الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية

الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية

طه جابر العلواني

 

اشتدت "الأزمة الطائفية" في العراق، وصارت تؤذن بشر خطير مستطير لن يقتصر على العراق -وحده- بل يتهدد العالم الإسلامي -كله- وخاصة منطقة الخليج وإيران وسوريا ولبنان، وما تركيا وغيرها من ذلك ببعيد. والمعالجات القائمة على ردود الأفعال السريعة لن تغني عن الأمة شيئا؛ ولذلك فإنني أفضل أن أبدأ بمناقشة المفاهيم الأساسية ذات العلاقة بهذه الإشكالية المدمرة، فأقول وبالله التوفيق:

 

 

إن هذه الورقة إنما أُعدت لتثير إشكالات لا لتقدم إجابات، ولتدفع للقلق بدلا من أن تدعو إلى الاستقرار الفكري والاستكانة العقلية؛ وذلك لأن موضوعات الطائفية والوطن العربي والمستقبل من أكثر الموضوعات المصيرية حساسية في حياة هذا الجيل من أبناء الأمة، ومن أشدها خطورة وتأثيرا على مستقبل الكيان الإسلامي العربي من حيث الوجود والهوية، فما لم تتم معالجة هذه القضايا بصورة رصينة جذرية وطويلة المدى فقد يفقد الكيان الإسلامي العربي أحد أهم أمرين: إما وجوده أو هويته بحيث يصبح وجودا في الزمان والتاريخ، وليس في المكان الجغرافي والاجتماعي الإنساني. وفي هذه الورقة سنعمد إلى إثارة مجموعة من نقاط أو رؤوس أقلام ينبغي أن تتضافر جهودنا جميعا للإسهام فيها، وإشاعتها واستدعاء النقاش والفحص والحوار والتدقيق حولها، حتى تنتقل من إطار البحث الأكاديمي إلى التداول الثقافي لعلها بعد ذلك تصبح جزءا من ثقافة المجتمع التي تحدد سلوكه وتؤثر فيه.

 

وأهم هذه القضايا التي نود التركيز عليها في هذا السياق ما يلي:

 

أولا- الإشكالات المفاهيمية:

 

لعل موضوع "الطائفية" واحد من الموضوعات التي شهدت نوعا من الخلط المفاهيمي والتداخل في المعاني والاصطلاحات الذي لم يزدها إلا غموضا وقد دفع ذلك إلى تأزيمها، بل تفجيرها. فعند هذا الموضوع -موضوع "الطائفية"- تتداعى المصادر والأطر المرجعية وتتزاحم إلى حد التناقض والتقاطع، فنجد الخبرة التاريخية للكيان العربي في العصور الإسلامية المختلفة وطرائق فهمها وبنائها لتلك المفاهيم خبرة لها إطارها، وهي تختلف عن خبرة العربي قبل الإسلام ودلالات هذه المفاهيم في ذهنه أمر آخر. وكذلك الخبرة الأوربية في عصورها المتعددة لها إطارها الخاص، خصوصا ما قبل نشأة الدولة القومية، وهي تختلف كذلك عن الخبرة العربية في المرحلتين. وكل تلك الخبرات قد أسهمت بدور أو بآخر في ازدياد الالتباس وتراكم الغيوم حتى لا نكاد نصيب من الحقيقة التي يقوم مفهوم "الطائفية" خاصة عليها شيئا يذكر.

 

وفي سبيل توضيح حقيقة هذا المفهوم لا بد من ممارسة عملية نقد وتفكيك للبنية المفاهيمية التي يمثل مفهوم "الطائفية" جزءا منها وأحد أركانها.

 

1- الطائفة- الطائفية:

 

مفهوم "الطائفية" مفهوم مشتق من جذر متحرك؛ فهو مأخوذ من "طاف يطوف طوافا فهو طائف"؛ فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل، دون أن ينفصل عنه، بل يتحرك في إطاره، وربما لصالحه. ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُل فِرْقَةٍ منْهُمْ طَآئِفَةٌ ليَتَفَقهُواْ فِي الدينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122). وهو أيضا مفهوم يشير إلى عدد قليل من البشر؛ إذ لا يتجاوز -لغة- الألف من الأفراد. ومن ثم فإن هذا المفهوم في جوهره يتضمن فكرة الأقلية العددية الصغيرة المتحركة في إطار الكل، المشدودة إليه، بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها... إلخ، فهو مفهوم كمي عددي لا غير؛ لذلك ظل اللفظ يُستخدم ليشير إلى كيانات مختلفة متعددة في خصائصها، ولكن القاسم المشترك بينها هو القلة العددية، فقد أطلق على حملة المقالات أو الآراء (نسبة إلى ما كانت الأكثرية تتبناه) "طوائف" مثل طائفة المعتزلة وطائفة الشيعة؛ ثم لما حدثت مقالات انقسمت حولها هذه الطوائف في داخلها، سميت بطوائف –أيضا- مثل الإمامية والزيدية ونحوهما، ثم انقسمت هذه بدورها إلى مجموعات سميت "طوائف" كذلك. ولم يبرز هذا المفهوم باعتباره إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين خاصة، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية في ظرف تاريخي معين ساعد على إحداث نوع من التطابق بين الأمراض الداخلية والمؤثرات الخارجية. فالعربي تعامل مع اليهودية والمسيحية والإسلام تعامله مع اختلافات اعتقادية لا تعني المفاصلة والعداء أو تهديد وحدة الكيان، والخروج عنه، أو محاولة الانتماء لكيان آخر خارجه. أو السعي للانفصال عنه فقط بحجة الاختلاف في العقيدة، ومن أقدم النصوص العربية الإسلامية في هذا المجال "وثيقة المدينة".

 

تلك هي أبرز الانقسامات التي شهدها التطور التاريخي العربي إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر والشام. وكما بين لنا التاريخ، لم تكن هذه الانقسامات عناصر تهديد لوحدة الكيان العربي أو مبررا للتمايز والانفصال والتمزق بين أبنائه، أو وسيلة للاختراق من قبل الآخر؛ فالمسيحيون العرب لم يعلنوا -على سبيل المثال- مناصرة الصليبيِين في حملاتهم على البلاد العربية، ولم يتحالفوا معهم حتى في لحظات انكسار المسلمين.

 

ثم مُزج مفهوم الطائفة ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي أو ديني، فتحول إلى ما يشبه "المصدر الصناعي" في لغتنا ليفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية، والمنفصلة عن فاعلية الأمة، وبذلك أصبح مفهوم الطائفة يستخدم بديلا لمفاهيم الملة والعرق والدين التي كانت سائدة قبل ذلك. واختلطت هذه المفاهيم جميعا في بيئة متأزمة فكريا وسياسيا، مأزومة ثقافيا فأنتجت مفهوم "الطائفية" كتعبير عن حالة أزمة تعيشها مجتمعات عربية وإسلامية تكاد تكون شاملة لمجموع المحيط العربي والإسلامي كله مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا والسعودية ودول الخليج وإيران والباكستان وأفغانستان حيث تحول الجزء إلى كل، والبعض إلى كيان مستقل، وأصبحت الطائفية مذهبا وأيديولوجية وهوية حلت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى، بل وبدأت تتعالى عليها، وقد تبدي الاستعداد للتقاطع معها، وأخذ موقعها.

 

2- الفرقة –المذهبية:

 

يشير مفهوم "الفرقة" -أيضا- إلى الدلالات العددية، وإن كان يؤدي إلى معاني التفرق والانفصال دون تجاوز الجذور، كما أن معنى التفرقة فيه أكثر من الطائفية، وعلى الرغم من ذلك استخدم مفهوم الفرقة في الخبرة الحضارية العربية للدلالة على معان فكرية واعتقادية ومذهبية، فالمسيحية تنقسم إلى فرق، وكذلك الإسلام، ومن ثم فإن هذا المفهوم لا يحمل أية دلالات عرقية أو دلالات تعطي معنى التناقض الكلي أو الخلاف الشامل بين الفرق حتى عند من يشترط قبل ذلك وحدة جامعة تظهر بعدها أنواع من التفرق.

 

إلا أنه في عصور الانحطاط الحضاري تحولت الفرق إلى مذهبيات منفصلة متعارضة متعادية خصوصا بعد الصراع العثماني الصفوي الذي استمر قرابة ثلاثة قرون ونصف. فتحولت الفرق إلى مذهبيات أو أيديولوجيات متناقضة تعمل على تجذير خلافاتها بحيث لا يكون هناك مجال للتلاقي أو الوصال أو التفاعل والتحاور. وقد يحل بعض الكاتبين مفهوم "الفرقة" محل الطائفة ويضفي عليها المعاني ذاتها.

 

3- العرق – الشعوبية:

 

لم تعرف "الثقافة العربية" حتى في العصر الجاهلي مفهوم العرق كأساس للوجود الاجتماعي أو كمقاطع لتقسيم المجتمع، بل إن الهراركية القبلية، والافتخار بالنسب والأصل لا يعود فقط إلى رابطة الدم، ولكن إلى عوامل أخرى تتعلق بالأمجاد والتواريخ والأيام والبطولات والقيم مثل الكرم والشهامة والشجاعة... إلخ. وإلا لو كان العرق أساسيا لما كان تفرق القبائل العربية وتصارعها فيما بينها أكثر من صراعها مع الأجناس الأخرى.

 

وفي عصر الدولة الأموية بدأت قيم العرقية ومصطلحات الشعوبية تصبح لغة متداولة لأسباب سياسية تعود في معظمها إلى الصراعات السياسية، مثل تبني الفرس للمذهب الشيعي واحتضانهم لآل البيت ومناصرتهم إياهم، فاستخدام مصطلحات الشعوبية والعرقية والموالي... إلخ جاء في سياق محاولة هدم القاعدة الشعبية للمعارضة السياسية آنذاك ولم يلبث هذا الأمر طويلا؛ إذ سرعان ما جاءت الدولة العباسية على أيدي من أُطلق عليهم موالي وشعوبيون.

 

وبدأت بعدها مراحل من التاريخ في هذه المنطقة مارست جميع أعراق الأرض وأجناسها الحكم فيه، وتداولت فيما بينها مواقع السيطرة والقيادة؛ بحيث لم يكن هناك عرق معين بقي منعزلا عن الفعل الاجتماعي والتفاعل والتداخل والذوبان في الكيان المشترك إلى درجة يصعب معها تحديد أعراق العرب وأجناسهم من حيث اللون أو الدم أو أي عناصر وراثية أخرى.

 

4- الدين- الملة:

 

الدين في اللغات السامية منهاج شامل لجميع نواحي الحياة؛ فهو نظرة للعالم، وخطة مجتمعية كلية. وحيث إن المنطقة العربية لم تشهد أديانا ذات نفوذ غير الأديان السماوية، فإن وحدة المصدر لم تجعل قضية الدين عنصرا أساسيا في تقسيم المجتمع، أو تحديد علاقاته بصورة جوهرية، بل إن "الفقه الإسلامي" تعامل في الأمور القليلة التي تعلقت بأهل الذمة وأحكامهم مع نصارى العرب بصورة تختلف عن تعامله مع نصارى العجم، ومن ثم اعتبرت الثقافة والمجتمع عنصرا مؤثرا حتى في العلاقات الدينية بين القطاعات الاجتماعية المؤمنة بعقائد متعددة.

 

وانطلاقا من أن أحد أوجه التفرقة بين الدين والملة: أن الدين يُنسب إلى الله سبحانه وتعالى، والملة تنسب إلى الرسول. وتأسيسا على أن الأديان السماوية أديان من عند الله سبحانه وتعالى أو هي دين واحد هو التسليم لله سبحانه وتعالى والإسلام له. وهنا ينبغي أخذ مفهوم الإسلام كصفة حالة، وليس كاسم لأتباع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ لأن كل الأديان السماوية تحض على إسلام الوجه لله. لذلك يطلق على اليهودية والمسيحية والإسلام ملل، فكل منها يمثل ملة، وحيث هو تعبير عن مجموع بشري معتنق لهذا الدين أو متبع لهذا الرسول.

 

وهكذا جرى استخدام مفهوم الملة في التراث العربي الإسلامي لفترة طويلة، إلى أن تداخلت عوامل متعددة للتأثير على البيئة الثقافية العربية، ودفعها إلى التعاطي غير المتوازن أو المتكافئ مع ثقافات بصورة أدت إلى تشوه الثقافة العربية وإيجاد نموذج ثقافي هجين لا هو عربي أصيل ولا هو غير عربي بصورة كاملة.

 

5- الأمة- القومية – الوطن:

 

الأمة مفهوم معنوي، تتجه دلالاته -كلها- على التأكيد على الروابط المعنوية، فتارة تكون تعبيرا عن زمان أو عن شخص تمثلت فيه القيم وتجسدت فيه كينونة اجتماعية كاملة، أو عن وجهة واتجاه ومقصد، فجميعها تُعطي معنى الرابطة المعنوية الثقافية الحضارية، وتطلق على ذلك التجمع البشري الذي يمثل كيانا ثقافيا اجتماعيا حضاريا واحدا، وينطلق نحو وجهة واحدة متحركا في أطر زمانية معينة تتلاقى فيها عناصر الزمان المختلفة، ماض وحاضر ومستقبل.

 

أما القومية فتطلق على تجمع بشري تربطه عناصر مادية أكثر منها معنوية كالدم والمكان والخصائص المشتركة. وقد كان العرب يستخدمون لفظ القوم للتعبير عن مجموعة من الرجال.

 

وما أدري ولست إخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء

 

أما مفهوم "الوطن" فيستخدم للتعبير عن مكان معيشة الإنسان المباشرة فهو تلك البقعة التي يحيا فيها الإنسان، ويشعر فيها بالانتماء للمكان.

 

وفي فترة التفاعل الثقافي مع الغرب أو الانفعال به -إن صح التعبير- تداخلت هذه المفاهيم وارتبكت العلاقة بينها. فمهفوم NATION أو NATION-STATE أصبحا هما المحدد لمضامين تلك المفاهيم العربية الثلاثة. ومن ثم أخرجتها عن سياقها وفرغت محتواها واستبدلت به محتوى آخر، فلم تعد الأمة هي تلك الرابطة المعنوية، ولم يعد لفظ "القوم" يطلق على مجموعة بشرية صغيرة، إنما أصبح هذان المفهومان يستخدمان كترجمة للحركة القومية التي قامت في أوربا لتوحيد الدول الأوربية ولم شتاتها، والتي أدت في النهاية إلى تجميع إقطاعيات ودويلات ومدن أوربية في كيانات سياسية موحدة، وقد أصبحت هذه المفاهيم في الاستخدام العربي أداة للتفرق والتشرذم. فبعد تفكك الدولة العثمانية، تفكك العالم العربي ولم يزل سائرا نحو مزيد من التفكك طبقا لهذا الفهم لمفهوم القومية الوطنية.. إلى الحد الذي صرنا نسمع فيه من يتحدث عن العيد القومي لقطر أو البحرين أو العيد القومي لمدينة القاهرة.. وعن الإنسان القطري.. والإنسان البحريني... إلخ.

 

6- الشرق أوسطية:

 

إن مفهوم الشرق في ذاته يعبر عن مركزية معينة، فالشرق وصف لمكان متغير طبقا لموقع الواصف. فدائما هناك سؤال يثور، الشرق شرق ولكن بالنسبة لمن؟ لأن ما يطلق عليه الشرق قد يكون غربا لطرف آخر. والشرق الأوسط إمعان في المركزية وتسمية لمنطقة معينة أو إعادة تقسيم لها طبقا لمصالح المركز ورغباته وأهدافه. فما أطلق عليه "الشرق الأوسط" لم يكن يشمل الدول العربية جميعها، بل إنه أدخل فيها ما ليس منها، وأخرج منها ما هو فيها، وهو كذلك مفهوم متغير طبقا للزمان والإستراتيجية. فدول المغرب العربي لم تكن جزءا من الشرق الأوسط وأصبحت الآن مشمولة به. ودول وسط آسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تثار الآن أطروحات لضمها إلى الشرق الأوسط... إلخ.

 

وخلاصة القول أن الشرق الأوسط مفهوم لقيط استخدم فقط لتفتيت الأمة العربية ولإعطاء شرعية للكيان الصهيوني وتبرير منطقي لوجوده، ولفرض هذا الوجود على المنطقة، فمع أن المفهوم نفسه لا يعبر عن حقيقة جغرافية واحدة، ولا عن حقيقة تاريخية واحدة، ولا عن كيان بشري واحد، بل على العكس ينبه على تنوع داخل كيان اجتماعي واحد. ومع ذلك أصر منظرو الشرق أوسطية على أن يؤكدوا على أن الشرق الأوسط مجتمع فسيفسائي مكون من جزئيات متشرذمة عرقيا ودينيا وثقافيا. وبناء على ذلك يكون وجود إسرائيل طبيعيا وتاريخيا، بل وضروريا لإدخال قيم الليبرالية والحداثة والديمقراطية والنظام العالمي الجديد إلى منطقة تعذر عليها حتى الآن تبني ذلك.

 

ومفهوم الشرق الأوسط تحول من مفهوم يصف حقيقة في الواقع إلى مفهوم يسعى لإيجاد وتشكيل حقيقة جديدة. وليوجد أيضا انتماءات جديدة وروابط جديدة وهويات جديدة وأنماط علاقات جديدة، غايتها القضاء على كيان مستقل كان يطلق عليه "الأمة العربية" وإيجاد مبرر لوجود كيان غريب في قلبها.

 

ثانيا- الأشكال التاريخية للانقسامات في الوطن العربي:

 

إن النظرة الكلية لتاريخ الانقسامات في الوطن العربي تبين لنا أن هناك مرحلتين مختلفتين في تاريخ الانقسامات في هذه الأمة، أولاهما: مرحلة الانقسامات طبقا لمفاعلات داخلية.

 

وهذه هي المرحة الطبيعية التي تكون خلالها الكيان العربي وتطور، ومن ثم حدثت انقساماته الداخلية طبقا لعوامل ذاتية نابعة من داخله في مضمونها، تلقائية في تأثيرها والتفاعل معها. وأهم هذه الانقسامات:

 

1- الانقسامات القبلية:

 

وهي انقسامات طبيعية تلقائية تحدث بفعل امتداد الأسر وتوسعها، وتنشطر بفعل المصالح أو العداءات، ومن ثم تعطي معنى التمايز مع إبقاء عوامل التلاقي في سياق مجتمع، والقبلية في ذاتها ليست بعدا سلبيا في المجتمع، ولكن تحولها إلى هُوية وانتماء وتميز وتمحور الفرد فيها، وانغلاقه عليها يشكل العامل الخطير في الاجتماع البشري؛ ولذلك سعى الإسلام إلى إلغاء "القبلية" مع الإبقاء على القبيلة كوحدة اجتماعية.

 

2- الانقسامات اللغوية:

 

شهد الكيان العربي تداخلات متعددة في تاريخه الطويل مع لغات أخرى متعددة، استطاع في النهاية أن يوجد هوية عربية واحدة في معناها اللغوي مع الحفاظ على اللغات الخاصة في إطارها الداخلي، أو التلاقح معها وتطعيمها بمفردات عربية؛ ولذلك نجد البربري في شمال إفريقيا والكردي في شمال العراق أو النوبي في جنوب مصر يستخدمون العربية إلى جانب لغاتهم المحلية؛ فالعربية لغة الثقافة والحضارة والعلم واللغة الخاصة، وهي أداة تفاعل فردي داخل الجماعة البشرية الموحدة. ولم تصبح تلك العلاقة بين العربية واللغات الخاصة علاقة إشكالية إلا مع المؤثرات الخارجية للانقسامات. والتي سنعرض لها فيما بعد.

 

3- الانقسامات المذهبية:

 

يعتبر هذا النوع من الانقسامات تطورا طبيعيا في أي نسق معرفي حيث لا يمكن أن يجتمع الناس على فكرة واحدة بصورة مطلقة، وحيث إن التعدد الفكري بين الناس طبيعي في مصدره، ووظيفي في غايته؛ لذلك كانت الانقسامات المذهبية للأمة الإسلامية بصفة عامة، وفي الكيان العربي بصفة خاصة مسألة لا تقضي على الوحدة، ولا تؤدي إلى التمزق أو التشرذم في ذاتها، وما لم تكن هناك مؤثرات خارجية تعجل بالتمزق أو تسرع به لا يكون لهذه الانقسامات تأثير سلبي.

 

4- الانقسامات المللية:

 

وطبقا لما سبق تأكيده في موضوع الانقسامات المذهبية، فإن الانقسامات إلى ملل في إطار الإيمان بثوابت دينية واحدة كانت أمرا طبيعيا وتطورا تلقائيا، ولم تكن سببا للتمزق أو الانقسام والتشرذم.

 

وثانيهما: مرحلة الانقسامات طبقا لمفاعلات خارجية. تؤكد دائما أدبيات التكامل والاندماج المجتمعي والوطني على أن الانقسامات الاجتماعية الطبيعية مثل الانقسامات القبلية والإقليمية واللغوية والثقافية والطبقية لا تشكل تهديدا للمجتمع؛ طالما ظلت دون تفعيل في وعي الجماعة، وطالما لم يتطابق محوران للانقسام معا؛ فالانقسام الإقليمي مثلا ما لم يمتزج معه نوع آخر من الانقسامات مثل اللغة أو الدين أو الوضع الاقتصادي لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع واندماج مكونات الأمة.

 

فوجود مجموعة من دين معين في داخل مجتمع من دين آخر لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع في ذاته، وإنما يظهر التهديد عندما تصبح هذه المجموعة ذات لغة مستقلة أيضا، أو تصبح مضطهدة سياسيا أو فقيرة اقتصاديا أو معزولة إقليميا. ولذلك ظلت الانقسامات الطبيعية في الوطن العربي دون تفعيل ودون تأثير حتى النصف الثاني من حياة الدولة العثمانية في طور انحدارها وتدهورها سياسيا وحضاريا، حيث بدأت تتطابق الانقسامات وبدأ يتم التعامل مع العرب كلهم كموضوع للحكم وطرف أدنى، كما بدأ التعامل مع بعض الطوائف العربية كأقليات مورس ضدها نوع من الظلم أو تم تغذية شعورها بأنها مخالفة أو أنها جزء خارج المجتمع أو أن لها وضعا سياسيا خاصا... إلخ. كل تلك السياسات أدت إلى تفجير الشعور الطائفي.

 

ثم جاءت مرحلة النفوذ الأجنبي وادعاء الدول الأوربية -الطامعة في ممتلكات الرجل المريض- أنها حامية لأقليات مسيحية في الشرق العربي، ثم كان الاستعمار والتقسيم وتغذية عوامل وعناصر التفرق وتضخيمها ودفعها لتحتل مقدمة الوعي الثقافي العربي. وكانت ذروة المشكلة في حلولها، سواء الحلول القومية التي بذرت النزعة الذاتية لدى الكيان العربي ضد الدولة العثمانية ولم تستطع أن توقف نمو الشعور القومي بمعانيه الذاتية الخصوصية الضيقة عند حدود العرب، بل نما هذا الشعور وتطور داخل مكونات الأمة العربية، وبدأت تثار قضايا أخرى مثل الفرعونية والفينيقية والبربرية والمارونية والقبطية... إلخ، وقد تمثلت عناصر تفجير الانقسامات في هذه المرحلة في القضايا التالية:

 

1- الدينية:

 

سبق تحديد الخطوط العامة لمفهوم الدين، خصوصا في الأديان السماوية الثلاثة حيث تعتبر جميع الأديان السماوية من حيث المصدر وكثير من الأساسيات: دينا موحدا يرجع إلى إبراهيم عليه السلام والحنيفية السمحاء، ولذلك لم يكن البعد الديني محورا أساسيا في بناء المجتمع والتفاعل بين أبنائه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ولم يكن الدين محورا للاندماج والتكامل الاجتماعي. ولكن مع الممارسات العثمانية في مرحلة انحدار الدولة، ومع تدخل القوى الأوربية بصوره المختلفة: بدأ الدين ينقلب إلى دينية أيديولوجية تنفي الآخر، وتنعزل عنه بصورة أو بأخرى، فبدأت الدولة العثمانية تعامل المسيحيين كأجانب واستغلت الدول الأوربية ذلك وادعت الحماية واستجابت طائفة من المسيحيين ودعت إلى الانفصال. وفي نفس الوقت بدأت القوى السياسية المنتمية إلى المجموع المسلم من العرب تدعو أحيانا إلى رفض الدين وإخراجه من العملية السياسية، أو إلى هيمنة الدين بمفهومه المضيق على مجمل الحياة السياسية. وقبل ذلك لم يكن هناك وجود لمثل هذه الإشكاليات في العقل العربي بنفس الحدة والكيفية، فلم يكن العقل العربي يقيم تطابقا بين الدين والجنس أو الدين والقومية.

 

ولعل تغلغل العقلية اليهودية في إطار الحضارة العربية أدى إلى نوع من التطابق بين الدين والجنس واللغة، بحيث يصبح الإسلام مساويا للعروبة وللعربية، فقد كان العقل العربي قبل ذلك يدرك الحدود والفوارق، ويعلم أن الدين للبشرية، وأن اللغة أداة والجنس ممتد متواصل ولكل حدود ولكل حقوق؛ فحقوق أبناء الرابطة اللغوية والمكانية والعرقية لا تفت فيها حقوق الرابطة الدينية. وقد ظهر -على مر التاريخ- كيف كان الاختيار عندما تعارضت الروابط فلم ينحز المسيحيون العرب لأمثالهم في الدين من الأوربيين في الحروب الصليبية، ولم يستقر حال المسلمين العرب مع ممارسات الدولة العثمانية ضد بعض الطوائف المسيحية ولم يرتضوا ذلك منها. وكذلك ممارساتها ضد المذاهب والطوائف الإسلامية لم تكن موضع رضا العرب عموما... إلخ.

 

2- اللغوية:

 

اللغة أداة بيان ووسيلة للتواصل ومعبر للحضارات ووعاء للثقافات، واللغة أيضا كائن اجتماعي ينمو ويتطور بنمو مجتمعه وتقدمه، ويتفاعل أبناء ذلك المجتمع مع عقل لغتهم وفلسفتها. واللغة العربية أداة بيان العرب حملت القرآن الكريم وارتقى بها وقعدها، وبه صارت لغة عالمية، فهي للعرب حضارة وثقافة وفن وجمال، وهي للمسلم دين وعقيدة وتاريخ وفكر. ولم تكن قضية اللغة قضية إشكالية؛ فقد ظلت لغة الدواوين حتى عهد عبد الملك بن مروان تعمل بغير العربية، ومع تعريبها اتسع نطاق العربية وخرجت من حيز العرب كجنس والإسلام كدين، وصارت لغة حياة لكل من اندرج في معيتها واستخدمها. ومن ثم تمددت الأمة العربية واتسع نطاقها واستوعبت داخلها أجناسا وعروقا مختلفة بحيث كانت العربية هي الرابطة الوحيدة آنذاك التي قامت عليها وحدة الثقافة والحضارة، وليس وحدة اللغة كلسان شكلي، فمن تكلم العربية صار عربيا دون أدنى التفات لعرقه أو لونه أو دينه، على عكس اللغات الأخرى، فمثلا في العصور الحديثة من دخل حيز اللغة الإنجليزية لا يصبح إنجليزيا ومن تكلم الفرنسية وأتقنها حتى نافس أهلها لا يصبح فرنسيا، بل كان ولم يزل مستعمَرا، متخلفا، لا يمكن رفع شأنه أو إدراجه في حيز أبناء الحضارة الغالبة.

 

وكانعكاس للفكر الأوربي الذي زاوج بين اللغة والعرق، أو بين اللغة والدين واعتبر أبناء اللغة الواحدة يمثلون قومية واحدة، بدأت تدخل حيز العالم العربي إشكاليات من نوع جديد لم تكن تُعهد في إطار الثقافة العربية قبل ذلك حين صارت الدعوة إلى إحياء اللغات التي لم تكن في تاريخها مكتوبة، ولم يكن لها دور في إبداع الثقافة أو بناء الحضارة. بل إن غالب أهلها لا يستطيعون الإلمام بها. وقد بلغت تلك الدعوة ذروتها إلى حد استبدال الحرف العربي وإحلال حروف لاتينية محله مثلما حدث في اللغة التركية أو في لغات إفريقية مثل السواحيلية أو الهوسا.

 

وهذه النزعة اللغوية لا تمثل بعدا طائفيا مثل كونها تمثل رغبة في التخلص من الثقافة العربية الإسلامية بفعل الهزيمة الحضارية التي دخلت فيها الأمة منذ بداية القرن التاسع عشر وإن كانت جذورها قبله. وقد ساعد المستعمر من خلال نظم التعليم التي استطاع الهيمنة عليها بصورة مطلقة، ومن خلال الصحف والمجلات والبعثات: أن يجذر هذه الدعوات وأن يعطيها بعدا جديدا يتمثل في تهميش اللغة العربية وتهميش المؤسسات القائمة على تعليمها والدعوة إلى ازدراء من يمثلها، سواء في الأفلام أم في المسلسلات والمسرحيات حتى صار معلم اللغة العربية أضحوكة العصر. وحتى صار من يتكلم العربية مثارا للسخرية والاستهزاء.

 

3- العرقية:

 

لم تعرف المنطقة العربية مفهوم النقاء العنصري أو الجنس كأساس ومحور للتمايز الاجتماعي والسياسي، بل على العكس أدى تداخل الأجناس والأعراق وتزاوجها على مدى زمني طويل إلى ميوعة عرقية لا يمكن معها الفصل العرقي الدقيق، كذلك مارست جميع الأعراق في المنطقة العربية الحكم وتولت السلطة بحيث لم يكن لعرق واحد السيطرة والهيمنة وللآخر الخضوع والاستذلال. ومن هنا لم يكن مفهوم العرق بالمعنى العنصري من المعايير التي يمكن -على أساسها- بناء قومية أو أمة. ولكن مع بروز النزعة الطورانية في تركيا وبدء سياسة التتريك، ومع التأثير الغربي من خلال أدوات الاستعمار وسياساته: بدأت تبرز صور متعددة للتمايز العرقي في الوطن العربي، سواء في ذلك المنتمون إلى عروق بربرية، أو كردية، أو تركمانية، أو غيرها.

 

كذلك أدى الاستخدام غير المنضبط لمفهوم القومية إلى تداعيات جزئية تسربت إلى بعض التكوينات الثقافية اللغوية التي تدعي النقاء العرقي فعملت على توظيفها واستخدامها لتحقيق انفصالات طائفية صغيرة تتجاوز الكيان العربي، وتتخلص من الرابطة العربية دون أن تحل محلها رابطة كلية أخرى.

 

كذلك تم استخدام العرقية بصورة مخالفة؛ إذ نتيجة لتزايد التركيز على العرق العربي وجذوره وخصائصه... إلخ. وفي سبيل نقض الدعوة القومية برزت اتجاهات إسلامية ترفض الرابطة العرقية العربية لتتجاوزها إلى رابطة أكبر وهي الإسلام. فكان رد الفعل واحدا، سواء الطائفي الجزئي أم العقيدي الكلي، وكانت نتيجتها واحدة هي نفي الرابطة العربية وتجاوزها إما للأدنى أو للأكبر.

 

4- الأيديولوجية:

 

على الرغم من أن البيئة الفكرية العربية على مر تاريخها قد عرفت العديد من السجالات الفكرية والخلافات المذهبية والاعتقادية، فإنها لم تعرف مفهوم الأيديولوجيا بمدلولاته الفنية، أي تلك البيئة الفكرية المحكمة التي تتسم بقدر من الانفلات والتناقض مع الآخر، وتسعى للهيمنة والتطبيع من خلال مشروع سياسي عام؛ فقد دخلت هذه الأطر الفكرية إلى حيز الثقافة العربية مع ازدياد التواصل بالتيارات الفكرية الأوربية خصوصا الاشتراكية. فقد أدى تبني بعض الأحزاب العربية للعقيدة الماركسية إلى ظهور أطروحات مقصدها نفي الرابطة العربية وتجاوزها للأممية الاشتراكية أو الشيوعية، وفي مقابل ذلك كان لتأثر بعض المفكرين المسلمين بعلماء شبه القارة الهندية الأثر عينه؛ إذ لم ترتبط الدعوات الإصلاحية الإسلامية الأخيرة بالعروبة واعتبارها القاعدة الأساس للأمة الإسلامية مثلما كان الحال عند الكواكبي ورشيد رضا ومحمد عبده والأفغاني ومن سبقهم مثل محمد بن عبد الوهاب والألوسيين في العراق والشوكانيين في اليمن وقبلهم ابن تيمية ومدرسته.

 

5- النخبوية:

 

على الرغم من أن الانقسامات الاجتماعية إلى طبقات أو شرائح مسألة طبيعية في كل المجتمعات الإنسانية وعلى الرغم من أن المجتمع العربي طوال تاريخه كان يعرف مفهوم النخبة أو علية القوم ممثلة بمدارس العلماء، فإن انفصال النخبة عن المجتمع مسألة حديثة لم تبرز إلا مع آثار نهضة محمد علي في مصر حيث أدى ازدواج التعليم إلى بروز نخبة مثقفة على الطريقة الغربية تختلف ثقافتها عن ثقافة عامة الأمة. بصورة تجعل من النخبة طائفة منفصلة عن الأمة لها مصالحها وأهدافها وطموحاتها المستقلة؛ وهو ما أدى إلى عدم تفاعل الجماهير مع المشروعات النخبوية التي طرحت في المرحلة الأخيرة.

 

تلك هي أهم الأشكال التاريخية للانقسامات والانشطارات في الوطن العربي وتلك هي الصور المختلفة للطائفية بمعناها العام أو بمضمونها العام، فماذا عن المستقبل الذي هو جوهر بحثنا وماذا علينا أن نفعل لصيانة هذا المستقبل، أو التأثير الإيجابي فيه، أو توجيهه الوجهة المطلوبة؟.

 

ثالثا- الانقسامات الطائفية العربية من التجانس إلى التجاوز:

 

بداية ينبغي التأكيد على أن المستقبل بأيدينا الآن، نؤثر فيه ونتأثر به، سواء أدركنا أم لم ندرك، ومن ثم فإن العناصر المشكلة للمستقبل هي أهم الظواهر التي نتفاعل معها الآن.

 

وبالنظر إلى مستقبل الطائفية -في الوطن العربي- نجد أنه يأخذ مسلكين مختلفين، أحدهما:

 

1- دوافع التجاوز:

 

فهناك مجموعة من الدوافع التي تقود إلى التجاوز، أي تجاوز الوحدة إلى التشرذم، والهوية العربية إلى هويات أخرى أصغر منها وجزئية منبثقة عنها أو أكبر متجاوزة لها مثل الإسلامية التعميمية الرافضة للعروبة أو الأممية أو العالمية. وأهم هذه الدواعي:

 

أ- مفهوم الشرق أوسطية الذي بدأ يتحول من اصطلاح في علم السياسة يصف منطقة معينة من موقع آخر إلى حقيقة واقعة يتم الدفع، وبشدة، لتحقيقها في الواقع من خلال طرائق سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية تبلغ حد القهر والفرض.

 

ب- الحلول المعروفة بالأصولية التي تغيب عنها حقائق الواقع وإشكالاته، وتظن إمكان إعادة إنتاج الفترات التاريخية المنصرمة، وتنكر الصيرورة، وتغرق في خيال رومانتيكي ليس له وجود في أرض الواقع. وفي نفس الوقت تجهل السريان الطبيعي للأشياء والصيرورة التاريخية وتأثيرها، وتحلم بأن الرابطة الإسلامية قد تستغني عن الرابطة العربية التي هي جوهر الأمة الإسلامية ومصدر نشأتها ووسيلة حمايتها والحفاظ عليها. فالأمة العربية هي القلب وبدون القلب لا يستطيع الجسد الاستمرار في الحياة.

 

ج- العولمة: خصوصا في تطورها المعاصر الداعي إلى تجاوز الخصوصيات والقضاء عليها ونشر القيم الثقافية الغربية كقيم عالمية. ومن الداعي للتيقظ أن اتجاهات العولمة بدأت تدخل العقل العربي وتعيد بصورة مختلفة اجترار وتكرار تلك الصراعات الفكرية التي عايشتها الساحة العربية خصوصا مع الدعاة الأولين لها أمثال د. طه حسين حين بدأ الدعوة إلى الانخراط في الحضارة اليونانية على أساس أنها العالمية ومن يرثها أيضا هو وريث العالمية. وقد بدأت في الفترة الأخيرة مراكز أبحاث انتشرت في العالم العربي مؤخرا تعمل معظمها على ترويض العقل العربي المسلم لتقبل عملية التنازل عن الخصوصيات وقبول فكرة الذوبان في العولمة رغم إدراك هذه المراكز والقائمين عليها بأن مضمون العولمة السائد: اقتصادي استغلالي وسياسي يكاد يجعله أقرب إلى النزعات الإمبراطورية منه إلى اتجاهات العالمية التي يتطلع البشر إليها.

 

وهي غير عالميتنا الإسلامية العربية التي نبشر بها، لننبه إلى المشترك بين بني الإنسان، وكثرته بالنسبة للخاص في إطار من القيم المطلقة والنظرة الكلية للكون والإنسان والحياة.

 

د- المذهبية القومية التي تريد تكرار التجربة الغربية بكل ملابساتها وظروفها من علمانية وغيرها. متجاهلة خصائص الكيان العربي الإسلامي الذاتية وتجربته التاريخية التي لا يمكن أن تنفك عن الإسلام، حتى بالنسبة للمسيحيين العرب الذي يمثلون جزءا ثقافيا لا يتجزأ من حضارة إسلامية لغير العرب.

 

هـ- تجذير الوطنية الإقليمية وترسيخها في العقل العربي المعاصر من خلال الدفع الفكري والبحثي ومحاولة حفر جذور تاريخية لكيانات قطرية مفتعلة رسمتها خرائط المستعمر أكثر من خصائص الواقع. فنقرأ الآن عن تاريخ دولة قطر أو الشعب البحريني والثقافة العمانية والثقافة العراقية والثقافة السورية والعودة إلى الجذور الفرعونية والفينيقية والبابلية، وكأن هناك جذورا تاريخية منفصلة لهذه الكيانات التي لا يمكن إيجاد صور تاريخية لها خارج إطار النصف الثاني من القرن الحالي.

 

و- النخبوية وتزايد انعزال النخبة العربية عن الجماهير، واتساع الشقة بينها بصورة تجعل كلا منهما يعيش في عالم مختلف عن الآخر بصورة شبه كاملة.

 

2- مسالك التجانس:

 

تتعدد مسالك التجانس وتتسع، ويسهل التعامل معها؛ لأن بقية منها لم تزل كامنة في عقل الأمة وروحها، ومن ثم تصبح يسيرة الاستدعاء سريعة التأثير. وأهم هذه المسالك:

 

أ- التأكيد على الهوية الحضارية للأمة العربية من خلال التأكيد على المشترك الثقافي والحضاري في تاريخ هذه الأمة. ومن خلال فصل الحضاري عن العقيدي والمذهبي.

 

ب- الإصلاح الفكري والمعرفي من خلال عمليات نقد وتفكيك لبنية الثقافة العربية وتحليلها بصورة تحدد وبدقة مواطن الخلل وطرائق الإصلاح.

 

ج- التأكيد على البعد الحضاري للإسلام الذي مثل هوية لمجموع الأمة العربية مسلميها ومسيحييها.

 

د- التأكيد على أهمية التفاعل الثقافي بين الجماعات الثقافية العربية من مختلف التخصصات وكذلك التفاعل الإعلامي والفني.

 

هـ- تفعيل دور الجماهير ورفعه ليكون دورا مؤثرا ثم فاعلا ثم أساسيا في إعادة بناء الكيان العربي الواحد مرحلة ضرورية لإعادة بناء الأمة المسلمة.

 

و- إعادة بناء مؤسسات الأمة، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو غيرها. من خلال تكوين أطر اجتماعية مفتوحة نابعة من أدنى، وليس مؤسسات شكلية تضعها حكومات لأغراض استهلاكية.

 

ز- إعادة بناء العلاقة مع الأطراف التي تأثرت باتجاهات تجاوز وحدة الأمة من طوائف وعناصر تمثل أجزاء من هذا الكيان الواحد.

 

إننا لا بد لنا لتفعيل اتجاهات الوحدة والتوحيد بين مكونات أمتنا الإسلامية ابتداء بالكيان العربي منها: اتخاذ "التأليف" منطلقا أساسا لذلك. ومفهوم التأليف مفهوم قرآني ذو فاعلية حقيقية وعملية كبيرة؛ فهو أقوى بكثير من مفاهيم التقريب أو الوحدة، أولا لقرآنيته وما فيه من إعجاز. ثانيا: لأنه مفهوم يراعي بشكل غاية في الأهمية جميع الخصوصيات، بل يفعلها ليجعل منها جزءا من وسائل التأليف بين القلوب وتجاوز أسباب التنافر وإعطاء تلك الخصوصيات الفاعلية في إطار الكيان الواحد. كما أنه المنطلق الذي تكونت أمتنا به في الماضي، وحفظت به كل مكونات كيان هذه الأمة الاجتماعي على خصوصياتها، وجعلت منها عناصر إيجابية في جدلية التعارف بعد التآلف ثم التعاون.

 

تلك هي أهم النقاط التي تحتاج إلى إعمال عقل وتحاور مستمر، وبصورة دائمة ومفتوحة من جميع الخلفيات والمواقع بغية التعامل مع الطائفية كقضية أمة وليست مشكلة جماعة أو طائفة أو أمة، وليوجد التيار الاجتماعي الفاعل إن شاء الله.

 

والله ولي التوفيق

 

* د. طه جابر العلواني: مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي

 

المصدر: إسلام أون لاين

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك