عن الإنترنيت تكنولوجيا إدراكية

بقلم يحيى اليحياوي

 

لو تسنى لنا القول بأنّ الإنترنيت تمثل ثورة ثقافية وإدراكية بامتياز، فسيتسنى لنا القول كذلك ولا محالة، بأنّه قد كان لظهورها وانتشارها وقع قوي ليس فقط في مستوى ممارساتنا الثقافية وأنماط استهلاكنا "للسلع الإدراكية"، بل أيضًا في مستوى طبيعة العلاقة التي باتت لنا مع هذه الممارسات والأنماط وإزاءها، في شكلها وكذلك في مضمونها.

ولذلك، فعلى الرغم من الطبيعة التقنية الملازمة لنشأتها وتطور مفاصلها الكبرى، لا بل وتحول العديد من روافدها إلى وسائل لترويج السلع الاقتصادية والتجارية والخدمات المالية والمصرفية، فإنّ الإنترنيت تبقى مع ذلك من تلك "التكنولوجيات الثقافية" التي تحيل صوبًا على الثقافة، باعتبارها ذاك المعين الرمزي الذي ينهل منه الفرد والجماعة على حد سواء.

من غير المؤكد (ولا هو من الثابت أيضًا بالدراسات الميدانية) أن تغير الإنترنيت مفاصل الاقتصاد والمجتمع لدرجة تفجيرها من الداخل، بأفق إفراز براديغم جديد مناهض له، منافس ومتجاوز على البراديغم القائم، لكن من المؤكد (والثابت بالدراسات الرائجة فضلاً عن ذلك) أنّها ستغير علاقتنا بالمعرفة وبالذاكرة الثقافية، تمامًا كما كان الشأن مع الثورتين السابقتين لها، ثورة الكتابة وثورة المطبعة.

إنّ مقارنة ثورة الإنترنيت بثورتي الكتابة والمطبعة هي مسألة مسوغة ومشروعة بكل المقاييس. إذ "اكتشاف" الكتابة في نهاية القرن الرابع الميلادي ببلاد الرافدين، إنّما كان بمثابة اكتشاف آلية للذاكرة جديدة، من شأنها إعادة تنظيم المجال الثقافي وهيكلة فضاء المعرفة والفكر، في ظل حضارة (ثم حضارات في أعقابها) عاشت على الشفوي لعهود طويلة، وجعلت منه نموذجًا في اتصالها وتواصلها، وأداةً "لحفظ ذاكرتها" وضمان استمرارية الذاكرة ذاتها في الزمن والمكان.

بالتالي، فإنّ وصول الكتابة وانتشارها على نطاق واسع، قد أسهما وإلى حد كبير في "تحرير" المعارف التي كانت مقتصرة على ذاكرة الفرد والجماعة، وتوزيعها (المعارف أقصد) على حوامل جديدة تتجاوز الحامل الشفوي المعتاد، أو المباح أو المتاح.

وقد بات التمثل البصري للمعرفة، في محصلة ذلك، بمثابة الرافعة الجديدة (ولربما الوسيلة الإعلامية الأولى) التي أضحى بمقدورها تنظيم المعارف وتحديد عملية الوصول لما يسميه علماء الأنتروبولوجيا بـ"الذاكرة الثقافية"، والتي أصبح من اختصاصها لا فقط تجميع المعارف ومعالجتها وترتيبها وتخزينها فحسب، بل أيضًا استخراجها، ثم استعادتها، ثم ضمان رواجها بين الأجيال المتعاقبة. وهو ما ثوت خلفه المطبعة بقوة، منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي، كونها أعادت ترتيب الذاكرة الثقافية وتوزيعها من خلال إعادة تشكيلها للهرم المعلوماتي في توزيع المعرفة.

ولذلك، فعندما نقول بأنّ الإنترنيت تمثل ثورة حقيقية بالإمكان مقارنتها بثورتي الكتابة والمطبعة السابقتين على ثورتها، فنحن لا نتحدث عن قطيعة أبستمولوجية من طبيعة ما أو من مد ما، بقدر ما نتحدث عن استمرار الثورتين معًا، بمقياس القدرة والنجاعة في تجميع الذاكرة الثقافية وتخزينها ومعالجتها واستردادها وإعادة إنتاجها وتوزيعها، وهي التي اعتملت الثورتان إياهما في ظلها أو من بين ظهرانيها أو على أساسها.

بيد أنّ نقطة الاختلاف الجوهرية بين "الثورات الثلاث"، إنّما تكمن في قدرة الإنترنيت (على عكس الكتابة والمطبعة) على خلق تحول جذري في شروط النفاذ للذاكرة الثقافية، من خلال إدخال آليات جديدة في تدبيرها (أي الذاكرة الثقافية)، وضمان سبل الاغتراف منها بيسر لم يكن معهودًا من ذي قبل، لا بل وضمان اقتسام مكنوزاتها (مكنوزات الذاكرة الثقافية أقصد) في الزمن والمكان دون إكراهات أو معوقات كبرى.

إنّ تكنولوجيا الإنترنيت قد تحولت إلى أداة إدراكية مركزية في التنظيم الثقافي للمجتمعات، لا سيما وأنّ هذه المجتمعات قد باتت شديدة الترابط والارتباط فيما بينها. وهي بهذا إنّما تسهم في استنبات "أدوات ثقافية" جديدة من شأنها إذا لم يكن تغيير ممارساتنا الإدراكية، فعلى الأقل تمثلنا للعالم المحيط بنا، وأيضًا لذواتنا، الفردي منها والجماعي على حد سواء.

ولذلك، فإنّ الإنترنيت، عندما يتيح النشر للأفراد وكذلك للجماعات، فهو من هنا إنّما يتيح لهم التعبير عن أنماط تمثلاتهم ومحتوى إدراكاتهم، ويعيد ترتيب تموجات فعلهم وتفاعلهم مع المحيط العام والخاص الذي يؤثث فضاءهم حيثما حلوا أو ارتحلوا.

إنّ الإنترنيت "وسيط" إدراكي معقد. إنّه ليس فحسب وسيلة اتصال وتواصل تفاعلية، ذات قدرة علائقية عالية (يتحدث البعض بهذا الخصوص عن "التكنولوجيات العلائقية")، بل هو أيضًا ذاكرة ثقافية ومعرفية لا تعرف سعتها مدى محددًا ولا فضاء محدودًا.

ثم إنّ جغرافية الإنترنيت هي في حد ذاتها جغرافيا معقدة، بحكم تداخل الحامل والمحمول لدرجة التماهي في بعض الأحيان، وأيضًا على اعتبار التداعيات الإدراكية والمعرفية والثقافية التي تجرها الجغرافيا ذاتها من حولها وفي صميم بنيتها وصلبها.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الطبيعة "اللامادية" للإنترنيت وقدرتها على التشبيك، لا يعتد بها كثيرًا، بالقياس إلى تحرير "الكلمة" التي باتت الميزة الكبرى لهذا الوافد الجديد.

ولذلك، فإنّ الحمولة التقنية التي أتت بها الإنترنيت بصلب هذه الثقافة أو تلك، إنما من شأنها أن تؤدي لا إلى تحولات مجتمعاتية عميقة فحسب، بل تؤدي كذلك إلى تغير العلاقة بالمعرفة وبالمستويات الإدراكية، وهذه المستويات (الإدراكيّة) تؤدي بدورها إلى تغيير في العلاقة مع التقنية، وهكذا دواليك.

بيد أنّ الجنوح الذي يختزل الإنترنيت في شبكة تقنية خالصة، لا يتعدى دورها "إتاحة" المعلومات بين منتجها ومتلقيها، هذا الجنوح لا ينفي مع ذلك التحولات الإدراكية التي حملتها الشبكة إياّها أو كانت أداتها ووسيلتها المادية.

صحيح أنّ المعلومات لم تتغير كثيرًا في طبيعتها ولا في وظيفتها، فما بالك في أنماط إنتاجها، لكن الشبكات الرقمية (والإنترنيت في صيغتها الحالية على الأقل) أضفت عليها بعدًا "لاماديًّا" لم يكن معهودًا زمن ثورتي الكتابة والمطبعة.

ولذلك، فلم تعد المعلومات تنهل كثيرًا من بعدها المادي والواقعي الخالص (أي القائم والسائد زمن الكتابة والمطبعة)، بل تحولت إلى "كائن افتراضي"، تعبر عنه تقنية الرقمنة بسلاسل متتالية من الأصفار والآحاد، لا بل إنّ المعلومات إياها أصبحت عناوينَ تقوم عليها لوغاريتمات، هي أقرب إلى التعليمات والنماذج المعلوماتية منها إلى الوثائق المادية الصرفة، نصًّا كانت أو صوتًا أو صورة.

بالتالي، فإنّ الوصول إلى هذه المعلومات (وقد باتت مباحة ومتاحة) إنّما هو شكل من أشكال إزاحة البعد الخاص عنها وإلباسها لبوس الملك الجماعي المشترك.

من جهة أخرى، فإنّ الإنترنيت قد أضحت حقًّا في طريقها إلى تحويل التساؤلات الفلسفية الرائجة إلى تجارب إدراكية حقيقية، لا سيما على ضوء واقع تقلص المسافات وتحول الأمكنة وتغير الممارسات. بمعنى أنّه ما دام قد بات الزمن افتراضيًّا، فإنّ تمثله قد بات هو الآخر افتراضيًّا، تمامًا كما هو الشأن مع المكان الذي لم يعد من بين ظهرانيه من اعتبار يذكر لمقياس القرب أو البعد الجغرافي والمادي الصرف... لا بل إنّ حتى عناوين الأمكنة تغيرت، فلم يعد صندوق البريد هو محط الرسالة، بل تم تعويضه بعنوان ألكتروني تقصده الرسائل بوتائر تعجز عن مجاراتها صناديق البريد التقليدية.

بالآن ذاته، فإنّ علاقتنا بالمعرفة قد تغيرت هي الأخرى وإلى حد بعيد، إذ بصرف النظر عن الأحجام الضخمة من المعلومات المتاحة بالشبكة، والتي بالإمكان الإفادة منها عن بعد، فإنّ الشبكة إيّاها أضحت فضاءً مفتوحًا لمجموعات "بشرية" مستقلة، لكنّها محكومة بمنطق أنّ لكل مكون منها أن يتقاسم مع المكونات الأخرى تجاربه ومعارفه وأحاسيسه وهكذا.

بيد أنّ أحجام المعلومات المتوافرة ببنوك معطيات الإنترنيت هي معطيات خام، أي أنّه من المفروض الاشتغال عليها لإعادة بنائها وهيكلتها، حتى تستطيع التموقع بالبنى الذهنية والإدراكية الموجهة إليها.

الإنترنيت هنا لم تكتف بنقل المعلومات والمعارف المهيكلة، بل أضحت أداة بيداغوجية ناجعة إذا لم يكن بمقياس وقعها، فعلى الأقل بمقياس تأثيرها في طرق التعلم وأنماطه. ولذلك، فإنّ قدرة الإنترنيت على هيكلة المعلومات والمعارف إيّاها، إنّما من شأنها أن تؤسس "لقطيعة" حقيقية مع الخطية الطبيعية التي ميزت الخطاب الشفوي أو توالي الصفحات الورقية في المادة المكتوبة.

صحيح أنّ الأدبيات المشتغلة على البعد الإدراكي المتضمن بشبكة الإنترنيت، تقوم بذلك بالقياس إلى العالم الواقعي، لكن ثمة أدبيات أخرى تشتغل على أساس قراءة العالم الواقعي على خلفية هرمية الشبكة وتراتبيتها.

عندما سنصل إلى هذه المرحلة (مرحلة أن نقرأ العالم الواقعي بالارتكاز على مرجعية بنية الإنترنيت)، فسنكون هنا حتمًا بإزاء "ثورة" جديدة، تتجاوز الثورات الثلاث عوض أن تضمن لها الاستمرارية والامتداد.

المصدر: http://www.mominoun.com/articles/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D...

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك