جون ستيوارت مل وفلسفة الحرية

مصطفى النشار

تمهيد:



نصوص الفلاسفة كنوز ذهبية لا تفقد بريقها مهما دفنت في التراب أو علاها الصدأ، فما إن تفتح أحدها حتَّى تنفتح أمامك آفاقٌ أرحب من الفكر، وتجد نفسك مأخوذا لعوالم فكرية جديدة لم تكن ترد على ذهنك لو لم تقرأها عند هذا الفيلسوف أو ذاك. وكم تكون المصادفة سعيدة حينما تعيد اكتشاف ذلك النص الفلسفي في الوقت الذي يلائمه تماماً؛ فمن المؤكد أن ديمقريطس بنصوصه عن الذرات وكونها أصل العالم الطبيعي هي التي فتحت آفاقاً جديدة أمام التفسير الذري للعالم الطبيعي لدى دالتون والذريين المحدثين، ومن المؤكد أن الشيء نفسه قد حدث حينما اطلع أينشتين على شذرات فيثاغورس الذي كان أول من حاول تفسير العالم الطبيعي تفسيراً رياضياً، فكان أن ابتدع لنا علم الفيزياء الرياضية، وقدم نظرياته العلمية في النسبية العامة والنسبية الخاصة التي قلبت تاريخ علم الطبيعة رأساً على عقب.

إن نصوص الفلاسفة مهما تقادم بها الزمن لا تموت، وتصبح دائما ناراً متأججة تحت رماد التاريخ، وتحتاج لمن يعيد قراءتها والاستفادة منها في أي زمان وفي كل مكان، وهذا يحدث معي كثيراً، وفي هذا الوقت الذي تثور فيه الشعوب العربية طلباً لحقها في المشاركة السياسية والتحول نحو الديمقراطية الحقيقية والتمتع بحقوق الإنسان الأساسية من حريات وعدالة اجتماعية والمزيد من الشعور بالكرامة الإنسانية التي كثيرا ما أهدرها المستبدون من حكامنا العرب؛ أقول: في هذا الوقت بالذات يحلو لي العودة إلى نصوص فلاسفة الغرب المحدثين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أولئك الفلاسفة الذين أناروا للغربيين المحدثين طريق التحول الديمقراطي والحريات السياسية والاقتصادية. إنه وقت إعادة قراءة كتابات فولتير وكوندرسيه وروسو ومونتسكيو من الفلاسفة الفرنسيين الذين قادوا عصر التنوير بمؤلفاتهم النقدية المؤثرة وبكتاباتهم الحرة عن العقد الاجتماعي ودور القوانين في بناء الدولة المدنية الحديثة، إنه وقت قراءة جون لوك وجون ستيوارت مل وآدم سميث من الفلاسفة الإنجليز المحدثين الذين أسسوا لليبرالية المدنية بشقيها السياسي والاقتصادي.

ومن النصوص التي لا تمل من قراءاتها في هذا الصدد كتاب "الحرية" On liberty لجون ستيوارت مل (1806-1873)، فقد كتب هذا الكتاب بعد أن وضعت أسس الليبرالية الحديثة في الفكر السياسي وبدأ بالفعل تطبيقها بنجاح شديد في إنجلترا، وبدأت تظهر بعض المشكلات التي أثارت عشرات التساؤلات حول مدى الحريات التي ينبغي أن يتمتع بها البشر سواء أكانوا حكاما أم محكومين، رجالا أم نساءً، شباباً أم شيوخاً، وحول أساليب الحكم الرشيدة ودور هيئات الدولة المختلفة: الهيئة التشريعية، الهيئة التنفيذية، الهيئة القضائية، وحول نظم الانتخابات وأيها الأكثر تعبيرا عن إرادة الشعوب، وحول حق الأغلبية وحقوق الأقليات، وحول حدود سلطة المجتمع على الفرد، ومدى حريات الأفراد...إلخ.

وقد حاول جون ستيورات مل الإجابة على كل هذه التساؤلات وغيرها في كتابه المهم هذا بطريقة تحليلية تجعلك باستمرار قادرا على مشاركته الرأي، سواء بالقبول أو بالرفض لما يعرضه من آراء، وفي كلتا الحالتين تستفيد من رؤيته الثاقبة وتحليلاته المتقنة لكل ما يعرفه من مشكلات وحلول. فمن هو جون ستيورات مل، وما هي المشكلات التي عرض لها في كتابه هذا؟ وكيف قدم لها حلولا مبتكرة أفادت منها إنجلترا والعالم الديمقراطي في القرنين التاسع عشر والعشرين؟!

أوَّلاً: جون ستيورات مل، نظرة عامة على حياته ومؤلفاته(1):

عاش مل حياته كاملة في القرن التاسع عشر بين عامي 1806 و1873؛ فقد ولد في بينتونفيل بلندن في العشرين من مايو من عام 1806م وكان الابن البكر لوالده جيمس مل الذي كان من كبار رجال العلم والمعرفة في إنجلترا في القرن الثامن عشر، وكان متأثراً بفلسفة بنتام النفعية كما تأثر بالماديين الفرنسيين، وقد ربى جيمس ابنه جون في عزلة عن بقية الأطفال رغم أنه كان له ثمانية إخوة، إلا أن جون برز من بينهم باعتباره الابن الأكبر حيث نال تربية عقلانية رفيعة المستوى؛ إذ تعلم اللغة الإغريقية وهو لا يزال في السنة الخامسة من عمره مما ساعده على الاطلاع على عيون الأدب والفلسفة الإغريقية؛ حيث قرأ أعمال هيرودوت وأفلاطون وأرسطو، كما تعلم اللغة اللاتينية وهو في التاسعة من عمره مما مكنه أيضاً من قراءة الكثير من النصوص الفلسفية التي كان يكتب الكثير منها آنذاك باللغة اللاتينية. وقد درس جون أعمال الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس هوبز، كما قرأ مبادئ ريكاردو الاقتصادية، وخلط كل ذلك بقراءة الكثير من الأعمال العلمية في علم الطبيعة ومزجه بالاطلاع على عيون الأدب الكلاسيكية لدرجة قيل معها: إنه حينما بلغ الأربعة عشر ربيعاً كان يمتلك من المعرفة ما كان لرجل في الثلاثين من عمره. لقد نجح والده في أن يجعله إنساناً كاملاً راشداً ناجحاً بأن جعله كائنا عقلانيا مزودا بمعرفة ومعلومات شديدة الثراء والتنوع.

ولقد قدر جون لوالده هذه السعة المعرفية التي مكنه منها، فبادل والده الإعجاب والحب ليس فقط على صعيد الأسرة والأبوة، وإنما أيضا على صعيد الفكر؛ حيث كان مؤمناً بصحة معتقدات والده الفلسفية، ووقف مع بنتام ضد النزعة اليقينية الدوجماطيقية وكل ما كان يقاوم مسيرة العقل والتحليل والعلم التجريبي، وكان يجاهر بأن السعادة هي الغاية الحميدة للوجود البشري، وكان أخشى ما يخشاه ويمقته ضيق الأفق لدى الناس، وانسحاقهم تحت وطأة السلطة أو العادة أو الرأي العام ولذلك وقف بحزم ضد عبادة النظام. ولما بلغ السابعة عشرة من عمره كان جون ستيورات يتمتع بشخصية أخاذة، ورغم أنه لم يكن ثوريا بطبعه إلا أنه كان صافي الذهن، صريحا، فصيحا، معتدل الشخصية دون خوف أو غرور. وخلال السنوات العشر التالية من عمره بلغ قمة نضجه الفكري؛ حيث بدأ يزاول كتابة المقالات الفلسفية والنقدية، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وتسببت مقالاته في الكثير من الجدل الذي جعله صاحب شهرةً واسعة، وأصبح خبيراً في الشؤون العامة.

وعلى الصعيد الشخصي وقع جون في حب السيدة هاريت تيلر رغم أنها كانت سيدة متزوجة؛ لكن زوجها وقف من هذا الحب موقفا متسامحا، وقد ظل جون عاشقا لمحبوبته لأكثر من عشرين عاما حتَّى توفي زوجها ثم تزوجها عام 1851م، وقد وجد لديها رقة عاطفية مميزة جعلته يهتم بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. وقد بدا صدى حبه لها وشغفه بها في الإهداء الذي صدر به كتابه "عن الحرية"؛ بيد أن سعادتهما لم تدم حيث توفيت عام 1858م بعد سبع سنوات فقط من زواجهما مما أحزنه كثيراً وجعله يعتكف في منزل صغير بإحدى ضواحي أفينيون، وقد توفي في الثامن من مايو 1873م عن عمر يناهز السادسة والستين عاماً.

وقد شارك مل في السنوات الأخيرة من حياته مشاركة فعالة في الحياة السياسية لإنجلترا، ولم يكتف بتأليف الكتب وكتابة المقالات، فقد خاض ميدان السياسة العملية وانتخب نائبا من ويستمنستر عام 1865، وكان ممن طالبوا بإعطاء حق التصويت للمرأة، وحارب من أجل أن تنال المرأة حقوقها المساوية للرجل، وشارك في المناقشات حول المسألة الأيرلندية، وأبدى تعاطفاً مع السود في جامايكا، وانتقد أداء الأحزاب الإنجليزية، ولذلك لم يكن مفاجئاً له ألاّ ينتخب مجدداً عام 1868م.

وقد كتب جون ستيوارت مل عدة مؤلفات مهمة كان أبرزها كتابه نظام المنطق (1843م)، الاقتصاد السياسي (1848م)، عن الحرية (1860م)، مذهب المنفعة (1861م)، خضوع النساء (1869م)، دراسة لفلسفة هاملتون (1865م)، وثلاث مقالات عن الدين (1874)، وقد نشر الكتاب الأخير بعد وفاته. وقد تميزت جميع كتاباته بأسلوبها الممتاز، وقد احتفظ بها بمكانة رفيعة بين فلاسفة إنجلترا البارزين وصار حلقة رئيسة من حلقات الفكر المتحرر في إنجلترا وبقية العالم.

ثانياً: المبادئ العامة لفلسفته:

لقد انطلق مل من رفض الصورة الاستدلالية وكذلك الصورة الحدسية للفكر والأخلاق معاً، فهو يعدّ منذ كتابه "نظام المنطق" أحد أعمدة الفلسفة التجريبية العلمية، وكان من أهم من أدخلوا المناهج العلمية في مناقشة القضايا الأخلاقية متأثراً في ذلك ببنتام؛ فلقد حاول في أبحاثه المنطقية -وحتى خواطره الأخيرة عن العدالة والحرية- أن يبين أن المحك النهائي ينبغي أن يكون تجريبياً ونفعياً. وعلى ذلك كانت المبادئ الأساسية لفلسفته الأخلاقية هي:

(1) أن اللذة وحدها هي الخير أو هي الشيء المرغوب فيه، ومن ثم فالأشياء الأخرى المرغوب فيها هي مجرد وسائل لتلك الغاية.

(2) أن الأفعال تكون صحيحة بقدر ما تعمل على إسعاد كل من يتعلق به الأمر، وأنها تكون مخطئة بقدر ما تعمل على زيادة الشقاء؛ أي أن السعادة ببساطة تعني اللذة وانتفاء الألم، وما أشبه هذه المبادئ بمبادئ الفلسفة الأبيقورية قديما وبمبادئ أستاذه بنتام في العصر الحديث.

أما أسمى المبادئ التي كان يؤمن بها على الصعيد السياسي للوصول إلى هذه السعادة المبتغاة فكانت حرية الفرد، والتنوع، والعدالة. فهذه المبادئ الثلاثة هي وسائل الوصول إلى السعادة البشرية كما يفهمها مل. ومع ذلك فقد دافع عن المبادئ الاشتراكية في كتابه عن الاقتصاد السياسي، ولم يعدها خطرا على حرية الفرد. وعلى الرغم من مجاهرته بهذه الآراء الاشتراكية فإن أحداً من القادة الاشتراكيين في عصره لم يعتبره واحداً منهم، ولم ينظروا إليه كرفيق درب في الدعوة إلى الاشتراكية؛ وذلك لأنه كان يؤمن بهذه المبادئ الاشتراكية في إطار ليبرالي راديكالي برجوازي كما قال معاصروه، فقد كان مل هو صاحب المقولة الليبرالية الشهيرة: إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق، وكل ما يطلقها هو الخير العميم.

لقد كان مل في الواقع ليبراليا أصيلا؛ حيث كان مدافعا عن حرية الرأي والمناقشة دفاعا لم يبزه فيه أحد فيما أتصور، ولا أدل على ذلك من عبارته الشهيرة أيضاً: "إن البشر لو اجتمعوا على رأي وخالفهم في هذا الرأي فرد واحد، فما كان لهم أن يسكتوه، بنفس القدر الذي لا يجوز لهذا الفرد إسكاتهم حتَّى لو كانت له القوة والسلطة". وقد دافع مل عن مقولته الأخيرة هذه بقوة حينما قال: "إننا إذا أسكتنا صوتا فربما نكون قد أسكتنا الحقيقة، وإن الرأي الخاطئ ربما يحمل في طياته بذور الحقيقة الكامنة"، وإن الرأي المجمع عليه لا يمكن قبوله على أسس عقلية إلا إذا دخل واقع التجربة والتمحيص، وإن هذا الرأي ما لم يواجه تحدياً من وقت لآخر فإنه سيفقد أهميته وتأثيره".

ثالثاً: آراؤه السياسية في "الحرية":

لقد كان هذا الكتاب(2) في مجمله لوحة رائعة في الدفاع عن حرية الإنسان الفرد رجلا كان أو امرأة لدرجة جعلتني أعتقد أنه لم يتفوق عليه أحد في هذا الدفاع عن الحريات الأساسية للأفراد في المجتمع فقد قال فيها: "إنه لا يسمح لأي من أعضاء الجنس البشري كله التدخل في حرية أي واحد منهم إلا حماية لنفسه، فالجزء الوحيد من سلوك أي واحد الذي يخضع لسيطرة المجتمع هو ما يتعلق بالآخرين، أما الجزء الذي لا يخص سواه فإن استقلاله فيه حق مطلق، فالفرد سيد كامل السيادة على نفسه. إن الجنس البشري يكسب بسماح بعضه لبعض بأن يعيش كما يحلو له أكثر مما يكسب بإرغام كل واحد على أن يعيش كما يحلو للآخرين".

ويتضافر دفاعه عن الحرية مع دفاعه عن الفردية بوصفها عنصرا من عناصر الخير البشري؛ إذ إن من الحرية وتنوع المواقف تنبثق الحيوية الفردية والتنوع المتعدد النواحي وبقدر ما ينمي المرء فرديته تصير قيمته أكبر بالنسبة لنفسه، ومن ثم أقدر على زيادة قيمته بالنسبة للآخرين؛ إذ يصبح وجوده أكثر امتلاء بالحياة وعندما تكون هناك حياة أكثر من الوحدات تزيد الحياة في الكتلة التي تتألف من هذه الوحدات، وهكذا يؤمن مل بأن قوة المجتمع (الكتلة) من قوة أفراده، وتمتعهم بالحرية التي تجعلهم أكثر إحساساً بقيمتهم كأفراد. ولعل هذا الدفاع عن الفرد وحرياته يثير تساؤلا مهما من جانبنا، وهو أين سلطة المجتمع على الفرد؟ فحديث مل وكأنه قد جعل المجتمع من أجل الفرد، وليس العكس. وعن هذا التساؤل يكتب مل فصلاً في كتابه تحت عنوان "في حدود سلطة المجتمع على الفرد" يؤكد فيه على ضرورة تضافر الفردية مع الحرص على مصلحة المجتمع في الوقت ذاته؛ إذ ينبغي في رأيه أن يكون للفردية ذلك الجزء من الحياة الذي يهم الفرد أساساً، وللمجتمع الجزء الذي يهم المجتمع أساساً، وهو لا يقلل من شأن فضائل الفردية واعتبار الذات، ويرى أنه لا ينبغي أن يعلو عليها شيء -إذا كان يعلو عليها شيء- سوى الفضائل الاجتماعية، وأن من واجب التربية تنمية النوعين؛ أي الفضائل الفردية والفضائل الاجتماعية.

إذن ثمة جدل ضروري بين حق الفرد وحق المجتمع كما أنه ثمة جدل بين الفضائل التي ينبغي أن يتمتع بها الفرد في إطار من الفضائل الواجبة في المجتمع، وهذا وذاك يتطلب مجتمعا سياسيا يسهر نظام الحكم فيه على مراعاة هذا الجدل الذي يؤدي إلى ذلك التوازن بين مطالب الفرد الحر في مجتمع ليبرالي ديمقراطي يحافظ على النظام العام ويؤدي إلى التقدم. وعلى ذلك قال جون ستيوارت مل بأن "أصلح حكم هو ما يؤدي إلى التقدم"؛ يقصد تقدم المجتمع بكل أفراده إلى الأمام.

ولكنه لا يغفل أن التقدم مرتبط بدعم الفضيلة والذكاء لدى الأفراد، فمعيار التقدم لديه يأخذ في الاعتبار تحلي الأفراد والمجتمع بالفضائل، وها هو ذاته يؤكد ذلك بقوله: "إن أهم نقطة امتياز في أي صورة من صور الحكم هي دعم الفضيلة والذكاء لدى الناس أنفسهم، فأول سؤال بالنسبة لأية أنظمة سياسية هو: إلى أي مدى تعمل على دعم الصفات المبتغاة الأخلاقية والذهنية في أعضاء المجتمع، فأحسن حكومة تفعل ذلك يغلب تماماً أن تكون أفضل من غيرها في كل شيء آخر، حيث إن هذه الصفات في حدود وجودها لدى الشعب هي التي يعتمد عليها كل صلاح ممكن في عمليات الحكم". إن معيار الحكم على الحكومة -كما يقول مل في موضع آخر- هو أثرها في الناس وأثرها في الأشياء، هو أثرها في تكوين المواطنين وما تفعله بهم واتجاهها إلى العمل على تحسين الناس أنفسهم أو تدهورهم، وحسن ما تعمله من أجلهم أو سوئه.

وإذا ما سألنا مل عن تطبيقه لهذا المعيار، وما هو أمثل صورة للحكم لديه لقال دون تردد: إنه الحكم النيابي؛ فالمثل الأعلى لأفضل صورة من الحكم هي التي تكون فيها السلطة المسيطرة العليا في النهاية في يد مجموع المجتمع، والتي لا يكون فيها لكل مواطن صوت في ممارسة السيادة العليا فحسب، بل وتكون لديه الفرصة من وقت لآخر على الأقل للاشتراك فعليا في الحكم بأن يتولى بنفسه القيام بوظيفة عامة، إن الحكم النيابي في رأيه هو الحكم الوحيد الذي يستطيع توفير جميع مقتضيات الوضع الاجتماعي، هو الحكم الذي يشارك فيه الشعب كله. إن أية مشاركة مهما كانت صغيرة في الوظائف العامة مفيدة، وإن المشاركة يجب أن تكون في كل مكان على أوسع نطاق تسمح به درجة التقدم في المجتمع، وإن الهدف النهائي لا يمكن أن يكون أقل من إشراك الجميع في السلطة السيادية للدولة، ولما كان من غير الممكن في أي مجتمع أكبر من مدينة واحدة أن يشارك الجميع بأشخاصهم في الشؤون العامة إلا بقدر ضئيل جداً منها؛ فإنه ينبني على ذلك أن يكون النموذج المثالي للحكم الكامل نيابياً.

وبالطبع فإن مل يدرك أن الحكم النيابي ليس صالحا للتطبيق في كل الأحوال وإن كان هو أصلحها إذا توافرت الظروف المناسبة لتطبيقه. وقد حدد مل ثلاثة شروط إذا توافرت في أي مجتمع كان أصلح أنواع الحكم له هو هذا النظام النيابي وهي:

1- أن يكون الشعب مستعدا له.

2- أن يكون مستعداً للقيام بما هو ضروري للمحافظة عليه وقادرا على ذلك.

3- أن يكون على استعداد للقيام بالواجبات وتولي الوظائف التي يفرضها عليه وأن يكون قادراً على ذلك.

وإذا كان النظام النيابي في الحكم هو أصلح نظم الحكم باعتباره المعبر عن عموم الشعب والذي يتيح مشاركة الأفراد؛ فإن معنى ذلك أن مل يكاد يتفق مع أرسطو قديماً ومونتسيكو حديثا في ضرورة الفصل بين السلطات من جهة، وأن السلطة التشريعية (البرلمان أو مجلس الشعب أو مجلس الأمة أو سمه ما شئت) هي السيد الحق للدولة، رغم أن وظيفتها ليست هي الحكم؛ وإنما وظيفتها - كما حددها مل - هي المراقبة والسيطرة على الحكومة، وإضفاء عامل العلانية على تصرفاتها، وإرغامها على تفسير وتبرير أي تصرف يعتقد أي شخص أنه موضع تساؤل وإلغائه إذا ثبت أنه سيء. وإذا أساء الأشخاص الذين تتألف منهم الحكومة القيام بالمهمة التي ائتمنوا عليها، أو قاموا بها بطريقة تتعارض مع ما تريده الأمة فلهم أن يعزلوهم من مناصبهم، وللبرلمان وظيفة أخرى لا تقل أهمية عن ذلك؛ فهو بمثابة لجنة تظلمات ومجلس رأي للأمة.

ومع كل هذا التقدير للديمقراطية النيابية الذي أولاه لها مل؛ فإنه مع ذلك أدرك الأخطار التي يمكن أن تواجهها، وحددها في أمرين؛ فهي تواجه خطر انخفاض مستوى الذكاء في الهيئة النيابية وفي الرأي الشعبي الذي يسيطر عليها، والخطر الثاني هو خطر التشريع الطبقي من جانب الأغلبية العددية عندما تكون هذه الأغلبية كلها مؤلفة من طبقة واحدة. ولعل الديمقراطيات المعاصرة حتَّى غير البرلمانية منها قد أدركت مع مل هذين الخطرين في نظمها الانتخابية التي تساوي بين جميع الطبقات، وتشارك الجميع في حق الترشح والانتخاب، فضلاً عن النص على أن تكون كل الطبقات ممثلة مثلما هو حادث في التشريع المعمول به في مصر مثلا للحفاظ على نسبة 50% من أعضاء المجلس عمالاً وفلاحين.

وقد أحسن مل صنعا حينما أكد من جانب آخر على أن الديمقراطية لن تكون أحسن الصور المثالية للحكم إلا إذا نظمت بحيث لا يكون في وسع أية طبقة ولا حتَّى صاحبة الأغلبية العددية أن تجعل من الباقين كلهم عديمي القيمة سياسياً وتوجه التشريع والإدارة على أساس مصالحها الطبقية الخالصة.

وفي هذا الإطار العام لحديث مل عن البرلمان ودوره الهام في ظل الديمقراطية النيابية، شغلته تساؤلات عديدة عن تفاصيل لابد من أن تتفاوت الإجابة عليها حسب ظروف كل شعب مثل: هل ينبغي أن تكون هناك مرحلتان انتخابيتان أم مرحلة واحدة؟ بمعنى هل يتم الانتخاب بطريقة مباشرة ولمرة واحدة، أم يتم على مرحلتين؛ بحيث يصبح صوت الفرد مؤهلا لغيره ليتم له ذلك مثلما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالسكان كلهم لا ينتخبون الرئيس؛ بل يختارون وينتخبون من ينتخبونه، وما هو الأسلوب الأمثل للتصويت هل هو السرية أم العلنية؟ وما هي المدة المناسبة للبرلمان أي بعدكم من الوقت ينبغي أن يخضع أعضاء البرلمان لإعادة الانتخاب؟ إذ ينبغي أن تحدد هذه المدة بحيث لا يبقى العضو شاغلاً لمقعدة لمدة طويلة بحيث ينسى مسئولياته ويهمل في أداء مهامه وواجباته أو يوجهها نحو مصالحه الشخصية، وفي الوقت ذاته ينبغي أن تكون هذه المدة كافية بحيث يمكن الحكم على النائب لا على أساس تصرف واحد بل على أساس طريقته في التصرف عبر مواقف عديدة تمكنه من إظهار كل ما لديه من صفات ومهارات في الدفاع عن مطالب ناخبيه؛ بحيث يمكن أن يجعل من نفسه مرغوبا فيه من قِبَلهم وموثوقا به في أعينهم. وكذلك تساءل مل حول هل ينبغي أخذ تعهد على أعضاء البرلمان حتَّى يكون مقيدا دوما بتعليمات ناخبيه؟ وإلى أي حد يكون لسان حال مشاعرهم هم وليس مشاعره هو؟! وهل من الأهمية بمكان أن يكون هناك مجلسان أو مجلس واحد، وما هو دور كل مجلس؟ وهل يكونان متماثلين في التكوين أو مختلفين؟! وقد أجاب بأن الاعتبار الوحيد الذي له وزنه في تأييد وجود مجلسين هو الأثر الشرير الذي يتركه في عقل أي حائز للقوة سواء أكان فرداً أم هيئة حينما يشعر بأنه ليس مرغما على استشارة أي جهة أخرى؛ فمن الأهمية بمكان - في رأي مل - ألا يكون في وسع أي مجموعة من الأشخاص حتَّى مؤقتا أن تفرض إرادتها في المسائل الكبرى دون طلب موافقة أية جهة أخرى؛ لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى الاستبداد والعجرفة.

وقد تساءل مل أيضا عن أنسب الطرق لتعيين أفراد الهيئة التنفيذية في ظل النظام البرلماني، ورأى أن من المبادئ الهامة في الحكم الجيد في الدستور الديمقراطي ألا يعين الموظفون التنفيذيون بالانتخاب الشعبي؛ إذ إن عمل الحكومة كله من الأعمال التي تتطلب المهارة، والمؤهلات المطلوبة للقيام به من النوع التخصصي الذي قد لا يستطيع الحكم عليه سوى أشخاص لديهم هم أنفسهم نصيب من هذه المؤهلات أو تجربة عملية عنها. ومن هنا تأتي صعوبة العثور على أليق الأشخاص لشغل الوظائف العامة، ولعل السؤال الأهم هنا: هل ينطبق ذلك على رئيس الهيئة التنفيذية - أي رئيس الجمهورية - نفسه أم ينطبق فقط على أعضاء حكومته فقط ويأتي هو عن طريق الانتخاب؟!

كما تساءل مل أيضا عن الهيئات النيابية المحلية وعن علاقة هذه الهيئات للحكم المحلي مع السلطة المركزية للحكومة والبرلمان، وحاول الإجابة على التساؤل؛ كيف يمكن القيام بالشؤون المحلية على أفضل وجه؟ وكيف يمكن جعل القيام بها مفيدا إلى أقصى حد في تغذية الروح العامة وتنمية الذكاء. إن الإدارة المحلية في رأي مل هي الأداة الرئيسة في عمل الأنظمة الحرة للتربية العامة للمواطن.

ولم ينس مل أن يتساءل كذلك عن القومية في ظل الحكم النيابي، وعن الحكومات النيابية في ظل الاتحادات الفيدرالية؛ إذ إن هناك أقساماً من الجنس البشري لا تصلح لأن تعيش في ظل نظام حكومي داخلي واحد أو لا تريد ذلك، وكثيرا ما يكون في مصلحتها أن تتحد فيدراليا فيما يتصل بعلاقاتها بالأجانب لمنع الحرب فيما بينها ولتوفير حماية أكثر فاعلية لنفسها ضد اعتداء الدول القومية. وهو يرى أنه عندما تتوافر الشروط لاتحادات فيدرالية فعالة ودائمة يعد تكاثرها مفيدا للعالم دائما؛ حيث إن لها الأثر الطيب الذي يترتب على اتساع نطاق التعاون الذي يستطيع بواسطته الضعيف أن يقف على قدميه في مواجهة القوى. ولمن لا يقدر ذلك نلفت انتباههم إلى قوة اتحاد فيدرالي مثل الذي كون دولة سويسرا، ونحيِّي هنا الاتحاد الفيدرالي الذي كون دولة الإمارات العربية المتحدة، وننتظر بعين الرجاء والأمل في المستقبل الذي يجعل من الدول العربية ككل اتحادا كونفيدراليا مؤثراً وفاعلاً بدلاً من هذا التشرذم والضعف الذي عليه العرب في مواجهة دولة مصطنعة مثل إسرائيل! أو دول كبرى تحاول دائما كسر شوكة العرب والسيطرة على مواردهم بالمزيد من تفتيت وحدتهم وتفريق شملهم!!

وقد تطرق مل كذلك لكيفية حكم الأقاليم التابعة لدولة حرة، والطريف أن مل قد رأى أن هذا الأمر مما يجدر الكتابة فيه ومناقشته دون أن يتساءل عن مدى شرعيته واتساقه مع دعوته إلى الحرية الفردية؟

لقد قال مل في مطلع الفصل الثامن عشر من كتابه "الحرية": إن الدول الحرة - مثل كل الدول غيرها - قد تكون لها أقاليم تابعة حصلت عليها بالغزو أو بالاستعمار، وبلدنا - يقصد إنجلترا طبعا - هو أكبر بلد من هذا النوع في التاريخ الحديث. ومن أهم المسائل: معرفة كيف ينبغي أن تحكم هذه التوابع؟ وهذه العبارة من عبارات الكتاب كلها أدهشتني لما فيها من عنجهية وعنصرية حاول مل طوال كتابه أن يتخلص منها ويخلص منها مواطنيه، فإذا هو يرضاها كما ترضاها بلده الاستعمارية لغيره من البشر ولغير إنجلترا من الدول بحجة أن تلك الدول المستعمرة هي مجرد توابع! وكم كان رفيقا بأهل هذه الدول التابعة حينما قال بلغة متعالية: إنه ينبغي أن تسمح لهم بكل الحريات والمزايا التي تتفق مع هذا الوضع (يقصد وضعها باعتبارها مستعمرات) بما في ذلك حرية إدارة الشؤون البلدية، وكتعويض للتضحية بهم محليا من أجل فائدة الدولة الحاكمة يجب أن يمنحوا حقوقا مساوية لرعاياها الأصليين في جميع أجزاء الإمبراطورية!! وكم قدم بعد ذلك في هذا الفصل من آراء تفوح منها رائحة العنصرية الكريهة التي تميز - حسب ما كان يحدث فعلا في بلده إنجلترا وعلاقتها بمستعمراتها - بين المستعمرات البريطانية في أوروبا حيث كان للمستعمرين من الجنس الأوروبي أكبر قدر من الحكم الذاتي الداخلي مثل الوطن الأم، وبين المستعمرات البعيدة في أمريكا وأستراليا حيث سلمت السلطة إلى أصحاب المستعمرات يتصرفون فيها كيف شاءوا رغم أنه كان من الممكن -فيما يقول مل- دون مجافاة للعدالة الاحتفاظ بها في يد الحكومة الإمبراطورية تديرها!! ولا أدري أي عدالة تلك في أن تغزو دولة تدعي أنها دولة حرة دولا أخرى بحجة أنها أضعف أو أقل تقدماً؟! أليس في هذا إنكار لأبسط حقوق البشر وانتهاك لأبسط حريات الفرد يا فيلسوفنا العظيم مل!! إن عقليته الفلسفية لم تكن حرة بما فيه الكفاية ليعبر عن فداحة وخطورة استعمار وغزو بعض الدول لبعض لمجرد أن إحداها سمت نفسها دولة عظمى وحرة، وادعت لنفسها الحرية والعظمة وسحبته مما عداها من دول وشعوب أخرى. أي عدالة في تلك النظرة؟ وأي حرية يدعيها الغربيون للإنسانية جميعا في الوقت الذي يرون فيه أنه لا يستحق هذه الحرية غير المنقوصة إلا الإنسان الغربي وتحديدا الإنجليزي والفرنسي في عصر مل، والأمريكي في عصرنا الحالي!!

على كل حال لقد أنهى مل كتابه الذي بين أيدينا بمقال مطول مكون من أربعة فصول عن خضوع النساء(3)، ويبدو أنه ربما كتبه بالاشتراك مع السيدة هاريت تيلر زوجته أو على الأقل كتبه تحت تأثيرها، وقد كان هدفه في كل المقالة التعبير عن رأيه المناصر للنساء والمدافع عن حقهن في ممارسة الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجال. لقد لخص لنا رؤيته حول ذلك بقوله: "إن المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية الحالية بين الجنسين - التبعية القانونية من أحد الجنسين للآخر - خطأ في ذاته، وينبغي أن يحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بسلطة أو ميزة لأحد الجانبين على الجانب الآخر". وقد أخذ مل بعد ذلك في الحديث عن الحريات المفقودة للمرأة واستعباد الرجل إياها وإخضاعها بكل السبل لهيمنته، وحرمانها من الحقوق السياسية، وأكد على ضرورة أن ينتهي كل ذلك، ويحل محله المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وانتهى إلى التأكيد على أن أي حد وكل تعويق لحرية التصرف لدى أي مخلوق آدمي يؤدي إلى جفاف الينبوع الرئيس للسعادة البشرية، وإلى إفقار النوع البشري كله بدرجة لا تقدر في كل ما يجعل للحياة قيمة لدى الكائن الإنساني الفردي".

إذن لقد اعتبر مل أن إعطاء المرأة حقوق الرجل نفسها ومساواتها به هو الضامن لتمتع الإنسان -رجلاً كان أو امرأة- بالسعادة الحقيقية، فهذه المساواة وتلك الممارسة -التي ينبغي أن تتمتع فيها المرأة بكامل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية- هي التي ستجعل للحياة البشرية قيمتها وتجعل سعادة البشر كاملة غير منقوصة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1) انظر في حياة جون ستيوارت مل ومؤلفاته وأفكاره الفلسفية العامة: جون-ستيوارت-مل, وكتاب توفيق الطويل، جون ستيوارت مل، دار المعارف، 1998م، وموسوعة الفلسفة للدكتور عبدالرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر1996م.

2) كلّ الاقتباسات التالية من كتاب "الحرية" الجزء الأول والجزء الثاني لجون ستيوارت مل، الترجمة العربية لعبد الكريم أحمد، مؤسسة سجل العرب، بالقاهرة، 1966م.

3) وهذا هو الجزء الذي ترجمه إمام علي عبدالفتاح تحت عنوان "استعباد النساء" ونشرته مكتبة مدبولي عام 1998م.

المصدر: http://tafahom.om/index.php/nums/view/9/184

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك