مسألة الحوار مع الآخر بين اتجاه صدام الحضارات وقيم التعارف الحضاري

مسألة الحوار مع الآخر بين
اتجاه صدام الحضارات وقيم التعارف الحضاري

أ‌. الدكتور عبد العزيز برغوث
كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية
الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا
تقديم
لا شك أن الإنسانية اليوم وهي تعيش في واقع يتوجه نحو الكونية والعالمية الشاملة، ستنتهي إلى وضع عالمي معولم تتحدد فيه مواقع الأمم والشعوب، كما تتحدد فيه قواعد وأنساق الاتصال والتدافع والتلاقي بينها. وعلى الرغم مما نلاحظه من تدافع أحيانا وصراع في أحيان أخرى، فإن الأمر الذي لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان هو أن الطريق الطبيعي السليم والفعال للتعامل مع قضايا الدول والأمم والشعوب والثقافات والحضارات هو طريق الحوار والتفاعل، وتبادل الأفكار والآراء ووجهات النظر من أجل إيجاد الحلول السلمية المناسبة للصراعات والمشكلات الداخلية والخارجية. ومن هنا فإن موضوع الحوار الحضاري من أهم وأنسب المداخل في مسألة العمل من أجل تحقيق التفاعل والتعايش الإيجابي في مسيرة المجتمعات والثقافات المختلفة والمتنوعة.
والذي يطلع بأمانة وروية على الرؤية الإسلامية في موضوع الحوار والتفاعل مع الآخر سيدرك كيف أن القرآن الكريم أسس لرؤية كونية متوازنة ومتكاملة في الحوار والاتصال والتفاعل، كما سيجد في السيرة النبوية وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي أعمال الخلفاء والصحابة والتابعين أمثلة واقعية حية لتجسيد قيم الحوار والاتصال القرآني في ممارسات الأمة الإسلامية وحضارتها في صلتها مع الأديان والأمم والشعوب والثقافات الآخرى. والباحث المنصف كذلك يستطيع أن يدرك بيسر القيم والمبادئ التي أحاطت بعملية الحوار في الإسلام؛ سواء أكان حوارا فرديا أو جماعيا، عقديا أو عمليا، فكريا أو سلوكيا. فالدلائل القرآنية والبيانات النبوية والممارسات الإسلامية لا تدع مجالا للشك في أن التوجه العام في الأمة وحضارتها هو توجه السلم والحوار والتفاعل مع الآخرين مهما كانت مللهم ونحلهم. فقد عكس لنا النص القرآني العشرات من النماذج الواردة في القصص النبوي وكيف أن أنبياء الله ورسوله هم أول من سلك طريق الحوار والاتصال مع أقوامهم فحاورهم في قضايا العقيدة والشريعة والأخلاق والقيم والسلوك والثقافة وغيرها. كما أن هؤلاء الأنبياء تركوا تراثا عمليا في حواراتهم واتصالاتهم مع أقوامهم، وبينوا لنا أنسب الطرق وأصلح المناهح وأعلى القيم المطلوبة في الحوار والتفاعل.
وجاءت الرسالة النبوية الخاتمة والعالمية والمحفوظة لتقدم للمسلمين وللعالم كله رؤية عالمية حضارية في الحوار والاتصال. فبينت هذه الرسالة العظيمة قيم الحوار ومناهجه وشروطه وأخلاقياته ووسائله وأهدافه وأوقاته الملائمة. وجعلت من الحوار وسيلة من أهم الوسائل في تبلبغ دعوة الحق، وإيصاله للآخرين، وإقامة الحجة والدليل عليهم. والحقيقة الأساسية التي ركز عليها الإسلام في قضية الحوار هي أن هذه العملية أو هذه الوسيلة لا توظف ولا تستخدم إلا لبيان الحق وخدمته في مختلف صوره وأشكاله. إن الحوار في الرؤية الإسلامية محكوم بجملة ضوابط وقواعد وشروط وقيم وأخلاق، كما أنه يخضع لسنن وقوانين، ويتم من أجل أهداف ومقاصد معينة.
ولما انتشر في وقتنا الراهن اللغط والعداء للإسلام في عقيدته وشريعته وأخلاقه السمحة، وأُلصقت بالمسلمين أوصاف الإرهاب والتطرف والعنف، ووصموا بعدم القدرة على الحوار والتواصل مع الآخرين يُصبح من أعظم الواجبات على المسلمين القيام بمهمة بيان حقيقة الإسلام، وطبيعة الإنسان المسلم الملتزم حقا، ونوعية النموذج الحضاري الذي يقدمه الإسلام للإنسانية. ومن ما ينبغي بيانه هنا أمور كثيرة يركز هذا البحث على مسألة التعارف الحضاري والتدافع الحضاري بوصفهما من المفاهيم التأسيسية لصلة المسلم بالمسلم أولا ثم صلة هذا المسلم بالآخرين من أهل الكتاب وأهل الأديان والملل والنحل الآخرى. ويعالج البحث النقاط الآتية:
- أولا: الإطار النظري العام لدراسة الحوار الحضاري في الإسلام
- ثانيا: التعارف الحضاري كإطار إسلامي لممارسة التفاعل والتواصل والحوار مع الآخر
- ثالثا: الحوار بين التعارف الحضاري والتدافع الحضاري
- رابعا: توجيهات على طريق تفعيل الحوار مع الآخر في ضوء إطار التعارف وسنة التدافع

أولا: الاطار النظري العام لدراسة الحوار الحضاري في الإسلام
1- الإسلام في طبيعته وخصائصه وأهدافه الكبرى
لكي نفهم حقيقة الحوار الحضاري ونضعه في موقعه الصحيح من منظومة القيم الإسلامية الأساسية ينبغي لنا أولا أن نتعرف إلى طبيعة الإسلام، وخصائصه العامة، وكذلك خصائصه المعرفية. والأشكال البيانية الآتية توضح ذلك. فالرسم البياني الأول يوضح لنا بعض جوانب طبيعة الإسلام وحقيقته الكبرى. فهنا يظهر الإسلام بوصفه دين دعوة وبلاغ، ووسطية ، وشهود ، وقوامة ، وقدوة ، وفطرة ، وآخرة ودنيا ، وحجة وبرهان ، ورحمة وتخفيف وأخلاق، وعقل وعلم ، ودين أمة مخرجة ...

وأما الرسم البياني الثاني فيوضح لنا بعض الخصائص العامة للإسلام ومنها: أنه يتصف بالربانية والعالمية، والواقعية، والشمولية، والتوازن، والتيسير، والمصلحية الإنسانية، والجذرية، والمرونة والثبات، والإيجابية، والفعالية...

وأما الرسم البياني الثالث فيوضح بعض الخصائص المعرفية للإسلام والتي منها اتصافه بكونه دين خاتم، ومهيمن ومحفوظ، ومعجز ومطلق، وغائي (مقصدي) وبياني وعلمي عقلاني واستخلافي...

وهذه هي بعض أهداف الإسلام العامة ومقاصده الكبرى والتي منها:
- التعريف بالله سبحانه وتعالى ومنهج توحيده في الربوبية والألوهية والصفات
- التعريف بالإنسان والكون والحياة وصيرورتها ومصيرها في عالمي الدنيا والآخرة
- الإجابة عن حقائق عالمي الغيب والشهادة وبيان صلتها بالاستخلاف
- بيان حقيقة الإستخلاف ومسؤولية الخلق فيه
- بيان العقيدة والشريعة والأخلاق الصحيحة
- تزويد البشر بالمعرفة بسنن الله في الآفاق والأنفس
- تزويد البشر بالمعرفة اللازمة عن تاريخ الأديان والأمم السابقة وقصص الأنبياء
- بيان موازين العدل والقسط في الأفعال والأعمال
- تقديم نموذج الحضارة والعمران البشري المتكامل
- تزويد البشر بمنهج الحق في التوحيد والعبودية والسيادة والقوامة والشهود
- بيان منهج الإسلام في الدعوة والبلاغ والإرشاد والإصلاح ...

2- أصالة الحوار في الإسلام ومحوريته
وعندما يتأمل الإنسان في هذه الطبيعة، والخصائص والأهداف لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام في الأصل ومنذ انطلاقته الأولى دين يتوجه بالخطاب للعالم كله، ومن ثم فهو دين تفاعل واتصال وخروج للآخرين، وأنه دين مدجج بالحجج والبراهين والأدلة الغيبية والعقلية والكونية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والتشريعية على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين وعلى أعلى مستويات الحجاج والجدال العلمي الرصين بحثا عن الحق. وعلى هذا الأساس فحين يعالج هذا البحث مسألة الحوار مع الذات أو مع الآخر فهو يتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام وخاصة من أعظم خصائصه الأصلية. ومسألة الحوار والجدال والتواصل مع الآخرين ليست مسألة تبعية في طبيعة الإسلام، وإنما محورية لكونه دين للناس أجمعين، ولا يمكن أن نتصور دينا عالميا بخطابه وتوجهاته وأهدافه كالإسلام يرفض الحوار والاتصال ولكن على العكس فالإسلام يبحث عن المتحاورين والمتواصلين بشتى الطرق ليبين لهم عقيدته وشريعته وقيمه ورؤيته الكونية، ولهذا وجدنا نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الناس في كل مكان ليشرح لهم الإسلام وحقائقه، لم يثنه عنه كيدهم وعدائهم وصدهم ونفرتهم وضربهم للإسلام والمسلمين.
ولو دققنا النظر في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وعمقنا البحث في السيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين وسيرة أبناء الأمة في مختلف العصور لوجدنا أثارا ضخمة للحوار والتواصل بين الإسلام والمسلمين وبين الأديان والملل والنحل والثقافات الآخرى على مختلف اعتقاداتها ورؤاها الكونية. وخير دليل على نزعة الإسلام الحوارية والاتصالية والتفاعلية مع الآخرين ذلك التنوع الهائل في المسلمين أنفسهم والذين جاءوا من مختلف الشعوب والقبائل والأديان والأجناس حتى أصبحت أعظم خاصية من خصائص الحضارة الإسلامية هي قدرتها الفاعلة على صهر مختلف الأجناس وقبول تنوعاتها واختلافاتها ضمن إطار الإسلام وقيمه العليا بشرط قبولها بالمبادئ الأساسية لهذا الدين وهذه الثقافة الإسلامية. وما تنوع الثقافة الإسلامية وتنوع مشاربها وتجسداتها الكثيرة إلا دليلا أخر على تواصل الإسلام وحواره مع الآخرين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حوار الإسلام وتواصله ليس لأغراض سياسية وقتيه عابرة أو ليس لحل نزعات طارئة ولكن خصيصة فطرية في الإسلام ذاته.

3- الحوار: دوائره، ومجالاته، وأهدافه، وضوابطه العامة
ومن هذا المنطلق فالحديث عن الحوار في الإطار الإسلامي هو حديث عن توجه حضاري عام في بنية الإسلام وتوجيهاته وتصوراته الكونية العامة. والحوار في النسق الإسلامي حوار متنوع ومتعدد ومتداخل ومتصل يبدأ ويدور في دوائر كثيرة متداخلة. ومن أهم دوائر الحوار التي يمكن الحديث عنها:
1. الحوار مع الذات في إطار الذات بوصفها فردا وجماعة
2. الحوار مع الذات في إطار حضور الآخرين
3. الحوار مع الآخر وفي إطار الآخر كفرد وجماعة
4. الحوار مع الآخر في إطار حضور الذات
5. الحوار الحضاري العالمي الإنساني المتداخل في حضور الذات وحضور الآخر
6. الحوار الكوني والآفاقي
وفي الدائرة الأولى يتحاور المسلم مع نفسه ليكتشف آيات الله، وآلائه ونعمه التي أصبغها عليه في عقله وقلبه ونفسه وفؤاده وجوارحه وأفعاله وسلوكياته...ثم يتحاور مع أهله وأقربائه وشيعته وعشيرته وقبيلته وقومه...ثم يتحاور مع شعبه ومجتمعه...ثم يتحاور مع أمته بمفهومها الواسع والتي تشتمل على مختلف الثقافات والمجتمعات والدول والأجناس واللغات الإسلامية. فهو هنا يتحاور في ظل سيادة نموذجه الحضاري ونسقه الفكري ومجاله الثقافي الحيوي. ويدخل في هذا المحور دول العالم الإسلامي كلها.
وفي الدئرة الثانية يتحاور المسلم مع ذاته في مختلف مستوياتها ولكن في حضور الآخرين خارج دائرة المجال الإسلامي أي في حضور الأديان والملل والأجناس والمجتمعات والثقافات الآخرى المغايرة له في الرؤية والعقيدة والتصور...هنا يتحاور المسلم مع الآخر المغاير ولكن في ظل نموذجه وتراثه وثقافته...وهنا يمكن إدخال تلك المجتمعات الإسلامية والتي تتميز بتعدد الأديان والأجناس فيها مثل ماليزيا واندونيسيا...
وفي الدائرة الثالثة يتحاور المسلم مع الآخرين ولكن في إطارهم وثقافتهم وبيئتهم وسلطانهم وحضارتهم وقيمهم. وهنا يمكن إدخال مجتمعات الأقليات المسلمة الموجودة مثلا في أمريكا أوروبا وبعض الأقليات المسلمة في جنوب شرق آسيا... مثل تيلاندا وسنغافورة...
وفي الدائرة الرابعة يتحاور المسلم مع الآخرين وفي ظل سيادة قيمهم وثقافتهم وأنساقهم، ولكن يحاول أن يتفاعل مع ذاته ويتحاور مع الآخرين من أجل الحفاظ على هويته وثقافته مخافة ذوبانها وتحللها بفعل ضغط الثقافات والأنساق الآخرى.
وفي الدائرة الخامسة ينتقل المسلم بقيمه الحوارية إلى المستوى الحضاري العالمي حيث الحوار الشامل مع الثقافات والحضارات المختلفة والمتغايرة...ففي هذا الوضع يكون الحوار حضاريا وعالميا يتأكد فيه حضور الآخرين وحضور الذات في كل لحظة من لحظات الحوار. ويتجسد هذا المعنى في المجال الحواري العالمي الحيوي الذي خلقته العولمة وجعلت معظم المجتمعات الإنسانية والثقافات المختلفة تتفاعل في لحظة العولمة هذه.
وأما المجال الأعلى في الحوار فهو مجال الحوار الكوني والآفاقي الذي يتحاور فيه المسلم والآخرون مع المحيط الكوني والآفاقي الخارجي؛ حيث التعرف على آيات الله ومخلوقاته ومعجزاته في الكون والحياة...
وعلى هذا الأساس فإن الحديث عن الحوار مع الآخر وفي إطار حضاري يتطلب من المسلم إدراكا لمختلف دوائر الحوار فهما وسُننا ومناهجا ووسائلا وممارسة. فلكي ينجح المسلم في تحقيق حوار مثمر وفاعل وبناء مع الآخر سواء أكان فردا أو جماعة أو مجتمعا أو ثقافة أو حضارة عليه أولا أن يتحقق من مسألة الحوار في شخصيته وثقافته ومجتمعه وأفعاله هو الفردية والجماعية. فعندما يصبح الحوار ثقافة وجزءا من التربية العامة للمسلم، ويتحول إلى نمط في حياته، وقيمة حضارية في وجوده وسلوكه وتفاعلاته يكون أكثر تأهيلا لتحقيق الحوار المبدع والمتفاعل مع الآخرين من أجل تحقيق أهدافه الحضارية والاستخلافية كمكلف بواجب الاستخلاف والاعمار والانقاذ والشهود. والمسلم يكون فاعلا في الحوار الحضاري العالمي كلما كان ممتلكا لزمام الحوار مع الذات ومع الآخر سواء في مجتمعاته هو أو في مجتمعات الآخرين، وسواء أكان أقلية أو أكثيرية.
بعد أن اتضحت لنا دوائر الحوار من الذات القريبة إلى الكون الآفاقي الفسيح تنبغي الإشارة إلى أن موضوعات الحوار كذلك تتنوع وتتداخل وتتشابك بدءا من الموضوعات والقضايا البسيطة إلى أعقد القضايا التي تمس جوهر الحياة والوجود الإنساني. والحوار قد يدور حول القضايا الوجودية الكلية مثل: موضوعات الخالق والمخلوق ، والشهادة والغيب، والدنيا والآخرة، والاعتقاد والإيمان...وقد يكون في قضايا الحضارة والعمران والاجتماع، وقضايا الفن والجمال، وقضايا النظر والعمل...والحوار كذلك ينضبط بأهداف وغايات. فهناك حوار من أجل توضيح شيئ غامض، وحوار من أجل دفع حجة الخصم، وحوار لبيان الحق، وحوار لشرح تعاليم الدين، وحوار لرفع الظلم، وحوار لتعليم شيء ما، وحوار للزيادة في المعرفة، وحوار لإيجاد الحلول للمشكلات والنزعات بمختلف تنوعاتها، وحوار للتربية الاجتماعية و الأسرية أو الدعوية أو السياسية...وحوار للدعوة. فموضوعات الحوار منبسطة ومتعددة ومتجددة بدءا من المسائل الأكثر بساطة إلى القضايا الأكثر تعقيدا، وأهدافه كذلك متعددة ومتنوعة على حسب الأوضاع والرغبات والإرادات. ولدينا نماذج رائعة لحوارات الأنبياء مع أقوامهم في مختلف القضايا، وحوار النبي عليه الصلاة والسلام مع الوفود من المسلمين وغير المسلمين، وحوارات المسلمين في مختلف مراحل تطور الحضارة الإسلامية؛ حيث نجد نماذج راقية للحوار في مختلف المجالات وبين مختلف فئات المجتمع المسلم والمجتمع غير المسلم.
وبصورة عامة قد يأخذ الحوار صورة الكلام والنقاش والجدال والحجاج والرد والتساؤل، وقد يكون في صورة أعمال فنية أو أدبية أو ثقافية وقد يكون في صورة أعمال وأنشطة وخدمات تقدم للآخرين من أجل التواصل معهم أو التداول معهم في قضايا معينة. ويكون الحوار المثمر والمخلص محكوما بجملة من القيم والأخلاقيات والضوابط والشرائط والفنيات والتقنيات والطرائق والمناهج. والحوار المثمر ينبغي أن يكون مخلصا متفاعلا تحكمه قيم الاخلاص والصدق والأمانة والحكمة والحق. كما ينبغي للمتحاورين أن يتحلوا بالصفات التي تجعل الحوار مثمرا، ويمتلكوا قدرات الحوار ومهاراته العملية: مثل مهارات الاستماع والعرض والحجاج وغيرها.

ثانيا: التعارف الحضاري كإطار إسلامي لممارسة التفاعل والاتصال والحوار مع الآخر
1- الحوار الحضاري وإطار "التعارف الحضاري"
لقد أصبح واضحا أن الحوار الحضاري هو العملية التي من خلالها يتواصل الفرد ويتفاعل مع ذاته ومجتمعه ومع الآخرين من أصحاب الثقافات والحضارات والأديان المغايرة ومع الكون الآفاقي الفسيح وما فيه من آيات ومعارف وسُنن وقوانين. ولكن عندما ينظر الإنسان إلى مسألة الحوار الحضاري من منظور إسلامي فإن هذا الموضوع يتأطر ضمن إطار منهجي وقيمي عميق هو ما سمي في بداية البحث "بإطار التعارف الحضاري". والحوار الحضاري في هذا الإطار التعارفي الإنساني العالمي المؤسس على تكريم الإنسان وتقوى الله سبحانه وتعالى ما هو إلا وسيلة من الوسائل المهمة في تحقيق أهداف الإسلام ومقاصده الكبرى والتي أُشير إليها سابقا. وفي هذا الإطار كذلك يصبح الحوار عامة والحوار الحضاري خاصة محكوما بمنظومة من القيم والأخلاقيات والمقاصد التي تحاول أن تنأى به عن الاستغلالية، والإستهزاء بالآخرين، وعدم احترامهم، والتكبر، وامتهان الآخرين وتسخيرهم كوسائل لتحقيق مصالح خاصة، ونشر الفساد والظلم وسفك الدماء بغير وجه حق. وهنا يتحول الحوار إلى نفي للآخر وإلى صدام وتعدي على الآخرين، وإلى فرض لمنطق الآخرين وقيمهم وأهدافهم على الآخرين سواء اقتنعوا أم لم يقتنعوا. وفي هذه الحالة يستقوي منطق القوة، ويتضخم النزوع نحو الصراع الخلاق، والعنف المقنن بوصفه فلسفة ومنطق للتعامل مع الآخرين. وهنا يفقد الحوار قيمته الحضارية والتربوية الإنسانية ويتحول إلى مجرد أداة ووسيلة في يد من يريد استغلاله لمطامحه أو ثقافته أو نموذجه أو حزبه وغير ذلك. ولهذا نجد الإسلام يضبط مسألة الحوار مع الذات ومع الآخرين ضمن نسق تعارفي إنساني هادف.
2- حقيقة إطار التعارف وأبعاده الكبرى
إن الإطار الذي يوفره الإسلام لقضايا الحوار هو إطار "التعارف الحضاري" بكل قيمه وأخلاقياته وشروطه وضوابطه. وهذا هو الإطار الذي يضع وسيلة الحوار في سياقها الصحيح، ويٌحدد لها الهدف الصحيح، ويضع لها الشروط الصحيحة، ويبين منظومة الأخلاق والقيم التي ينبغي أن تحكمه ليكون مثمرا، ومحققا لمقاصد ومصالح الناس المشروعة. إن إطار التعارف الحضاري الذي يحدد أفق الحوار وامتدادته وغاياته ومعانيه وقيمه يتأسس أصالة على تكريم الآخرين، واحترام الآخرين، والمساواة مع الآخرين، والتفاعل مع الآخرين، وعلى الاقناع والحجة والدليل والبيان والتربية والتعليم والتبليغ والدعوة والاصلاح والإرشاد...كما أن هذا الإطار التعارفي الحضاري الإنساني مؤسس على معيار رباني عادل لا فرق فيه بين عربي وأعجمي، وبين متحضر ومتخلف، وبين قوي وضعيف إلا بالتقوى. وعندما يُؤسس التعارف الحضاري بوصفه مقصدا من مقاصد الوجود الحضاري للبشرية على "منظومة التقوى" ومفرداتها الأخلاقية والتشريعية والعملية والتربوية فإن هذا التعارف يتحول إلى إطار لنفي الخبث، ونشر الخير والإحسان والتسامح والتفاعل والتواصل الذي من خلاله يتعارف الناس ويتفاعلون من أجل تحقيق مصالحهم الدنيوية والآخروية كما أمر الحق تبارك وتعالى.
وعندما ينضبط الحوار بإطار التعارف فإنه ينزع نحو الحق والتدافع بدل الباطل والصراع. وفيما يأتي توضيح لحقيقة التعارف الحضاري بوصفه إطارا لتوجيه الحوار مع الذات ومع الآخر. بداية يتأسس مفهوم التعارف، وفلسفته على الآية القرآنية الآتية: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل للتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[الحجرات: 13]. فتأسيسا على هذا المبدأ الرباني العميق "التعارف" تتأكد لدينا أولا "قيمة الإنسان وتكريمه"، وتتأكد لدينا "قيمة التفاعل والتواصل الإنساني من أجل الحق"، و"قيمة التقوى" بوصفها مقياسا للتفاضل والتكريم" كما يؤكد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم وآدم من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونون أهون على الله من الجعلان" (رواه أبو بكر البزار في مسنده). وقوله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم" (رواه البخاري ومسلم). من هذا المنطلق فإن "التعارف" بوصفه مفهوما إسلاميا تأسيسيا للعلاقة مع الذات ومع الآخر يخص العالم كله، بشعوبه وقبائله، وأنه يدور حول قيمة "التكريم الرباني" للناس، ويُحكم بقاعدة التقوى بوصفها معيارا وميزانا ربانيا يُميز على وفقه العمل الصالح والعمل الفاسد. وهذا الشكل يبين حقيقة التعارف:

والشكل الآتي يوضح لنا الأهداف العامة للتعارف الإسلامي وكيف أن نهايته القصوى في عالم الشهادة تدور حول معرفة الله سبحانه وتعالى، وتكون تجسداته العملية الواقعية على مستوى قيام الإنسان بواجب الاستخلاف وبناء العمران والحضارة المستقيمة على الطريقة كما أمر الحق تبارك وتعالى، وكيف أن التعارف في مستوياته المختلفة يهدف إلى تحقيق الجمع والتوحيد والتآليف والتواصل والتعايش والتساكن والتدافع والتكامل والتداول بين الناس.

ولما كان مفهوم التعارف الإسلامي مفهوما إنسانيا شاملا لكل البشرية بدون استثناء، ولما كان إطارا أخلاقيا يضبط علاقات الناس وتواصلاتهم وتفاعلاتهم وحواراتهم بجملة من القيم والأخلاقيات والمبادئ، فإن هذا التعارف يعتبر قيمة أساسية من قيم عالمية الإسلام وخصائصه العامة الآخرى. فإذا كان الإسلام عالميا، وواقعيا، وميسرا، وعلميا، وإقناعيا، ومتوازنا، ومتكاملا، وإنسانيا...فإن هذه العالمية لا يمكن أن تتجسد على حقيقتها، ولا يمكن أن تمارس حق ممارستها إلا في ظل إطار التعارف الإسلامي الذي يدعو إلى التكريم والسلم والعدالة والمساواة والتسامح والحرية والعقلانية والتشارك والتساكن والتآلف. ولهذا "فعالمية الإسلام تجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم ومتجاوبتين مع ثقافات الشعوب مؤثرتين ومتأثرتين." ومحكومتين بمنظومة قيم التعارف المنضبطة والمحكومة بتوجيهات الشريعة الإسلامية ومبادئها الكبرى. ذلك لأن الإسلام "يهدف أولا وقبل كل شيء إلى الوحدة الإنسانية العامة، والزمالة العالمية الشاملة، بأن يكون الناس جميعا إخوة متوادين متحابين متساوين متكافئين حتى يستطيعوا أن يحققوا الرسالة العظمى التي خلقهم الله من أجلها."
من هذا التحليل المقتضب لمسألة التعارف بوصفه إطارا إسلاميا للتواصل والحوار والتفاعل بين الناس عموما، فأن التعارف في المنظور الإسلامي يمكن أن يُدرس من جوانب متعددة، ويمكن أن يُنظر إليه من زوايا نظر متكاملة ومتداخلة. والتعارف أولا يمكن أن ينظر إليه كرسالة وواجب ينبغي أن يقوم به المسلم إزاء نفسه ومجتمعه وأمته والآخرين الذين يعيشون معه في هذا العالم، من أجل التعريف بنفسه ودينه وحضارته والتعرف على دين وثقافة وحضارة الأمم الآخرى، ومن أجل بيان الحق وبيان منهجه في التوحيد والعبودية والسيادة والعمران والانقاذ والدعوة والاصلاح وغيرها...وثانيا يمكن النظر إليه كهدف من الأهداف السامية للخلق -للذكر والأنثى- وجعلهما شعوبا وقبائلا، إذ على الإنسان أن يسعى لتحقيق هذا الهدف من أجل تنمية مداركه ومعارفه ووعيه على ذاته وعلى الآخرين، وعلى العالم...وثالثا يمكن النظر إلى التعارف بوصفه وسيلة لإكتشاف آيات الله وسننه في الآفاق وفي الأنفس، وكذلك وسيلة أو أداة للإبتلاء من أجل التكريم والترقي في المراتب عند الله سبحانه وتعالى...ورابعا يمكن النظر إلى التعارف بوصفه معيارا وميزانا لقياس علاقات الناس وصلاتهم وتفاعلاتهم ومدى تحقيقهم لمراد الله في وجودهم واستخلافهم الأرضي...وخامسا يمكن النظر إلى التعارف كقيمة أخلاقية إنسانية عالية يتجسد من خلالها التوافق والانسجام والتساكن والتعايش بين الناس وتكريمهم، واحترامهم لقدرات وإمكانات بعضهم البعض...ويمكن النظر إلى التعارف بوصفه عملية تعلم وتربية وتغيير للذات واستفادة من خبرات الآخرين وجهودهم وإنجازاتهم...ويمكن النظر إلى التعارف بوصفه إطارا للحوار والتواصل والتفاعل والتكامل والتعلم. أعني إطارا يجمع كل العناصر الآخرى والجوانب المتداخلة والمتكاملة للتعارف.

ثالثا: الحوار بين التعارف والتدافع الحضاري الإسلامي
1- الحوار مع الآخر بين خط التعارف والتدافع وخط التناكر والصراع
لقد أصبح واضحا أن إطار التعارف الحضاري كما يرسمه الإسلام إطارا حيويا وأصيلا وإيجابيا في بناء العلاقات والصلات مع الآخرين. كما أن هذا الإطار يضبط عمليات التواصل الإنساني والتفاعل البشري بقيم وأخلاقيات ومبادئ وضوابط موضوعية عادلة لا تفرق بين البشر على أساس اللون أو الجنس أو المال أو اللغة أو الثقافة، ولكن على أساس التقوى بوصفه معيارا للتكريم وقبول الأعمال عند الله سبحانه وتعالى.
ومما سبق من التحليل يمكن القول أن الحوار بين المسلم والآخرين أو بين الآخرين والمسلم في المنظور الإسلامي يتبع نموذجين أساسيين على الأقل. نموذج الحوار التعارفي المؤسس للعلاقات والتواصلات والتفاعلات والأنشطة التي تتجسد فيها قيم التكريم ومعانيه، وتُحكم أفعاله بقيم أخلاقية منضبطة وواضحة، ونموذج الحوار التناكري المؤسس على سلطة المصلحة الخاصة والرغبة في الهيمنة والسيطرة والتي تتجسد فيه قيم الصراع والتنافر والرغبة في نفي الآخر. ويؤسس الإسلام للنوع الأول من الحوار بطريقة منهجية موضوعية نجدها في حوارات الأنبياء مع أقوامهم وفي حوارات الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه ومع الكافرين ونجدها في نموذج الحضارة الإسلامية الذي قام على التعارف، والتثاقف، والتفاعل، والإحسان للآخرين من أول يوم.
وعلى خط التعارف ومنطقه تتأسس فلسفة التواصل مع الآخر والحوار معه. وتكون الغاية الأساسية للحوار بوصفه وسيلة للتواصل والتفاعل هو "التعارف". وأعلى قيمة في "منظومة التعارف" هي "معرفة الحق" والتي منها تتحقق المعرفة بالخالق والخلق والرسالة الاستخلافية للبشر، ومن هنا تتأسس قوانين التواصل والتفاعل والتدافع وأخلاقياته وضوابطه. ومن هنا كذلك ومن الناحية الواقعية للتعارف تتم عمليات تمييز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، والزبد من النافع، والخير من الشر، والاستقامة على الطريقة من النكوص عنها. وهنا يظهر في الواقع اتجاهان واضحان هما: من يسير على خط "التعارف" ويتبنى منطق التدافع الأخلاقي المشروع، ومن يسير على خط "التناكر" ويتبنى منطق الصراع وإلغاء الأخر وأقصائه. وفي المنطق التعارفي التكريمي يكون الحوار تعارفيا تآلفيا تواصليا تشاركيا إقناعيا، وأما على الخط الثاني خط "التناكر الصراعي" فيكون الحوار مصلحيا إلغائيا قهريا مفروضا بعيدا عن الإقناع والتواصل من أجل الصالح الإنساني، وإنما يوظف من أجل تحقيق مصالح أنية فردية جزئية لصالح مشاريع أو أفراد أو حضارات أو أفكار معينة.
والمعلوم أن الإسلام جاء ليؤسس لخط التعارف التكريمي التدافعي بين الحضارات والثقافات والأمم والشعوب. والمعلوم كذلك أن الرسالة الحضارية للإسلام تدعو إلى القيم الإنسانية الكبرى التي تجمع وتوحد، وتدعو إلى كل ما فيه مصالح الناس من السلام والأمن والحرية والعدالة والمساواة والتكريم وغيرها. يقول الأستاذ التويجري: "ومفهوم التعارف في الإسلام ذو سعة يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاون والتساكن والتعايش ويمكن أيضا أن يستوعب التعارف قيم الحوار والجدل بالتي هي أحسن والاحترام المتبادل." ويضيف الأستاذ حسان حتحوت موضحا طبيعة الإسلام ورؤيته إلى الآخر وبشكل خاص في حالة الحوار مع أهل الكتاب: "ليس ثمة أبلغ وأوفى بالقصد من الآية الكريمة {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} في الدلالة على عمق مبدأ التعايش في مفهوم الإسلام، ذلك أن المسافة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة، وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعا للتعايش مع بني الإنسان كافة، ففيه من باب أولى متسع للتعايش بين المؤمنين، وإذا كان هذا التعايش لا يعني أننا متفقون في كل شيئ." وفي الشكل الآتي تلخيص لنموذجي الحوار:

ب- قيم التعارف الإسلامي ضمانة للحوار والتواصل مع الآخر
من الواضح أن الإسلام يدعو إلى الحوار الذي تحكمه قيم التعارف التي تدعو إلى التكريم والإحترام والتسامح والإقناع والتواصل والتفاعل مع الآخرين والتعاون والتعايش والسلم والإحسان والمعروف والعدالة والمساواة والاقناع والمحاججة بالبرهان والاقناع بالعقل والدليل. وهذه مجموعة من الآيات التي تدور موضوعاتها ومعانيها حول الحوار التعارفي الذي يهدف إلى التفاعل والتواصل مع الآخر في إطار الدعوة أو التفاهم أو التعاون أو التشاور أو التشارك أو التعايش أو الإحسان و الدفع بالتي هي أحسن:
- {قل يا أهل الكتاب تعالَوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبدَ إلا اللَّه ولا نشرك به شيئاً ولايتخذُ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه} [سورة آل عمران، من الآية: 64)]
- {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [سورة النحل، من الآية: 125].
- {ادفعْ بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم} [سورة فصلت، من الآية: 34].
- وقوله تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللَّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين* ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم*وما يُلقّاها إلا الذين صبروا، ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم}[سورة فصلت، الآيات: 35-33].
- {كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون *يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} [سورة الأنفال، الآيتان: 6-5].
- {ولا تُجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم* وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن لهم مسلمون،*وكذلك أنزلنا إليك الكتاب* فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحدُ بآياتنا إلا الكافرون *وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطُّه بيمينك، إذاً لارتاب المُبطلون..} [سورة العنكبوت، الآيات: 48-46].
- { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِ} [الانبياء:24].
- {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة :8].
- {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ} [النساء: من الآية: 148].
- {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

3- الحوار ومنطق التصادم والصراع الحضاري
وإذا كان من المفروض أن يُحكم الحوار في الإسلام بمنظومة التعارف ومفرداتها، وقيمها، وأخلاقياتها وضوابطها، فإنه ينبغي أن يكون واضحا تماما أن هذ الحوار يتم في واقع إنساني، ويقع في ظل تفاعلات، وتجاذبات اجتماعية وعقدية وحضارية وثقافية ضخمة داخل حركة المجتمع. وينبغي أن يكون واضحا كذلك أن هذا الواقع الإنساني الذي تنشأ فيه مجتمعات وحضارات وثقافات...كل واحدة منها تنتمي لرؤية كونية وتتبنى دينا وعقيدة معينة مختلفة تؤدي بطبيعة الوجود البشري، وبطيبعة قوانين الخلق، والفطرة، والاستخلاف إلى الاختلاف. وهذا الاختلاف قيمة من قيم الاجتماع الإنساني، وسنة من سنن الاستخلاف العامة كما تشير إلى ذلك توجيهات القرآن في مثل قوله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم: 22).
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:119).
فالاختلاف الذي هو سنة من سنن الاجتماع البشري، وقيمة إنسانية مهمة غاياتها كثيرة منها: الابتلاء وإغناء التجربة الإنسانية بالآراء والتوجهات والنزعات والميول المختلفة. وإذا ما بقي الاختلاف بين الناس في الآراء والتوجهات والأفكار في إطار ضوابطه وأخلاقياته وشروطه يكون مثمرا وبناءا ومفيدا لإغناء خبرات البشر، وتعزيز معارفهم وأفهامهم. ولكن الذي يحدث في واقع الحياة، وفي سياق الفعل الإنساني هو كثيرا ما يُحول الاختلاف المشروع إلى خلاف ونزاع ثم إلى صرعات وحروب وقتل وتدمير. وعندما تغيب البوصلة، ويغيب النور الذي يكشف طريق الحق، يصبح الصراع وديناميكياته القاتلة هي الحاكمة لحركية الحياة ومساراتها، ويبدو وكأن العالم كله يتصارع ويتقاتل، ويستخدم أدوات الصراع الرهيبة والقاتلة مثل: الأسلحة الفتاكة، والحروب، والفوضى الخلاقة، والتخويف النفسي، والقهر الصراعي...وغيرها.
والملاحظ اليوم في واقع الحياة، وفي مسيرة المجتمع الإنساني بعد أن دخل لحظة العولمة، وعصر العالمية أن منطق الصراع وآلياته -والتي تتحكم فيها القوى الكبرى - تقوم بتفكيك العالم، وإعادة تركيبه من جديد وفقا لمقولات النموذج الحضاري الغالب. وكل من لا يسير وفق هذا النموذج يعتبر معاديا ومخالفا ومتخلفا وعائقا على طريق عولمة العالم، وإدخاله في عالم النموذج الغربي الليبرالي المهيمن. إن انتشار منطق الصراع بحركيته المدمرة التي تنفي بطبيعتها منطق التكريم والإحترام، وإشارك الجميع في تسيير شؤون العالم، هو الذي يحتم على المسلم اليوم تجديد فعاليته من أجل المساهمة في إنقاذ الحضارة الإنسانية من هذه الفوضى الخلاقة. إن الإنسانية اليوم بأمس الحاجة إلى فلسفة المسلمين في التواصل والتفاعل والتعارف.
ولما كان الصراع والتصادم والهيمنة صفة أصيلة من صفات النماذج الاستعمارية في العالم منذ الإمبراطورية القديمة ومرورا بالإمبراطورية الرومانية الهيلينية الاغريقية ومثيلاتها، وتعريجا على إمبراطوريات الاستعمار المعاصر، ووصولا إلى الأشكال الجديدة للتصادم والصراع والهيمنة، فإنه من الواضح أن قسما كبيرا من الثقافة الغربية الحديثة يوظف منطق التصادم وآلياته وأدواته وسيكولوجياته، وفي صلته مع الآخر وذلك من أجل تحقيق مصالحه، وتجديد هيمنته ومركزيته واستقطابيته للآخرين. وهذا المنطق التصادمي والصراعي هو الذي ينعكس جليا في الكثير من الكتابات القديمة والحديثة، وخاصة في العشرين سنة الماضية. فكتابات مثل: صدام الحضارات، ونهاية التاريخ والإنسان الجديد، وموت الإله، ونهاية الدولة، ونهاية الحضارة، ونهاية الإنسان، والعولمة المسطحة، والفوضى الخلاقة، وأسلحة المستقبل الفتاكة، وغزو الفضاء من أجل استمرار الهيمنة، والهندسة الجينية من أجل السيطرة،...فكل هذه الكتابات وغيرها إنما تجسد صورة من صور منطق الصراع وفلسفة التصادم التي تحكم صلة الحضارة الغربية المهيمنة في تفاعلاتها، وصلاتها مع الآخر. وفق هذا المنطق وهذا الاتجاه التصادمي الصراعي يصبح الحوار نفسه مع الآخر مجرد وسيلة وأداة من أدوات الصراع والتصادم. بحيث يوظف الحوار من أجل كسب معارك معينة، وتجديد فعالية القوة المهيمنة في ساحات النزال والمواجهة. وقد وصف لنا الأستاذ النورسي بطريقة بارعة طبيعة هذا النسق الغربي الصراعي التصادمي في قوله: " إن أسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي أسس خمسة، تدور عليها رحاها. فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز والتعرض، ومن هذا تنشأ الخيانة. هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الخيانة. دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشأن الخصام: التنازع والتدافع، ومن هذا تنشأ السفالة. رابطتها الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين وشأن القومية السلبية والعنصرية: التصادم المريع، وهو المشاهد. ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك. وخامستها: هي أن خدمتها الجذابة، تشجيع الأهواء والنوازع، وتذليل العقبات أمامها، واشباع الشهوات والرغبات. وشأن الأهواء والنوازع دائما: مسخ الإنسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الإنسانية وتمسخ مسخا معنيا."

4- الحوار في إطار التعارف ومنطق التدافع والتكامل الحضاري
ولما كان اتجاه التصادم والصراع الحضاري حاضرا دوما في نظرة الإمبراطوريات والحضارات الاستعمارية، وفلسفتها وأنشطتها وأفعالها مع الآخر، فإن دين الإسلام الذي يدعو إلى التعارف الحضاري التكريمي لكل البشر يقدم لنا بديلا موضوعيا وأخلاقيا لفكرة التصادم الحضاري ومنطق الصراع الفتاك الذي لا يعير للقيم والأخلاق أية قيمة أو مكانة في عالم الصرع. إن الإسلام وبواقعيته المتوازنة والأصيلة لا يريد أن يرسم للعالم صورة عالم ملائكي لا فساد ولا اقتتال ولا نزاع فيه مثل اليوطوبيات القديمة، ولا يدعو إلى فتح العنان أمام الفساد والاقتتال والصراع والتصادم القاتل. فالإسلام يقر بطبيعة الإنسان المزدوجة التي تحمل قابليات الخير والشر معا، ويقر بضرورة الاختلاف بين الناس، ويقر بأن الإبتلاء لا يتم على وجوه الحقيقي إلا في ظل التفاعلات الإنسانية التي تعكس توجهات الناس من أكثرها خيرية وقصدية وأخلاقية إلى أسوأها شرية وصراعا وفتكا، ويقر أن من البشر من سينزع إلى سفك الدماء والفساد والظلم، وكذلك من سيتوجه إلى الخير والصلاح والإحسان. وهذا الوضع هو الذي يؤدي إلى المواجهات والاستجابات السلبية والإيجابية للناس على حسب رؤاهم الكونية وتصوراتهم الدينية وتوجهاهم الحضارية. ففي ظل هذا الوضع وهذه الطبيعة الإنسانية ولكي يضع الإسلام طاقة الناس في موقعها الصحيح، ولا يغمطها حقها في التواصل والتفاعل، ولكي يخفف من الأثار القاتلة لمنطق الصراع والتصادم والقتل وسفك الدماء يدعو الإسلام إلى فكرة "التدافع الحضاري". والإسلام يدعو إلى "التدافع الحضاري" كبديل عن منطق التصادم والصراع المهلك الذي لا يضبطه ضابط، ولا تحكمه قيم وغايات إلا البحث عن المصالح والقوة والهيمنة، وتحقيق الهدف الذاتي مهما كانت النتائح. ويمكن أن ننطلق في تحديد المقصود من التدافع الحضاري من التعريف الآتي: "التدافع كآلية سُننية لتحقيق المقاصد التربوية والاجتماعية والسياسية...العامة للإبتلاء، يعني تسابق وتزاحم وتغالب دائب بين الرغبات والإرادات، وبين الحاجات والتحديات، وبين الأفراد والجماعات، وبين الثقافات والحضارات من أجل البقاء مرة، ومن أجل تأكيد الحضور والمساهمة مرة أخرى، ومن أجل تحقيق ديمومة وأطراد الهيمنة والسيادة في نهاية المطاف، سواء تم ذلك في سياق الوعي بقانون الابتلاء والاستجابة لمقتضياته العقدية والتسخيرية والاستخلافية، أو في سياق الذهول عنه، والاستجابة للرغبات والحاجات المنبثقة من تكامل إيحاءات وإلحاحات الغرائز السافلة من جهة والتعضيد أو التعزيز الشيطاني لذلك من ناحية أخرى."
ولكي نضع مفهوم "التدافع الحضاري" الإسلامي في سياق هذا البحث ننطلق من بعض النصوص القرآنية من مثل:
• {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
• {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[البقرة:251]
• {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96].
• {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]
• {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 19].
إن هذه النصوص القرآنية تؤسس لرؤية في الصلة مع الآخر، وهذه الرؤية متساوقة ومكملة للفكرة الأولى التي تتحدث عن "التعارف". فصلة المسلم مع الآخر محكومة من جهة بإطار التعارف وغايته وأخلاقياته وشرائطه، ومن جهة ثانية تخضع لسنة التدافع. وآيات سورتي البقرة والحج تشيران بوضوح إلى الأمور الآتية:
- الدفع الإلهي: والمقصود هنا هو ضرورة إرجاع الدفع وسننه إلى الحق تبارك وتعالى، فهو الأمر والناهي بحكمته وعدله وقدرته.
- الناس: والمقصود هنا أن الدفع أو التدافع يقع في واقع البشر وفيما بينهم وعلى بعضهم بعض بوصفهم أفراد وجماعات من مختلف الأديان والأجناس والثقافات والحضارات والأمم.
- الفساد في الأرض والهدم فيها.
- أن في التدافع والدفع نصرة الله سبحانه وتعالى لمن ينصره
- أن في التدافع والدفع فضل الله على العالمين.
وأما الآيات في سورتي "المؤمنون" و"فصلت" فتشيران إلى:
- الدفع بالتي هي أحسن.
وأما الآية في سورة الرعد فتشير إلى:
- مفهوم ضرب الله الحق والباطل
- ذهاب الزبد ومكوث النافع
- ضرب الأمثال
في ضوء هذه الآيات يمكن الحديث عن رؤية إسلامية واضحة في التفاعل والتواصل مع الآخر سواء في أوقات السلم أو في أوقات الحرب. إن مفهوم "التدافع الحضاري" الإسلامي يؤسس لمنهج أخلاقي منضبط في منع وصول نزعات الناس وتفاعلاتهم إلى لحظات ومراحل الفساد والهدم الذي تضيع بموجبه مصالح الناس وتسفك الدماء، ويستشري الظلم والقتل في حياتهم. فالتدافع الحضاري الإسلامي كبديل لفلسفة التصادم الحضاري ومنطق الصراع الحضاري يبين لنا أن العلاقات والصلات مع الآخر ينبغي أن تُحكم بسنن التدافع الربانية، وإن هدف هذه السُنن هو إخراج الناس عن توجيه طاقاتهم للصراع والصدام غير المشروع والذي لا تحكمه قيم ولا أخلاق. فالدفع أو التدافع في الإسلام ينبغي أن يحكم بضابطين على الأقل، أولا: منع الفساد والهدم، وثانيا: بالإحسان وبالتي هي أحسن. فالغاية هي منع الفساد والمنهج هو بالتي هي أحسن. وفي هذين الضابطين تكمن حقيقة نظرية التدافع الحضاري في الإسلام، وتتجسد كل القيم الأخلاقية التي تحكم صلة المسلم بالآخر. فالمسلم في صلته مع الآخر في لحظات السلام والسلم عليه أن يتدافع معه من أجل منع الفساد والهدم، وبالإحسان، وكذلك في لحظات الحرب، والاقتتال، والصدام، والنزاع عليه أن يمارس التدافع المنضبط من أجل وقف الفساد والهدم ويمارسه بالتي هي أحسن. وخير دليل نقدمه في تدافع المسلمين مع الآخر في أوقات الحرب والنزاع هو أخلاقيات الحرب، وحقوق الأسير، وحرمة دماء الأبرياء وضرورة المحافظة على الأرض والعمران والشجر وغيرها في أثناء التصادم والتقاتل. فإستنادا إلى نظرية صدام الحضارات وصراعها يصبح القانون الغالب هو الإلغاء والإفناء لكل شيء من أجل النصر وقهر الطرف الآخر، ولكن بناء على نظرية التدافع الإسلامي، فإن كل حركة أو سكنة أو قرار أو موقف إزاء الآخر ينبغي أن يضبط بالشرع ويُحكم بأخلاقيات وضوابط تحافظ على حقوق الإنسان وكرامته حتى في حالات الحرب والغضب والصدام العنيف.
ولكي يتقدم البحث قليلا في التحليل يحاول هذا الشكل بيان أهم الأبعاد والعناصر الأساسية التي تدخل في تحديد نظرية التدافع الإسلامي:

من هذا التحديد لمسألة التدافع الحضاري يمكن القول أن حوار المسلم مع الآخر ينبغي أن يضبط ضمن إطار "التعارف الحضاري"، كما ينبغي له أن يحكم بسنة "التدافع الحضاري". فحينما يخوض المسلم حواره مع الآخرين عليه أن يستحضر هذا الإطار التعارفي التكريمي للناس جميعا، وعليه كذلك أن يكون واعيا على سنن التدافع وآلياته وشرائطه وأخلاقيات لكي يتجنب منطق الصراع والتصادم الذي ينفي الآخر ويعمل على قهره وإلغائه تماما. وكلما ارتقى إدراك المسلم ووعيه وتحكمه في هذا الإطار التعارفي وفي سُنن التدافع كلما أثمر حواره وانضبط بقيم الإسلام وأخلاقياته، وكلما حقق أهداف الإسلام وجسد خصائصه في الواقع الإنساني المعضل. ويصور لنا الأستاذ النورسي حقيقة نظرة الإٌسلام وشريعته والأسس التي تقوم عليها في قوله: "إن نقطة استنادها هي: الحق بدلا من القوة. والحق شأنه: العدالة والتوازن. وهدفها: الفضيلة بدلا من المنفعة، والفضيلة من شأنها: المحبة والتجاذب. وجهة الوحدة فيها والرابطة التي تربط بها المجموعات البشرية: الرابطة الدينية والوطنية والمهنية بدلا من العنصرية. وهذه شأنها: الأخوة الخالصة والسلام والوئام والذود عن البلاد عند اعتداء الأجانب. ودستورها في الحياة: التعاون بدل الصراع والجدال، والتعاون من شأنه التساند والاتحاد. وتضع الهدي بدل الهوى ليكون حاكما على الخدمات التي تقدم للبشر، وشأن الهدي: رفع الإنسانية إلى مراقي الكمالات، فهي إذ تحدد الهوى وتحد من النزعات النفسانية تطمئن الروح وتشوقها إلى المعالي."

رابعا: توجيهات على طريق تفعيل الحوار مع الآخر في ضوء إطار التعارف وسنة التدافع
إن كل هذا التحليل يقود إلى سؤال مهم هو: كيف يتمكن المسلم من تحقيق الحوار المبدع والفعال في إطار قيم التعارف وسنة التدافع؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي فهم وضع المسلم الحالي، وإدراك موقعه في خريطة العالم، وفي مسار الأحداث العالمية. فدور المسلم في الحوار الحضاري يكون بقدر فعاليته الحضارية وبقدر تأهله لممارسة دوره الحقيقي في الاستخلاف والشهود الحضاري الموكل له. فقضية الحوار وفعاليته تقتضي من المسلم إعادة بناء ذاته ككيان حضاري قوي ومستقل يستطيع التأثير في أحداث العالم ووقائعه.

1- الحوار الحضاري وقيمة الإخلاص
من المؤكد أن هناك ضرورات تفرض مسألة الحوار، والتأكيد على الحوار "المخلص" بين الحضارات بل تجعلها من أقدس الضرورات والمهام التي تُناط اليوم بالمجتمعات الإنسانية عامة والمجتمعات الإسلامية خاصة. وبعبارة أخرى "هذا هو العهد الذي ينبغي فيه على المسلمين أن يدركوا ضرورة الحوار والتبليغ الرسالي، وأن يعملوا على مكانتهم ويستقرئوا الواقع في أنفسهم وفي الجانب الآخر." ولكن هنا ينبغي أن يكون واضحا أن هذا الحوار لكي يكون مثمرا لابد أولا أن يُمارس بين المسلمين أنفسهم قبل أن يمارسوه مع غيرهم. ومن ثم ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم الحوار بين الحضارات ونحدد بالصورة الكافية مقصودنا منه، ونعين الشروط اللازمة لنجاحه. فهل نقصد بالحوار مجرد نقاش يثور بين شخصين أو مجموعتين أو ديانتين أو فلسفتين أو أكثر، أو هو مجرد اتصال والتقاء بين هذين الطرفين أو أكثر. وهل الحوار هو مجموعة جلسات بين أصحاب توجهات معينة أو تبادل لأطراف الحديث في موضوعات بسيطة أو معقدة؟

2-الحوار الحضاري كنتاج تربية وثقافة وفعل حضاري
إنه من المفترض أن ندرك الحوار الحضاري - وخاصة في ضوء إطار التعارف والتدافع- بأنه أساسا موضوع للممارسة التربوية والثقافية والحضارية والدعوية -أي- بوصفه قيمة حضارية ذات أبعاد تربوية ونفسية واجتماعية وثقافية محلية وعالمية ورسالية. "ونحن نعلم أن الذي يحمل أمانة تبليغ رسالة الخالق لا يريد من ذلك أن يحفظ أمنه ويدفع من الآخرين شرهم، بل ينظر إلى غاية سعيه الجهادي، ذلك أن فلاحه وغاية اجتهاده هو تبليغ إسلام أمرهم إلى الله. فالصلة أساسا ينبغي أن تكون المبادرة بالحوار حتى لو كان الآخر مستكبرا معتديا." ومن هنا ولكي تنفك أمامنا الإشكاليات الكبرى المتصلة بعملية الحوار الحضاري بوصفها اتجاها حضاريا، ونزوعا إنسانيا، وشاكلة ثقافية، ونمطا اجتماعيا، وإطارا سلوكيا وقيمة تربوية ينبغي لنا أولا أن نُحرر القول في مسألة التأطير المنهاجي والمعرفي للمنظومة الناظمة لعملية الحوار. وبعبارة أخرى ينبغي لنا أن نكتشف الأسس المنهاجية والمعرفية الضرورية لتنظيم عملية الحوار كمنظومة حضارية متكاملة لا تتم إلا بتوفر كل شروطها وبحدوث التركيب المنهاجي اللازم لها. وعليه ينبغي أن نعرف إننا عندما نتحدث عن مسألة حوار الحضارات في المجتمع الإسلامي لا ينبغي أن نتحدث عنها كحاجة سياسية أو أيديولوجية أو إعلامية استهلاكية عابرة المقصود منها تجاوز بعض العقبات والصعوبات والمشكلات، ولكن ينبغي أن تكون مسألة الحوار نابعة من طبيعة نمط الحياة العربي الإسلامي، وبالتالي فالحوار قضية تربوية وثقافية وحضارية تهدف إلى بناء نفسية الإنسان المحاور والأسرة المحاورة والمجتمع المحاور والثقافة المحاورة والسياسة المحاورة مع الذات ومع الآخر ومع العالم بكل توجهاته وقيمه.
ومن هنا ينبغي كذلك النظر إلى الحوار الحضاري بوصفه أداء لرسالة ولغاية إيصال رسالة وتحقيق مسؤولية حضارية مهمة للمجتمعات العربية والإسلامية وللمجتمع الإنساني في الوقت الراهن وفي المستقبل. "ذلك أن بناء مستقبل الأمة على أسس حضارية يُلزمنا تأسيس منهجية إستراتيجية فاعلة وبعيدة المدى في خلق علاقات صحيحة وصحية بين الأديان والثقافات والحضارات." والحوار الحضاري مسألة مرتبطة بالتوجه الحضاري العام للإسلام الذي يدعو من جهة إلى قيمة "التعارف الحضاري" بين الأمم والشعوب والحضارات والثقافات، ويحث على ضرورة إلتزام سنن التدافع الحضاري من جهة أخرى.
3- الأمة وضرورة التأسيس لثقافة الحوار الحضاري الرسالي مع الذات ومع الآخر
وعندما يفقد المجتمع المسلم ثقافة الحوار، ونفسية الحوار، ومنطق الحوار وتربية الحوار- كما هو الحال في كثير من الأماكن اليوم- فإنه يفقد بذلك اشعاعه الحضاري الداخلي والخارجي. ويصاب بداء الانكفاء الحضاري على الذات والانعزال عن مجرى الفعل الحضاري الحاسم، كما هو وضعه الحالي؛ بحيث يفقد في بعض الأحيان حتى الشعور بوجود دور أو رسالة له أمام تحديات الواقع العالمي، وبالتالي يسكن وينعزل ويتهاون عن واجباته الحضارية الكبرى.
ومن هنا يتطلب الأمر النظر إلى الحوار الحضاري ليس كمجرد عملية تبادل للمعلومات والأفكار والآراء، وليس مجرد نقاش وتناقل للمعاني، وليس مجرد وسيلة للتفاهم الإنساني ولمعالجة المشكلات الإنسانية، ولكن بالإضافة إلى ذلك الحوار الحضاري هو أساس للفعل الحضاري، ومرتكز لأداء رسالة إزاء الذات والآخرين معا، ومقوم للتربية الحضارية لشخصية الإنسان المتحاور. ومن هنا فبالنسبة للأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن تكون هناك رسالة حضارية باتجاه العودة إلى الريادة والسيادة الحضارية قبل أن تتحقق كل شروط الحوار في ذواتنا وواقعنا وثقافتنا ومعارفنا ونظمنا التربوية والأسرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية.
وبعبارة مبسطة إذا كان الحوار قيمة حضارية، وشاكلة ثقافية، ومرتكز اجتماعي، ونمط حياتي داخل وعي الأمة، فإن صلة الإنسان بذاته وبغيره ستكون متفاعلة وحيوية وذات ثمار حضارية. أما إذا كان الحوار مجرد عمل عرضي وإجراء مغيب عن الحياة العامة والخاصة وعن العلاقات المحلية والإقليمية والدولية والعالمية، فإن تحقيق الفاعلية الحوارية مع الذات ومع الآخرين يفقد المردودية والإنتاجية اللازمة للتفاعل الحضاري. ولهذا فنحن بحاجة إلى وعي وثقافة حوارية ونسق معرفي حواري جديد ينبني على قيم التعاون والتشارك والتبادل والاحترام والتكريم. يقول الرئيس خاتمي: "فإذا ما أريد للحوار أن يكون بداية فصل جديد ونموذج معرفي غالب في العالم لا بد لنا أن نسمو بدعوتنا من مرحلة التحمل السلبي إلى مرحلة التعاون المشترك. قليلون هم المسلمون المطلعون على القرآن الكريم الذين يسمعون كلمة التعاون ولا يتذكرون دعوة القرآن المجيد للجميع بالتعاون على الخير {تعاونوا على البر والتقوى} إن كل أفراد البشرية يجب أن يتمكنوا من حقهم أن يتعاونوا ويتعاضدوا في تحديد ملامح حركة سير العالم في بداية الألفية الثالثة للميلاد، لا يجوز تهميش أي شعب أو أي أمة أيا كانت التبريرات الفلسفية والسياسية والاقتصادية. فالآخرون لا يكفي أن نتحملهم فحسب بل يجب العمل معهم أيضا. إن هذه الدعوة وإن كانت حتى الأمس القريب، بل وحتى بداية القرن العشرين، أشبه ما تكون بشعار أصالة الإنسان، لكنها اليوم باتت أساسا ضروريا لا بد منه من أجل استمرار الحياة البشرية."
فإذا ما نظرنا إلى الحوار بهذه النظرة، فإننا نكون قد جعلنا من الحوار قضية حضارية مصيرية يتحدد بها مصير الأمة كله في حاضرها ومستقبلها، وفي صلتها مع ذاتها ومع العالم المحيط بها. والحوار كمعيار لفعالية الأمة أولا يُنشأ أمامنا حالة منهجية حساسة ودقيقة، وهي أن الحوار ينبغي أن يطرح في إطار مشروع تثقيف حضاري شامل تتحدد به قسمات وآفاق الواقع الحضاري المتوازن الذي تنشده الأمة العربية الإسلامية. ومن هذا المنطلق فإنه من الخطأ المنهجي الفادح الحديث عن الحوار كوسيلة لإحداث بعض التوازنات السياسية أو التغييرات الاقتصادية الجزئية أو الحسابات الأيديولوجية الضيقة أو معالجة بعض الأزمات الحزبية أو الديماغوجية. فالحوار ينبغي أن يطرح في سياق منظومة مفهومية متماسكة ومتكاملة تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الحضاري والتربوي والثقافي لأبناء الأمة العربية والإسلامية بالكيفية التي يتشكل بها: إنسان الحوار، وأسرة الحوار، وثقافة الحوار، ودعوة الحوار، وتربية الحوار، وحضارة الحوار، وأمة الحوار كبديل جذري لإنسان وثقافة وتربية وحضارة وأمة الانكفاء والانعزال عن مجرى الأحداث الحضارية العالمية الخطيرة.

4- ثقافة الحوار الحضاري وضرورة المراجعة النفسية والاجتماعية والثقافية الشاملة
إننا بمقدار ما ندرك قضية الحوار بوصفها قضية متجاوزة تماما لكل الشكليات والإيحاءات والاسقاطات الأيديولوجية والسياسية والثقافية والحضارية التي تهتم كثيرا بتحويل قضية الحوار إلى مجرد وسيلة تهدينية أو تسكينية تعالج بها المشكلات الجزئية، بمقدار من نستعيد القيمة التربوية والحضارية الصحيحة والفعالة للحوار. ومن هنا وفي ظل وضع الأمة الخطير لا يجوز لنا بتاتا أن نتصور الحوار بصورته السلبية، ولا يجوز لنا أن نوظفه توظيفا غير سليم بل علينا أن نعود بالحوار إلى أصوله الكبرى في الحضارة والثقافة العربية الإسلامية وإلى تطبيقاته التاريخية والحضارية النموذجية وإلى ثمراته التربوية التاريخية والحضارية والثقافية. والمطلوب هو: أن يفيق العالم الإسلامي من غفوته ويصحو من كبوته ليصحح مسار حياته العلمية فينفتح على الآخر.

5- تنمية الحوار الحضاري وضرورة الإنطلاق من واقع الإنسان وحال الأمة
وهناك قضية منهجية مهمة ينبغي الانتباه لها عند صياغة مشاريع بناء ثقافة الحوار الحضاري وهي معرفة حالة المجتمع ومرحلته التاريخية ووضعه الحضاري في اللحظة التي ينخرط فيها في الحوار مع ذاته ومع الحضارات الأخرى. والحوار الحضاري بين الحضارات والأمم قد يتم ويكون فيه المجتمع المحاور إما في وضع التخلف الحضاري أو ما قبل التحضر، وقد يكون في وضع التطور الحضاري، أو قد يكون في وضع ما بعد التحضر، أو التأزم الحضاري . فما لم ندرك موقعنا وموضعنا من دورة الحوار وما لم نحدد بدقة وضعنا النفسي والاجتماعي والثقافي في لحظة الحوار، فإننا لا نستطيع أن نصل بالحوار وعمليته المنهجية المركبة إلى ثمراتها المرجوة. يقول التويجري: "ومن الأمانة والصدق مع النفس، أن نبادر إلى القول إن الوضع العام للعالم الإسلامي، ومن الظروف، لا يعطي انطباعا بأننا أمة قوية تقف ندا لند مع الأمم، وإن كنا نتطلع ونسعى من أجل أن نكتسب هذه المكانة ونصل إلى هذه المنزلة...وإن تحفيز العوامل الذاتية وتنشيطها، أمر حيوي للدفع بإرادة العمل نحو الغايات السامية."
والمحاور الذي يكون مجتمعه مجتمعا متخلفا من الناحية الحضارية، ومختلا من الناحية الثقافية، وجامدا من الناحية العقلية الاجتهادية، وتابعا من الناحية التقنية والتكنولوجية والعلمية والصناعية، ومستهلكا من الناحية الاقتصادية يختلف تماما عن ذلك المحاور المتقدم حضاريا، والمتوازن ثقافيا، والحيوي فكريا وعقليا، والمبدع تقنيا وتكنولوجيا وعلميا وصناعيا والمنتج اقتصاديا. والمحاور الذي يسير مجتمعه في طريق النمو والتطور يختلف بطبيعة الحال عن المحاور المتطور والمتحضر والمتقدم. وهذا النوع من التحديد يقودنا إلى الحديث عن الحوار كنتاج ثقافي ونفسي واجتماعي وحضاري وعلمي. وهنا ينبغي تركيز الكلام عن: ثقافة الحوار، ونفسية الحوار، وسوسيولوجية الحوار، وحضارية الحوار، وعلمية الحوار، ومنهجية الحوار. وبهذا التحديد نتجاوز المعنى الدارج للحوار بوصفه مجرد كلام أو لقاء أو تبادل للأفكار بأي شكل كان إلى الحديث عن الحوار في جوانبه الثقافية والسيكولوجية والسوسيولوجية والمعرفية والمنهجية والأداتية.
والحوار عادة ما يكون تابعا ومتأثرا بالواقع والظروف التي يمر بها المجتمع ونوعية الثقافة السائدة، ودرجة التحضر أو التخلف، ونفسية الناس ودوافعهم للحوار، ومن هنا كان لزاما علينا أن لا نعزل مسألة الحوار عن الواقع الاجتماعي والحضاري والثقافي والنفسي القائم. فنحن كثيرا ما نصف خصومنا بأنهم لا يرغبون في الحوار، وكثيرا ما نرجع سبب غياب الحوار في الميدان السياسي والفكري والثقافي إلى المشاكل الشخصية والأغراض الذاتية أو إلى حرب المواقع والتحزبات التي تقع داخل البناء الاجتماعي في مراحل تاريخية معينة. ولكن القليل منا من يحاول أن يتجاوز هذا الطرح السطحي لمسألة خطيرة ومفصلية في البناء الحضاري المعاصر للأمة العربية الإسلامية. والأسباب الجوهرية التي تقبع وراء غياب ثقافة الحوار أو عدم فعالية الحوار أو تحريف الحوار عن مساراته أو استخدام الحوار في غير مضمونه ولغير أهدافه تعود بالدرجة الأولى إلى التشكيلات الثقافية والنفسية والاجتماعية للإنسان والمجتمع، وإلى القيم الحضارية والفكرية والعقلية السائدة في فترة تاريخية معينة وفي واقع اجتماعي معين.
ومن هنا فمسألة الحوار ينبغي أن تطرح أولا على بساط البحث الخاص بعلوم الإنسان والاجتماع والعمران الإنساني. لكي نستكشف العوامل الدفينة في النفسية العربية الإسلامية وفي النفسية الإنسانية، وفي الثقافة العربية الإسلامية وفي الثقافة الإنسانية، وفي السوسيولوجية العربية الإسلامية وفي السوسيولوجية الإنسانية، وفي العقلية والذهنية العربية الإسلامية، وفي الذهنية الإنسانية. فهذه هي العوامل الخطيرة التي ينبغي أن نقوم بتحليلها لكي نتعرف على مواطن الضعف في البناء النفسي والثقافي والاجتماعي والعقلي والحضاري الذي يعيق تخريج الإنسان والمجتمع المتحاور بنفسية منفتحة، وذهنية وقادة وعقلية منهجية. فمشكلات الحوار عادة ما ترجع في أساسها إلى: - التكوين الديني للإنسان، والتكوين النفسي، والتكوين الثقافي، والتكوين الاجتماعي، والتكوين العقلي والذهني والمنهجي للإنسان، والتكوين الحضاري العام. وبالتالي فإن أي حديث عن الحوار كعملية منهجية جماعية مركبة يقتضي منا النظر في النفسية والثقافة والسوسيولوجية والعقلية والذهنية السائدة في المجتمع، ونقوم بإجراء أي تعديل باتجاه بناء الشخصية المتحاورة والثقافة المتحاورة والاجتماع المتحاور والعقلية المتحاورة قبل أن نرغم الناس على الحوار، ونكرر الكلام، ونضيع الجهد والوقت والإمكانات في نقاشات وجدالات وحوارات تفتقر إلى أهم أسس الحوار المثمر والمنتج.

6- بناء ثقافة الحوار مشكلة مجتمع بأكمله من قاعدته إلى قمته
ومما تقدم ينبغي أن تشارك كل مؤسسات المجتمع الرسمية والشعبية، السياسية والمدنية، الإعلامية والفنية، الاجتماعية والثقافية، الأسرية والجمعوية ...كما ينبغي أن يكون للتربية والثقافة دورهما المهم جدا في بناء الإنسان الجديد الذي يستوعب قيم التعارف ويفهم قانون التدافع، وينفتح على الآخرين بوعيه، وقيمه، ونموذجه الحضاري بحثا عن إغناء التجربة الحضارية الإنسانية، وبحثا على تقديم نموذجه الحضاري الإسلامي للآخرين في أحسن صوره وبأحسن الطرق والأساليب. إن للمؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية دور كبير في تغيير واقع الفرد وخلق الإهتمامات والفرص لدى الإنسان وتوجيهه بالطريقة السلمية التي تفتح له الآفاق وترشده نحو مكامن القوة والخير في ذاته وفي محيطه الخارجي، وتعينه على التفاعل والتواصل مع الذات ومع الآخرين ليبني ذاته بصورة أصيلة وفعالة تعينه على العيش في واقع حضاري عالمي معولم أصبحت فيه الأفكار والقيم والمشكلات والهموم والأحداث ذات تأثير عالمي عام يصل إلى بقاع الأرض بسرعة وكثافة غير مسبوقة. والمطلوب هو أن تتحول مهمات تجديد الأمة، وتجديد الثقافة، وبناء عقلية الحوار، وحل مشكلات المسلمين، وعلاج مسائل العلاقات مع الآخرين مهمات مجتمع بأكمله وليس مؤسسات معينة أو أفراد معينين. علينا أن نخلق نفسية الفريق من جديد ونفسية الحوار ونفسية التعاون ونفسية التكامل.
الخاتمة
من خلال هذا التحليل المقتضب لموضوع الحوار مع الآخر بين إتجاه صدام الحضارات وقيم التعارف الحضاري يتبين لنا كيف أن الإسلام دين يدعو إلى الحوار ويُشجعه ويجعله موقفا أصيلا في دعوته ورؤيته للآخرين من أصحاب الأديان والملل، كما يجعله وسيلة مهمة للتواصل بين المسلمين أنفسهم قبل غيرهم، وكيف أن الحوار البناء والإيجابي مهم جدا في التربية الأسرية والاجتماعية للفرد المسلم. ويضيف الإسلام أبعادا مهمة جدا لقضية الحوار حين يربطه بإطار التعارف الحضاري من جهة، وحين يؤطره ضمن سنة التدافع الحضاري، فيكون المسلم بذلك مؤهلا من ناحيتين على الأقل. من ناحية تسلحه بالقيم والأخلاق والأهداف والمقاصد التي يوفرها إطار التعارف، والمنهج الإحساني التكريمي الذي ينبني عليه. ومن ناحية وعيه على سنة التدافع الحضاري التي تجعل حواره وتواصله وتفاعله مع الآخرين ضمن نطاق سنن الله فلا تحيد عنها وتتحول إلى صدام عابث وفوضى خلاقة وصراع فتاك. وفي خاتمة هذا البحث أقترح الأمور الآتية:
1) تكثيف الأنشطة الرسمية والجماهيرية التي تسعى لنشر ثقافة الحوار وتعزيز قيم التعارف في وعي المسلم وشخصيته.
2) تأسيس منتديات للتعارف بين المسلمين أنفسهم وللتعارف مع الآخرين عن طريق إرسال بعثات أو استقبال وفود، أو توفير المعلومات اللازمة لهم عن الإسلام والمسلمين.
3) إنشاء مركز بحثي عالمي يضم الخبرات والكوادر الإسلامية من مختلف البلدان يكون هدفه وضع خطط واسترتيجات لنشر ثقافة التعارف.
4) ينبغي للحكومات الإسلامية تشجيع الأعمال والأنشطة التي تدعو إلى الحوار والتعارف الذي يحقق أهداف الإسلام والأمة.
5) تعزيز دور الجامعات في التصدي نشر ثقافة الحوار والتعارف والتدافع الأخلاقي المنضبط.
6) عرض مقررات ومواد دراسية في المستويات الثانوية، والجامعية والجامعية العليا تُعنى بتأهيل الطلبة والباحثين علميا وفكريا، وتزويدهم بالقدرات الحوارية والتعارفية المطلوبة في بناء ثقافة التعارف.
7) تعزيز وتدعيم العلاقات مع المؤسسات والمراكز الدولية التي يهمها أمر الحق وأمر التعارف الحوار والتواصل المخلص.
8) تأسيس مركز معلومات عن تجارب المسلمين المختلفة في التعايش والتفاعل والحوار والتعارف مع الأديان الآخرى في سلام ووئام دون صدام وعنف. فهناك دول إسلامية كثيرة تقدم نماذج رائدة في التعايش والسلام والوئام والتفاعل مع الآخرين.

قائمة المراجع

• أبحاث مؤتمر: الدين والتدافع الحضاري، المنعقد في مالطا، 6-11 ربيع الآخر 1398، منشورات رسالة الجهاد، مالطا.
• الأسد ناصر الدين، نحن والآخر: صراع وحوار (بيروت: المؤسسة العربية لدراسات والنشر، 1997م).
• برغوث الطيب، التغيير الإسلامي: خصائصه وضوابطه (الجزائر: مكتبة، ط1، بدون تاريخ).
• برغوث الطيب، مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية: دراسة في سنن التغيير الاجتماعي (كوالالمبور: مركز التعارف الحضاري والتربية، 2002م).
• برغوث عبد العزيز، الرؤية الكونية الإسلامية والتجديد: دراسة من منظور حضاري (كوالالمبور: مركز البحوث، الجامعة الإسلامية العالمية، 2006م).
• برغوث عبد العزيز، مناهج الدعوة في المجتمع المتعدد الأديان والأجناس (كوالالمبور: مركز البحوث، الجامعة الإسلامية العالمية، 2005م).
• بشته اندراوس وخوري عادل تيودور، عالم واحد للجميع، أعمال المؤتمر المسيحي الإسلامي الدولي الثاني، 13 آيار (لبنان: المكتبة البولسية، 1997م).
• الترابي حسن، "أطروحات الحركات الإسلامية في مجال الحوار مع الغرب"، الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها (بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، 2000م، ط1).
• التويجري عبد العزيز، آفاق مستقبل الحوار بين المسلمين والغرب (المغرب: منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، 1997م).
• التويجري عبد العزيز، الإسلام والتعايش بين الأديان في أفق القرن الحادي والعشرين (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، منشورات المنظمة الإسلامية لللتربية والعلوم والثقافة، 1998م).
• الجليند محمد السيد، الأصولية والحوار مع الآخر (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1999م).
• الجليند محمد السيد، نحن والآخر: حوار أم صراع، في كتاب: الإسلام والغرب: حوار أم صراع، كتاب المؤتمر الدولي السابع للفلسفة الإسلامية (القاهرة: جامعة القاهرة، 2002م).
• حاج حمد أبو القاسم، العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة (بيروت: دار ابن حزم، ط2، 1996م).
• حتحوت حسان، رسالة إلى العقل العربي المسلم (القاهرة: دار الحياة، 1998م، ط1).
• خاتمي السيد محمد، "حوار الحضارات"، الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها (بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، 2000م، ط1).
• الرافعي مصطفى، الإسلام دين المدنية القادمة (لبنان: الشركة العالمية للكتاب، 1990م).
• الزحيلي وهبة، القرآن الكريم: بنيته التشريعية وخصائصه الحضارية (بيروت: دار الفكر المعاصر، ط1، 1993م)
• السباعي مصطفى، حواريات في التقارب الإسلامي المسيحي: قواسم مشتركة وأهداف متحدة) (دمشق: دار الوراق ودار النيربين، ط1، 2005م).
• السودي نجيب علي عبدالله، محاورات الأنبياء لأقوامهم في القرآن الكريم (صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 2004م)، ص 24 وما بعدها.
• السيوطي خالد هبد الحليم عبد الرحيم، الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بالأندلس (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001م).
• طنطاوي محمد سيد، أدب الحوار في الإسلام (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م).
• العوا محمد سليم، "حوار الحضارات: شروطه ونطاقه"، الغرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها (بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، 2000م، ط1).
• فضل الله محمد حسين، الحوار في القرآن: قواعده، أساليبه، معطياته، (بيروت: دار الملاك، 1996م، ط5).
• القرضاوي يوسف، الخصائص العامة للشريعة (القاهرة: مكتبة وهبة، ط4، 1989م).
• قطب سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: القسم الأول (ألمانيا: الإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، ط2، 1983م).
• المدرسي هادي، لئلا يكون صدام حضارات: الطريق الثالث بين الإسلام والغرب (لبنان: دار الجديد، ط1، 1996م).
• النورسي سعيد، كليات رسائل النور: الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي (إستانبول: دار سوزلر للنشر، 1992م).
• النورسي سعيد، كليات رسائل النور: المكتوبات (2)، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي (إستانبول: دار سوزلر للنشر، ط2، 1992م).
• الوقفي إبراهيم أحمد، الحوار: لغة القرآن الكريم والسنة النبوية (القاهرة: دار الفكر العربي، ط1، 1993م)، ص 7 وما بعدها.

• Norman Daniel, Islam and the West: The Making of an Image, One World (Oxford: 1993), p. 35.
• Jacques Waardenburg, Muslims and Others: Relations Context (New York: Berlin, Walter de Gruyter, 2003).

الحوار الخارجي: