ظاهرة الإعجاب بالعمل الخيري الغربي

ظاهرة الإعجاب بالعمل الخيري الغربي

 أ. طلحة محمد المسير*

 

دعا الإسلام إلى الإنفاق في سبيل الله عز وجل ورغب فيه وحث عليه، وتضافرت الأدلة في بيان ذلك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

 

وقد تميزت الحضارة الإسلامية بكثرة البذل والإنفاق في وجوه الخير، وتعدد المصارف التي تخرج فيها تلك النفقات، وانتشرت ظاهرة الأوقاف التي أعطت للعمل الخيري قوة وثباتا واستمرارًا، وخففت عن كاهل المجتمع المسلم كثيرًا من الأعباء والمهام التي تنوء من حملها الجبال.

لكن الملاحظ في العصور الأخيرة أنه مع وفود نظرة الإعجاب بالغرب وحضارته، ومع إعجاب البعض بقيم الغرب وأخلاقه ومُثله، ظهرت النظرة المبهورة بالعمل الاجتماعي الغربي وما سموه بالقطاع الخيري أو القطاع الثالث، أو مؤسسات المجتمع المدني.

 

وبدأ المبهورون بالتجربة الغربية ينقلون لنا أرقامًا وإحصائيات مذهلة وخيالية، تهدف إلى تصوير المجتمعات الغربية كمجتمعات بلغت في التراحم والإنسانية مبلغًا عظيمًا.

 

ثم بدأ هؤلاء المبهورون يطالبوننا بتقليد الغرب في هذه التجارب، مع الإزراء على حال المسلمين، وتصوير ما يظنونه بونًا شاسعًا بيننا وبينهم في هذا الجانب الخيري.

 

بل ظهرت في أوطان المسلمين منظمات ومؤسسات تابعة للمنظمات الغربية أو مقتفية أثرها، تبغي الانتقال بالمجتمع المسلم إلى مصاف الدول الغربية في العمل الخيري الاجتماعي، ونشأت ظاهرة اعتبار العمل الخيري غاية في نفسه، فبدأنا نرى مؤسسات لا ترفع للإسلام رأسًا ومع ذلك تدعي العمل الخيري، وبدأنا نرى الحفلات الغنائية وقاعات الأفراح المختلطة التي يصرف ريعها على العمل الخيري، ورأينا استثمار الأموال في البنوك الربوية من أجل العمل الخيري، ورأينا كذلك جمع التبرعات لصرفها في مصارف غير مشروعة مثل: تحديد النسل، وتحرير المرأة، والمساواة بين الأديان، ونشر قيم الليبرالية، إلى غير ذلك من القضايا التي تخالف الإسلام.

 

لكن بقليل من التأمل تظهر حقيقة هذه الأعمال الغربية، ومدى الغبش الذي يحيط بها، مما يعيد النظرة الصحيحة إلى موضعها.

 

فمثلاً الأرقام المذهلة للعطاء الغربي التي تبلغ مئات المليارات من الدولارات، هي أرقام مبالغ فيها جدًا؛ لأن مناهج جمع الإحصائيات تخضع كثيرًا للتلاعب والمزايدات، فتقوم غالبًا على عينات دراسة شاذة، وتقديرات جزافية بعيدة عن الواقع؛ فمثلا تتفشى عندهم النظرة الحريصة التي تُقيِّم كل شيء وكل عمل وتعده عملاً خيريًا وتضع له ثمنًا، فالأرقام تشمل المنح الدراسية، والهدايا، ومكافآت الموظفين، وبعض أنواع الضرائب، والوصايا، والميراث، وثمن الأراضي التي تبنى عليها الكنائس وثمن بناء الكنائس، والأنشطة الخيرية التي تقيمها المؤسسات التجارية بهدف الدعاية...

 

كما أن فرق التضخم والأسعار بين العالم الإسلامي والعالم الغربي له دور في ظهور الإحصائيات الكبيرة؛ حيث ترتفع الأسعار في بلاد الغرب ارتفاعًا كبيرًا نظرًا لارتفاع الأجور والإغراق في مظاهر الرفاهية، وما مشكلة سوق العقار في الغرب وتدخل البنوك في تمويلها ببعيدة، رغم أن سوق العقار في الوطن الإسلامي لا يزال في متناول غالبية الشعب.

 

العمل التطوعي الغربي يمتد كذراع لمؤسسات الدولة، يحقق للحكومات والكنائس وسائل انتشار وتأثير وضغط داخل المجتمع وفي كثير من بقاع العالم، وتعمل المؤسسات التطوعية على تغطية العمل السياسي والهيمنة الاستعمارية في الدول المختلفة، وما عمل منظمات ما يسمى بالتبشير بخاف على أحد، وكيف استطاعوا عن طريق هذه الأذرع أن يهيمنوا على كثير من الدول.

 

الدين النصراني يعطي رجال الكهنوت صلاحيات واسعة، وينزلهم منزلة الربوبية، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) ومن أهم مطامع كثير من رجالات دينهم الاستيلاء على أموال أتباعهم بشتى الحجج والوسائل، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فلا غرابة أن ينفق كثير من الناس استجابة لأوامر رجالات دينهم الذين يزعمون أنهم يملكون صكوك الغفران.

 

الثقافة الغربية تجهد المجتمع في العناية ببعض الخدمات التي يرونها خيرية، ولكنهم في الحقيقة مضطرون إلى تحملها، نتيجة الأسس الهشة التي تبنى عليها مجتمعاتهم؛ فمثلاً دور العجزة ودور رعاية اللقطاء تستقطع مبالغ ضخمة، ولكنها في الحقيقة نتيجة حتمية للحضارة الغربية اللاأخلاقية، وكذلك مساندة ضحايا العصابات الإجرامية وتأمين السكان وتأليف قلوب المجرمين واتقاء شرهم، عمل لازم لتفادي بعض أخطار الحياة الإجرامية التي تعاني منها كثير من المجتمعات الغربية، حتى إن بعض المدن الغربية اشتهرت رغم دعواهم الحضارة بعمليات السلب والنهب والخطف والقتل، وما عصابات المافيا وأخبار مدينة شيكاغو منا ببعيد، فكانت هذه الأعمال التطوعية أمرًا لا بد منه للتعامل مع واقعهم الأليم .

 

العمل الخدمي الغربي يلبي رغبات وطموحات فئة واسعة من فئات المجتمع الغربي التي تعاني الفراغ والوحدة، وتعاني الشعور بالنقص، وتعاني حب الرئاسة، وتعاني حب الفخر... إلى غير ذلك من الأغراض التي لا تجد لها مكانًا في ظل النظام الرأسمالي المتوحش الذي لا يعترف بغير المادة والإنتاج والربح.

 

إن الأمة الإسلامية أمة تتفوق على سائر الأمم، وخاصة في المجال الإنساني؛ لأنها أمة تبتغي رضا الله جل وعلا وتعمل على تحقيق مراده سبحانه وتعالى، وحري بمن يعظم حضارة الغرب وعملهم التطوعي، ثم يقارن ذلك بأمتنا الإسلامية، أن يقارن بنفس معايير التقييم التي ينظر بها لهم، وعندها سيرى جليًا تفوق العمل الخيري الإسلامي على ما سواه حسا ومعنى؛ فمثلاً: المسلمون مليار ونصف، ثلثهم حسب الإحصائيات العالمية فقير، بمعنى أن مليار مسلم غير فقير، ولو حسبنا زكاة الفطر - مع قلة قيمتها المادية - لأصبح لدينا المليارات، ولو حسبنا الأضاحي والهدي والعقائق والولائم والزكوات، ولو حسبنا ثمن أراضي المساجد والمستشفيات الخيرية والجمعيات وما صرف على خدمة المساجد وتوسعتها خاصة الحرمين الشريفين لتكونت لدينا أرقام غاية في الضخامة؛ فمثلاً إذا كانت مساحة الحرم المكي كيلو متر مربع، فهذا يعني 1000 متر طول  1000 متر عرض = مليون متر، وعند ضرب مليون متر في قيمة المتر عند الحرم ستكون النتيجة مليارات لا تعد، فضلاً عن الحرم المدني وأرض عرفات ومزدلفة ومنى...، فضلاً عن بقية المساجد في العالم الإسلامي.

 

وختامًا: نردد قول الله تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).

 

·        كاتب إسلامي مصري.

المصدر: http://arabicenter.net/ar/news.php?action=view&id=1137&PHPSESSID=4b509354461bb7a98dc12db52b11cd4c

الأكثر مشاركة في الفيس بوك