وفق اتجاه واحد فالاجتهاد في جعل هذه الحلقة مسجلة جعلها تسير في اتجاه واحد، لذلك فشلت الحلقة في تبرير أهدافها بل تم إلقاؤها في اتجاه واحد بذل فيه الكثير من الجهد من أجل الإنتاج وجعلت الطبقة الثالثة في المجتمع تفترض في تلك الحلقة تفسيرات وتنبؤات مطلقة وغير محدودة.

كثير من التفسيرات والتصورات على سبيل المثال ظهرت في هاشتاق على تويتر حيث أكثر من أربعة ملايين تغريدة لمدة قلت عن أربعة وعشرين ساعة منذ إذاعة الحلقة، ومن المؤكد ان الرقم تضاعف، هذا يدل على ان فكرة الاستدرك والتصحيح والتعاطي مع الحدث لم تكن متاحة لذلك كبرت كرة النقد في اتجاه مضاد للحلقة دون أن يوقفها توضيح واستدراك مباشر.

لن أرصد تلك الأخطاء أو التصورات التي حدثت في الحلقة ولكني سوف أنقد فكرة الحوار الإعلامي مع الطبقة الثالثة وآليات حدوثه، لأن الحوار مع تلك الطبقة هو أصعب وأعقد حوار، إذا ما تم النظر إليه على انه حوار مع الوعي المجتمعي الذي يتحرر حالياً من القيود والأنظمة عندما يكون سابحاً في فضاء الإعلام الحديث، ففي العالم الغربي مثلاً يتم إعداد الظهور المباشر أمام المجتمعات بشكل كبير ويتم التحضير وفق أسس علمية وتدريب عملي وعلمي حتى لأكبر المسؤولين ويتم تحضير المبررات لنقاشها واختبار للقدرة على عرض السلبيات والإيجابيات ومناقشتها.

الإشكالية الكبرى التي ذهبت بهذه الحلقة الى هذا الاتجاه الذي رأيناه يعود سببه الى عدة مبادئ ومفاهيم اشتركت الحلقة والمجتمع في تناولها أولا: ذهبت الحلقة الى كونها تبريرا فقط لما اتخذ من قرارات ولم تأخذ المتلقي في صفها، ثانيا: لم تستطع الحلقة بمن شارك فيها في إقناع المتلقين بأنهم شركاء في المهمة التي تقوم بها الحكومة وليسوا في الطرف الآخر من النهر لوحدهم، ثالثا: لم تكن الأسباب المطروحة مبسطة وقادرة على التسلل إلى داخل الوعي المجتمعي وإقناعه بأن الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة إيجابية في حق المجتمع، رابعا: لم تقدم الحلقة مبررات قوية تهم المجتمع ككل بحيث يشعر الفرد بأنه جزء من المشكلة وليس سببا لها كما ورد في قضية الإنتاجية الخاصة بالموظف وغيرها من وصف المشروعات التنموية.

من الناحية العقلانية يجب أن ندرك أن كل ما حدث بين الحلقة والمجتمع يدخل تحت باب الاجتهاد وليس الصراع من الجانبين والمسؤولين الذين ظهروا في هذه الحلقة ظهروا وهم في أوج تأثرهم بالحالة الاقتصادية والسياسية التي يمر بها العالم، لذلك حتى استشهادات بعضهم بدت مقرونة بلغة سياسية لا يمكن للمجتمع تحملها، وفي ذات الوقت استقبل المجتمع الحلقة وهم في أوج تأثرهم من إعادة ترتيب مستحقاتهم المالية، لذلك كانت اللغة القائمة بين المتحاورين أقصد الحلقة والمجتمع كانت لغة فقدت فيها المشتركات بشتى أنواعها.

من الطبيعي القول ان الأفكار الواقعية هي فقط من يولد الاستجابة الواقعية من قبل المجتمعات، وهذا يتطلب دائماً إيجاد البدائل المناسبة للمشكلات القائمة مهما كان نوعها سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وذلك قبل البدء بنقدها، ففي المشروعات التنموية الطموحة يجب أن يكون النقد هو الجسر الجاهز لنقل المجتمع إلى الوجهات التنموية الجديدة وليس محطة للتوقف والمعاتبة، وإذا ما كانت هناك رغبة في حمل المجتمع من وجهة إلى أخرى فإن ذلك يتطلب مراعاة شاملة لحساسية المجتمع بطبيعته وتشكيلته المكونة من الأفراد، لأن المجتمع والدولة يبحثان أولاً عن الرفاهية والسعادة فهي غايتهما الأخيرة هرباً من الألم والإحساس بالمعاناة.

العلاقة مع المجتمع من خلال حوار إعلامي مع الطبقة الثالثة وخاصة في القرن الحادي والعشرين تتطلب أدوات وتقنيات أكثر وضوحاً، فلم يعد كل مسؤول مهما كان حجم مسؤوليته بمتفرد أو متميز بما يعرف كما كانت الأفكار قبل سنوات، اليوم تتجاوز المعرفة المجتمعية كل الحدود والمسؤول التقليدي الذي يتعاطى مع الواقع المجتمعي من خلال موقع المسؤولية فقط يفاجئة المجتمع بكم الفهم والإدراك وخاصة مع اختفاء الكثير من القيود الإعلامية، فالمسافة التي كانت تفصل المجتمع عن سور المسؤوليات لم تعد كبيرة كما كانت في الماضي.

المصدر: http://www.alriyadh.com/1542817

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك