الحوار في السيرة النبوية

الحوار في السيرة النبوية

 

الفصل الأول: أصول الحوار في السيرة النبوية

يقوم الحوار المنضبط الراقي على أصول عظيمة كثيرة، ويمكن إجمالها بسلامة المقاصد، والتثبت، والعلم بمادة الحوار، ولزوم العدل مع المحاور.

فهذه الأصول، وما يندرج تحتها تعد أعظم أصول الحوار ومقوماته.

وهذه الأصول الرفيعة الشأن تتجلى غاية التجلي في السيرة النبوية الشريفة.

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

المبحث الأول: سلامة المقاصد في الحوار النبوي

فمن أعظم مقومات الحوار سلامة المقاصد، وتتجلى سلامة مقاصد المحاور في إخلاص نيته، ورغبته في الوصول إلى الحق، وبعده عن الأغراض الشخصية، وإحسانه الظن بمحاوره، وبُعْدِه عن الدخول في نيته، وفرحه بظهور الحق على يد أي أحد.

وهذه المقومات ظاهرة لمن يتأمل سيرة النبي" وفيما يلي بيان لذلك بشيء من البسط:

1_ إخلاص النية في الحوار: وذلك بأن يريد المحاور في حواره وجه الله، والوصول إلى الحق دون أن يريد بحواره إظهار براعته، وإبراز مقدرته، وإفحام أقرانه، ولفت الأنظار إليه، وما إلى ذلك من قوادح الإخلاص.

وهكذا كانت سيرة النبي" فلقد كان أشد الناس إخلاصاً لربه في حواراته وشتى شؤونه؛ كيف لا يكون كذلك وهو الذي أوحى إليه ربه [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65)] (الزمر).

وأوحى إليه [بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (66)] (الزمر).

وأوحى إليه [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (البينة:5).

كيف لا يكون كذلك وهو القائل: =إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى+([1]).

كيف لا يكون كذلك وهو الذي يروي عن ربه قوله _عز وجل_: =أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملاً فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك+([2]).

قال الله _تعالى_: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] (سبأ:46).

فهذه الآية وضعت مقومات الحوار، وأصوله، وشروط الانتفاع به.

وأول أصل ذكر في هذه الآية هو الإخلاص في قوله _عز وجل_: [أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ].

أي تقوموا لله وحده؛ فيكون الباعث لكم إرادة وجه الله دون من سواه، فهذا هو الإخلاص، والتجرد في طلب الحق.

وبدونه يكون الحوار فاقداً لروحه، وأعظم أصوله، ومقوماته.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ صافيَ السريرةِ، حسنَ السيرةِ لا يبغي في حواراته إلا هدياً، ولا ينوي إلا إصلاحاً.

وكان _عليه الصلاة والسلام_ سالماً من الأغراض الشخصية، مترفعاً عن المطامع الدنيوية؛ فما كان خاملاً؛ فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته، وبلاغة منطقه، وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو شاء.

وما كان مُقِلاً حريصاً على بسطة العيش؛ فيبغي بهذه الدعوة ثراءً؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يصب في مسجده ركاماً لا يختلف عن عيشه يوم كان يلاقي في سبيل الدعوة أذىً كثيراً، وعيشَه يومَ كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايتُه البلادَ العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك.([3])

ويشهد لإخلاص النبي" في حواراته وتحلِّيه بهذا الأصل العظيم شواهد كثيرة، وسيرد ذكر شيء منها في تضاعيف هذا البحث، بل لا تبالغ إذا قلتَ: إن جميع حواراته _عليه الصلاة والسلام_ ناطقة بإخلاصه شاهدة له بذلك.

وفي هذا درس عظيم لكل من أراد الحوار، وهو أن يصحح نيته، وأن يتخلص من حظوظ نفسه، وأن يستحضر شهودَ ربه واطلاعه عليه.

وأن يدرك أن الإخلاص عليه مدار العمل؛ فعليه لزوم الإخلاص قبل الحوار، وأثناءه، وبَعْدَه، وعليه تجنبُ كلِّ ما من شأنه أن يخدش الإخلاص، ويقدح من سلامة القصد حتى لا يحبط عمله، وتضيع ثمرة جهده؛ فالحوار بدون نية حسنة مضر بصاحبه أيما ضرر([4]).

2_ البعد عن الدخول في النيات: وهذا نتيجة لسلامة المقاصد، وثمرة من ثمرات الإخلاص، ودليل من دلائل حسن النية والعمل؛ لأنه إذا حسن قصد المرء حسنت ظنونه، و:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

 
 وصدَّق ما يعتاده من توهم([5])

وإن من أعظم آفاتِ الحوارِ الدخولَ في نية المحاور، وإلصاقَ التهم به، وحملَ كلامه على أسوأ المحامل، وأخذَه بلازم قوله دون أن يلتزمه، أو أن يقول المحاور لمحاوره: أنت لم ترد بذلك وجه الله، أو أنت سيئ القصد إلى غير ذلك مما يفسد جو الحوار، ويفقده مصداقيته، ويخرجه إلى دائرة المهاترة والمسابة.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ مبرأً من كل نقيصة من ذلك، بعيداً كل البعد عن سوء الظن، كيف لا، وهو الذي أدبه ربه بقوله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ] (الحجرات:12).

كيف لا وهو القائل: =إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث+([6]).

ولأمثلة حسن ظنه بمحاوريه كثيرة جداً، وسيرد نماذج كثيرة منها.

3_ الفرح بظهور الحق على يدِ أي أحد: فذلك دليل الصدق، وأمارة الإخلاص، وسلامة النفس من الحظوظ والأغراض الشخصية؛ لذلك فإن على المحاور أن يكون غايته الوصول إلى الحق سواء جرى ذلك على لسانه، أو على لسان محاوره؛ فإذا ظهر الحق كان ذلك هو المطلوب؛ ذلك أن النفس طُلَعَة تحب الانتصار، وترغب العلو، وتنزع إلى تطلب الشهرة والمديح.

وربما رغبتْ في التشفي، وإظهار الشماتة، ونحو ذلك من المقاصد التي تنافي السلامة والإخلاص؛ فلا تريد _والحالة هذه_ أن يظهر الحق على يد مخالفها فضلاً عن أن تفرح به.

ولم تكن تلك أخلاق رسل الله _عليهم الصلاة والسلام_.

بل كانوا يفرحون بظهور الحق، ويرغبون في الإصلاح، ولم يكن لهم هدف غير ذلك.

ومن الأدلة على ذلك قوله _عز وجل_ عن شعيب _عليه السلام_: [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود:88).

والمعنى _كما يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي_: =ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم.

وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي+.([7])

ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ يفرح في حواراته أيما فرح بظهور الحق على يد أي أحد، ولو كان من أشد الناس مخالفة له.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أجلاها ما جاء في الصحيحين عن عبدالله ابن مسعود÷ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله" فقال: يا محمدُ، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك.

فضحك النبي" حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله": [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)](الزمر) ([8]).

فهذا الحوار بين النبي" وذلك الحبرِ، وإقرار النبي" كلامَ الحبرِ دليلٌ على سلامة مقاصد النبي" وإنصافه، وقبوله الحق من أي أحد؛ إذ لم يكن مجيء الحق من خصم، أو عدوٍّ مناوئ مسوغاً لأن يرده، بل قَبِله بأحسن ما يكون القبول، حيث ضحك _ عليه الصلاة والسلام_ حتى بدت نواجذه؛ فرحاً، وتصديقاً لقول الحبر، بدليل قراءة الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر([9]).

وقريب من هذا ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري÷ عن رسول الله" قال: =تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السَّفَر؛ نزلاً لأهل الجنة+.

فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة، قال: =بلى+.

قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي"، فنظر النبي" إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم، قال: =إدامهم بالامٌ([10]) ونون+.

قالوا: وما هذا، قال: =ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً+.([11])

وسيأتي مزيد لما مضى في المباحث التالية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ أخرجه البخاري (1).

[2] _ أخرجه مسلم (2985).

[3] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين ص205.

[4] _ انظر في أصول الحوار ص30، والحوار آدابه وضوابطه ص139_140، وقواعد ومنطلقات في أصول الحوار ورد الشبهات د. عبدالله الرحيلي ص38_39.صوا

[5] _ ديوان المتنبي بشرح العكبري 4/135.

[6] _ البخاري (5143 و 6066 و 6724) ومسلم (2563).

[7] _ تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ص435.

[8] _ البخاري (4811 و 7414 و 7415 و 7451 و 7513) ومسلم (2786).

[9] _ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ص1637.

[10] _ بَالامٌ: قيل في معناها أقوال مضطربة، والصحيح منها _كما قال النووي_ أنها لفظة عبرانية، معناها: ثور. انظر صحيح مسلم بشرح النووي حديث (2792).

[11] _ البخاري (6520) ومسلم (2792).

****

المبحث الثاني: التثبت في أثناء الحوار

ذلك أن من أهم مقومات الحوار الناجح أن تراعى فيه الحقائق الثابتة، والأدلة الصريحة الواضحة، وأن يقوم على أساس من الصدق واليقين لا على مجرد الظنون والأوهام.

والمحاور الصادق المخلص، السليم المقاصد يتثبت في أثناء حواره، ولا يلصق بمحاوره ما ليس فيه، ولا يتمنى خطأه، ولا يلتمس عثرته.

وإذا بدا من محاوره تَصَرُّفٌ مُشكِلٌ، أو كلام محتمل بادر بسؤاله عن قصده حتى يصل إلى اليقين في كل ما يقوله، أو يحكم به.([1])

وعلى هذا الغرار كانت تسير حوارات النبي".

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وإليك طرفاً منها.

المثال الأول: ما جاء في قصة حاطب بن أبي بلتعة÷ فقد جاء في الصحيحين عن علي بن أبي طالب÷ قال: =بعثني رسول الله" وأبا مرثد الغنوي، والزبير ابن العوام وكلنا فارس قال: =انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ؛ فإن بها امرأةً من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين+.

فأدركناها تسير على بعير لها _ حيث قال رسول الله" فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله" لَتُخْرِجِنَّ الكتاب، أو لَنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها _وهي محتجزة بكساء_ فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله"فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ فَدَعْني؛ فلأضربْ عنقه.

فقال النبي": =ما حملك على ما صنعت+؟.

قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله" أردت أن يكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي، ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله، وماله.

فقال النبي": =صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً+.

فقال عمر: إنه قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.

فقال: =أليس من أهل بدر؟+ فقال: =لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم+.

فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم([2]).

ولمسلم في روايته يقول _أي علي÷_: بعثنا رسول الله أنا والزبير والمقداد، فقال: =ائتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينةً معها كتاب، فخذوه منها+.

فانطلقنا تَعادَى بنا خيلُنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب فقلنا: لتخرجِنَّ الكتاب أو لَتُلْقِيَنَّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله" فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله" فقال رسول الله": =يا حاطب ما هذا؟!+.

قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله؛ إني كنت امْرَأً ملصقاً في قريش_ قال سفيان: كان حليفاً لهم ولم يكن من أنفسها_ وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي": =صدق+.

فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال": =إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم+.

فأنزل الله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ]+(الممتحنة:1)([3]).

فهذا حديث عظيم، يشتمل على غرر من العلم، ودرر مما نحن بصدده من أصول الحوار وآدابه، وسيمر بنا إشارات إلى شيء من ذلك غير مرة في هذا البحث.

والشاهد ههنا قوله _عليه الصلاة والسلام_: =ما حملك على ما صنعت+.

وفي الرواية الأخرى: =يا حاطب ما هذا؟+.

ففي هذا الحديث العظيم بيان لشأن التثبت؛ فالنبي" لم يعجل بالحكم على حاطب حتى استدعاه، وحاوره، وسأله، وتثبت من وقوع الحدث، وصحة الخبر؛ ففي هذه الحادثة تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، والمرحلة الثانية هي مرحلة التثبت عن الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ([4]).

وهذا غاية ما يكون من التثبت في الحوار.

المثال الثاني: ما جاء في الحديث الطويل في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه _رضي الله عنهم_ وفيه: =وصبَّح رسول الله" قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس فلما فعل ذلك، جاءه المُخَلَّفون، فجعلوا يحلفون له، ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فَيَقْبَلُ منهم رسول الله" علانيتَهم، وأيمانَهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله _تعالى_ حتى جئت، فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: =تعال+ فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه فقال لي:

=ما خَلَّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟+.

قال، قلت: يا رسول الله إني _والله_ لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيتُ جدلاً، ولكن _والله_ لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثاً كذباً لترضين عني، وليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثاً صدقاً تَجِدُ عليَّ فيه إني لأرجو عقباي من الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك.

فقال رسول الله": =أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك+.

فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله" بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسول الله" لك+ الحديث([5]).

والشاهد من ذلك قوله" لكعب÷: =ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟+.

حيث تثبت النبي" من سبب تخلف كعب÷.

ولما أخبره كعب بالصدق، وبيَّن له حقيقة الأمر _ أحسن النبي" به الظن، فصدَّقه، وقال له: =فقم حتى يقضي الله فيك+.

المثال الثالث: تثبته" من بني سلمة حين بلغه أنهم يعزمون على الانتقال من ديارهم إلى قرب المسجد.

فعن جابر بن عبدالله _رضي الله عنهما_ قال: =خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله" فقال: =إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد+.

قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك؛ فقال: =يا بني سلمة! ديارَكم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم+([6]).

المثال الرابع: ما جاء في قصة ماعز بن مالك÷ حيث جاء إلى النبي" فقال: =يا رسول الله! طهرني، فقال: =ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه+.

قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال رسول الله": =ويحك ارجع فاستغفر الله، وتب إليه+ قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبي" مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله": =فيما أُطهِّرك؟+ فقال: من الزنى، فسأل رسول الله" =أبه جنون؟+ فَأُخْبِرَ أنه ليس بمجنون، فقال: =أشَرِبَ خمراً؟+ فقام رجل فاسْتَنْكَهَهُ فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله": =أزنيت+ فقال: نعم، فأمر به، فرجم، فكان الناس فيه فرقتين، قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضلَ من توبة ماعز إنه جاء إلى النبي" فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله" وهم جلوس، فسلم، ثم جلس، فقال: =استغفروا لماعز بن مالك+ قال: فقالوا: غفر الله لماعز ابن مالك، قال: فقال رسول الله": =لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم+([7]).

والشاهد واضح من هذا الحديث، حيث تَثَبَّت _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحوار من صحة قول ماعز بأنواع من التثبت، حيث أرجعه، وأمره بالاستغفار، ثم استعلم منه عن أي شيء يُطهره، ثم سأل عن سلامة عقله من الجنون، ثم سأل هل شرب خمراً، فصار يهذي بما لا يعقل، ثم شُمَّ، فلم يُوجَدْ منه ريحُ خمرٍ، ثم سأله سؤالاً صريحاً: =أزنيت+ فلما اعترف بعد هذه الأنواع من التثبت، وبعد أن ردده النبي" مراراً _ أمر به؛ فرجم، ثم لما اختلف الناس في شأنه، أمرهم بالاستغفار له، وبين لهم صدق توبته؛ فهذا نزر يسير من أمثلة تثبته".

ومن خلالها يتبين لنا شيء من منهجه _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الأصل العظيم _ وفي ذلك درس لكل من أراد الحوار، وذلك بأن يلازم التثبت، فلا يتكلم، ولا يحكم، ولا يحاور إلا عن تثبت ويقين؛ فحقيق على المحاور أن يلزم هذا الأصل خصوصاً في المحاورات التي يترتب عليها مصالح ومفاسد، فعليه التأني والتروي، وترك التسرع؛ فذلك أقرب للسلامة، وأبعد عن الندامة.([8])

قال ابن حبان ×: =أنشدني منصور بن محمد الكريزي:

الرفقُ أيمنُ شيءٍ أنت تَتْبَعُه

 
 والخُرق أشأمُ شيء يُقْدِم الرَّجُلا

 
وذو التثبت من حَمْدِ إلى ظَفَرٍ

 
 من يركبِ الرفقَ لا يستحقبِ الزللا([9])

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر أدب الحوار د. سعد الشثري ص28_29.

[2] _ البخاري (3983) ومسلم (2494) وهذا لفظ البخاري.

[3] _ مسلم (2494).

[4] _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص347.

[5] _ رواه البخاري (2757 و 4947 و 3556 و 3889) ومسلم (2769) واللفظ له.

[6] _ رواه مسلم (665).

[7] _ رواه مسلم (1695).

[8] _ انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص154، فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن للشيخ عبدالرحمن السعدي عناية الشيخ د. عبدالرزاق العباد ص161.

[9] _ روضة العقلاء لابن حبان ص 216.

***

المبحث الثالث: العلم بمادة الحوار

فالعلم من أعظم مرتكزات الحوار، وأمضى أسلحة المحاور؛ فلا بد للمحاور أن يكون حواره عن علم وبصيرة.

ويتأكد هذا في حقِّ المحاوِرِ المعلِّمِ المرشد الداعية الذي يخاطب الجاهلين، وينبه الغافلين، ويرد على شبهات المخالفين؛ فمن كان هذا شأنه تأكد هذا الأصل في حقه، وقبح جهله بمادة حواره([1]).

قال الله _عز وجل_: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ] (الحج:8).

وقال _سبحانه_: [هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (آل عمران:66).

قال القرطبي×: =في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له+([2]).

وقال ابن كثير×: =هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به+([3]).

فالعلم _إذاً_ يحتاجه المحاور في محاورته لمن يفوقه، أو لمن هو دونه، أو لمن هو في طبقته.

ويتأكد _أكثر_ إذا كان المحاور أعلى طبقة من محاوِره الذي يأمل الإفادة من ذلك الأعلى.

والعلم اللازم للمحاور في أي شأن من الشؤون يشمل العلم بالحكم الشرعي في المسألة المختلف فيها، والعلم بشبهات المخالفين والرد عليها، والعلم بأدب الحوار، والعلم بظروف المكان والزمان والحال([4]).

ولا ريب أن النبي" هو المعلم الأول، والقدوة المثلى، وأنه كان يحاور كافة الطبقات، وينوع لهم الأساليب _كما سيأتي في فصل قادم_ فتارة يَبْتَدِر أصحابه بالحوار، وتارة يبتدرونه، وتارة يستفهمهم، وتارة يستفهمونه، وتارة يحاور المشركين، وتارة يحاور أهل الكتاب إلى غير ذلك من أساليب الحوار، وطبقات المحاورين.

وكان شأنه في ذلك كله لزومَ العلم والبصيرة، والأخذ بالحجة المستنيرة؛ فلا يتكلم إلا عن علم، ولا يجيب إلا عن علم، ولا ينكر إلا عن علم؛ فإن لم يكن لديه علم حاضر انتظر نزول الوحي، ولم يأنف من قول لا أدري.

وإذا أرسل أحداً من أصحابه لدعوة قوم، أو لأيِّ شأنٍ من الشؤون أوصاه بما يلزم من أصول الحوار، وآدابه.

وسيرته حافلة بما يؤكد تلك المعاني، وفيما يلي أمثلة لحوارات نبوية توضح ما مضى ذكره.

المثال الأول: ما جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب÷ قال: =بينما نحن جلوس عند رسول الله" ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي" فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله": =أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة، العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبث ملياً، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم+([5]).

ففي هذا الحديث العظيم حوارٌ عظيمٌ راقٍ سأل فيه جبريل _عليه السلام_ النبيَّ" أعظم الأسئلة، ألا وهي مراتب الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان؛ فأجاب عنها أتم الإجابة بعلم وبصيرة.

ولما سئل عن الساعة لم يأنف من التوقف عن الإجابة؛ فقال: =ما المسؤول عنها بأعلم من السائل+.

ولما سئل عن أماراتها أجاب بعلم ويقين.

ثم لما انطلق جبريل _عليه السلام_ لبث أصحابه ملياً، ولم يسألوا النبي" عن ذلك السائل؛ لكمال أدبهم، فابتدرهم _عليه الصلاة والسلام_ بالسؤال عنه، فأجابوا بما رباهم به _عليه الصلاة والسلام_ بقولهم: =الله ورسوله أعلم+.

فقال: =هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم+.

المثال الثاني: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة÷ قال: =كان رسول الله" يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: =أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث+ الحديث([6]).

ففي هذا الحديث جواب عن أهم المهمات، وأوجب الواجبات، وقد أجاب _عليه الصلاة والسلام_ بعلم راسخ، ويقين ثابت.

المثال الثالث: ما جاء عن ابن مسعود÷ قال: جاء رجل إلى رسول الله" فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان، فَفَعَلْتُ بها كلَّ شيءٍ غير أني لم أجامعها، قَبَّلْتُها، ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك؛ فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله" شيئاً، فذهب الرجل.

فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله" بصره، قال: =ردوه علي+ فردوه عليه، فقرأ عليه: [وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (هود:114).

فقال معاذ، وفي رواية عمر: يا رسول الله! أَلَهُ وَحْدَهُ، أم للناس كافة، فقال: بل للناس كافة+([7]).

فالنبي" سمع هذا السؤال من محاوره؛ فلم يجبه؛ لأنه لم يكن لديه جواب حاضر، فانتظر حتى نزل الوحي، فأمر بِرَدِّ ذلك الرجل، وأجابه بالآية التي نزلت في ذلك الشأن.

المثال الرابع: ما جاء عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رجلاً أتى النبي" فقال: يا رسول الله أي البلدان شر؟ قال: فقال: =لا أدري+.

فلما أتاه جبريل _عليه السلام_ قال: =يا جبريل أي البلدان شر؟+ قال: =لا أدري حتى أسأل ربي _عز وجل_+.

فانطلق جبريل _عليه السلام_ ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء، فقال: =يا محمد إنك سألتني أي البلدان شر، فقلت لا أدري، وإني سألت ربي _عز وجل_ أي البلدان شر، فقال: أسواقها+([8]).

فهذا الحديث واضح الدلالة من جهة أن النبي" لم يجب محاوره، بل قال: =لا أدري+، ولما جاءه الوحي بالجواب أجاب.

المثال الخامس: ما جاء في حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن رسول الله" لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: =إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية إلى أن يوحدوا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب+([9]).

ففي هذا الحديث دلالة على عظم شأن العلم في المحاور؛ حيث اختار لتلك المهمة أحد أكابر علماء الصحابة وهو معاذ بن جبل÷ الذي هو أعلم الأمة بالحلال والحرام([10])، وهو الذي يأتي أمام العلماء برتوة([11]) يوم القيامة ([12])، وعلَّمه _عليه الصلاة والسلام_ أدب الحوار، وأعلمه بحال المدعوين.

فهذه إشارات، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن حصرها.

ومن خلالها يتبين أن العلم من أعظم أصول الحوار، وأقوى أسلحة المحاور.

وهذه السيرة ترشد المحاور ألا يغفل جانب العلم في حواره؛ لأن من أعظم آفات الحوارِ قِلَّةَ العلم بمادته؛ فقد يحاور المرء بدون علم؛ فإن فعل ذلك عرّض نفسه للإحراج، بل ربما خذل الحق خصوصاً إذا كان الذي أمامه محاوراً بارعاً؛ فلربما أقنع السامعين بفكرة خاطئة، أو شكّكهم بفكرة صحيحة؛ فكم ضاع من حق بسبب سوء العبارة، وقلة العلم، وكم ظهر من باطل بسبب حسن العرض، وجمال المنطق.

في زخرف القول تزيينٌ لباطله

 
 والحق قد يعتريه سوءُ تعبيرِ

 

فلا ينبغي لشخص أن يدخل في حوار إلا وقد أحاط به علماً؛ فالعلم بموضوع الحوار، والعلم بتفاصيله، والتسلح بالحجج والبراهين _ سلاح ماضٍ بيد المحاور الناجح؛ إذ يُمَكِّنُهُ من الوقوف على أرض ثابتة، وليس على رمال متحركة؛ فالمستيقن من الحق الذي معه تراه مطمئن الخاطر، آمناً على مذهبه من صولة الباطل؛ فينطق عن أناة وتَخَيُّرٍ للأقوال الصائبة.

والعرب تقول في أمثالها: =قبل الرمي يراشُ السهم+ أي هَيِّىءِ الأمر، وأَعِدّه قبل حاجتك إليه.([13])

أما من لم يكن على بصيرة من رأيه فإنه ينزعج عند الحوار، ويطيش به الجدل، حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً.

والعرب تقول في أمثالها: =عند النطاح يُغْلَبُ الكبش الأجم+؛ لأنه فعل ذلك من غير عُدَّةٍ هَيَّأَها.([14])

ثم إن حق الإعراض والتخطئة، والتصدي للمحاورة لا يَتَأَتَّى لجاهل في مواجهة عالم، بل ولا يقبل منه.

ومن لايعلم لا يصح له أن يتصدى لمن يعلم، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

ولا يلزم من لديه علم أن يدخل في كل حوار؛ بل ينبغي له أن لا يدخل حواراً إلا وهو عالم به؛ إذ إن مجرد علمه _ في الأصل _ لا يكفي.

وخير ما يستعين به المحاور عند إرادته الحوار في موضوعٍ ما_أن يجمع أطراف الموضوع، ويتصور جميع احتمالاته، ووجوهه، وأن يطلع على ما كتب فيه سواء من المؤيدين أو المعارضين، وأن يكون ذا نظرٍ ثاقبٍ، وخبرة عالية بظروف المكان والزمان، وتطورات العلوم والمعارف، وطبائع النفوس ونزواتها.

وكلما كان أحسن في عرض معلوماته وإثبات أفكاره_ كانت الاستجابة له أدعى وأكبر، مع ملاحظة ألا يكون حشده للمعلومات والأدلةِ لمجرد تقوية رأيه، والانتصار على خصمه.

وإنما يكون ذلك ذريعة لمعرفة الحق، والوصول إليه. ([15])

ثم إن في سيرة النبي" في التأني في الحوار، وانتظار الوحي حتى يأتي بالخبرِ والجوابِ عن السؤال، أو النازلة _ درساً عظيماً لمن أراد أن يكون صادقاً في حواره، أميناً في معلوماته؛ فلا يتكلم ولا يجيب إلا بما يعلمه علم اليقين؛ فذلك دليل صدقه، وعنوان أمانته العلمية؛ فالأمانة العلمية زينة العلم، وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم.

وإذا قلَّبت النظر في تراجم رجال العلم رأيت بين العالم الأمين وقرينه غير الأمين بوناً شاسعاً، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد.

وترى الثاني في منزلة صاغرة، ونفوس أهل العلم منصرفة عن الأخذ منه، أو متباطئة.([16])

فالرجل الذي يكون على جانب من العلم، ولا يتصرف فيه بأمانة حصينة _ يرمقه الناس بازدراء، وتذهب ثقتهم به، فلا يكادون ينتفعون بما يمكنهم أن ينتفعوا به من معلوماته الصحيحة.

ولما كان من المحاورين من هو متصدٍّ لتعليم الناس والإجابة عن أسئلتهم _كان لزاماً عليه أن يأخذ نفسه بالأمانة العلمية؛ فإذا سئل عما يعلم أجاب بكل أمانة ووضوح.

وإذا سئل عما لا يعلم توقف عن الإجابة بأن يقول: لا أدري، أو لعلي أراجع المسألة، أو أتأكد منها، أو أسأل عنها، أو نحو ذلك.

فالمحاور قد يقع في حال يرى أن الاعتراف بالجهل يذهب بشيء من احترام مُحَاوِرِه أو من يحضر تلك المحاوَرة، فيقف بين داعيين: فضيلة الأمانة تدعوه إلى أن يقول: لا أدري، وحرصه على أن يبقى احترامُه في نفوس سائليه غير منقوص يدعوه إلى أن يستمد من غير الحقيقة جواباً.

وفي مثل هذه الحال يظهر مقدار صلة المحاور بالأمانة العلمية؛ فإن كان راسخاً فيها رسوخ الجبل تشتد به العواصف فلا تزحزحه قِيْدَ شعرة _أجاب داعيها، واستيقن أن الاحترام الحق في الوقوف عند حدودها.

وإن كانت الأمانة كلمة يقولها بفمه، ويسمعها بأذنه دون أن تتخلل مسلك الروح منه _آثر لذة الاحترام في ذلك المشهد، وأجاب بما ليس له به علم.

ثم إذا أبديت في العلم رأياً، ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق في غير ما أبديت _فلا تستوحش من الرجوع إلى الحق؛ فلك في ذلك سلف رفع الله ذكرهم، وكان مما رفعهم به وقوفُهم عند حدود الأمانة؛ فمقتضى الأمانة _والحالة هذه_ أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفاً؛ فما أنت إلا بشر، وما كان لبشر أن يبرأ نفسه من الخطأ، ويدعيَ أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً([17]).

هذا وإن في توقف الإنسان عما لا يعلم، ورجوعِه إلى الحق إذا تبين _فوائد كثيرة منها: أن هذا هو الواجب عليه، وأن ذلك يفتح له باب العلم، كما أن في ذلك رفعةً للقدر، وإرشاداً للمتعلمين، وتربيةً لهم؛ فإذا رأى المتعلمون من المحاور البارع التوقف فيما لا يعلم_ كان ذلك تعليماً، وإرشاداً لهم؛ كي يسلكوا هذه الطريقة بلا تحرج.

والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال؛ فإذا فات المحاور أن يجيب محاوره بالعلم عما سأله لم يَفُتْهُ أن يعلمه خلقاً شريفاً وهو ألا يتحدث في العلم إلا عن علم وبصيرة؛ فيسلم بذلك من الإثم، ويرفع مقامه من أن يرمى بضعف الرأي، وقلة الأمانة.

فإذا كانت الأمانة في العلم منبع حياة الأمم، وأساس عظمتها _زيادة على أنها الخصلة التي تكسب صاحبها وقاراً وجلالة _كان حقاً علينا أن نربي نشأنا من طلاب العلم على الأمانة في حواراتنا، وأن نتخذ كل وسيلة إلى أن نخرجهم أمناء فيما يروون أو يصفون، وذلك بأن نتحرى الأمانة فيما نروي، ولا نجيب سؤالهم إلا بما ندري أو بقولنا: لا ندري.

وإذا أوردنا رأياً اسْتَبَنَّا بعدُ أنه مأخوذ من غير أصل قلنا لهم في صراحة: قد أخطأنا في الفهم، أو خرجنا على ما تقتضيه أصول العلم.

ثم علينا _ بعد أن نقوم بحق الأمانة _ ملاحظةُ سير الطلاب، فإذا وقعوا فيما يدل على أنهم غافلون عن رفعة شأن الأمانة، وغزارة فوائدها _أرشدناهم إلى أن العلم بغير أمانة شر من الجهل، وأن ذكاءً لا يصاحبه صدق اللهجة نكبة في العقل.([18])

وهكذا نفيد هذا الدرس العظيم في الحوار من السيرة النبوية الشريفة.

وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في مباحث آتية.(

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص72_73.

[2] _ الجامع لأحكام القرآن 4/70.

[3] _ تفسير ابن كثير 1/372.

[4] _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص73.

[5] _ مسلم (8).

[6] _ البخاري(2528)، ومسلم(221).

[7] _ رواه أحمد (1145)، ومسلم (2763 و 4468)، والترمذي (3112).

[8] _ أخرجه أحمد (16790) والحاكم في المستدرك (303) وأبو يعلى(7403).

[9] _ رواه البخاري (1458 و 496 و 7331) ومسلم (19).

[10] _ رواه أبو نعيم في الحلية 1/328، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5879).

[11] _ الرتوة: تطلق على عدة معان؛ فتطلق على الخطوة، والدرجة، والمنزلة. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/195، ولسان العرب 14/308.

[12] _ رواه أبو نعيم في الحلية 1/229، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5880).

[13]_ الأمثال لأبي عبيد ص215.

[14]_ الأمثال لأبي عبيد ص215.

[15]_ انظر في أصول الحوار ص33_34، والدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين ص54_55، وقواعد ومنطلقات في أصول الحوار ورد الشبهات ص40_41.

[16]_ انظر رسائل الإصلاح للشيخ 1/15.

[17] _ انظر رسائل الإصلاح 1/16_17.

[18] _ انظر تذكرة السامع والمتكلم ص78_79، والفتاوى السعدية ص452_453، ورسائل الإصلاح 1/16_ 21 و 89.

***

المبحث الرابع: لزوم العدل مع المحاور

العدل قوام الحياة، والسموات والأرض ما قامت إلا بالعدل.

قال _تعالى_: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] (الأنعام: 152).

وقال: [وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)] (الرحمن).

قال ابن حزم ×: =وجدت أفضل نعم الله _تعالى_ على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره+.([1])

وقال: =وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه_ فلييأس من أن يصلح نفسه، أو يقوم طباعه أبداً، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود+.([2])

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ×: =والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية.

وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة+.([3])

هذا وإن من أعظم العدلِ العدلَ مع المحاور؛ إذ هو يدل على إخلاص، وصدق، وتجرد، ورغبة في الوصول إلى الحق.

ويتجلى العدل مع المحاور في الحذر من ظلمه، والحرص على التماس المعاذير له، وإعطائه الفرصة للمساءلة، وإبداء الحجة، والدفاع عن نفسه، بل وتلقينه الحجة إذا قَصَّر في الإبانة عنها.

ويتجلى ذلك _أيضاً_ بالتفريق بين الفعل وصاحبه، وبالمحافظة على روح الحوار، والحذر من آفاته، وما يفسد جو الإخاء بعد الحوار إلى غير ذلك مما هو داخل في قبيل العدل في الحوار ومع المحاور.

والسيرة النبوية حافلة بجميع ذلك، ناطقة بأن العدل، بل الإحسان سمة حوارات النبي" سواء مع الموافقين، أو المخالفين، أو المخطئين، أو المتأولين.

وإليك أمثلة توضح هذه المعاني.

المثال الأول: ما جاء في حديث حاطب بن أبي بلتعة÷ وقد سبق إيراده، والشاهد ههنا هو إعطاء النبي" حاطباً الفرصة، لإبداء حجته، والدفاع نفسه.

بل إن النبي" أحسن الظن به وصدَّقه، ولم ينس سابقته، وكونه من أهل بدر، ولعل الله اطلع عليهم فقال: =اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم+([4]).

وهذا غاية ما يكون في لزوم العدل مع المحاور؛ حيث قبل عذر المخطئ مع كِبَرِ جنايته، وكونها تمثل صورة من صور الخيانة العظمى، بل نوَّه به، وبشهوده بدراً.

وبذلك تَبَيَّن للناس وجهُ الخطأ، ووجهُ العذر؛ فطابت نفوس الصحابة، وخصوصاً عمر بن الخطاب÷ وهو من أشد الصحابة تغيظاً مما حصل.

ومع ذلك فقد طابت نفسه، ودمعت عيناه، وقال: =الله ورسوله أعلم+.

المثال الثاني: ما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن زيد÷ أن رسول الله" لما فتح حنيناً قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس، فقام رسول الله" فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: =يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟+ ويقولون: الله ورسوله أَمَنُّ.

فقال: =ألا تجيبوني؟+ فقالوا: الله ورسوله أَمَنُّ.

فقال: =أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا+ لأشياء عددها زعم عمرو([5]) أن لا يحفظها، فقال: =ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، الأنصار شعار، والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً _ لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا؛ حتى تلقوني على الحوض+([6]).

وفي رواية لأنس بن مالك÷ قال: =لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم، ونعمهم، ومع النبي" يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه، حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئاً، قال: فالتفت عن يمينه، فقال: =يا معشر الأنصار+ فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: ثم التفت عن يساره، فقال: =يا معشر الأنصار+ قالوا: لبيك يا رسول الله، أَبْشِرْ نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل، فقال: =أنا عبد الله ورسوله+ فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله" غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين، والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وتُعْطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك، فجمعهم في قُبة، فقال: =يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم+ فسكتوا، فقال: =يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم+؟.

قالوا: بلى يا رسول الله، رضينا، قال: فقال: =لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار شعباً؛ لأخذت شعب الأنصار+.

قال هشام: فقلت يا أبا حمزة: أنت شاهد ذاك؟ قال: وأين أغيب عنه؟+ ([7]).

ففي هذا الحديث دروس بليغة، وفوائد جليلة، وقواعد وأصول مهمة في باب الحوار يطول شرحها.

وموطن الشاهد ههنا أن الرسول"سأل الأنصار سؤالاً عاماً؛ ليجعل الحديث لجميعهم، ولينظر في المشكلة من جذورها، ثم بدأ بتقريرهم وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وذِكْرِ الفضل الكبير الذي فازوا به إذ أسلموا؛ فانتقلوا من الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التقاطع إلى التآلف، وتلك نعم يُسْتَوْجَبُ شكرَها، ويُسْتَنْكَرُ كنودُها.

قال ذلك النبي" ليتوسل إلى النفوذ إلى قلوبهم، وليشعرهم بعظم مكانتهم عنده، وعظيم فضل الله عليهم بسببه.

ولما كان من المقرر والمتوقع وغير المستغرب أن يجول في قلوب الأنصار أنهم _أيضاً_ بذلوا للدين، ونصروا الرسول" وصدَّقوه، وآووه _ وهي مزايا عظيمة، وحقائق ثابتة _ وكان نبي الله"_ وهو إمام الأوفياء، وسيد المنصفين، وصاحب الذوق المرهف، والنفس الكريمة، والذي يشعر بما قد يجول في خواطر الأنصار_ يستحضر ذلك تماماً.

لما كان الأمر كذلك لم ينتظر _عليه الصلاة والسلام_ أن يقول الأنصار ما يمكن أن يقولوه من مزاياهم، أوْ مَا قد يغيب عن أذهانهم من الحجة في تلك اللحظة، بل بادرهم _عليه الصلاة والسلام_ ولَقَّنهم الحجة فقال: =أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا+.

أي أنه أراد أن يعلمهم أنهم _أيضاً_ أصحاب فضل، وسابقة؛ فلم يغب عن باله وهو في تلك اللحظة العصيبة، وفي ذلك الخطاب العاتب الزاري _ أن يعترف لهم بسابقتهم وفضلهم، وأن ذلك على ذُكرٍ منه([8]).

وبعد هذا الحوار الراقي، والعتب اللطيف، والإنصاف العالي _ قال لهم؛ مبيناً وجه السبب لإعطاء أناس دون أناس: =فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم+.

ثم أحسن بعد ما أنصف فقال: =أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي" إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به+.

فقالوا: =يا رسول الله قد رضينا+.

فانظر من خلال هذا الحوار إلى جمال الحق، وعظمة الإنصاف المقرون بالإحسان.

المثال الثالث: ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة÷ قال: =وكلني رسول الله" بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله " قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ": =يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة+؟.

قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً؛ فرحمته؛ فخليت سبيله، قال: =أما إنه قد كذبك، وسيعود+.

فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله" إنه سيعود؛ فرصدته؛ فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله " قال: دعني؛ فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود؛ فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله": =يا أبا هريرة ما فعل أسيرك+، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً؛ فرحمته؛ فخليت سبيله، قال: =أما إنه كذبك، وسيعود+.

فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته؛ فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: [اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح؛ فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ": =ما فعل أسيرك البارحة+.

قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: =ما هي؟+.

قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: [اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ].

وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح_ وكانوا أحرص شيء على الخير _ فقال النبي": =أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟+.

قال: لا، قال: =ذاك شيطان+.([9])

فالرسول" قبل الحق مع أنه جاء من شيطان، وفَرَّق بين القول والمعلومة، وبين مَنْ قالها ونسبت إليه؛ فقد يقبل الإنسان ويرد قوله، وقد يقبل القول ولو كان صاحبه مردوداً.([10])

وفي هذا عدلٌ وإنصافٌ، وإيثارٌ للحق.

المثال الرابع: ما جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد _رضي الله عنهما_ قال: بعثنا رسول الله" في سرية فَصَبَّحْنا الحُرُقات من جهينة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولَحِقْتُ أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي؛ حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي" فقال لي: =يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+.

قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً.

قال: فقال: =أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+ قال: فما زال يكررها علي؛ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم([11]).

فهذا الحوار الحازم الذي استدعاه المقام، لم يكن سبباً في إهدار قيمة أسامة÷ بل أنصفه النبي" وعدل معه؛ حيث أنكر صنيعه، ولم يرض عن فعله، مع أنه صدر من حِبِّه وابن حِبِّه.

ومع هذا لم يكن ذلك الخطأ ذريعة للزهد بأسامة، والحذر من توليته أمراً من الأمور؛ فالنبي" إنما تبرأ من الفعل، ولكنه لم يبرأ من أسامة، ولم يُفْقِدْه ثقته بنفسه، بل بقي _ كما هو _ حِبَّه، وابن حِبِّه، وكان يُستشفع به عنده" كما في حديث المخزومية التي سرقت، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله"، ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حب رسول الله ".

فكلم رسول الله " فقال: =أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟+.

ثم قام فخطب، قال: =ياأيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها+([12]).

والأعجب من ذلك أنه" كان يستشير أسامة كما في حديث قصة الإفك، وفيه: قالت _أي عائشة رضي الله عنها_: =فدعا رسول الله" عليَّ بن أبي طالب، وأسامة ابن زيد _رضي الله عنهما_ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله.

قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله" بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله! أَهْلَك، ولا نعلم إلا خيراً+ الحديث([13]).

بل كان _عليه الصلاة والسلام_ يردفه على الراحلة، حيث كان رديفه في حجة الوداع؛ فعن أسامة بن زيد أنه كان رديف النبي" حين أفاض من عرفة؛ فلما جاء الشِّعب أناخ راحلته، ثم ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة، فتوضأ، ثم ركب، ثم أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء+([14]).

وعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن رسول الله" أفاض من عرفة، وأسامةُ رِدْفُه.([15])

بل إنه _عليه الصلاة والسلام_ أمَّر في آخر عمره أسامة على الجيش الذي كان فيه أكابر الصحابة _رضي الله عنهم_.

فقد جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عمر _رضي الله عنهما_: أن رسول الله" بعث بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد÷ فطعن الناس في إمارته فقام رسول الله" فقال: =إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده+.([16])

وهذا غاية ما يكون في الإنصاف، والعدل مع المخطئ.([17])

المثال الخامس: وهو قريب من المثال السابق، وهو ما جاء في الصحيحين عن جابر ابن عبدالله÷ قال: =كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي" ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي" العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلَّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله" فلأخبرنه، فأتى رسول الله" فقال: يا رسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله" على معاذ فقال: =يا معاذ! أفتان أنت! اقرأ بكذا، واقرأ بكذا+.

وفي رواية: =يا معاذ! أفتان أنت _ثلاثاً_ اقرأ: =والشمس وضحاها+ و=سبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما+.

وفي رواية: =فتان،فتان، فتان+ ثلاث مرار أو قال: =فاتناً، فاتناً، فاتناً+([18]).

فهذا حوار فيه شيء من الشدة والحزم الذي استدعاه المقام.

ومع ذلك لم ينس _عليه الصلاة والسلام_ سابقةَ معاذٍ، ولا فضله، ولا علمه، ولم يكن ذلك وسيلة إلى الإعراض عنه، والزهد فيه، بل إن الأمر انتهى ساعة نهاية الحوار.

وبعدها أقبل _عليه الصلاة والسلام_ على معاذ، ولم يصرم حبال الودِّ معه، ولم يدع تخصيصه ببعض العلم، كما جاء في الصحيحين عن معاذ÷ قال: =كنت ردف النبي" على حمار يقال له: عفير فقال: يا معاذ هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا+([19]).

فانظر إلى هذا العطف، وهذه المودة مع الإنكار والحزم في الحديث الأول.

بل إن خطأ معاذ في إطالة الصلاة لم يمنع النبي" من أن يرسله إلى اليمن قاضياً وحاكماً، ومفتياً كما في الصحيحين.([20])

ولم يمنعه _عليه الصلاة والسلام_ ذلك من أن يصرح لمعاذ÷ بالحب، فيقول: =يا معاذ إني والله لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك+([21]).

أين هذا العدل، وذلك التعامل الراقي من أناس لا يرعون أصول الحوار، ولا آدابه؛ فتراهم يصرمون، ويهجرون _حال حوارهم_ لأدنى سبب، وأقل هفوة؛ إذ كثيراً ما تفسد ذات البين بين المتحاورين؛ حتى إن ذلك لَيَحْدُث بين الزملاء، والأصحاب.

فهذه نبذة عن عدل النبي" وإنصافه في الحوار، وإن سيرته لحافلة بالكثير من ذلك.

وتلك النبذة ترشد إلى ما ينبغي تجنبه من آفات الحوار، والتي يأتي على رأسها قلة الإنصاف؛ فقلة الإنصاف خصلة قبيحة، تنساق بصاحبها إلى دركات سحيقة، فتقوده إلى الظلم، والكبر، والتزيد، والاعتساف، وتَنْجَرُّ به إلى الصرم، والهجر، والقطيعة، قال الحكيم العربي:

ولم تزل قلةُ الإنصافِ قاطعةً

 
 بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

 

ثم إن قلة الإنصاف تسقط الاحترام من العيون والقلوب، وتحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً وفضلاً، كما أنها تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، كما أنها تُحدث فيه فساداً عريضاً.

فإذا لم ينصفك محاورُك، فَرَدَّ عليك الحقَّ بالشمال وباليمين، أو جحد جانباً من فضلك، أو تعامى عما معك من الحق وهو يراه رأيَ العين_فلا تُسايرْهُ في ذلك، ولا تكن قلة إنصافِه ِحاملةً لك على أن تقابله بالعناد، فتردَّ عليه حقَّاً، أو تجحد له فضلاً؛ فاحترس من أن تسري لك من محاورك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك، وأنت تحسبه من قبيل محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.

كلا، لا يحارب الرجل خصومه بمثل اعتصامه بالفضيلة، ولاسيما فضيلة كفضيلة الإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، وأفق واسع، ونظر في العواقب بعيد.([22])

ثم إن في سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في قبول الحق من أي أحد ولو كان خصماً _كما في قصة الحبر التي مضى ذكرها_ إرشاداً، وتعليماً، ودرساً لكل محاور يأمل في نجاح حواره، وتبليغ حجته، وهو أن يلزم الإنصاف، ويقبل الحق من كل أحد؛ لأن من أعظم آفات الحوار التي تنافي الإنصاف فيه ردَّ الحق؛ فمن المحاورين من يأنف من الرجوع إلى الحق بعدما يتبين له وجه الحقيقة الأبلج؛ إما خوفاً من سقوط منزلته، وإما لحسدٍ تنطوي عليه دخيلة نفسه، أو حذراً من تفوق الخصم، وحرصاً على الانفراد بخصال الحمد، أو متابعة للأصحاب، ومسايرة لمن هم على الشاكلة، أو لإرادة الإضلال، ومحاولة قتل الحق وطمس معالمه، أو غير ذلك من أسباب رد الحق، و الإصرار على الباطل.

وهذه الآفة نوع من العناد =والعناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجة أظهر كان العناد أقبح.

والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تَتَحَيَّزَ لرأيك، وتهيِّئ كثيراً من الأذهان لقبوله+.([23])

كذلك قد تقول قولاً تراه صواباً، وقد تعمل عملاً تحسبه حسناً، فينقده آخرُ بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأً، أو عملت سيئاً.

ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة بالعمل.

فإن كنت على ذُكْر في فضيلة الرجوع للحق، وعلى بَيِّنَةٍ من قبح الإصرار على الباطل_لم تلبث أن تكظم الكراهة، ولم تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني أخطأت في قولي، وأسأت في عملي؛ فالأكابر الذين تأدبوا بأدب الإسلام، واقتدوا بسيرة خير الأنام لا يأنفون من الاعتراف بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتَلبَّثُون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم وعلت أقدارهم.

والراسخون في الفضيلة لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده، أو بمحضر جمع كبير.([24])

=وقد ينقل التاريخ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة؛ فتهتز في نفوس قرائها عاطفةُ احترامٍ لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد.

وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب.

وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.

وسبب هذا الإكبار عظمةُ الإنصاف، وعزةُ مَنْ يأخذُ نفسه بها في كل حال+.([25])

ولو أخذت هذه الخصلة حظها من النفوس لعمّ الائتلاف، ولقلّ الاختلاف.

عن الربيع بن سليمان قال: =سمعت الشافعي يقول: ما أورَدْتُ الحقَّ والحجة على أحد فقبلهما مني إلا هِبْتُه، واعتقدت مَوَدّتَهُ، ولا كابرني على الحق أحد، ودافع الحجة إلا سقط من عيني+.([26])

=ونقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبدالسلام أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربع عشرة مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقر بالخطأ فيها جميعاً+.([27])

=ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يظهر عليه أحدهم في بحث، أو محاورة.

يذكرون أن العلامة أبا عبدالله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.

ويروى أن أبا عبدالله _هذا_ كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبدالله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:

أعلمه الرماية كلّ يومٍ

 
 فلما اشتد ساعدُه رماني+([28])

 

 
 

وهكذا يتبين لنا جمال العدل، وروعة الإنصاف، وكونه أصلاً من أصول الحوار، وكون السيرة النبوية حافلة به في كافة صوره.

وهذا المنهج النبوي الراشد في الحوار القائم على العدل _ من أعظم ما يحفظ على الناس أقدارهم، ويحمي جامعتهم، ويعطي المخطئ الفرصة الكافية لمعالجة خطئه؛ فيفيد من ذلك الخطأ، ويزداد حنكة وتجربة؛ فيكون بذلك عضواً نافعاً بدلاً من كونه عضواً أشلَّ.

ولو كانت حواراته _عليه الصلاة والسلام_ تتسم بالحِدِّية والإسقاط لما كان الصحابة على ذلك القدر من الجلالة، والعظمة، والحكمة، وحسن السياسة.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]_ الأخلاق والسير لابن حزم ص37.

[2]_ الأخلاق والسير ص37.

[3]_ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للطاهر بن عاشور ص186.

[4] _ للعلماء في المراد بالمغفرة في هذا الحديث أقوال، ومن أحسن من تكلم في توجيه ذلك العلامةُ ابن القيم× قال بعد أن ذكر بعض الأوجه التي قيلت في المراد بذلك: =فالذي نظن في ذلك _والله أعلم_ أن هذا خطاب لقوم قد علم الله _سبحانه_ أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم الله _سبحانه_ مصرِّين عليها، بل يوفِّقهم لتوبة نصوح، واستغفار، وحسنات تمحو أثر ذلك.                                                           =

=   ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وأنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقاً بالمغفرة؛ فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا زكاة، ولا جهاد، وهذا محال.                                                          

ومِنْ أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب؛ فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: =أذنب عبدٌ ذنباً فقال: أي رب، أذنبت ذنباً فاغفره لي، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب أصبت ذنباً فاغفر لي، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنباً آخر فقال: رب أصبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله: علمَ عبدي أنَّ له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء+ رواه البخاري (7507)، ومسلم (2758).

فليس في هذا إطلاق وإذن منه _ سبحانه _ له في المحرمات والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب.

واختصاصُ هذا العبد بهذا؛ لأنه قد علم أنه لا يصرُّ على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب _ حكمٌ يعمّ كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لأهل بدر.

وكذلك كل من بَشَّرَه رسول الله " بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يَفْهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشد اجتهاداً وحذراً وخوفاً بعد البشارة منهم قبلها، كالعشرة المشهود لهم بالجنة.

وقد كان الصدِّيق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر؛ فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيَّدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيَّدة بانتفاء موانعها، ولم يَفْهَم أحدٌ منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاؤوا من الأعمال+. الفوائد ص34_36.

[5] _ هو عمرو بن يحيى بن عُمارة أحد رجال السند.

[6] _ البخاري (4330 و 7245) ومسلم (1061).

[7] _ البخاري (4331) ومسلم (1059).

[8] _ انظر في أصول الحوار ص16_18.

[9] _ البخاري (2311).

[10] _ انظر الحوار ليحيى زمزمي ص150_151.

[11] _ البخاري (4269 و 6873) ومسلم (96).

[12] _ البخاري (6788) ومسلم (2648).

[13] _ رواه البخاري (4750).

[14] _ رواه مسلم (1280).

[15] _ رواه مسلم (1286).

[16] _ البخاري (4469) ومسلم (2426).

[17] _ مواقف الرسول" مع أسامة ÷ تحتاج إلى تأمل، ودراسة، واستلهام للعبر؛ فهي جديرة بذلك، ولعل الله ييسر هذا الأمر.

[18] _ البخاري (701 و 507 و710 و6106) ومسلم (465).

[19] _ البخاري (2856 و 7373) ومسلم (30).

[20] _ انظر البخاري (1458 و 1496 و 2448) ومسلم (19).

[21]_ رواه أحمد 5/244 و 245 و 274، وأبو داود (1522) والنسائي (1301) والحاكم 1/273 وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة (751).

[22] _ انظر رسائل الإصلاح 1/38_47.

[23]_ رسائل الإصلاح1/46.

[24]_ انظر رسائل الإصلاح1/42_45.

[25]_ رسائل الإصلاح1/46.

[26]_ صفة الصفوة2/167.

[27]_ رسائل الإصلاح1/42.

[28]_ رسائل الإصلاح1/44.

***

الفصل الثاني: آداب الحوار في السيرة النبوية

للحوار الناجح الراقي آداب لا بد منها، وللمحاور البارع المؤثر آداب يحسن أن يتحلى بها.

وتلك الآداب تكاد ترجع إلى إقبال المحاور على صاحبه، ورفعه من شأنه، وإحسانه إليه، وحذره مما ينافي ذلك.

فهذه الآداب المجملة، وما يندرج تحتها تمثل آداب الحوار، وما ينبغي أن يكون عليه المحاور.

ولقد كان النبي" يأخذ بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات.

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

 

المبحث الأول: إقباله " على محاوريه

 

الإقبال على المحاور من أعظم آداب الحوار وأهمها، ويتمثل ذلك بأمور كثيرة، يأتي على رأسها: التواضع للمحاور، وحسن الاستماع له، والإصغاء إليه، وترك مقاطعته، والتشاغل عنه.

وهذه الآداب من جملة ما كان يأخذ به النبي" في حواراته.

وفيما يلي بيان لتلك الآداب بشيء من البسط.

أولاً: تواضعه " لمحاوريه: فالتواضع للمحاور من أعظم آداب المحاور وأسباب نجاحه، والتعالي على المحاور، والاستخفاف به من أشد آفات الحوار وأسباب إخفاقه؛ فمن الناس من إذا حاور غيره تعالى عليه، وأزرى به، وربما أشعره _ولو من طرف خفي_ أنه أعلى منه رتبة، وأرفع مقاماً.

والتعالي على الآخرين دليل السفه، وآية نقص العقل، وإلا فالكريم العاقل يرفع من شأن الآخرين، ولا يترفع أو يتعالى عليهم.

قال ابن المقفع: =تَحَفَّظْ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفساً عن كثيرٍ ممما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مداراةً؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم+.([1])

وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×: =واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات، وازدرائه، والاستهزاء به قولاً، أو فعلاً، أو إشارةً أو تصريحاً، أو تعريضاً؛ فإن فيه ثلاثةَ محاذير:

أحدها: التحريم، والإثم على فاعل ذلك.

الثاني: دلالته على حمق صاحبه، وسفاهة عقله، وجهله.

الثالث: أنه باب من أبواب إثارة الشر، والضرر على نفسه+.([2])

ولقد كان النبي" متجافياً عن هذا الخلق الذميم، بل كان إمام الخاشعين المتواضعين للحق وللخلق.

وجميع حواراته شاهدة بالتواضع، وترك الترفع.

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها ما يلي:

1_ ما جاء في صحيح البخاري عن أنس ابن مالك÷ قال: =إن كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لَتَأْخُذُ بيد رسول الله" فتنطلق به حيث شاءت+.([3])

فهذا الفعل من نبي الأمة وإمامها غاية في التواضع وخفض الجناح.([4])

ولك أن تتصور ما يدور في ذلك الحوار؛ إذ إن اهتمامات تلك الأَمَةِ لا يمكن أن ترتقي بحال إلى أن تتجاوز كلمة قيلت في حقها، أو سؤالاً ربما أقلقها وهو لا يحتل كبير شأن.

ومع ذلك يتواضع لها هذا النبي الأكرم _عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم_.

يقول ابن حجر× في تعليقه على الحديث: =وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع؛ لِذِكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة.

وحيث عَمَّم بلفظ =الإماء+ أي أمة كانت، وبقوله: =حيث شاءت+ أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف، ولو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست في مساعدتها في تلك الحاجة المساعد على ذلك.

وهذا دال على مزيد تواضعه، وبراءته من جميع أنواع الكبر+.([5])

2_ ما أخرجه مسلم عن أنس÷ أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجةً، فقال: =يا أم فلان انظري إلى أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك+ فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها+.([6])

ولسائل أن يقول: ماذا تريد تلك المرأة؟.

وما مدى اهتماماتها؟ وهل عند النبي" فراغ حتى يصرفه في محادثة تلك المرأة التي في عقلها شيء؟

هذه أسئلة قد تدور في ذهن من لا يدرك تلك النفس الواسعة، وذلك القلب الكبير الذي وسع الناس بحلمه وكرمه، فكان لصغار الأمور وكبارها.

وفي ذلك درس لمن يأنف من محادثة تلك الطائفة من الناس من ذوي المدارك الصغيرة؛ فيفوته بذلك بركةُ التأسي، ويُحرَمُ الرحمةَ والنصر اللذين يُسْتَجلبان بسبب أولئك الضعفاء.

3_ ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي رفاعة قال: انتهيت إلى النبي" وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه.

قال: فأقبل علي رسول الله" وترك خطبته حتى انتهى إلي، فَأُتِيَ بكرسي حَسِبْتُ قوائمَهُ حديداً.

قال: فقعد عليه رسول الله" وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى إلى خطبته، فأتم آخرها+.([7])

فانظر إلى هذا الإقبال، وذاك التواضع؛ حيث ترك خطبته، وجعل يجيب ذلك السائل مع أنه غريب؛ فأي تواضع أعظم من ذلك؟!

قال النووي × معلقاً على ذلك: =فيه استحباب تلطف السائل في عبارته، وفيه تواضع النبي" ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم+.([8])

فهذا حاله _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ وتلك شمائله وأخلاقه؛ فأجدر بأتباعه أن يجعلوا هذا الأدب مَعْلَماً لهم في حياتهم، وسمة بارزة في حواراتهم؛ ليفتحوا بذلك قلوبَ محاوريهم، وليصلوا إلى مقصودهم في هداية الناس وإرشادهم؛ إذ المحاور الذي يأمل هداية الخلق أجدرُ الناس بالبعد عن الكبر بشتى صوره؛ فإن الكبر من أعظم ما يصد عن الحق؛ فالطرف الآخر إذا رأى من محاوره ازدراءً أو تعالياً بالقول أو الفعل _ نفر منه، وكره ما عنده من الحق؛ لأن النفوس جبلت على محبة المتواضعين، وكراهية المتكبرين.([9])

وسيأتي مزيد بيان لذلك في مباحث آتية.

ثانياً: إصغاؤه" وحسن استماعه لمحاوريه: فالإصغاء للمتحدث، وحسن الاستماع للمحاور من أعظم آداب الحوار، ومن أكثر ما يَتَحَدَّثُ عنه مَنْ يتكلم في الحوار أو يُؤَلِّف فيه؛ فلا تكاد تجد مُؤلفاً في الحوار أو أدب الحديث إلا ويذكر في مقدمة آدابِه الإصغاءَ، وحسنَ الاستماع سواء كان ذلك من المتقدمين أو المتأخرين، ولا تكاد تجد من يتحدث عن آفات الحوار، أو المحادثة إلا وتجد ذَمَّ مَنْ لا يصغي لمحاوره أو محدثه، إما بمقاطعته، أو منازعته الحديث، أو بالتشاغل عنه، أو متابعة متحدث آخر، أو إجالة النظر يمنة ويسرة إلى غير ذلك مما ينافي أدب الحديث والحوار.

ولهذا تتابعت الوصايا في الحث على أن يحسن الإنسانُ الأدبَ مع محاوره، ومن يَتَقَصَّدُه بالحديث؛ فمن أدب المروءة حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه.([10])

بل إن المتحدث البارع هو المستمع البارع، وبراعة الاستماع تكون بالأذن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه.([11])

قال ابن عباس _رضي الله عنهما_: =لجليسي عليَّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له في المجلس إذا جلس، وأن أصغي إليه إذا تحدث+.([12])

وقال عمرو بن العاص ÷: =ثلاثة لا أَمَلُّهم: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجلي+.([13])

وقال سعيد بن العاص: =لجليسي عليَّ ثلاث: إذا أقبل وسَّعْتُ له، وإذا جلس أقبلت إليه، وإذا حَدَّثَ سمعتُ منه+.([14])

وقال الحسن: =إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتَعَلَّمْ حسن الاستماع كما تَعَلَّمُ حسن القول، ولاتقطع على أحد حديثه+.([15])

وقال أبو عباد: =للمحدِّث على جليسه السامع لحديثه أن يجمع له باله، ويصغي إلى حديثه، ويكتم عليه سره، ويبسط له عذره+.([16])

=وذكر رَجلٌ عبدَالملك بن مروان فقال: إنه آخذ بأربع، تارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حَدَّث، وبأحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأحسن البشر إذا لُقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف.

وكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون([17])+.([18])

=وذكر الشعبيُّ قوماً، فقال: مارأيت مثلهم أشدَّ تناوباً في مجلس، ولا أحسن فهماً من محدث+.([19])

ولقد كان النبي" أحسن الناس إصغاءً وحسنَ استماعٍ لمحاوريه؛ ولا تجد في محاوراته شيئاً مما ينافي ذلك الأدب.

بل لقد وصفه ربه _جل وعلا_ بأحسن وصف من هذه الناحية؛ فقال _عز وجل_ عن نبيه حين أراه ما أراه عندما عُرج به إلى السماء، وكلمه ربه: [مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى] (النجم:17).

قال ابن القيم×: =إن هذا وصفٌ لأدبه" في ذلك المقام؛ إذ لم يلتفت جانباً، ولا تجاوز ما رآه، وهذا من كمالِ الأدب.

والإخلالُ به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور؛ فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة؛ فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة، ولا يتجاوزه.

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_+.([20])

إلى أن قال ابن القيم×: =وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الأدب اللائقة بأكمل البشر".

تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا، وتصادقا فيما شاهده بصره؛ فالبصيرة مواطئة له، وما شاهَدَتْهُ بصيرتُه فهو _ أيضاً _ حق مشهودٌ بالبصر؛ فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.

ولهذا قال _ سبحانه وتعالى _: [مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)]النجم.

أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره+.

إلى أن قال: =وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عالٍ رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفَوْقَه؛ ألا ترى أن موسى" لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية؟

ونبينا " لما أقيم في ذلك المقام وفّاه حقه؛ لم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير مايقيم فيه البتة+.([21])

فهذا حاله _عليه الصلاة والسلام_ مع ربه لما عرج به إلى السماء، وهذا وصف ربه _جل وعلا_ له.

وأما أدبه مع الناس في حال محاورتهم _ فكان السماءَ التي لا تطاولها سماء؛ من جهة كمال الأدب، وحسن الإنصات، والإصغاء.

والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد مضى شيء منها، وسيأتي مزيد لها في الفقرة التالية وغيرها من فصول هذا البحث.

ثالثاً: إعطاؤه" محاورَه الفرصة الكافية: وهذا أدبٌ راقٍ، وعامل من أعظم عوامل نجاح الحوار.

وإن التفريط به لآفةٌ من آفات الحوار؛ فمن الناس من إذا سمع متحدثاً يتحدث في مجلس، وبدر من ذلك المتحدثِ خطأٌ يسيرٌ أو نحو ذلك_سفَّهه، وبكَّته، واستخف بحديثه دون أن يسمع بقية كلامه، أو يعطيه فرصة لإبداء وجهته.

ومن هذا القبيل ما يوجد عند بعض الناس؛ فما إن يتكلم أحد في مجلس إلا وتبدأ بينهم النظرات المريبة، التي تحمل استخفافاً وسخرية بالمتحدث.

وهذا الصنيع لا يحسن أبداً، وليس من صفات عظماء الرجال وأكابرهم؛ فهم يُجلّون من يحاورهم ويحدثهم، ولا يرضون بإهانته في حضرتهم طالما أنه لم يَحِدْ عن الرشد، حتى ولو أخطأ؛ فإنهم يتغاضون عن خطئه، ويتعامون عن زَلَّتِه.

وإذا ما كان الخطأ كبيراً فإنهم يبينون الخطأ، ويرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة، وألطف إشارة.

ومن مظاهر قلة إعطاء الفرصة الكافية للمحاور ما تجده من بعض الناس؛ فتراه إذا تحدث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل _ بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، أو لإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، أو ليبين أنه يعلم ذلك من قبل([22]).

وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي الإنصاتَ للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل، وإلى هذا المعنى الجميل يشير أبوتمام بقوله:

من لي بإنسان إذا أغضبته

 
 وجهلت كان الحلمُ ردَّ جوابِه

 

 
 
وتراه يصغي للحديث بسمعه

 
 وبقلبه ولعله أدرى به([23])

 

 
 

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصةِ القيامُ من المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه_فهنا ينتفي المحذور.

قال أبو مجلز: =إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه+.([24])

وقال أسماء بن خارجة: =ما جلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني+.([25])

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصة المبادرة إلى تكذيب المحاور؛ فمن الناس من إذا طَرَقَ سَمْعَهُ من محاوره كلامٌ غريبٌ من متحدِّث ما _ بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، أو أن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب.

فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة.

فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته.

ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود الكذب مرةً أخرى.

فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه_فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يرتدع من تلك الخصلة الذميمة.

فهذه بعض المظاهر لعدم إعطاء المحاورِ الفرصةَ الكافية، مما يجعل أكثر الحوارات لا تجدي نفعاً، ولا تعود بعائدة.

أما حوارات النبي" فكانت أعظم مثال لذلك الأدب، وهو حسن الإنصات، وإعطاء المحاور الفرصة الكافية.

وإليك هذا المثال من السيرة النبوية الشريفة، وهو مثال عظيم يشتمل على دروس كثيرة في أدب الحوار؛ فقد حكى محمد بن كعب القرظي قائلاً: حدثت أن عتبة ابن ربيعة _وكان سيداً_ قال يوماً وهو جالس في نادي قريشٍ ورسولُ الله" جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا _وذلك حين أسلم حمزة÷ ورأوا أصحاب رسول الله" يزيدون، ويكثرون_.

فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة؛ حتى جلس إلى رسول الله" فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السطة([26]) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتَهم، ودينَهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله": =قل يا أبا الوليد أسمع+.

قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا؛ حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به مُلْكاً مَلَّكْناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً([27]) تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيه أموالنا؛ حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع([28]) على الرجل، حتى يُداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله" يستمع منه، قال: =أفرغت يا أبا الوليد؟+ قال: نعم، قال: =فاستمع مني+ قال: أَفْعَلُ، قال: =بسم الله الرحمن الرحيم [حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)] (فصلت) ثم مضى رسول الله" فيها، وهو يقرؤها عليه.

فلما سمع عتبةُ أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله" إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: =قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك+.

فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد، قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني، واجعلوها لي خَلَّوا بين الرجل وبين ما هو فيه؛ فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ؛ فإن تُصِبْهُ العربُ فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهرْ على العرب فَملْكُه ملككُم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك _والله_ يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم([29]).

ففي هذه القصة دروس عظيمة، وأصول نافعة، وآداب جليلة في باب الحوار، ولو استرسل الحديث في شأنها لطال المقام.

والذي يعنينا في هذا الصدد، أن الرسول الكريم" أحسن الاستماع لعتبة، وقال له: =قل يا أبا الوليد أسمع+.

وظل عتبة بن ربيعة يتكلم بلغة المتعالي بهذا الكلام المتهافت الذي يثير الغضب، والذي حَشْوُه التهم الباطلة، والاحتمالات السخيفة التي لو وجهت لأحد من الناس لثارت ثوائره _وحق له_ ولم يسمح لمن واجهه بها أن يكمل حديثه.

ومع ذلك ظل النبي" منصتاً طيلة الحديث، ويسمع بغاية الاهتمام دون مقاطعة، أو إسكات لعتبة، أو احتقار أو تكذيب له، أو قيام عنه.

ولم يكتف _عليه الصلاة والسلام_ بذلك، وإنما قال له بعد أن فرغ عتبة من حديثه: =أو قد فرغت يا أبا الوليد؟+ قال: نعم.

وهنا تلحظ الأدب النبوي العظيم؛ فلم يبدأ _عليه الصلاة والسلام_ حديثه بمجرد سكوت عتبة، وإنما سأله حتى يطمئن إلى أنه قد أفرغ ما في جَعْبته، وأنه قد أخذ فرصته كاملة؛ فلربما يكون قد نسي شيئاً، أو غفل عنه.

فلما استيقن _عليه الصلاة والسلام_ من فراغه مما لديه _ بدأ التلاوة.

وهذا قمة الأدب، وغاية الذوق؛ حيث هيأ الطرف الآخر للاستماع.

ثم لما انتهى سجد، وقال لعتبة: =قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك+.

أي أنت وما تختاره؛ فلم يَفْرض عليه أمراً معيناً، وإنما وكله إلى عقله.

فماذا كان من عتبة لما قوبل بهذا الأدب الجميل، وسمع النبي" يُكَنِّيه في أول الحوار وآخره بهذا الخطاب الراقي =يا أبا الوليد+؟

ولا شك أن مناداة الإنسان بكنيته معنى محبب للنفس؛ لما فيه من التقرب، والتآلف، والإشعار بالرضا؛ فماذا كان من عتبة؟

لقد أثرت فيه تلك المعاملة، وتسلل ذلك الخطاب العالي إلى سويداء قلبه؛ فرجع إلى قومه متثاقل الخطى، متأثراً بما سمع؛ فقرأ أصحابه التَغَيُّر في قسمات وجهه؛ فجاء إليهم، وقال لهم ما قال، وصار يدعوهم إلى الحياد في شأنه؛ فإن ظهر وعز فذلك له ولقومه، وإن ظهر عليه العرب فقد كفي قومُه حربه؛ لذلك قال له قومه: =لقد سحرك يا أبا الوليد+.

فهذا الموقف العظيم يحمل في طياته دروساً وعبراً وهي أن يحسن المحاور الاستماع، ويصبر على صاحبه، ثم يجيب بلغة الواثق الهادئ، لا المتزعزع المتضعضع المضطرب.([30])

وليس هذا هو المثال الوحيد؛ بل هو قطرة من بحر، وسيأتي قريباً من ذلك موقفه _عليه الصلاة والسلام_ مع زعيم المنافقين عبدالله بن أُبَي بن أبي سلول، ومع غيره من محاوريه.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]_ الأدب الصغير والأدب الكبير ص134.

[2]_ الرياض الناضرة ص419.

[3]_ البخاري (6072).

[4]_ انظر الحوار آدابه وضوابطه ليحيى زمزمي ص 165.

[5]_ فتح الباري 1 / 490.

[6]_ مسلم (2326).

[7]_ مسلم (876).

[8]_ صحيح مسلم بشرح النووي 6 / 165.

[9]_ انظر الحوار للزمزمي ص 168.

[10]_ انظر رسائل الإصلاح1/212.

[11]_ انظر كيف تحاور د.طارق الحبيب ص21.

[12]_ عيون الأخبار1/306.

[13]_ عيون الأخبار1/307.

[14]_ المنتقى من مكارم الأخلاق للخرائطي، انتقاء أبي الطاهر السلفي ص54.

[15]_ المنتقى من مكارم الأخلاق ص155.

[16]_ زهر الآداب للحصري القيرواني 1/195.

[17]_ المأبون: المتهم بالسوء والذي يرمى بالقبيح.

[18]_ عيون الأخبار1/307.

[19]_ عيون الأخبار1/308.

[20] _ مدارج السالكين لابن القيم 2/261.

[21] _ مدارج السالكين 2/362.

[22]_ انظر روضة العقلاء ص72، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/144، وبهجة المجالس 1/43، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص156_157، والرياض الناضرة لابن سعدي ص548.

[23]_ شرح ديوان أبي تمام ص30.

[24]_ المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.

[25] _ المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.

[26] _ السطة: المكانة والمنزلة.

[27] _ يعني بالرَّئي: مَنْ يُخْبِرُ، ويوحي إليه من الجن.

[28] _ يعني به التابع من الجن.

[29] _ انظر سيرة ابن إسحاق 4/187_188، والسيرة النبوية لابن هشام 2/130 _ 131، ودلائل النبوة للبيهقي 2/204 _ 205، والبداية والنهاية لابن كثير 3/63_64.

[30] _ انظر في أصول الحوار 15_16 ومع المصطفى د.سلمان العودة ص271_275.

***

المبحث الثاني: رفعه " من شأن محاوريه

فمن آداب الحوار، وأسباب رقيه، وجعله نافعاً مؤدياً للغرض _ رفع الإنسان من شأن محاوريه.

ويتمثل ذلك الأدب العظيم بأمور منها: إنزال المحاورين منازلهم، والتسليم لهم، والأخذ بآرائهم إذا أصابوا المرمى.

ويتمثل _أيضاً_ بالاستماع إلى شبهاتهم، واستنباط آرائهم، إلى غير ذلك مما سيأتي تفصيله.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ متمثلاً ذلك الأدب، آخذاً به على أحسن ما يكون، وفيما يلي بيان لذلك:

1_ إنزاله "المحاوَرين منازلهم: فذلك من أعظم آداب الحوار، ومن أنجع الأساليب التي ترقى به؛ فيجمل بالمحاور أن يعطي كلَّ مَنْ يحاوره منزلته اللائقة به من الإجلال، والإكرام؛ فذلك أدعى لقبول الحق، والإذعان إليه.

وذلك الأدب أدب نبوي؛ فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن عائشة _رضي الله عنها_ أنها قالت: =أمرنا رسول الله " أن ننزل الناس منازلهم+([1]).

فمن إنزال المحاور منزلته أمور منها:

أ_ التعرف على أسماء المحاورين: إذ يحسن بالمحاور أن يتعرف على من يحاوره فرداً كان أو مجموعة.

ولقد كان _ عليه الصلاة والسلام _ يعنى بهذا الأمر عناية بالغة، فكان يسأل عن اسم الغريب إذا وفد إليه، أو التقى به.

ومن شواهد ذلك ما جاء في حديث وفد عبدالقيس لما وفدوا على النبي" فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال: =إن وفد عبدالقيس لما أتوا النبي" قال: =من القوم، أو من الوفد؟+ قالوا: ربيعة، قال: =مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى+([2]).

وكان سبب استفساره هو الرغبة في التعرف عليهم؛ لينزلهم منازلهم، ويتحدث معهم مراعياً أحوالهم([3]).

قال ابن أبي جمرة× تعليقاً على الحديث: =فيه دليل استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ؛ فيُنْزَل منزلته+([4]).

ب_ مخاطبة المحاور بما يحب أن ينادى به: فيجمل بالمحاوِر ألا يخاطبَ محاوره إلا باسمه الذي يحبه مقروناً بتبجيله، وإن كَنَّاه أو ناداه بلقب يَسُرُّه فحسن جميل.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب النبي" لهرقل يدعوه إلى الإسلام؛ فقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ في حديث أبي سفيان÷ الطويل، وفيه =ثم دعا _أي هرقل_ بكتاب رسول الله" الذي بعث به دحية إلى عظيم بُصرى؛ فدفعه إلى هرقل فقرأه؛ فإذا فيه: =بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين([5])، و [يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ].

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِر أَمْرُ ابنِ أبي كبشة([6])؛ إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر؛ حتى أدخل الله علي الإسلام.

وكان ابن الناظور صاحب إيلياء، وهرقل سُقُفّاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناظور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة، قالوا ليس يختتن إلا اليهود؛ فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله " فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا، فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي" وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟

فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت؛ فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل+([7]).

فانظر كيف كان أثر ذلك الخطاب الجميل من رسول الله _عليه الصلاة والسلام_ إلى هرقل، ذلك الخطاب الذي فيه تنزيل هرقل منزلته، ومخاطبته خطاباً يليق به حيث كناه بعظيم الروم؛ فكاد هرقل أن يسلم لولا أنه وجد الممانعة، والمدافعة من أصحابه؛ فآثر الملك، والحياة الدنيا، فكان ذلك آخر شأنه.

ومن ذلك ما جاء في قصة محاورة النبي" لعتبة بن ربيعة؛ حيث قال له " في بداية الحوار =قل يا أبا الوليد أسمع+([8]).

وقوله في نهاية حديث عتبة: =أفرغت يا أبا الوليد+.

وقد مر الحديث عن ذلك في فقرة ماضية، وبيانُ أن تكنية الرجل أمْرٌ محبب إلى النفوس، ومقرِّب لها، وأنه إشعار بالهدوء، والرضا، والطمأنينة، والبعد عن الهياج، والغضب والكبر، وازدراء المحاور؛ إذ إن من آفات الحوار تجاهل المحاوِر اسم محاوره كأن يقول المرء بين الفينة والأخرى لمحاوره: يا فلان بغير اسمه تجاهلاً له، أو أن يناديه بلقب يكرهه، أو يغمطه حقه وقدره الذي يستحقه، ويحب أن يُنادى به من الألقاب التي يُعرف بها، أو أن يكثر المحاور من مناداة محاوِره بضمير المخاطب خصوصاً إذا كان في غير محله أو كان سبباً لاستثارة محاوره، كأن يقول: أنتَ، أو قلتَ، أو تكلمتَ، أو أخطأت.

ولا ريب أن تجنب ذلك راجع لذوق المحاور، وألمعيته، ومعرفته بطبائع النفوس.

ومن ذا يجاري النبي" في ذلك المضمار أو يقاربه؟

ج_ معرفة مستوى المحاوَر: فذلك من إنزال الناس منازلهم؛ فالناس تتفاوت عقولهم وأفهامهم، وثقافاتهم؛ فمن الحكمة وحسن السياسة في الحوار أن يخاطب كل أناس بما يعرفون، وأن يُتحامى مخاطبةُ أحدٍ بما لا يتحمله عقله؛ فالأدلة التي قد تصلح لأحد من الناس قد لا تصلح لغيره، وطريقة المحاورة التي يتقبلها فلان من الناس قد لا يتقبلها غيره.

والمحاور الفطن يعرف محاوِرَه، ويدرك الطريقة التي ينبغي له أن يحاوره بها.([9])

وبذلك يتجنب كلَّ مَا مِنْ شأنه أن يَغُضَّ من قدر صاحبه، أو ينزله منزلة غير منزلته؛ لذا كان لزاماً على المحاور أن يعرف درجةَ محاوره في العلم، والفهم حتى يخاطبه الخطاب اللائق به؛ فإن خطاب الكبير غير خطاب الصغير، وخطاب العالم غير خطاب الجاهل، وخطاب ذي المكانة غير خطاب من دونه وهكذا؛ فمراعاة تلك الأحوال مفيد أيما فائدة في الحوار.

وعلى هذا النحو كان تسير حوارات النبي".

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل من أجلاها ما جاء في حديث بعث معاذ÷ إلى اليمن وقد مضى ذكره في فقرة سابقة.

والشاهد ههنا أن النبي" أرشده إلى أنه سيأتي قوماً أهل كتاب.

وذلك لأجل أن يستعد لهم الاستعداد الكافي، وينزلهم في خطابه منزلتهم اللائقة بهم؛ فلا يغض من شأنهم، ولا يهبط في حواره معهم.

قال ابن حجر × مبيناً تلك الوصية: =هي كالتوطئة للوصية؛ لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة؛ فلا تكون العناية بمخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان+([10]).

د_ التنويع في الإجابة رغم اتحاد السؤال: فمما يتجلى به مراعاته _عليه الصلاة والسلام_ لإنزال الناس منازلهم حال الحوار أنه كان يجيب عن سؤال واحد بأجوبة مختلفة بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص([11]).

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة ÷ أنه سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: =إيمان بالله ورسوله+.

قيل: ثم ماذا؟ قال: =الجهاد في سبيل الله+.

قيل: ثم ماذا؟ قال: =حج مبرور+([12]).

وسأله عبدالله بن مسعود ÷ السؤال نفسه بقوله: =أي العمل أفضل؟+ وفي رواية أخرى سأله بقوله: =أي الأعمال أحب إلى الله؟+.

فقال: =الصلاة لوقتها+.

قال: ثم أي؟ قال: =بر الوالدين+.

قال: ثم أي؟ قال: =الجهاد في سبيل الله+([13]).

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، والمقصود ههنا التمثيل لا الحصر.

هـ: تخصيص بعض الصحابة ببعض الأخبار دون الآخرين: فذلك داخل ضمن إنزال الناس منازلهم، كما في قوله " لمعاذ ÷: =من لقي الله لا يشرك به دخل الجنة+.

قال: ألا أبشر الناس؟ قال: =لا؛ إني أخاف أن يتكلوا+([14]).

فأخبر معاذاً بأمر، ومنعه من نقله إلى غيره؛ كراهية ألا يفهم المنقولُ إليه _ كما يقول الإمام البخاري _ في ترجمته للحديث([15]).

وقال العيني× في شرح الحديث: =فيه أنه يجب أن يخص بالعلم قوم فيهم الضبط، وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة، ومن يُخاف عليه الترخصُ، والاتكال؛ لتقصير فهمه+([16]).

2_ التسليم للمحاور: وذلك إذا أبدى رأياً، فأصاب المرمى؛ حيث يؤخذ برأيه، ويصار إليه؛ فذلك من أعظم ما يرفع من شأن المحاورين، ويشعرهم بقيمتهم.

والشواهد على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، ومن أحسن ما يمثل هذا الأدب الجميل ما جاء في خبر مشورة الحباب بن المنذر÷ في غزوة بدر، ومما جاء في ذلك الخبر أن الله _عز وجل_ بعث السماء، فأصاب رسولَ الله" والمسلمين ماءٌ لبَّدَ لهم الأرض، وأصاب قريشاً ماءٌ لم يقدروا أن يرتحلوا معه، ثم رحل رسول الله" بالمسلمين، وقال لهم: =سيروا على بركة الله؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ فكأني أنظر إلى مصارع القوم+.

ثم مضى يبادر قريشاً إلى الماء إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به.

فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة إلى رسول الله" فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟

أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال: =بل هو الرأي والحرب والمكيدة+.

قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض حتى نأتي أقرب قليب القوم، ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب، ثم نبني حوضاً؛ فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب، ولا يشربون.

فقال رسول الله": =قد أشرت بالرأي+.

ثم أمر بإنفاذه؛ فلم يجئ نصفُ الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء.([17])

ففي هذه القصة أدب نبوي عظيم من آداب الحوار؛ حيث استمع النبي" إلى مبادرة الحباب، وفيه أدب الحباب مع الوحي؛ حيث سأل هل هذا من قبيل الوحي والنص الذي لا اجتهاد معه؟

أو هو من قبيل الرأي القابل للأخذ، والرد، والمداولة؟

ولما تيقن الحباب أنه من قبيل الرأي أبدى رأيه بكل صراحة وأدب.

ولما رأى النبي" وجاهة رأي الحباب قَبِلَه، وعَدَلَ عما كان مقبلاً عليه.

وفي هذا رفعة لشأن الحباب، وإشادة برجاحة رأيه، ونفاذ بصيرته.

وقد وقع ذلك موقعه من الحباب؛ فصار ذلك من مفاخِرِه التي يتحدث بها؛ فقد روى الحاكم في المستدرك أن الحباب بن المنذر قال: =أشرت على رسول الله" يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني؛ خرجت مع رسول الله" في غزاة بدر، فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله! أبوحي أو برأي؟

قال: =برأي يا حباب+.

قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه؛ فقبل ذلك مني+([18]).

ومما يحسن التنبيه عليه أن الرجوع عن الرأي إذا كان الحقُ في خلافه، أو العدول عنه إلى رأي خير منه _ لا ينافي الثبات على المبدأ؛ إذ إن الذي ينافي ذلك: التنازلُ عن المبدأ الثابت، وذلك من آفات الحوار، ومما يتنافى والحزمَ.

ولكن ليس معنى ذلك أن يصر المرء على لجاجه وعناده بعد أن يتبين له الحق، بل الحكمة والعدل أن يرجع عن رأيه وقوله إذا لاح له وجه الصواب.

وإنما المقصود أن يثبت على مبدئه، ولا يرجع عما عقد عليه قلبه إلا إذا تبين له خلاف ذلك بالبرهان الساطع، والدليل القاطع.

قال ابن حزم×: =الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق.

والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل، أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه، وقد لاح له فساده، أو لم يَلُحْ له صوابه ولا فساده، وهذا مذموم، وضده الإنصاف.

وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق، أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يَلُحْ له باطله، وهذا محمود، وضده الاضطراب.

وإنما يلام بعض هذين لأنه ضَيَّع تدبر ما ثبت عليه، وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل+.([19])

وقال العقاد: =العناد، والثبات على الرأي نقيضان؛ العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه.

والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه+.([20])

3_ النظر في شبهات المحاورين، والإجابة عنها: ففي ذلك إرضاء لهم، وتطييب لنفوسهم.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في الصحيحين عن سهل بن حنيف÷ أنه قام يوم صفين، فقال: =أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله" يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله " وبين المشركين، فجاء عمر فأتى رسول الله " فقال: يا رسول الله ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: =بلى+ قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: =بلى+ قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولمّا يحكمِ الله بيننا وبينهم؟ فقال: =يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً+.

قال: فانطلق عمر، ولم يصبر متغيظاً، حتى أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ فقال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟

فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً، قال: فنزل القرآن على محمد" بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه، قال: يا رسول الله أَوَ فَتْحٌ هو؟ قال: =نعم+ فطابت نفسه، ورجع.([21])

4_ استنباط آراء المحاورين، واستشارتهم: فقد كان _عليه الصلاة والسلام_ إذا مر به موقف يستدعي الاستشارة حاور أصحابه، واستخرج ما لديهم من آراء؛ استجابة لأمر ربه _جل وعلا_ بقوله: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران:159).

فقد أذن الله له بالاستشارة، وهو _عليه الصلاة والسلام_ غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييباً لنفوس أصحابه، وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهةً للاستبداد، ونفوراً من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيباً من الرأي.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في قصة أسارى بدر، فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: =فلما أسروا الأسارى قال رسول الله" لأبي بكر وعمر: =ما ترون في هؤلاء الأسارى؟+.

فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار؛ فعسى الله أن يهديهم للإسلام.

فقال رسول الله: =ما ترى يا ابن الخطاب؟+.

قال عمر: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا؛ فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكني من فلان _نسيباً لعمر_ فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده.

فهويَ رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت.

فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

فقال رسول الله: =أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة+ _شجرة قريبة من نبي الله_ وأنزل الله عز وجل_: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)] (الأنفال).([22])

ففي هذه الحادثة وغيرها يقرر النبي" في حواراته مبدأ الشورى؛ لما فيها من تقريب القلوب، وتخليص الحق من احتمالات الآراء، واستطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها.

كما أن في استشاراته أصحابه زرعاً للثقة في نفوسهم، وأنه يراهم مَطْلَعَ الآراء السديدة، ومواطن الإخلاص.

وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يَعرِضُ عليهم الأمرَ يستطلع آراءهم فيه، وهو الغني بما يأتيه من وحي السماء _ كما مر _ وبما رزقه الله من سمو الفكر وصفاء البصيرة؟

ولهذا صار أصحابه، وقادة الأمة الكبار من بعده يأخذون بسنة المشاورة؛ فكان أبو بكر الصديق÷ من العلم بالشريعة والخبرة بوجوه السياسة في منزلة عَلِيَّة.

ومع هذا كان لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة.([23])

وهكذا كان عمر ÷ في الشورى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =فكان عمر يشاور في الأمور لعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي موسى ولغيرهم، حتى كان يدخل ابن عباس معهم مع صغر سنه.

وهذا مما أمر الله به المؤمنين ومدحهم عليه بقوله:[وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] (الشورى: 38).

ولهذا كان رأي عمر، وحكمه، وسياسته من أسدِّ الأمور، فما رؤي بعده مثله قط، ولا ظهر الإسلام وانتشر، وعزَّ كظهوره، وانتشاره، وعِزِّه في زمنه.

وهو الذي كسر كسرى، وقصر قيصر، والروم والفرس، وكان أميره الكبير على الجيش الشامي أبا عبيدة، وعلى الجيش العراقي سعد بن أبي وقاص، ولم يكن لأحدٍ _ بعد أبي بكر _ مثل خلفائه ونوابه وعماله وجنده وأهل شوراه+([24]).

وقد عقد الإمام البخاري× في صحيحه باباً عنوانه: (باب قوله _تعالى_: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] و [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]).

وقد قرر فيه مبدأ الشورى في حوارات النبي" والأئمة من بعده.

قال×: =وشاور النبي" أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج فلما لبس لأْمته، وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: =لا ينبغي لنبي يلبس لأْمَتَهُ فيضعها حتى يحكم الله+.

وشاور علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله.

وكانت الأئمة بعد النبي" يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداءً بالنبي".

ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله": =أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله+؟

فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله"، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة؛ إذ كان عنده حكم رسول الله " في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه+.([25])

وهكذا يتجلى لنا من خلال السيرة النبوية ذلك الأدب العظيم في حوارات النبي" ألا وهو رفعه " من شأن محاوريه.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ مقدمة صحيح مسلم ص20.

[2]_ البخاري (53).

[3]_ انظر: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المخاطبين في ضوء الكتاب والسنة د. فضل إلهي ص39.

[4]_ فتح الباري لابن حجر 1/131.

[5] _ الأريسيين: جمع أريسي، وهو الفلاح، والمراد بهم أهل مملكته من الضعفاء، والأتباع. انظر فتح الباري لابن حجر 1/51_52.

[6] _ يعني به النبي" لأن أبا كبشة أحد أجداده لأمه، وكان من عادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض. انظر الفتح 1/53.

[7] _ البخاري (7).

[8] _ مضى تخريجه ص95.

[9] _ انظر في أصول الحوار ص35.

[10]_ فتح الباري 3/358.

[11]_ انظر: من صفات الداعية مراعاة أحوال المخاطبين ص58.

[12]_ البخاري (26).

[13]_ رواه مسلم (85).

[14]_4_ البخاري (129).

 

[16]_ عمدة القاري 2/208.

[17] _ رواه ابن هشام 2/366 عن ابن إسحاق قال: =فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب...+.

وقال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي ص240: =وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة، وقد وصله الحاكم 3/26_27+.

[18] _ المستدرك 3/482، وانظر جوامع السيرة لابن حزم ص85.

[19] _ الأخلاق والسير ص57.

[20] _ أقوال مأثورة د. محمد لطفي الصباغ ص200 عن آخر كلمات العقاد ص39.

[21] _ البخاري (3182 و 4844)، ومسلم (1758).

[22] _ مسلم (1763).

[23] _ انظر الحرية في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين ص21، ومحمد رسول الله وخاتم النبيين ص118_123، ومحمد " المثل الكامل لمحمد أحمد جاد المولى ص18_20.

[24]_ منهاج السنة النبوية لابن تيمية 8/58.

[25] _ صحيح البخاري كتاب الاعتصام 96 باب قوله تعالى: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] ص1404.

***

المبحث الثالث: أخذه " بالرفق والإحسان وسعة الصدر حال الحوار

فالمحاور محتاج لتلك الصفات الحميدة، والأخلاق العالية التي تضفي على حواره السكينة، والهدوء، وتجعله يؤتي أكله أضعافاً مضاعفة.

ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ آخذاً بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات، وفيما يلي إيضاح لما أجمل من معاني الرفق والإحسان.

أولاً: أخذه" بالحلم والصبر وسعة الصدر: فالمحاور محتاج لذلك أشد الحاجة؛ إذ هو معرض لما يثيره، ويحرك دواعي الغضب فيه.

ومن مواعظ لقمان _عليه السلام_ لابنه: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ](لقمان:17).

فلا يحسن بالمحاور أن يكون ضيِّق الصدر، قليل الصبر؛ ذلك أن الجماعات التي استشرى فيها الفساد كالمريض، والمحاور _خصوصاً إذا كان رأساً في الخير_ كالطبيب.

وكما أن المريض قد يدفعه جهله، أو سوء تصرفه إلى أن ينال الطبيب ببعض السوء _فكذلك الجماعات التي أنهكها الشر، واستحوذ عليها الشيطان؛ فقد يدفعها ذلك أن تنال طبيب الأرواح ببعض الأذى.

فإذا ضاق صدره، وقل احتماله تنغَّصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير؛ فخير للمحاور _إذاً_ أن يتلقى الأذى بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة.

وليعلم أن مهمته شاقة؛ فليستعد لها بالاستعانة بالله، وليداوِ كُلُومَ النفوس بالهدوء، وسعة الصدر، ولين الجانب، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فإن تلك الصفاتِ رُقْيَةُ النفوس الشرسة، وبلسمُ الجراح الغائرة.

وليستحضر أنه ما وقف أمام الناس ليخاصمهم؛ فَيَخْصِمَهم، ولكنْ ليداويَ فسادهم، ويردَّ شاردهم؛ فليحرص على أن يؤلف القلوب والنفوس بتلك الصفات.

قال الله _تعالى_ في وصف نبينا محمد ": [وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ](آل عمران:159).

وقال الله _عز وجل_ له: [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] (الأعراف:199).

وهكذا كان _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ فكان يعرض دعوته في لين من القول، وكان يأخذ بالحلم، والصبر، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان.

وإن أذىً كثيراً كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم؛ فيلقاه بالصبر، ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئاً قليلاً.

وكم من كلمة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفحَ، أو التبسمَ، أو الإنعامَ. ([1])

فإذا كان المحاور على هذا النحو من هذه المكارم أثمر حواره، وحاز من العلياء كل مكان.

وإليك هذا المثال العالي من حوارات النبي" التي سارت على ذلك الطراز.

جاء في الصحيحين عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول: =بعث رسول الله خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله" فقال: =ماذا عندك يا ثمامة؟+.

فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئت.

فتركه رسول الله" حتى كان بعد الغد، فقال: =ما عندك يا ثمامة؟+.

قال: ما قلت، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تعط منه ما شئت.

فتركه رسول الله" حتى كان من الغد، ثم قال: =ماذا عندك يا ثمامة؟+.

فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت.

فقال رسول الله": =أطلقوا ثمامة+ فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلِّها إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟

فبشره رسول الله" وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله"، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله "+.([2])

فانظر إلى هذا الحلم، والصبر، وطول النفس؛ حيث أمهله النبي" ثلاثة أيام وهو يقول له: =ماذا عندك يا ثمامة+.

ولما أحس منه العَزَّة، وأدرك _بذوقه المرهف_ أنه سيد لا يقبل الضيم صفح عنه، وأطلق سراحه بعد حوار دام ثلاثة أيام.

فما كان من ذلك السيد إلا أن دخل في الإسلام عن طواعية، وصار في قبيل أهله بفضل ذلك الحوار الراقي، وذلك الحلم والصبر، وطول النفس.

يقول النووي×: =قوله: وما عندك يا ثمامة؟+ وكرر ذلك ثلاثة أيام _ هذا من تأليف القلوب، وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير+([3]).

ثانياً: بسط الوجه، ولين القول: فالناس يحبون بسطَ الوجهِ، ولينَ القولِ، والقلوبُ تُقْبِلُ على مَنْ يُقْبِلُ عليها، وتنفر مما يزدريها، ولا يكلمها إلا من علُ.

ومن الوسائل التي لها أثر في تَأَلُّف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح _ بسط المعروف في وجوههم، والإحسان إليهم بأي نوع من أنواع الإحسان، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة _ قد يعطِّف قلوبهم نحو المحاور، ويمهد السبيل لقبول ما يَعْرِضُه.

والنفوس مطبوعةٌ على مصافاة من يُلبسها نِعْمةً، ويُفيضُ عليها خيراً.

ولهذا يحسن بالمحاور أن يكون ليِّن العريكة، وممن يَأْلَفُ ويُؤْلَفُ، وألا يكون جافي الطبع، قاسي القلب، متعالياً على السامعين.

ويجدر به أن يترفع عن العبارات المشعرة بتعظيم النفس، كحال من يكثر من إدارج ضمير المتكلم (أنا) أو ما يقوم مقامه كأن يقول (في رأيي) أو (حسب خبرتي) أو (هذا ما توصلت إليه) ونحو ذلك.

وأَجْدَر بالبعد عن ذلك ما كان فيه تفخيم للنفس كالإتيان بضمير الجمع، كأن يقول: (هذا رأينا) و (هذا ترجيحنا) أو (هذا ما توصلنا إليه).

ومن ذلك أن يكرر كلمة: (نَقُول) و(قلنا) ونحو ذلك من العبارات الفجة التي تنم عن نقص وغرور، خصوصاً إذا صدرت ممن ليس له مكانة.

فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس، وتناكر الأرواح، وقلة التأثير.

وبدلاً من ذلك يحسن به أن يستعمل الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: (ويبدو للمتأمل كذا وكذا) أو يقول: (ولعل الصواب أن يقال: كذا وكذا) ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.

ثم إن الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية من أعظم مقومات الحوار؛ فإن الخطاب اللين قد يتأَلَّف النفوسَ الناشزةَ، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة أو الموعظة.

 قال _تعالى_ في خطاب هارون وموسى _عليهما السلام_: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)] طه.

ولقَّن موسى _ عليه السلام _ من القول اللين أحسنَ ما يخاطب به جبار يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فقال _تعالى_: [فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)]النازعات.

قال ابن القيم ×: =وتأمل امتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون: [هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)]النازعات.

فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مَخْرجَ الأمر، وقال: [إِلَى أَنْ تَزَكَّى]ولم يقل: =إلى أن أزكيك+.

فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكِّي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثم قال:[وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ] أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك.

وقال: [إِلَى رَبِّكَ] استدعاءً لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه، ورباه بنعمه صغيراً وكبيراً+.([4])

ولهذا فإن المحاورة التي تُلقى في أدب، وسعة صدر، تسيغها القلوب، وتهش لها النفوس، وترتاح لها الأسماع.

ولقد امتن ربنا _جل وعلا_ على نبينا محمد " بأن جبله على الرفق، ومحبة الرفق، وأن جنبه الغلظة، والفظاظة، فقال _عز وجل_: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] آل عمران:159.

ولقد كانت سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في الحوار وغيره حافلةً بهذا الخلق الكريم الذي مَنْ مَلَكَه بسط سلطانه على القلوب.

وكما كان _عليه الصلاة والسلام_ متمثلاً هذا الخلق فقد كان يأمر به ويبين فضله.

قال": =إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره+. ([5])

وقال _عليه الصلاة والسلام_: =إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه+. ([6])

ولما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذاً إلى اليمن قال لهما: =يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا+. ([7])

هذا وإن الأمثلة على ذلك الخلق من سيرة النبي" كثيرة جداً، ومنها ما جاء في الصحيحين أن رجلاً أتى النبي" يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فهَّم به أصحابه، فقال: =دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً+.([8])

وجاء في الصحيحين أن رهطاً من اليهود دخلوا عليه وقالوا: =السام عليكم+ محرفين كلمة (السلام) إلى (السام) والسام الموت، فلم يزد رسول الله على أن قال: =وعليكم+.

ولما ردَّت عليهم أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ بقولها: =وعليكم السام واللعنة+ قال لها: =مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق بالأمر كله+.([9])

وجاء في صحيح البخاري أن عائشة _رضي الله عنها_ تصفُ رسول الله فتقول: =والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط؛ حتى تنتهك حرمات الله؛ فينتقم لله+.([10])

وإذا تقصَّيتَ سيرته بحثاً وتنقيباً، وجدت مُصَدَّقه لما وصفته به أم المؤمنين من الرفق والحلم، فما عاقب _عليه الصلاة والسلام_ أحداً مسه بأذى، ولا اضطغن على أحد أغلظ له في القول، بل كان يلاقي الإساءة بالحسنى، والغلظة بالرفق إلا أن يتعدى الشر، فيلقي في سبيل الدعوة حجراً، أو يحدث في نظام الأمة خللاً.([11])

فالرفق واللين _إذاً_ هو المتعين، وهو الأليق بحال المحاور، وهو الأصل في حوارات النبي".

ومع ذلك فقد يُحْتَاج إلى الحزم، وذلك في حالات خاصة، ومن أناس مخصوصين، وفي حق من يستحق ذلك؛ فإذا كان المحاور ذا مكانة، وكان المقام يقتضي الحزم، ولم يترتب على ذلك مفسدة أكبر _أُخِذ بهذا الأسلوب.

ولهذا كان موسى _عليه السلام_ متلطفاً مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر _كما مر قريباً_ وعندما رأى من فرعون العناد والاستكبار ومحاولة الصد عن الهدى من بعد ما تبين له _ أغلظ له في الخطاب كما في قوله _تعالى_: [وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً] الإسراء:102.

فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟

وكما في قوله _ تعالى _: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ]العنكبوت:46.

وكما قال إبراهيم _عليه السلام_ لقومه: [أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ]الأنبياء:67.

وكان النبي " يأخذ بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه.

ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فعن عائشة _رضي الله عنها_ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله "، ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حب رسول الله ".

فكلم رسول الله " فقال: =أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟+.

ثم قام فخطب، قال: =يا أيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها+. ([12])

وفي الصحيحين _أيضاً_ عن أبي هريرة ÷ قال: =ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلاً يؤم الناس، ثم آخذ شعلاً من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد+. ([13])

ولقد بوب البخاري في كتاب الأدب من صحيحه باباً سماه: =باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله+.

ثم ساق تحته خمسة أحاديث. ([14])

وخلاصة القول أنَّ الرفق هو الأصل، وهو الأليق بحال المحاور ما لم تدع الحاجة إلى الحزم، وأنَّ الحزم قد لا يلائم كل أحد، خصوصاً ممن ليس له قَدْرُ سنٍّ، أو علم، أو منزلة، أو قبول عند الناس.

ولعل السبب في تنويع النبي" أنه كان يراعي أحوال المحاورين من حيث الشدة والرفق؛ فهو يستعمل الرفق في الأصل، ومع الجاهلين، أو الصغار، أو حديثي العهد بالإسلام، أو في غير ذلك من الأحوال والمصالح التي يحسن فيها الرفق.

ويستخدم الشدة أحياناً مع من صدر منهم ما لا يليق بهم ذلك؛ لطول صحبتهم، أو لعلمهم، وورعهم، وتقواهم([15]).

كما كان يستعمل الشدة مع المعاندين والمتكبرين، والمستهزئين، والمستخفين بالدعوة؛ فاستعمال الرفق في موضعه حكمة، كما أن استعمال الشدة في مكانها حكمة، كما قال أبو الطيب المتنبي:

إذا قيل: رفقاً قل: فللحلم موضع

 
 وحلم الفتى في غير موضعه جهل

 

وكما قال الحسين بن عبدالصمد يمدح الأمراء:

عجبوا لِحِلْمِكَ أن تحوَّل سطوةً

 
 وزُلالِ خُلْقكِ كيف عادَ مُكَدَّرا

 
لا تعجبوا من رِقَّةٍ وقساوة

 
 فالنارُ تُقْدَح من قضيبٍ أخضرا

 

ثالثاً: استعمال المداراة حال الحوار: فالمداراة من أخلاق المؤمنين، والمحاور الناجح محتاج إلى الأخذ بها.

وكثيراً ما تشتبه المداراة بالمداهنة؛ ذلك أن حدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة.

وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها مما هو خارج عنها يحتاج إلى صفاءِ فطرةٍ، أو تربيةٍ تساس بها النفسُ شيئاً فشيئاً.

وكثيراً ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور؛ فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة، أم هي خارجة عن حدودها؟

وربما سبق ظنه إلى غير صواب؛ فَيَخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهاً فَيَدَعُه، أو يَعِيبُ به غيرَه، أو يَخال ما هو من قبيل المكروه فضيلةً فيرتَكِبهُ، أو يمدح غيره عليه.

وهذا الشأن يجري في كثير من الأخلاق ومن ذلك _كما مر_ خلق المداراة؛ إذ يشتبه بالمداهنة مع أنه يمتاز عنه امتياز الصبح من الدجى. ([16])

ولا ريب أن المحاور من أحوج الناس إلى ذلك؛ إذ هو يلاقي الناس، ويخالطهم، ويَعْرِض عقله كثيراً أمامهم؛ فهو محتاج إلى مُدَاراة الناس عموماً، ومُداراة زَمانه، ومُداراة مخالفيه.

فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، وطيب الكلام، والتودد للناس، وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط، كل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات.

قال ابن بطال ×: =المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك أقوى أسباب الألفة+.([17])

ولقد كان النبي" يأخذ بهذا الأدب الجميل في حواراته _أحياناً_.

جاء في الصحيحين عن عروة عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رجلاً استأذن على النبي " فلما رآه قال: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+.

فلما جلس تطلَّق النبي " في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه؟

قال رسول الله " =يا عائشةُ! متى عهدتِّني فحَّاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس؛ اتقاء شره+.

وفي رواية =من تركه الناس، أو وَدَعَهُ الناس؛ اتقاء فحشه+.([18])

فلقاء رسول الله " لهذا الرجل المعروف بالبذاء من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رَفَقَ به في الخطاب.

وقد سبق إلى ذهن عائشة _رضي الله عنها_ أن الذي بلغ أن يقال فيه: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+ لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبُه قسوةَ الخطاب، وعبوسَ الجبين.

ولكنَّ نَظَرَ رسولِ الله " أبعدُ مَدَىً، وأناته أطول أمداً؛ فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم؛ فلا يَظْهَر إلا في مكان أو زمان يليق إظهاره فيه.

ويريد تعليمهم أدباً من آداب الاجتماع، وهو رِفْقُ الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله، ولو كان شرُّه في الناس فاشياً.

على أن إطلاق الجبين لمثل هذا الزائر لا يمنع من إشعاره بطريق سائغ أنك غير راض عما يُشيعُه في الناس من أذىً، ولا يعوقك أن تعالجه بالموعظة الحسنة إلا أن يكون شيطاناً مريداً.([19])

فهذه نبذة يسيرة عن رفقه " وحلمه، وسعة صدره حال الحوار.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 113، والخطابة لأبي زهرة ص 161 _ 162.

[2] _ البخاري (462 و 469 و 2422 و 4372) ومسلم (1764).

[3]_ صحيح مسلم بشرح النووي 12/89.

[4] _ بدائع الفوائد لابن القيم 3/132_ 133.

[5] _ رواه مسلم (2593).

[6] _ رواه مسلم (2594).

[7] _ رواه البخاري (6124) ومسلم (1733).

[8] _ البخاري (2183 و 2260 و 2271 و 2465 و 2467) ومسلم (1601).

[9] _ البخاري (5678 و 5683 و 5901 و 6038) ومسلم (2165).

[10] _ أخرجه البخاري (6404).

[11] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص72، وموسوعة نضرة النعيم 6/2287_2299.

[12] _ البخاري (6788) ومسلم (2648).

[13] _ البخاري (657) ومسلم (651).

[14] _ من (6109) إلى (6113).

[15]_ انظر: من صفات الداعية مراعاة أحوال المخاطبين ص86، وانظر: من صفات الداعية الرفق واللين د. فضل إلهي ص39_45.

[16] _ انظر رسائل الإصلاح 1/124.

[17] _ فتح الباري 10/545.

[18] _ البخاري (6032) و(6054) و(6131) ومسلم (2591).

[19] _ انظر رسائل الإصلاح 1/131_138 و 2/100.

***

الفصل الثالث: أساليب الحوار في السيرة النبوية

تمهيد: في حسن البيان النبوي

لا يمتري عاقل في أن للأسلوب مكانته العليا في الحوار؛ فإذا كان المحاور ذا أسلوب حسن، وتفننٍ في عرض أفكاره _ كان ذلك أدعى لقبول ما يطرحه، ويدعو إليه، والعكس.

ولا ريب أن حسن البيان، وفصاحة المنطق، وبلاغته _ من ضروب العظمة الحاملة على إجلال صاحبها، وأنها من أعظم المقومات لنجاح الحوار، ومن أمضى أسلحة المحاور، وأدعى الأسباب لقبول الحق؛ ذلك أن العمل على إنقاذ النفوس من أودية الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة مسلك وعر، ولا يمر فيه على استقامة تامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمداً قصياً.

ولا يكفي في المحاورة أن يكون في يد القائم بها حجة، أو موعظةٌ يلقيها في أي صورة شاء؛ ذلك أن المخاطبين يختلفون ذوقاً، وثقافةً، واختلافَ زمنٍ وبيئةٍ.

ومن اللائق أن تصاغ دعوةُ كلِّ طائفةٍ في أدب يليق بأذواقها وثقافتها.

وقد تكون معانيْ الحوار حاضرةً في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثراً بها، حتى إذا عُرِضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع وقعت منه موقع الإعجاب، حتى لكأنها معانٍ جديدةٌ لم يسبق له بها علم. ([1])

فلا غرو_إذاً_أن ترى الرجلين يلقيان حواراً في باب واحد، وفي غرض واحد وبينهما في التأثير ما بين السماء والأرض، وربما كان ذلك بسبب أسلوب العرض؛ فترى أن نفوس الناس قد أقبلت على أحدهما، وأساغت حواره إساغة الظمآن للماء القراح، وتراها جَفَتْ وجفلت عن محاورة الآخر؛ فزلَّت عن القلوب كما زلت الصفواء بالمتنزَّل.

ثم إن نفراً من الناس غير قليل يستهويهم رونقُ الألفاظ أكثر من حكمة معانيها؛ فلا ينبغي أن يُسْتَخَفَّ بهؤلاء، وأن يتركوا لِعُصْبة المضلين يعرضون عليهم الآراءَ المنحدرةَ في شقاء.

وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيلٌ على المستضعفين سوى أنهم يحبِّرون لهم القول تحبيراً _فمن الميسور على دعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة؛ فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد.([2])

ولا يعني ذلك أن يتكلف المحاور السجع، ويتحرى دقائق الإعراب، ووحشيَّ اللغة، وأن يقْصِد إلى التشدق، والتقعر.

وإنما المقصود أن يلبس حواره ثوباً جميلاً يُفهم، ويستحسن، ويقع موقعه في القلوب.([3])

وغير خاف أن النبي" قد بلغ الذروة في ذلك الشأن؛ فقد أحرز من خصلتي الفصاحةِ والبلاغةِ الغايةَ التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا _إن شئتم_ إلى حواراته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى.([4])

أما حديثك في العقول فَمَشْرَعٌ

 
 والعلم والحِكَمُ الغوالي الماءُ

 
هو صبغة الفرقان نفحةُ قدسه

 
 والسين من سوراته والراء

 
جَرتِ الفصاحةُ من ينابيع النهى

 
 من دَوْحِهِ وتفجَّر الإنشاء

 
في بحره للسابحين به على

 
 أدب الحياة وعلمها إرساءُ([5])

 

قال القاضي عياض×: =وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول فقد كان" من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخصَّ ببدائع الحكم+.([6])

ولقد كان"ينوِّع في الأساليب، ويراعي مقتضيات الأحوال، ويستخدم أنواع التأثير التي سبقت كثيراً من النظريات والدراسات الحديثة في فن الحوار، والإلقاء، والتأثير في الناس.

ولو انبرى دارس لجمع شيء من ذلك لظفر بما لا يخطر بالبال من تلك المادة.([7])

هذا وسيأتي مزيد بيان لذلك في المباحث التالية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر الدعوة والإصلاح ص25_26، و65.

[2] _ انظر الدعوة والإصلاح ص 53_ 54.

[3] _ انظر أدب الموعظة للمؤلف ص63_67.

[4] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص206.

[5] _ الشوقيات لأحمد شوقي 1/37.

[6] _ الشفا 1/95_96، وانظر أعلام النبوة للماوردي ص266.

[7] _ انظر الرحمة والعظمة في السيرة النبوية للمؤلف ص138_139.

***

المبحث الأول: جمال العرض وقوة التأثير في الحوار النبوي

فمن أعظم ميزات الأسلوب في الحوار النبوي جمال العرض، وقوة الأسلوب.

ويتجلى ذلك بأمور كثيرة أبرزها ما يلي:

1_ حسن الاستفتاح للحوار: فمما يجمل بالمحاور أن يفتتح حواره افتتاحاً حسناً، وأن يُعْنى به تمام العناية، وأن يُجَمِّله بما يستطيع من وسائل التجميل المناسبة، التي تجتذب الأذهان، وتهيئ الأسماع، وتقود النفوس إلى الإقبال عليه، وإلى أن تتقبله بقبول حسن؛ فإن الفكرة الأولى عن شيء، أو أمر، أو شخص تثبت وتَقِرُّ بالنفس.

ومحوها يحتاج إلى عناء؛ فإن كانت حسنة صَعُب تهجينها، وإن كانت سيئة صعب تزيينها.

والافتتاح _إن وجد_ أولُ ما يَلْقَى به المحاورُ محاوريه؛ فإن وقع في نفوسهم موقع القبول كانت المحاورة على غراره، واستطاع من خلاله أن يصل إلى قلوبهم.

وإن لم يصادف قبولاً صعبت الحال، واحتاج الأمر إلى خبير بأحوال النفوس، حاذقٍ في طُرُق العلاج، ووسائل الشفاء من ذلك النّّفار وهذا الشّماس.([1])

قال أبو هلال العسكري ×: =إذا كان الابتداء حسناً بديعاً ومليحاً ورشيقاً كان داعيةَ الاستماعِ لما يجيء بعده من الكلام.

ولهذا المعنى يقول الله _عز وجل_: [الم]، و[حم]، و[طس]، و[كهيعص].

فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون ذلك داعيةً لهم إلى الاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه.

ولهذا جعل أكثر الابتداءات بـ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] لأن النفوس تتشوق للثناء على الله؛ فهو داعيةُ الاستماع+. ([2])

هذا وإن المحاورين يختلفون في استفتاحاتهم؛ فمنهم من يستفتحها بما يشير إلى موضوعها، ويلوِّح بالقصد منها.

ومنهم من يبتدئ بالثناء على السامعين؛ ليهيء نفوسهم؛ لتلقي كلامه بالقبول؛ إذ لا شيء يهز أعطاف السامعين كالثناء عليهم، خصوصاً إذا كان من غريب عنهم، فذلك أسلوب بديع، وباب واسع يصح الدخول فيه بشرط الاتزان، وضبط النفس.

ومنهم من يتودد للسامعين، ويتواضع لهم، ويخاطبهم بأحسن صفاتهم، ويشعرهم بمحبتهم، وأنه ساعٍ لما فيه مصلحتهم.

ومهما يكن من أمر الافتتاح فينبغي أن يكون قصيراً موجزاً؛ لئلا يشغل الذهن، ويضيع الوقت.

وينبغي _أيضاً_ أن لا يكون مبتذلاً تمجه الأسماع، ولا تسيغه النفوس.

ثم إن الافتتاح قد لا يلزم خصوصاً إذا أراد المحاور الإيجاز؛ لضيق الوقت، أو نحو ذلك، بل يدخل في الموضوع مباشرة.([3])

ولقد كانت حوارات النبي" تفتتح بأحسن ما ينبغي أن يُسْتَفْتَح به؛ حيث كان يهيئ النفوس، ويجتذب الأذهان لما سيقوله، وكان يتودد للناس في كثير من بدايات حواراته، إلى غير ذلك مما يحسن أن يُفْتَتَح به الكلام.

والأمثلة على حسن استفتاحاته _عليه الصلاة والسلام_ كثيرة، ومنها ما يلي:

أ_ ما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن زيد أن رسول الله" لما فتح حنيناً قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس، فقام رسول الله" فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: =يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي+ ويقولون: الله ورسوله أَمَنُّ، فقال: =ألا تجيبوني+ فقالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، فقال: =أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا+ لأشياء عددها زعم عمرو أن لا يحفظها، فقال: =ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، الأنصار شعار، والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا؛ حتى تلقوني على الحوض+([4]).

فانظر كيف افتتح _عليه الصلاة والسلام_ حواره بحمد الله، والثناء عليه، ثم نادى الأنصار بلقب محبب إليهم، ألا وهو قوله: =يا معشر الأنصار+.

ولا يخفى ما في ذلك من الاعتراف بالسابقة، والنصرة، ولم يقل: =يا أهل يثرب+ أو: =يا من قلتم كذا وكذا+.

ثم ذكر مِنَّةَ الله عليهم به، ثم خَلُص إلى ما يريد بأحسن ما يكون من حسن التخلص، فكانت النتيجة أن رضوا، وطابت نفوسهم.

ب _ ومما كان يأخذ به _عليه الصلاة والسلام_ في افتتاح حواراته مع أصحابه_ أسلوب التشويق، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة÷ أن رسول الله" قال: =أتدرون من المفلس؟+ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: =إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فَيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار+([5]).

فانظر كيف شد النبي" انتباههم، وشوَّقهم لما سيلقيه عليهم عندما افتتح حديثه بهذا الاستفهام المشوِّق.

ج _ وقريب من ذلك ما جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ÷ قال: =بينا أنا رديف النبي"ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً، ثم قال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً، ثم قال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: =هل تدري ما حق الله على عباده؟+ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: =حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً+ ثم سار ساعة، ثم قال: =يا معاذ بن جبل+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: =هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟+ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: =حق العباد على الله أن لا يعذبهم+([6]).

وهكذا هيّأ النبي" نفس معاذ لإخباره بهذا الأمر العظيم، حيث ناداه باسمه ولم يزد على ذلك، فاسترعى انتباهه، وشَوَّقه، ثم سكت ساعة، فزاد من شَوْقِه لما سيلقى عليه، وكرر ذلك _عليه الصلاة والسلام_ ثلاثاً، وبعد أن أخذ بمجامع قلب معاذ، وتأكد من استعداده ألقى عليه ذلك الأمر العظيم، فوعاه معاذ، ورسخ في ذهنه رسوخ الجبل؛ فلم ينسه معاذ حتى توفاه الله([7]).

2_ الترسل في الكلام وإلقاؤه مفصلاً دون إبطاء أو تعجيل: فيحسن بالمتكلم أن يكون مترسلاً في كلامه، متمهلاً في إلقائه، وأن تكون كلماته مُفَصَّلة متمايزة الحروف،  فمن متممات الفصاحة ألا يعجل الرجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كأنها عِقْدُ جِيْدٍ أُحْكِمَ تَنْسيقُه.

ويحسن بالمتكلم _أيضاً_ ألا يبطِّئ في كلامه إبطاءً يخرجه عن طوره، ويجلب السآمة للسامعين؛ فالترسل والتمهل دون إبطاء أو تعجيل هو هدي النبي " في حواراته، ومواعظه.([8])

قالت أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_: =كان النبي " يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه+.([9])

وقالت: =إن رسول الله " لم يكن يسرد الحديث كسردكم+.([10])

قال ابن حجر × في شرح الحديث الأول: =قولها: =لو عده العاد لأحصاه+: أي لو عدَّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك،وبلغ آخرها.

والمراد بذلك المبالغة في الترتيل، والتفهيم+.([11])

وقال × في شرح الحديث الثاني: =قولها: =لم يكن يسرد الحديث كسردكم+: أي يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع+.([12])

وجاء في سنن أبي داود عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: =كان كلام رسول الله" كلاماً فصْلاً يفهمه كل من سمعه+.([13])

وجاء في سنن أبي داود عن جابر ÷ قال: =كان في كلام رسول الله " ترتيل، أو ترسيل+.([14])

وفي رواية للترمذي: =كان يتكلم بكلام بَيْنَهُ فصلٌ يحفظه من جلس إليه+([15]).

3_ حسن الاستخدام للتكرار: فإن للتكرار أثراً كبيراً في جذب الانتباه، وتأكيد المعاني، وتقريرها في الأذهان.

والمحاور البارع يحسن استخدام التكرار، ويوقعه مواقعه اللائقة به.

ولقد كان النبي"يأخذ بهذا الأسلوب، وربما أعاد الجملة ثلاث مرات إذا كان المقام يقتضي ذلك. ([16])

ولهذا عقد الإمام البخاري × في صحيحه باباً بعنوان: =باب من أعاد الحديث ثلاثاً؛ ليفهم عنه+.

وساق فيه عدة أحاديث، منها ما رواه عن أنس ÷ عن النبي": =أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً+. ([17])

وعن أنس _أيضاً_ عن النبي ": =أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ حتى تُفْهم عنه+ الحديث. ([18])

وعن عبدالله بن عمرو _رضي الله عنهما_ قال: تخلف رسول الله " في سفر سافرناه، فأدْرَكَنا وقد أرهقْنا الصلاة _صلاة العصر_ ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: =ويلٌ للأعقاب من النار+ مرتين أو ثلاثاً.([19])

والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: =ألا وقول الزور، فما زال يكررها+.([20])

وقال ابن عمر _رضي الله عنهما_ قال النبي ": =هل بلَّغت+ ثلاثاً.([21])

وعن عبدالله بن عمر _رضي الله عنهما_ عن النبي " قال: =لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد+.([22])

4_ إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان: ذلك أن مرمى الإقناع في المحاورة ليس هو الإلزام والإفحام فحسب، وإنما مرماه حمل المخاطب على الإذعان، والتسليم بطوعه، وإرادته.

وذلك لا يتسنى بسوق الدلائل المنطقية جافة، ولا بإيراد البراهين العقلية عارية، بل بذلك وبإثارة العاطفة، ومخاطبة الوجدان.

بل قد يستغني المحاور عن الدلائل العقلية، ولا يمكنه بأية حال أن يستغني عن المثيرات العاطفية؛ إذ هي من أعظم الأدوات التي تعينه على التأثير في السامعين.([23])

فالجوانب العاطفية الوجدانية لها دور كبير في الحوار وغيره، فكثير من المحاورين يغفل هذا الجانب ولا يأبه به.

وهذا خلل يحسن بالمُحَاوِر أن يتجنبه؛ ففي بعض الأحيان قد لا ينفع المنطق والبرهان، وإنما يجدي التودد والإحسان.

فحينئذٍ أَلْق عصا المنطق والبيان، واحمل راية الشفقة والحنان؛ حينها تَخْطِب الودَّ، وتستولي على الأمد.

فكثيراً ما تبدأ المناقشة أو المحاورة، وروح العداوة تسيطر على أحد الطرفين.

فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة.([24])

فحري بالمحاور أن يكسب صاحبه، وأن يخطب ودَّه في كل مناسبة تسنح له؛ فيثني عليه إذا أجاد، ويسلِّم له إذا أصاب، ويرده إلى الصواب بلطف إذا هو أخطأ، ويذكر مزاياه في حضوره وغيبته، ويبادر بالهدية والزيارة إذا أحَسَّ نفرة منه بعد الحوار.

وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، ولا ليس بمقدور كل إنسان نيلُها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب، وصبر، وشجاعة [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: 35).

والأمثلة من السيرة النبوية على إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان كثيرة، ومنها ما يلي:

أ_ جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد÷ أن رسول الله" قال: =لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله+.

فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله" كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: =أين علي بن أبي طالب؟+.

فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: =فأرسلوا إليه+ فأتي به، فبصق رسول الله" في عينيه، ودعا له، فبرئ؛ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، قال علي÷: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: =انْفُذْ على رِسْلِك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله _تعالى_ فيه؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم+([25]).

ففي هذا الحديث إثارة للعواطف؛ حيث بات الصحابة بعد سماع تلك المقدمة المشوقة يدوكون في شأن من سينال ذلك الشرف، وفيه تنويه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب÷ وفيه دروس لأدب الحوار مع المخالف ولو كان حربياً؛ حيث بَيَّن النبي" لعلي كيف يحاور، ويدعو قبل بداية المعركة.

ب_ ما جاء في الصحيحين أن رجلاً جاء إلى سهل ابن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة، يدعو علياً عند المنبر قال: فيقولُ ماذا؟ قال: يقولُ له أبو تراب؛ فضحك، وقال: والله ما سماه إلا النبي" وما كان له اسمٌ أحبَّ إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلاً، وقُلت: يا أبا عباس كيف ذلك؟ قال دخل عليٌ على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي": =أين ابن عمّك؟+ قالَت: في المسجد.

فخرج إليه، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخَلَص التُّراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: =اجلس يا أبا تُراب مرتين+.([26])

ففي هذا الحديث بيان لعاطفة النبي" الفياضة، التي يدخل بها السرور على أصحابه وآل بيته؛ حيث كناه بتلك الكنية التي صارت أحب أسمائه إليه.

هذا وقد مر، وسيمر شيء من ذلك القبيل.

5_ استعمال أسلوب النداء، ومناداة المحاوَر بما يحب: فإن ذلك يشد الانتباه، ويستدعي الإجابة، ويجدد النشاط، ويبعث على التقرب من المحاوَر سواء كان فرداً أو جماعة.

ولقد تكرر هذا المعنى في السنة كثيراً، ومرَّ شيء من ذلك فيما مضى.([27])

ومما ورد في ذلك الشأن ما يلي:

قال _عليه الصلاة والسلام_: =أيها الناس اربعوا على أنفسكم+.([28])

وقال: =أيها الناس إليَّ+.([29])

وقال: =أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي+.([30])

وقال: =أيها الناس تصدقوا+.([31])

وقال: =أيها الناس عليكم بالسكينة+.([32])

وقال: =أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو+.([33])

وقال: =يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج+.([34])

وقال: =يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب؟+.([35])

وقال: =يا معشر النساء تصدقن+.([36])

وقال: =يا معشر يهود أسلموا تسلموا+.([37])

6_ حسن الختام للحوار: فختام الشيء هو آخر ما يلقيه المحاور، ولذلك أثره البالغ؛ إذ هو آخر ما يعلق بالنفس، وأكثر ما يتصل بالقلب؛ فإن كان وقعه حسناً انسحب ذلك على الحوار، وإلا ساء الأثر، أو قلت الفائدة المنشودة.

ولقد كانت حوارات النبي" تختم بأحسن ما يكون من جمال العبارة، وإصابة الغرض، وتحريك العاطفة، وحسن التعليل.

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

أ_ ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك÷ قال:

جاء رجل إلى رسول الله" فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

قال: =وما أعددت للساعة+.

قال: حب الله ورسوله.

قال: =فإنك مع من أحببت+.

قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي": =فإنك مع من أحببت+.

قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر؛ فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم+.([38])

فانظر إلى هذا الحوار اللطيف، وكيف ختم بتلك الخاتمة التي أشبعت رغبة ذلك السائل، وجرت مجرى الأمثال.

ب _ ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله": =عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي ليس معه أحد؛ إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى" وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض، فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب.

فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله".

وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله" فقال: =ما الذي تخوضون فيه؟+ فأخبروه.

فقال: =هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون+.

فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: =أنت منهم+.

ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: =سبقك بها عكاشة+([39]).

وهكذا ختم _عليه الصلاة والسلام_ ذلك الحوار، وسد الباب بكل لطف وأدب بتلك الكلمة العظيمة؛ فلم يرد أن يفتح الباب؛ لِيَعْسُرَ سَدُّه، وأكرم عكاشة بتلك البشارةِ؛ لفضله، ولمبادرته، ولم يرد جرح شعور السائل بكلمة تشعره بأنه ليس من هؤلاء، وإنما قال: =سبقك بها عكاشة+.

فَجَرتْ تلك الكلمة العظيمة مجرى الأمثال إلى يومنا هذا.

ج_ ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ÷ قال: =بعثني النبي" أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! إن شراباً يصنع بأرضنا يقال له: المِزرُ من الشعير، وشراب يقال له: البِتْع من العسل.

فقال: =كل مسكر حرام+.

وفي رواية قال أبو موسى: =وكان رسول الله" أعطي جوامع الكلم بخواتمه+([40]).

وهكذا ختم _ عليه الصلاة والسلام _ حواره مع أبي موسى بتلك الخاتمة التي أصبحت قاعدة من أعظم القواعد في الأشربة.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر الخطابة ص79.

[2] _ كتاب الصناعتين ص 437.

[3] _ انظر أدب الموعظة ص67_68.

[4] _ البخاري (4330 و 7245) ومسلم (1061).

[5] _ مسلم (2581).

[6]_ البخاري (5967، و6267، و6500) ومسلم (30).

[7]_ انظر الحوار لزمزمي ص129.

[8] _ انظر أدب الموعظة ص71.

[9] _ أخرجه البخاري (3567) ومسلم (2493).

[10] _ أخرجه البخاري (3568) ومسلم (2493).

[11] _ 4_ فتح الباري 6 / 669.

 

[13] _ أبو داود (4839) وقال الألباني في صحيح الجامع (4826): =حسن+.

[14] _ أبو داود (4838) وقال الألباني في صحيح الجامع (4823): =حسن+.

[15]_ الترمذي (3639) وقال: =هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الزهري+.

[16] _ انظر محمد رسول الله ص 185، والخطابة للشيخ محمد أبو زهرة ص66.

[17] _ البخاري (94).

[18] _ البخاري (95).

[19] _ البخاري (96) ومسلم (241).

[20] _ البخاري (2586).

[21] _ رواه البخاري (1742).

[22] _ رواه مسلم (1159).

[23] _ انظر الخطابة ص 53.

[24]_ انظر في أصول الحوار ص75.

[25] _ البخاري (3701) ومسلم (2406).

[26] _ البخاري (3703) ومسلم (2409).

[27] _ انظر أدب الموعظة ص86_87.

[28] _ رواه البخاري (6384).

[29] _ رواه البخاري (927).

[30] _ رواه البخاري (917).

[31] _ رواه البخاري (1462).

[32] _ رواه البخاري (1671).

[33] _ رواه البخاري (2966).

[34] _ رواه البخاري (5065).

[35] _ رواه البخاري (7523).

[36] _ رواه البخاري (304 و 1462).

[37] _ رواه البخاري (6944).

[38] _ البخاري (3688)، ومسلم (2639).

[39] _ البخاري (5705) ومسلم (220).

[40]_ البخاري (3038، و4343) ومسلم (1733).

***

المبحث الثالث: مراعاة المآلات ومقتضيات الأحوال في الحوار

فمن الطرق المجدية في الحوار مراعاة المآلات، وتنزيل الحوار على مقتضيات الأحوال.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يأخذ بهذا الأسلوب، ومن مظاهر أخذه به ما يلي:

1_ التذكير بالعاقبة في الحوار: ومن ذلك تذكير المحاوَر _إذا كان يراد دعوتُه إلى الإيمان_ بما يصير إليه المتقون من عزٍّ وسلامة، وما يلحق المجرمين من خزيٍ ومهانة وندامة.

ومن التذكير ما يرجع إلى البشارة بالخير في الدنيا، والحسنى في الآخرة، ومنه ما يرجع إلى الإنذار بسوء المنقلب في هذه الدار، أو عذاب الهُوْن في تلك الدار.

وللبشارة والإنذار أثر كبير في حث المؤمنين على الحسنات، وردعهم عن السيئات.

وأثر البشارة والإنذار في غير المؤمن أنهما يدعوانه إلى النظر في الدعوة، وإذا نظر برَويَّةٍ أدرك أنها حق؛ فيفتح لها صدره، ويمدُّ لها عنقه مذعناً.([1])

ومن أمثلة ذلك ما جاء في الصحيحين أن أبا ذر ÷ قال: أتيت النبي " وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: =ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة+ قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: =وإن زنى، وإن سرق+ قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: =وإن زنى، وإن سرق+ قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: =وإن زنى، وإن سرق على رغم أنف أبي ذر+.

وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر([2]).

 2 _التمهيد في العرض، وتنزيل الأمور على أحوال المحاورين: ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة في قصة الشاب الذي استأذن النبيَّ" في الزنا، فتدرج معه النبي " في خمسة أسئلة حتى اقتنع الفتى بحرمة الزنا، وخرج وقد طابت نفسه.

قال أبو أمامة ÷: =إن فتى شاباً أتى النبي " فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا؛ فأقبل القوم عليه، فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: ادْنه، فدنا قريباً، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء+.([3])

فانظر إلى هذا الحوار الراقي الذي قَلَب قناعة ذلك الشاب رأساً على عقب، وذلك بعد أن مَهَّد له بخمسة أسئلة عَمِلَتْ عَمَلَها في قلب ذلك السائل.

3_ تحديث المحاورين بما يعرفون: فمن حسن السياسة والحكمة في الحوار أن يُخاطب كلُّ قوم بما يفهمون، وأن يُتَحامى مخاطبةُ أحدٍ بما لا يحتمله عقله؛ فذلك أدعى لقبول المحاورة، والبعد عن مواطن النفرة والتكذيب.

قال أمير المؤمنين علي ÷: =حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!+.([4])

وقال ابن مسعود ÷: =ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة+.([5])

وقال ابن الجوزي ×: =من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله عقولهم، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده+. ([6])

وقال: =فالله الله أن تحدث مخلوقاً من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف؛ فإنه لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدِّث له بنفسه+. ([7])

ومما يعين على فهم السامعين، وعَقْلهم لما يلقى إليهم، ووقوعه في قرارات نفوسهم_ أن تكون المحاورة بألفاظ مأنوسة، وتأليف محكم، ومعانٍ بارزة.

وهكذا كانت محاورات النبي " وخطبه؛ فهي مصوغة بألفاظ مألوفة، ومعانٍ قريبة المأخذ.

وهي مع قرب معانيها من أذهان الجمهور قد حازت في مراقي البلاغة الأمد الأسمى.([8])

قال أبو هلال العسكري ×: =فمدار البلاغة على تخيُّرِ اللفظ، وتخيُّرُه أصعب من جمعه وتأليفه+. ([9])

وقال: =قال أبو داود: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدَّرَبة، وجناحها رواية الكلام،وحَلْيها الإعراب،وبهاؤها تخير الكلام، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه+.([10])

ولهذا فإن المحاور البارع هو الذي يصوغ محاوراته بما تحتمله العقول؛ فللعامة لغة، وللخاصة لغة، وللكبار لغة، وللصغار لغة، وللرجال لغة، وللنساء لغة، وهكذا، وقد مرَّ شيء من هذا القبيل في فقرة ماضية.

ومن تحديث الناس بما يعقلون أن تكون المحاورة ملائمة لكافة الطبقات خصوصاً إذا كانت عامة، أو في مكان عام؛ إذ هي تُلْقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم؛ فيحسن بالمحاور ألا يتعرض في محاورته إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو أن يتناولوها على غير وجهها.

وكانت محاورات الرسول " جارية على هذا النحو؛ بحيث يستوي في فهمها الطبقاتُ المختلفةُ دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل. ([11])

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ÷: =كانت لي جاريةٌ ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانيَّة، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاةٍ من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكَّةً، فأتيت رسول الله " فعظَّم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها، قال: =ائتني بها+ فأتيته بها، فقال لها: =أين الله؟+ قالت: في السماء، قال: =من أنا؟+ قالت: أنت رسول الله، قال: =أعتقها فإنها مؤمنة+([12]).

ففي هذا الحديث تَنَزَّل النبيُّ"مع الجارية، وحدثها بما تعقل، وسألها عن أمرين من أعظم الأمور في الدين، وهما الإيمان بأن الله في السماء، والشهادة للنبي" بالرسالة.

ومن عظم هذين الأمرين فهما من الوضوح والبيان بمكان؛ حيث إنهما أمران يدركان بالفطرة، وببادئ النظر؛ فهما لا يحتاجان إلى كبير فهم، أو إعمال للذهن؛ لذا أجابته الجارية على الفور؛ فكان ذلك علامة إيمانها، واستحقاقها للعتق.

4_ إنهاء الحوار إذا لم يأت بفائدة: ففي بعض الأحايين لا يجدي الحوار؛ فيكون الاستمرار فيه ضرباً من الهذيان الذي يصير ضرره أكثر من نفعه؛ ففي مثل ذلك يحسن التوقف، وقطع الحوار؛ فذلك أدب رفيع، ونظر في العواقب بعيد؛ إذ لو استمر الحوار _ والحالة هذه _ لربما كانت العاقبة وخيمة.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يأخذ بهذا الأسلوب الرفيع، فكان يحاور ما نفعت المحاورة؛ فإذا لم تَعُدْ تجدي أنهى الحوار، مراعياً مقتضى الحال، ناظراً في المآل.

ويشهد لذلك شواهد منها ما جاء في الصحيحين أن علياً ÷قال: =كانت لي شارف([13]) من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله " أعطاني شارفاً من الخمس يومئذ فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله " واعَدْتُ رجلاً صواغاً من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين؛ فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيَّ متاعاً من الأقتاب، والغرائر، والحبال، وشارفاي مُنَاخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، وجمعت حين جمعت ما جمعت؛ فإذا شارفاي قد اجْتُبَتْ أسنمتهما، وبُقِرَتْ خواصرهما، وأخذ من أكبادهما؛ فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبدالمطلب، وهو في هذا البيت في شَرْب([14]) من الأنصار غَنَّتْهُ قينة وأصحابه فقالت في غنائها:

ألا يا حمزُ للشُّرُفِ النِّواء([15])

 
 ...........................................

 

 فقام حمزة بالسيف فاجتب([16]) أسنمتهما، وبقر خواصرهما، فأخذ من أكبادهما، قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله " وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله " في وجهي الذي لقيت، فقال رسول الله ": =ما لك؟+ قلت: يا رسول الله، والله ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزةُ على ناقتيَّ فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شَرْب، قال: فدعا رسول الله " بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا له؛ فإذا هم شرب، فطفق رسول الله" يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول الله" ثم صَعَّد النظر إلى ركبتيه، ثم صَعَّد النظر فنظر إلى سرته، ثم صَعَّد النظر فنظر إلى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؛ فعرف رسول الله " أنه ثمل([17]) فنكص رسول الله " على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه+([18]).

فالنبي " ذهب إلى حمزة ÷ يريد محاورته بالذي حصل منه، فلما بدأ _عليه الصلاة والسلام_ يلومه على صنيعه، وانتظر جواب حمزة _ لم يجد عنده جواباً يشفي، وإنما وجد رجلاً قد شرب من الخمر حتى الثمالة؛ فلم يعد فيه بقية من عقل كي يأخذ أو يعطي كما يفعل الرجل السوي؛ فأجابه إجابة تنم عن حاله التي هو عليها من جهة أن عقله قد غطَّته الخمر، فقال: =وهل أنتم إلا عبيد لأبي+.

فأدرك _عليه الصلاة والسلام_ من نظرات حمزة، ومن جوابه أنه في غير وعيه، فقطع الحوار، وانصرف؛ لأن الحوار لا فائدة منه.

وهذه خير وسيلة إذا كان الأمر كما ذكر.

وما من ريب أن ذلك الحدث كان قبل تحريم الخمر.([19])

وبهذا ينتهي الحديث عن الفصل الثالث الذي يدور حول أساليب الحوار في السيرة النبوية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 111_112.

[2]_ البخاري (5489) ومسلم (94).

[3] _ أحمد 5 / 256، 257، وقال الألباني في الصحيحة (370): =وهذا سنده سند صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح+.

[4] _ أخرجه البخاري (127).

[5] _ أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (5).

[6] _ صيد الخاطر ص74.

[7]_ صيد الخاطر 75.

[8] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبين ص185.

[9] _ كتاب الصناعتين ص23.

[10] _ كتاب الصناعتين ص 58.

[11] _ انظر محمد رسول الله ص187.

[12]_ مسلم (537).

[13] _ الشارف: هي الناقة المسنة. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ح(1979).

[14] _ الشَّرْب: الجماعة الشاربون.

[15] _ النِّواء: السمينة.

[16] _ اجتب: أي قطع.

[17] _ ثمل: سكران.

[18]_ البخاري (2089 و 2375 و 3091) ومسلم (1979).

[19] _ انظر صحيح مسلم بشرح النووي 3/126.

***

الفصل الرابع: شمول الحوار النبوي تمهيد

مر في مقدمة هذا البحث وفي تضاعيفه أن النبي" هو الرسول المجتبى، والسيد المطاع، والزوج الوفي، والوالد الحاني، والمعلم المربي القدوة، وأنه كان يعامل الصغير والكبير، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمحارب والمسالم، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد، والعالم والجاهل، والموافق والمخالف، وغير هؤلاء من فئات المجتمع؛ فهو _إذاً_ يعامل كافة الطبقات على اختلاف مشاربهم، وأذواقهم.

وكان يأخذ في جميع تلك الأحوال بالحوار أخذاً عملياً، لا دعوى تتمضمض بها الأفواه دون أن تكون حقيقة ماثلة للعيان.

وقد مر في البحث ذكر لكثير من الأمثلة في ذلك على وجه العموم.

والحديث في هذا الفصل ذكر لشيء من هذا القبيل على وجه الخصوص، وذلك بإيراد نماذج من سيرته، تبين شمول حواره لكافة الطبقات.

وقبل الدخول في ذلك يحسن التنبيه إلى أن أكثر حواراته مع أصحابه الذين كان يحاورهم ويلاقيهم في بِشْرٍ وطلاقة محياً، ويخالطهم في تواضع، ويحمل لهم من الرحمة ما هو أرق من النسيم، وأجود من الغيث العميم ([1]).

وقد مضى أمثلة كثيرة على ذلك، وسيرد مزيد أمثلة فيما سيأتي؛ لذا فلن يفرد مبحث لحواره مع أصحابه؛ خشية الإطالة والتكرار؛ فإلى المباحث التالية التي تبين شمول حواره _ عليه الصلاة والسلام _.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]_ انظر: الأنوار في شمائل النبي المختار للبغوي 1/161_358، وإحياء علوم الدين للغزالي 2/357_387، وأخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني ص13_18.

****

المبحث الأول: حواراته ــ عليه الصلاة والسلام ــ مع النساء

لقد أولى النبي" النساء جانباً عظيماً من اهتمامه، وتوجيهه؛ فكان يأمر بالقيام بحقهن، ويحذر من التقصير في شأنهن؛ فنالت المرأة في شريعته ما لم تنله في أي شريعة أخرى، سواء كانت أماً، أو أختاً، أو بنتاً، أو قريبة، أو بعيدة.

وله في ذلك أقوال كثيرة تحث على حسن العشرة للنساء ورعاية حقوقهن.

ولا ريب أن من أيسر مظاهر حسن العشرة، ورعاية الحقوق _مراعاةَ النساء في باب الحوار.

وكما كان لهن نصيب من عطفه، ورعايته، ووصايته لهن بالإحسان _كان لهن نصيب غير منقوص من حواراته، وذلك من خلال ما يجري بينه وبينهن في شتى الشؤون، وفيما يلي بيان لشيء من ذلك:

أولاً: نماذج من حواراته " مع النساء عموماً:

حوارات النبي " مع النساء كثيرة جداً، ولقد دونت كتب السنة مئات الأحاديث في هذا الشأن، وفيما يلي ذكر لطرف من ذلك:

1_ جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه قال: =قال النساء للنبي": غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يوماً لنفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن...إلخ+.([1])

2_ جاء في صحيح مسلم أن فاطمة بنت قيس جاءت إلى رسول الله" وذكرت له أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم _رضي الله عنهما_.

فقال رسول الله": =أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد+.

قالت فاطمة: فكرهته، ثم قال": =انكحي أسامة+.

قالت فاطمة: فنكحته، فجعل الله فيه خيراً كثيراً، واغتبطت+([2]).

فمن خلال هذا الحوارِ ذَكر لها _ عليه الصلاة والسلام _ الخياراتِ، وبيَّن لها أسباب المفاضلة، وأنها تأتي من ناحية المال، والسلوك والمعاشرة، ثم أشار عليها بما يراه.

وفي هذا بيان أن النساء لم يكن ليتحرجن من محاورته _عليه الصلاة والسلام_ وأنه لم يكن يأنف من ذلك.

3_ وجاء في الصحيحين عن خنساء بنت خذام الأنصارية: =أن أباها زوَّجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله "فرد نكاحها+([3]).

فهذه المرأة زَوَّجها أبوها بدون إذنها، فلما حاورت النبي " في ذلك اقتنع بحجتها، ورد نكاحها.

4_ وعن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: إن امرأة أتت النبي" فسألت عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل.

قال: =خُذِي فِرْصة([4]) من مِسْك فتطهري بها+.

قالت: كيف أتطهر؟

قال: =تطهري بها+.

قالت: كيف؟

قال: =سبحان الله! تطهري+.

قالت عائشة _رضي الله عنها_: فاجتبذتها إليّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم.([5])

وفي هذا درس عملي في الحوار، والرفق بالمحاور؛ فالنبي " ههنا رفق بهذه المرأة، ولم يضجر من تكرار أسئلتها.([6])

5_ وعن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله" فقالت: يا رسول الله إني لا أطهر، أفَأدَعُ الصلاة؟

فقال رسول الله": =إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدْرُها، فاغسلي عنك الدم وصلِّي+.([7])

6_ وعن بريدة ÷ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله " إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: =وجب أجرُكِ، وَرَدَّها عليكِ الميراثُ+.

قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟

قال: =صومي عنها+، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟

قال: =حجي عنها+.([8])

فهذه نبذة يسيرة من حوارات النبي " للنساء([9])، وهي تعطي العالم، والداعية، والمسؤول عموماً دروساً في سعة الصدر، والصبر على السائل، والحرص على إفهامه.

ثانياً: حواراته مع زوجاته: الناظر في سيرة المصطفى"يرى صوراً مشرقة من خلقه الكريم في معاملته الناس جميعاً.

ولكن سلوكه في بيته، ومع أزواجه له دلالتُه الخاصة المُبِيْنَةُ عن سلامة ذوقه، ورقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدرته الفذة على مراعاة مشاعر أزواجه، واحترام رغباتهن ما دامت في حدود الشرع.([10])

ولقد كان يحاورهن، ويستمع إلى أحاديثهن، ويفضي بشقوره إليهن([11])، ويستطلع من خلال الحوار آراءهن، ويأخذ بتلك الآراء إذا كانت جارية على الصواب، وبذلك يدخل السرور والبهجة عليهن.

وفيما يلي أمثلة عملية تبيِّن شيئاً مما كان يجري بينه وبينهن.

المثال الأول: ما جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ في قصة بدء الوحي، قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله"من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه _وهو التعبد_ الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فَجِئهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فَغَطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)] العلق.

فرجع بها رسول الله " ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: =زملوني زملوني+ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: =أي خديجة ما لي+ وأخبرها الخبر، قال: =لقد خشيت على نفسي+.

قالت له خديجة: كلا، أبشر؛ فوالله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً تَنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟

فأخبره رسول الله"خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس([12]) الذي أنزل على موسى"يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، قال رسول الله": =أو مخرجي هم؟+.

قال ورقة: نعم؛ لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً+ ([13]).

فانظر كيف فزع رسول الله " إلى أم المؤمنين خديجة _رضي الله عنها_ وهو في تلك الأثناء بأمس الحاجة إلى من يسليه، ويهدِّئ من روعه؛ فلما حاورهما في شأنه وجد عندها السلوة والبشرى؛ حيث استدلت _وهي العاقلة الحصيفة_ على أن من كان هذا شأنه من البر ومحبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنة الله تقضي بأن الجزاء من جنس العمل.

وانظر كيف هُدِيَتْ إلى الذهاب به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ لأنه كان ذا علم وكتابة، ولم تذهب به إلى غيره؛ لشعورها بأن هذا الأمر غريب، وليس من جنس ما يعتري البشر؛ لذا وجد النبي " عند ورقة ما سلاَّه، وبث فيه الروح، وكان ذلك بسبب تلك الزوجة العاقلة([14]).

المثال الثاني: ما كان من أمر أم المؤمنين أم سلمة _رضي الله عنها_ في قصة الحديبية، وذلك عندما قال النبي"لأصحابه: =قوموا فانحروا ثم احلقوا+ فما قام منهم رجل واحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه، فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمَّاً([15]).

فتأمل مجيء النبي " إلى أم سلمة _رضي الله عنها_ وبثه إليها ما لقيه من الناس _وهو مغموم_ فلما حاورها في ذلك الشأن أشارت إليه بذلك الرأي الحصيف، وهو أن يبدأ ذلك بنفسه؛ فأخذ _عليه الصلاة والسلام_ برأيها؛ فحصل الخير الكثير من جراء ذلك.

وفي هذا تنبيه إلى أن الزوج العاقل هو من يُعنى بزوجته، ويرفع من شأنها، ويحاورها، ويستشيرها فيما ينوبه من بعض أحواله.

وفيه إرشاد لمن يستهين بزوجته؛ فلا يراها إلا هملاً مضاعاً، أو لقىً مزدرىً تذروه الرياح؛ فلا يعتد بحوارها، ولا يستشيرها في أي شيء من شؤونه، ولا يأخذ برأيها إن هي أشارت؛ فيخسر بذلك خيراً عظيماً، وسعادة معجلة.

المثال الثالث: أن عائشة _ رضي الله عنها _ كانت البِكْرَ الوحيدة من أزواجه" وكانت تُدِلُّ بذلك، وتشير إليه بذكاء وفطنة امتازت بها، تقول: =يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أُكِل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها في أيِّها تُرتِع بعيرك؟ قال: =في التي لم يُرتع منها+ تعني أن رسول الله"لم يتزوج بكراً غيرها.([16])

ففي هذا الحوار إدلال مقبول لا يخالف الحقيقة، ولا يجانب الصدق؛ فليس من ضرر في استجابة الرسول" وإرضائه لهذا الإدلال والاعتزاز، وإدخاله بذلك السرور على قلب زوجه.

المثال الرابع: ما جاء عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: =خرجتُ مع النبي"في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال لي: =تعالي أسابقك+.

فسابقتُه فسبقتُهُ، فسكتَ عني حتى إذا حملت اللحم، وبدنت، ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال: =تعالي حتى أسابقك+.

فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: =هذه بتلك+([17]).

فهذا حوار مرح يُدْخِلُ _عليه الصلاة والسلام_ به الفرح إلى زوجه.

المثال الخامس: ما كان من لطفه _عليه الصلاة والسلام_ مع عائشة بالكلام، ومداعبته لها، حيث قال مرة: =إني لأعلم إذا كنت عنّي راضية، وإذا كنت عليّ غَضبى+.

قالت: ومن أين تعرف ذلك؟

قال: =أما إذا كنتِ عني راضية فإنك تقولين: لا وربِّ محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا وربِّ إبراهيم+.

قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك.([18])

فما أطيب هذه المعاشرة، وما ألطف رسول الله"، وما أحسن خلق عائشة _رضي الله عنها_ مع زوجها الرسول الكريم".([19])

فهذا شيء من سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في حواره مع زوجاته يتبين من خلاله ذوقه الرفيع، وقدرته على موائمة زوجاته، وإدخال السرور عليهن من خلال الحوار الهادئ الهادف.

ويتبين من خلال ذلك مقدار الخسارة التي يُمنى بها من يفرط بهذا الأدب مع أهل بيته؛ فمن الرجال من لا يأبه بحوار زوجته؛ فتراه يقاطعها إذا تحدثت، أو يتشاغل عنها بقراءة كتاب أو جريدة، أو بمكالمة هاتفية، أو بالإشاحة بالوجه عنها، أو إجالة النظر يمنة ويسرة.

ومن ذلك أن يستخف بحديثها، أو يبادر بإكماله إذا بدأت به، أو أن يقوم عنها قبل إكماله، أو أن يسارع إلى تكذيبها إذا طَرقَتْ سمعه بحديث لم يألفه.

وذلك مما ينغص عيش المرأة، ويوغر صدرها، كيف لا وهي تنتظر من الزوج أن يكون سميرها، وأنيسها الذي تفضي إليه بهمومها، وتجد عنده الحلول المثلى، والعزاء، والمواساة؟

فمن حق الزوجة على زوجها أن يحسن عشرتها، فيهش عند لقائها، ويمازحها ويداعبها؛ تطييباً لقلبها، وإيناساً لها في وحدتها، وإشعاراً لها بمكانتها من نفسه، وقربها من قلبه.

ومن حسن المعاشرة أن يعتني الزوج بمحادثة زوجته، فيصغي لها إذا تحدثت، ويظهر العناية بحديثها، فلا يتشاغل عنها، ولا يقوم قبل أن تكمل حديثها إلا بعد إذنها؛ فذلك من كمال الأدب مع كل أحد فكيف بالزوجة وهي من أحق الناس بالبر؟

وكيف إذا كان ذلك دأب نبينا _عليه الصلاة والسلام_ مع أزواجه؟

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ البخاري (101 و 1249) ومسلم (2633).

[2]_ رواه مسلم (1480).

[3]_ البخاري (5138) ومسلم (1419).

[4] _ الفِرْصة: القطعة.

[5] _ أخرجه البخاري (314 و 7357) ومسلم (332).

[6] _ انظر فتح الباري لابن حجر 1/540، ومن أسئلة للنبي" أ. د. فالح الصغير ص81.

[7] _ البخاري (306).

[8] _ أخرجه مسلم (1149).

[9] _ انظر كتاب أسئلة النساء للنبي" للشيخ أ.د فالح الصغير حيث ساق مائة وتسعة عشر حديثاً في هذا الشأن مع شرحها، وتخريجها، وبيان فوائدها.

[10] _ انظر السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم العمري 2/643.

[11] _ شقوره: بثه وهمه، وهذا مثل يضرب في الإطْلاع على مكنونات السرائر، ولمن يُفضى إليه بما يُكْتَمُ عن غيره من السر. انظر مجمع الأمثال للميداني 2/71_72 (2737)، والمسَتقْصَى في أمثال العرب للزمخشري 1/273 (1154).

[12]_ الناموس: صاحب سر المَلِك، قال بعضهم: هو صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر. انظر الروض الأنف للسهيلي 1/408.

[13] _ البخاري (3 و 3392 و 4953 و 4955) ومسلم (160).

[14]_ انظر الروض الأنف 1/396، وخلاصة السيرة النبوية والدعوة الإسلامية للشيخ محمد رشيد رضا ص19_20.

[15]_ رواه البخاري من حديث الحديبية الطويل (2731) و (2732)، وأحمد 4/326.

[16] _ انظر صحيح البخاري (4789).

[17] _ رواه أحمد (26320) وأبو داود (2578).

[18] _ رواه البخاري (4930 و 5728) ومسلم (2439).

[19] _ انظر زاد المعاد لابن القيم 1/151_152، وسيرة الرسول"مقتبسة من القرآن الكريم لمحمد عزة دروزة 1/68_96، ومحمد"المثل الكامل ص251_259، وفقه السيرة لمحمد منير غضبان ص643_676.

***

المبحث الثاني: حواراته " مع الشباب والصغار

لمحادثةِ المربي الصغارَ فائدةٌ عظمى، وللحوار الهادئ معهم أهمية كبرى، ولتعليمهم آداب الحديث وطرائقه وأساليبه ثمرات جُلَّى؛ فبذلك ينمو عقل الصغير، وتتوسع مداركه، ويزداد رغبةً في الكشف عن حقائق الأمور، ومجريات الأحداث.

كما أن ذلك يكسبه الثقة في نفسه، ويورثه الجرأة والشجاعة الأدبية، ويشعره بالسعادة والطمأنينة، والقوة والاعتبار، مما يعده للبناء والعطاء، ويؤهله لأن يعيش كريماً شجاعاً، صريحاً في حديثه، جريئاً في طرح آرائه.

ولقد كان للنبي " النصيب الأوفى، والقدح المعلى في ذلك الشأن؛ فلقد كان يعنى بهذه الطائفة من الناس؛ فكان يحرص على محاورتهم، ويصغي إلى أحاديثهم، وينظر في اهتماماتهم، ويجيب عن أسئلتهم، وربما ابتدرهم بالسؤال أو الحديثِ دون احتقار لهم، أو غض من شأنهم؛ فَيُعِدُّهم بذلك لأن يكونوا رجالاً يقومون بالمهمات العظام.

وسيرته _عليه الصلاة والسلام_ حافلة بذلك الشأن، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منها ما يلي:

1_ جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك ÷ قال: =كان رسول الله أحسن الناس خلقاً، وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير يقال له أبو عمير: =يا أبا عمير ما فعل النغير؟([1])+([2]).

فانظر إلى هذا الخلق، وذلك التواضع؛ حيث نزل بحواره إلى ذلك الصغير يسأله عن طائر كان يلعب به.

ولسائل أن يقول: وهل وجد النبي " فراغاً لكي يحاور هذا الصغير في هذا الأمر اليسير؟

ويقال: نعم هذا شأن العظماء؛ فهم لصغار الأمور وكبارها؛ فكيف بسيد العظماء وإمامهم؟

2_ وجاء في الصحيحين عن مالك بن الحويرث ÷ قال: =أتينا رسول الله" ونحن شَبَبَة([3]) متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسَأَلَنَا عمن تركنا وراءنا من أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقاً رحيماً، فقال: =ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومُرُوهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي+.([4])

فقد أدرك _ عليه الصلاة والسلام _ بذوقه المرهف أن هؤلاء الشباب قد اشتاقوا إلى أهليهم؛ فسألهم عنهم، ثم أمرهم بالرجوع وتعليم أهليهم، وأمرهم، والصلاة كما كان يصلي.

ومن خلال ذلك الحوار تَلَمَّسَ النبي " حاجات هؤلاء، وراعى أسنانهم، وزرع الثقة في نفوسهم.

3_ وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة ÷ قال: =إن فتى شاباً أتى النبي" فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا؛ فأقبل القوم عليه، فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: ادْنه، فدنا قريباً، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أَفَتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال أَفَتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه؛ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء+.([5])

وقد مضى إيراد هذا الحديث في الفصل الماضي، والشاهد ههنا أن النبي" حاور هذا الشاب، وأدرك أنه صادق، وأنه يريد الزنا بدافع غريزته التي فطر عليها؛ فهو يستأذن النبي".

فلم يعنفه _عليه الصلاة والسلام_ وإنما راعى حاله؛ فأدناه قريباً منه، وأجلسه، وحاوره بكل لطف، وبعد أن اقتنع الشاب من خلال تلك الأسئلة الخمسة التقريرية _ وضع النبي " يده عليه، وفي ذلك مزيد عطف وحنان.

ولم يكتف _ عليه الصلاة والسلام _ بذلك، بل دعا له وهو يسمع بثلاث دعوات هو بأمس الحاجة إليها؛ فكانت النتيجة أن طابت نفس ذلك الشاب، ولم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.

4_ ما كان من مشاوراته لكثير من الشباب حتى في الشؤون الكبيرة، كما في مشاورتِه لأسامة بن زيد في قصة حديث الإفك، وفيه: قالت عائشة _رضي الله عنها_: =فدعا رسول الله" عليَّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد _رضي الله عنهما_ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله.

قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله" بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله! أَهْلَك، ولا نعلم إلا خيراً+ الحديث([6])، وقد مضى ذكره في موضع سابق.

ولا ريب أن لهذه المشورة أثرها في نفس أسامة ÷ فهو في مقتبل عمره، بل ربما لم يصل إلى الخامسة عشرة، ومع ذلك يستشار في مثل هذا الأمر العظيم.

وفي هذا تربية للشباب، واستثارة لقرائحهم، وزرع للثقة في نفوسهم؛ فلا غرو _إذاً_ أن يكون أسامة من أكابر الصحابة، وأن يكون ذا الرأي السديد، والمواقف العظيمة إبان الفتن التي جاءت بعد ذلك.

5_ ما جاء في حديث عُمَرَ بن أبي سلمة ÷ لما كان صغيراً، حيث كان في حَجْرِ([7]) النبي" وكان يأكل طعاماً معه، وكانت يده تطيش في الصحفة، فقال له النبي": =يا غلام! سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك+([8]).

فقد ناداه النبي " فاسترعى انتباهه، ثم وجَّهَهُ دون كهر ولا نهر؛ فأفاد عُمَرُ من ذلك الحوار المليء بالحنان، فقال÷: =فما زالت تلك طِعْمَتي بعدُ+([9]).

6_ ما جاء من حديث ابن عمر ÷ قال: أخذ رسول الله " بمنكبيَّ فقال: =كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل+([10]).

فانظر إلى هذا العطف في هذا الحوار؛ حيث وضع يده على منكبيه؛ ليشعره بالدفء والحنان، ثم أوصاه بتلك الوصايا العظيمة التي استوعبها ابن عمر؛ فكان من أشد الناس اتباعاً للنبي " وكان ÷ يقول: =إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك+([11]).

وهكذا يتبين لنا عناية رسول الله " بحوار الشباب الصغار؛ وأن لذلك أثره البالغ في حياة أولئك؛ حيث أصبحوا قادة وعلماء من جراء تلك الرعاية الكريمة، والتربية العظيمة.

وفي ذلك درس لكل مربٍّ يريد أن يطبع من تحت يده على الشهامة، والمروءة، ومواجهة الحياة؛ إذ يحسن به أن يفيد من تلك السيرة في محاورة صغاره؛ فلذلك أثره في إعداد أولئك لمواجهة تكاليف الحياة ومتغيراتها.

ومع أهمية هذا الأمر وعظم فائدته إلا أن هناك تقصيراً كبيراً فيه؛ فكثير من الناس لا يأبه بمحادثة الصغار ولا يلقي بالاً لتعليمهم آداب الحديث و أساليبه؛ فتراه لايصغي إليهم إذا تحدثوا، ولايجيب عن أسئلتهم إذا هم سألوا، بل ربما كذّبهم إذا أخبروا، ونهرهم وأسكتهم إذا تكلموا.

وهذا من الخلل الفادح، والتقصير الكبير؛ فهذا الصنيع مما يولِّد الخوف في نفس الصغير، كما يورثه التردد، والذلة، والمهانة، والخجل الشديد، وفقدان الثقة بالنفس، بل قد يجر له أضراراً تؤثر في مستقبله ومسيرة حياته.

ولهذا كان حرياً بالمربين_من والدين ومعلمين وغيرهم_أن يعنوا بهذا الجانب، وأن يرعوه حق رعايته، ويفيدوا من السيرة النبوية في هذا الشأن؛ فيحسن بهم إذا خاطبهم الصغار أن يُقبلوا عليهم، وأن يصغوا إلى حديثهم، وأن يجيبوا عن أسئلتهم، وأن ينأوا عن كل ما يشعر باحتقار الصغار وازدرائهم.

إن تدريب الصغير على أدب المحادثة، وتعويده على الحوار الهادئ والمناقشة الحرة_يقفز بالمربين إلى قمة التربية والبناء؛ فبسبب ذلك ينطلق الطفل، ويستطيع التعبير عن آرائه، والمطالبة بحقوقه، فينشأ حراً كريماً أبيَّاً، فيكون في المستقبل ذا حضورٍ مميز، ويكون لآرائه صدىً في النفوس؛ لأنه تربى منذ الصغر على آداب الحديث وطرائقه.

وليس المقصود مما مضى أن يُسرفَ في إعطاء الحرية المطلقة للصغير، فَيُلْقَى له الحبل على الغارب، ويفتح الباب على مصراعيه، فيسمح له بالصفاقة والوقاحة، ويُرضى عن تطاوله وإساءته، ويُضحك له إذا صدر منه عباراتٌ نابية أو كلمات ساقطة؛ زعماً أن ذلك من باب إعطائه الفرصة وتدريبه على الكلام!

لا، ليس الأمر كذلك؛ فالرضا عن سفاهته وتطاوله يغريه بقلة الأدب، والضحك له حال صدور الكلمات القبيحة منه يعد حافزاً له بتكرارها.

فالمقصود أن يؤخذ بيده إلى الآداب المرعية، وأن يدرب على الكلام في حدود الأدب واللياقة بعيداً عن الإسفاف والصفاقة.([12])

وهكذا نفيد من السيرة النبوية هذا الأدب العالي، والأسلوب الرفيع في تربية الصغار من خلال الحوار.([13])

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ طائر كان يلعب به.

[2] _ البخاري (6129 و 6203) ومسلم (2150).

[3]_ جمع شاب.

[4] _ أخرجه البخاري (605 و 5662 و 6819) ومسلم (674).

[5] _ أحمد 5 / 256، 257، وقال الألباني في الصحيحة (370): =وهذا سنده سند صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح+.

[6] _ رواه البخاري (4750).

[7]_ في حَجْره: أي في تربيته وتحت نظره.

[8] _ رواه البخاري (5376 و 5377) ومسلم (2022).

[9] _ رواه البخاري (5376 و 5377) ومسلم (2022).

[10] _ البخاري (6416)، وأخرجه الترمذي (2333).

[11] _ البخاري (6416).

1_ انظر تربية الأطفال في رحاب الإسلام لمحمد الناصر وخولة درويش ص323_325، ومشكلات تربوية في حياة طفلك لمحمد رشيد العويد ص37_41.

[13] _ انظر أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة ص41_42.

***

المبحث الثالث: حواراته " مع الشعراء

لقد خرج النبي " في بيئة عربية، تتنافس في نظم القصيد، والرجز؛ فكان من دواعي إعجابها، واغتباطها ما كان يفيض من قرائح شعرائها، وخطبائها في المفاخرات، والمنافرات، والحَمَالات، والمهادنات.

وما كان لكل عربي أن ينفتق لسانه بقول الجيد من الشعر أو النثر؛ فقد يأتي الجيل والجيلان والقبيلة العظيمة لا يظهر فيها شاعر أو خطيب يعلي صوتها، ويعدد من عام إلى عام مآثرها، ويرفع _ بما ينشؤه _ الضيم عن أهلها، ويُرهب بسلطان بلاغته عدوها.([1])

ولقد كان الشعر أنذاك أشبه بوزارة الإعلام في عصرنا الحاضر؛ فكان له صولة وجولة، ونفوذ ووقع في النفوس؛ فكان يخلد المآثر، ويبين المروءات والمكارم.

ولقد أدرك النبي " هذه الحقيقة؛ فكان للشعراء نصيب من حواره _عليه الصلاة والسلام_ من خلال توجيهه إياهم، واستماعه لهم، واستنشادهم شِعْرَهم، وحَضِّهم على نصرة الإسلام، والدفاعِ عنه، وبيانِ محاسنه؛ فكان يشجعهم، ويسددهم، ويدعو لهم، ويكافئهم، ويستشهد بشعرهم، وربما استوقفهم وناقشهم.

وله في حواراته مع الشعراء أخبار يطول ذكرها، وفيما يلي أمثلة لذلك.

جاء في صحيح مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله " قال: =اهجوا قريشاً؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل+.

فأرسل إلى ابن رواحة فقال: =اهجهم+، فهجاهم, فلم يُرْضِ, فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أَدْلَعَ لسانَه، فجعل يحركه, ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فريَ الأديم، فقال رسول الله": =لا تعجل؛ فإن أبا بكرٍ أعلمُ قريش بأنسابها, وإن لي فيهم نسباً حتى يُلَخِّصَ لك نسبي+.

فأتاه حسان ثم رجع, فقال: يا رسول الله ; قد لَخَّص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.

قالت عائشة: فسمعت رسول الله " يقول لحسّان: =إن روح القُدُس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله+.

وقالت: سمعت رسول الله " يقول: =هجاهم حسان فشفى واشتفى+.([2])

وهكذا أفاد _عليه الصلاة والسلام_ من موهبة حسان الشعرية، وبين له من خلال حواره معه ألا يعجل في الهجاء، حتى يعرف أنساب قريش؛ فلا يقع في ذم رسول الله" من حيث لا يشعر، ووجَّهه إلى نَسَّابة خبير ألا وهو أبو بكر الصديق ÷ حتى يُلَخِّص لحسان نسب رسول الله".

فلما لخص أبو بكر لحسان _رضي الله عنهما_ نسب النبي" بث فيه الرسول" روح الشجاعة والتأييد، وذلك من خلال قوله لحسان: =إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله+.

بل زاد على ذلك بالدعاء لحسان؛ فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة÷ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله" يقول: =أجب عني، اللهم أيده بروح القدس+.

قال: اللهم نعم.([3])

ولقد أنشد كعبُ بن زهير قصيدته المشهورة (بانت سعاد) أمام النبي" فكان للنبي" وقفات أثناء إلقاء القصيدة يحاور قائلها، وأصحابَه فيها، ومن ذلك أن كعباً لما بلغ إلى وصف راحلته، فقال:

قنواء في حرتيها للبصير بها

 

 
 عِتْقٌ مبينٌ وفي الخدين تسهيل

 

قال رسول الله " لأصحابه: ما حرتاها؟ فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم، فقال رسول الله ": هما أذناها.

ولما بلغ كعب قوله في مدح المهاجرين:

لا يقع الطعن إلا في نحورهم

 
 وما لهم عن حياض الموت تهليل

 

نَظَرَ رسول الله "إلى من حوله من قريش نَظَرَ مَنْ يومئ إليهم أن اسمعوا هذا المدح.([4])

ولقد بلغ من إعجابه _عليه الصلاة والسلام_ بتلك القصيدة أن عفا عن كعب بعد أن كان قد أهدر دمه، ومنَّ عليه ببردته.

يقول الشيخ عبدالحي الكتاني×: =وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم، وكانت عنده من أَجَلِّ ملكه وأعظم.

وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدونها أفخر لباس، حتى وصلت مع الدولة لبني العباس.

وكان للأمة الإسلامية كبير اعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة حفظاً، واستنشاداً، وشرحاً، ومعارضة.

قال الشيخ الأديب أبو جعفر البصير الألبيري الأندلسي لما ذكر الكعبية هذه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعب في مسجده _عليه السلام_ بحضرته، وحضرة أصحابه، وتوسل بها فوصل إلى العفو عن عقابه، فسد " خلته، وخلع عليه حُلَّته، وكَفَّ عنه كَفَّ مَنْ أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هدر كلمه، محت حسناتها تلك الذنوب، وستر محاسنُها وجهَ تلك العيوب+.([5])

ومن الأمثلة على حواراته _عليه الصلاة والسلام_ للشعراء، وإجازته لهم هذه القصة الغريبة التي ساقها الشيخ عبدالحي الكتاني بسنده، يقول×:

=باب تكرمه _عليه السلام_ بأعظم سَبْيٍ سُبِيَ له بسبب أبيات شعرية قدمت له _عليه السلام_+.

ثم قال الكتاني: =هذه القصة غريبة في بابها، عزيز إسنادها، افتتن المحدثون، وتهافتوا على روايته؛ لأنه أعلى ما حصل للمتأخرين كالحافظين السيوطي، والسخاوي، وأمثالهما ممن أدرك المائة العاشرة، وروياه عشارياً بينهم، وبين النبي" فيه عشرة وسائط.

قال السخاوي في فتح المغيث: تقع لي العشاريات بالسند المتماسك من المعجم الصغير للطبراني وغيره، ولا يكون في الدنيا أقل من هذا العدد.

وقال السيوطي في التدريب: أعلى ما يقع لنا، ولأضرابنا في هذا الزمان من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع ما بيننا، وبين النبي" فيه اثنا عشر رجلاً، وبالإجازة في الطريق أحد عشر، وذلك كثير، وبضعف يسير غير واه عشرة، ولم يقع لنا بذلك إلا أحاديث قليلة جداً في معجم الطبراني الصغير.

قلت: حُبِّب إليَّ أن أسوقها هنا بأعلا ما حصل لنا، ولأقراننا في قرننا هذا الرابع عشر.

ثم ساقها الكتاني × بسنده إلى أبي جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أَسَرَنا رسولُ الله" يوم هوازن ذهب يُفَرِّق السبي، فأتيته فقلت:

امنن علينا رسول الله في كرم

 
 فإنك المرءُ نرجوه وننتظر

 
امنن على بيضةٍ قد عاقها قَدَرٌ

 
 مشتتٍ شَمْلُها في دهرها غِيَرُ

 
أبقت لنا الدهرَ هتافاً على حزن

 
 على قلوبهم الغَمَّاءُ والغُمر

 
إن لم تَدَارَكْهُمُ نعماءُ تنشرها

 
 يا أرجح الناس علماً حين يختبر

 
امنن على نسوة قد كنت ترضعها

 
 وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

 
لا تجعلنَّ كمن شالت نعامتُهُ

 
 واستبق منا فإنا معشر زُهُرُ

 
إنا لنشكر للنعماء إذ كُفِرَتْ

 
 وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

 
فألبسِ العفو من قد كنت ترضعه

 
 من أمهاتك إن العفو مشتهر

 
يا خير مَن مرحت كُمْتُ الجيادِ به

 
 عند الهياج إذا ما استوقد الشرر

 
إنا نؤمل عفواً منك تُلْبِسَه

 
 هذي البرية إذ تعفو وتنتصر

 
فاعفُ عفا الله عما أنت واهبه

 
 يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر

 

قال: فلما سمع النبي" هذا الشعر قال: =ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم+.

وقالت قريش: ما كان لنا، فهو لله ورسوله.

وقالت الأنصار: ما كان لنا، فهو لله ورسوله.

قال السيوطي في التدريب: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه عشاري أخرجه أبو سعيد الأعرابي في معجمه عن ابن رماحس، وابن قار، عن عبيدالله ابن علي الخواص، عن ابن رماحس، وله شاهد من رواية ابن إسحاق في المغازي.

وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة من حديث زهير، واستشهد له بحديث عمرو ابن شعيب، فهو عنده على شرط الحسن.

ثم أتى السيوطي بكلام الذهبي، وابن عبدالبر، واقتصر عليه قبله شيخ شيوخه الحافظ العراقي في كتابه الأربعين العشاريات الإسناد، وغفلوا جميعاً عن طرقه التي جمعها له سيد الحفاظ ابن حجر في لسان الميزان، انظر ترجمة عبدالله بن رماحس منه ص96 من الجزء الرابع تر عجباً، وقد انفصل على كون الحديث حسن الإسناد، وفي فتح الباري له هو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع.

وفي الإصابة _أيضاً_ وهن ابن عبدالبر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزان في ترجمة زياد بن طارق.

وانظر غنيمة الواجد لأبي زيد الثعالبي، وكان عدد السبي الذي رده _عليه السلام_ على هوازن لما استشفعوا له بهذه الأبيات، كما في المنح المكية للشهاب ابن حجر من النساء والذراري 6000، والإبل 24000، والغنم 40000، و4000 أوقية فضة+([6]).

فهذا شيء من حواره للشعراء، وإجازته لهم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الفصل الخامس عند الحديث عن مجلس رسول الله".

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر أمراء البيان لمحمد كرد علي ص9.

[2] _ مسلم (2490).

[3] _ البخاري (3212) ومسلم (2485).

[4] _ انظر السيرة النبوية لابن هشام 4/113 و 116، والهداية الإسلامية 10/592_593.

[5] _ التراتيب الإدارية للشيخ عبدالحي الكتاني 1/213.

[6] _ التراتيب الإدارية 1/215_218.

***

المبحث الرابع: حواره " مع المخالفين تمهيد

الحوار مع المخالف _أياً كان خلافه_ مطلب له أصوله، وضوابطه، وآدابه، وليس المقام ههنا مقام البحث في ذلك.

وإنما المقصود بيان شيء من هديه _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الشأن.

فلقد كان " يحاور أصناف المخالفين من يهود ونصارى، ومشركين ومنافقين، ومسالمين ومحاربين سواء كانوا من أكابر أقوامهم، أو من عامتهم.

وكان _في ذلك كله_ يأخذ بما أدَّبه به ربه في الكتاب العزيز، كمثل قوله _تعالى_: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل:125).

وقوله _عز وجل_: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] (العنكبوت:46).

وقوله _تبارك وتعالى_: [وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة:8).

إلى غيرها من الآيات الحاثة على العدل، والإحسان، ولو كان المخالف من ذوي الشنآن.

والسيرة العملية في حواراته مع الطبقات المخالفة ناطقة بذلك شاهدة به.

وفيما يلي بيان لذلك بشيء من التفصيل.

أولاً: حواراته مع اليهود: اليهود قوم بهت، وقبل بعثته _عليه الصلاة والسلام_ كانوا يستفتحون على الذين كفروا، ويخبرونهم بأنه سيخرج نبي، وأنهم سوف يحاربون معه، فلما جاءهم ما عرفوا من ظهور النبي" كفروا، وكذبوا هذا النبي، وآذوه، وسحروه، وهموا بقتله، وأرادوا إطفاء نوره، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.

وكان من جملة ما قاموا به: محاولة إيقاعه في الحرج بكثرة الأسئلة، وإثارة الشبه؛ إذ كانوا أهل علم وجدل؛ فكان _عليه الصلاة والسلام_ يحاورهم ويجادلهم بالتي هي أحسن؛ فيجيب عن أسئلتهم، وإشكالاتهم، وشبههم التي يثيرونها.

كل ذلك في غاية ما يكون من الحسنى، ولين الكلام، وقوة الحجة.

وقد مضى شيء من ذلك في فصول سابقة من هذا البحث، ومن ذلك _زيادة على ما مضى_ ما يلي:

المثال الأول: ما جاء في صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله" قال: =كنت قائماً عند رسول الله" فجاء حبر من اليهود، فقال: السلام عليكم يا محمد؛ فدفعته دفعةً كاد يصرع منها، فقال: لِمَ تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله، فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله": =إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي+.

فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله": =أينفعك شيء إن حدثتك؟+.

قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله"بعود معه، فقال: =سل+ فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟

فقال رسول الله ": =هم في الظلمة دون الجسر+ قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: =فقراء المهاجرين+.

قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟

قال: =زيادة كبد النون+.

قال: فما غذاؤهم على إثرها؟

قال: =ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها+.

قال: فما شرابهم عليه؟ قال: =من عين فيها تسمى سلسبيلاً+ قال: صدقت.

قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي، أو رجل، أو رجلان، قال: =أينفعك إن حدثتك؟+ قال: أسمع بأذني.

قال: جئت أسألك عن الولد، قال: =ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأةِ أَذْكَرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأةِ منيَّ الرجل آنثا بإذن الله+.

قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف، فذهب.

فقال رسول الله ": =لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به+([1]).

فالنبي _عليه الصلاة والسلام_ كان يُلْزِم أهل الكتاب بما في كتبهم من العلم، وينعى عليهم مخالفتهم لما جاءت به رسلهم، وكانوا؛ لعلمهم بالكتاب يوجهون أسئلة تشتمل على شيء من الدقة والمعرفة وإن كانوا ضالين.

والحبر اليهودي في هذا الحديث حاور النبي" ودار في خلده أن النبي" لن يستطيع الإجابة عن أسئلته، غير أن ظنه لم يكن في محله؛ حيث أجابه النبي" عن تلك الأسئلة([2]).

كما أن في ذلك الحوار أدباً نبوياً عالياً، ألا وهو التواضع الجم؛ فالنبي" تواضع لهذا اليهودي، وتنزل في محاورته؛ حيث وافقه، ورضي منه بأن يناديه باسمه المجرد دون أن يعترف له بالرسالة؛ طمعاً في هدايته.

كما أن فيه أدباً آخر من آداب الحوار ألا وهو ترك التحاور فيما لا ينفع؛ حيث سأل النبيُّ" الحبرَ عن مدى نفع جوابه له، فقال: =أينفعك إن حدثتك؟+.

ولهذا آتى الحوار ثمرته، وانقطع اليهودي، وأقر بالنبوة للنبي".

المثال الثاني: ما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود ÷ قال: بينما أنا أمشي مع النبي " في حرث وهو متكئ على عسيب؛ إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: =ما رابكم إليه+.

وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح؛ فأمسك النبي " فلم يرد عليهم شيئاً؛ فعلمت أنه يوحى إليه؛ فقمت مقامي، فلما نزل الوحي، قال: [وَيَسْأَلُوْنَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً]+([3]).

المثال الثالث: ما جاء عن الفَلَتان بن عاصم، وذكر أن خاله قال: كنت جالساً عند النبي " إذ شَخَص بصرُه إلى رجل؛ فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبي " يكلمه، وهو يقول: يا رسول الله؛ فقال رسول الله ": =أتشهد أني رسول الله؟+ قال: لا.

قال رسول الله ": =أتقرأ التوراة؟+ قال: نعم.

قال: =أتقرأ الإنجيل؟+ قال: نعم.

قال: =القرآن؟+ قال: لا، ولو تشاء قرأته.

فقال النبي ": =فِبمَ تقرأ التوراة والإنجيل أتجدني نبياً؟+ قال: =إنا نجد نَعْتَك ومخرجك؛ فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفنا أنك لست به.

قال رسول الله ": =ولِمَ يا يهودي؟+ قال: إنا نجده مكتوباً يدخل من أمته سبعون ألفاً بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفراً يسيراً.

فقال رسول الله ": =إن أمتي لأكثر من سبعين ألفاً، وسبعين ألفاً+.([4])

ثانياً: حواراته مع النصارى: لقد كان للنبي" حوارات مع النصارى سواء كانوا أفراداً أو جماعة، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

المثال الأول: ما جاء في صدر سورة آل عمران إلى ثلاث وثمانين آية منها؛ حيث نزلت في وفد نجران من النصارى _كما يقول ابن كثير × في مطلع سورة آل عمران_.([5])

وقال × في تفسير قوله _تعالى_: [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ] (آل عمران: 61).

قال: =وكان سبب نزول هذه المباهلة، وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران, أن النصارى لما قدموا؛ فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البُنُوَّة والإلهية؛ فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم.

قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: وقدم على رسول الله" وفد نصارى نجران ستون راكباً, فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، يؤول أمرهم إليهم وهم: العاقب واسمه عبد المسيح, والسيد وهو الأيهم, وأبو حارثة ابن علقمة أخو بكر ابن وائل, وأويس بن الحارث, وزيد, وقيس, ويزيد وابناه, وخويلد, وعمرو, وخالد, وعبدالله, ومحسن, وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم:

العاقب: وكان أميرَ القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم, والذي لا يصدرون إلا عن رأيه.

والسيد: وكان عالِمَهُمْ وصاحبَ رحلهم ومجتمعهم.

وأبو حارثة بن علقمة: وكان أسقفهم وصاحب مدارستهم, وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل, ولكنه تنصر؛ فعظمته الروم وملوكها، وشرَّفوه, وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم, وقد كان يعرف أمر رسول الله" وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكنْ حمله ذلك على الاستمرار في النصرانية؛ لما يرى من تعظيمه فيها، وجاهه عند أهلها.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير, قال: قدموا على رسول الله" المدينة, فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر, عليهم ثياب الحبرات جُبَبٌ وأرديةٌ في جمال رجال بني الحارث بن كعب, قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي": ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم؛ فقاموا في مسجد رسول الله " فقال رسول الله ": =دعوهم+ فَصَلَّوا إلى المشرق, قال: فَكَلَّم رسولَ الله" منهم أبو حارثة بن علقمة, والعاقبُ عبدُ المسيح, والسيدُ الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله, ويقولون: هو ولد الله, ويقولون: هو ثالث ثلاثة _تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً_.

وكذلك النصرانية, فهم يحتجون في قولهم هو الله, بأنه كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام, ويخبر بالغيوب, ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً, وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله آية للناس, ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم, وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله, ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله _تعالى_: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا.

فيقولون: لو كان واحداً، ما قال إلا: فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت, ولكنه هو وعيسى ومريم _تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً_.

وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن, فلما كلمه الحبران, قال لهما رسول الله": =أسلما+، قالا: قد أسلمنا.

قال: =إنكما لم تسلما فأسلما+، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك.

قال: =كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير+.

قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله " عنهما فلم يجبهما, فأنزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.

ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول الله " الخبر من الله، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك, فقالوا: يا أبا القاسم, دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه, ثم انصرفوا عنه, ثم خلوا بالعاقب, وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل, ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم, ولقد علمتم أنه ما لاعن قَوْمٌ نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم, وإنه لَلاستئصال منكم إن فعلتم, فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم, فأتوا النبي" فقالوا: يا أبا القاسم, قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا, فإنكم عندنا رضا.

قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ": =ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين+.

فكان عمر بن الخطاب ÷ يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ, رجاء أن أكون صاحبها, فرحت إلى الظُّهر مهجراً, فلما صلى رسول الله" الظهر, سلم ثم نظر عن يمينه وشماله, فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره، حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه, فقال: =اخرج معهم؛ فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه+.

قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة ÷.

وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة, عن محمود بن لبيد, عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله", فذكر نحوه, إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر, وذكر بقيته بأطول من هذا السياق, وزيادات أخر.([6])

فهذا شيء من حواراته مع النصارى، ونلاحظ فيها قوة الحجة، وجمال الحق، وشدة التأثير والإقناع.

ولولا أن أولئك النفر من النصارى كانوا أهل هوى وإيثار للدنيا على الآخرة لأسلموا وأذعنوا.

ولكنهم أصروا على كفرهم مع وضوح الحق، وعلمهم بذلك.

ولو كانوا على يقين من أمرهم لباهلوا النبي".

قال ابن القيم× في معرض حديث له عن ذكر فوائد تلك القصة: =ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب، ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامُه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة؛ فليولِّ ذلك إلى أهله، وليخلِّ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها+([7]).

المثال الثاني: ما جاء في قصة قدوم عدي بن حاتم الطائي ÷: يقول ابن هشام×: =وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله " حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرأً شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت أسير في قومي بالمرباع([8]) فكنت في نفسي على دين وكنت ملكاً في قومي، لما كان يُصنع بي.

فلما سمعت برسول الله " كرهته، فقلت لغلام كان لي عربيٍّ، وكان راعياً لإبلي: لا أبا لك، أعْدُدْ لي من إبلي أجمالاً ذُلُلاً سماناً، فاحْتَبِسْها قريباً مني؛ فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني; ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي، ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن؛ فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد.

قال: فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام؛ فسلكت الجوشية، ويقال الحوشية فيما قال ابن هشام وخلفت بنتاً لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها+([9]).

ويواصل ابن هشام الكلام على خبر قدوم عديٍّ، وأَسْرِ أُخْته سَفَّانة، فيذكر عن عدي قوله: =وتخالفني خَيْلٌ لرسول الله "فتصيبُ ابنةَ حاتم فيمن أصابت فَقُدِمَ بها على رسول الله " في سبايا من طيء، وقد بلغ رسول الله " هربي إلى الشام.

قال: فَجُعِلَتْ بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن فيها، فمر بها رسول الله " فقامت إليه، وكانت امرأةً جَزْلَةً، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد؛ فامنن عليَّ من الله عليك.

قال: =ومن وافدك؟+ قالت: عدي بن حاتم، قال: =الفارُّ من الله ورسوله؟+.

قالت: ثم مضى رسول الله " وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي، فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس.

قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرَّ بي وقد يئست منه، فأشار إليَّ رجل من خلفه أَنْ قُوْمِيْ؛ فكلميه قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد؛ فامنن عليَّ من الله عليك، فقال ": =قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك مَنْ يكون لك ثقة؛ حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنيني+.

فسألت عن الرجل الذي أشار إليَّ أن أكلمه، فقيل: علي بن أبي طالب _رضوان الله عليه_ وأقمت حتى قدم ركب من بَلِي أو قُضاعة، قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام.

قالت: فجئت رسول الله " فقلت: يا رسول الله ! قد قدم رهط من قومي، لي فيهم ثقة وبلاغ.

قالت: فكساني رسول الله " وحَمَلَني، وأعطاني نفقةً، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.

قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، إذ نظرت إلى ظعينة([10]) تصوب إليَّ تؤمُّنا، قال فقلت: ابنة حاتم، قال: فإذا هي هي.

فلما وقفت عليَّ انسحلت([11]) تقول: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك _عورتك_.

قال قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيراً؛ فوالله ما لي من عذر لقد صنعت ما ذكرت.

قال ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها _ وكانت امرأة حازمة _: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذل في عز اليُمْن، وأنت أنت.

قال قلت: والله إن هذا الرأي.

قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله " المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله" فانطلق بي إلى بيته؛ فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته؛ فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها، قال قلت في نفسي: والله ما هذا بملك ! قال: ثم مضى بي رسول الله " حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوةً ليفاً فقذفها إلي، فقال: اجلس على هذه، قال قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله " بالأرض، قال قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك ! ثم قال: =إيه يا عدي ابن حاتم ألم تك ركوسياً؟+ قال قلت: بلى.

قال: =أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟+ قال قلت: بلى.

قال: =فإن ذلك لم يكن يَحِلُّ لك في دينك+ قال قلت: أجل والله.

وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يُجهل، ثم قال: =لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم؛ فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد مَنْ يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم؛ فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تَسْمَعَ بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم+ قال: فأسلمت.

وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان، وبقيت الثالثة والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه+([12]).

فهذا نموذج رائع من حواراته " مع النصارى؛ حيث منَّ على سفانة أخت عدي بعد حواره معها؛ فأطلق سراحها، وكساها، وأعطاها نفقة.

ثم إن في حوارات النبي " عدياً ÷ لفتاتٍ رائعةً في موضوع الحوار، وأصوله، وآدابه؛ حيث أحسن _عليه الصلاة والسلام_ استقبال عدي، وأنزله منزلته اللائقة به؛ فَقَرَّب إليه الوسادة؛ لعلمه بأنه سيد قومه؛ فكان لذلك أثره في نفس عدي، ثم حاوره في دينه، وما كان عليه من أخذ المرباع، فكان لذلك _أيضاً_ أثره في نفس عدي؛ إذ أدرك أن هذا النبي لا يتكلم إلا عن علم ويقين.

وفي نهاية المحاورة رَغَّبه النبي " بالإسلام، وحدَّثه عما سيكون في مستقبل الأيام؛ فكان ذلك أقوى الدوافع لإسلام عديٍّ؛ فأسلم ورأى مصداق ما أخبره به النبي ".

ثالثاً: حواراته " مع المنافقين: لقد لقي النبي _عليه الصلاة والسلام_ من المنافقين ما تشيب منه النواصي من المواقف الدنيئة، والأفعال الساقطة.

ومع ذلك فقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يعاملهم بما يشبه معاملة المهتدين من المسلمين من الرحمة، والرفق، ومعاملة الإساءة بالعفو، أو الإحسان.

وكان يحاورهم بألطف المحاورة، ويحملهم على ظواهرهم، دون بحث عما تكنه سرائرهم، وتنطوي عليهم دخائل نفوسهم.

ويشهد لذلك حوادث كثيرة، ولعل أجلاها ما كان من أمره مع رأس المنافقين عبدالله بن أُبَي بن سلول، وإليك طرفاً من ذلك.

جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد، أن نبي الله " ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث من الخزرج، قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلسٍ فيه عبد الله بن أبي قبل أن يسلم عبد الله ابن أبي _أي: يتظاهر بالإسلام_ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غَشِيَتِ المجلسَ عجاجةُ الدابةِ خَمَّر عبدُالله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله " عليهم، ثم وقف؛ فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله ابن أبي بن سلول: أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال: عبدالله بن رواحة: بلى يا رسول الله؛ فاغشنا به في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون، والمشركون، واليهود؛ حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي " يُخَفِّضُهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي " دابته، حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي": =يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب _يريد عبد الله بن أبي_ قال: كذا وكذا+.

قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعف عنه واصفح؛ فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة _أي: البلدة، وهي يثرب التي صارت المدينة وطيبة_ على أن يتوِّجوه، فَيُعَصِّبوه بالعصابة _أي: يتوجوا عبدالله بن أبي ملكاً عليهم_ فلما أبى الله ذلك، فاتت الفرصة على عبد الله ابن أُبَي، وفاته الملك للإسلام الذي جاء؛ فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك _أي: غص به وكرهه_ فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله".([13])

فهذا الحديث من أعظم ما يكون من أمثلة التعامل مع المخالف.

ولو أراد باحث أن يستقصي ما فيه مما يتعلق بالحوار لطال به المقام؛ فانظر كيف اسْتُقْبِلَ _عليه الصلاة والسلام_ بذلك الاستقبال الفاتر الذي لا يليق بأحط الناس؛ فكيف بخير الناس؛ حيث غطى ابن أبي أنفه بردائه؛ إشارة إلى الكراهية.

ولم يكتف بذلك، بل قال: =لا تغبروا علينا+ فاجتمع في الإساءةِ إشارةُ اليد، وإطلاقُ اللسان.

ولم ينل ذلك الموقف نيله من النبي _ عليه الصلاة والسلام_ بل سلَّم عليهم؛ فلم يقابل إساءتهم إلا بالإحسان، ثم وقف، وتواضع؛ فنزل عن دابته، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، ثم أعطى الفرصة لمحاوريه، فتقدمهم عبدالله بن أبي، فقال بكل صفاقة وشك: =أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك؛ فمن جاءك فاقصص عليه+.

فقد نادى النبيَّ " بنداء المُنْكِر له ولنبوته؛ فقال: =أيها المرء+.

ولم يقل: يا نبي الله، أو يا أبا القاسم، أو يا محمد.

ثم أي أذية سوف تنالهم من حديث هذا النبي الأكرم حتى يقول ابن أبي: =فلا تؤذنا به+؟

وبعد أن اسْتَبَّ المجلس، وكادوا يتقاتلون صار _عليه الصلاة والسلام_ يخفضهم بلهجته الهادئة الرحيمة حتى سكنوا، وزالت عنهم سورة الغضب.

ثم لما لم يجد للحوار قيمة بعد ذلك ركب دابته، وانصرف.

وهل وقف الأمر عند هذا؟ لا، بل إنه لما دخل على سعد بن عبادة قال _عليه الصلاة والسلام_: =يا سعد! ألم تسمع ما قال أبو حباب _يريد عبدالله بن أبي_ قال: كذا وكذا+.

فتأمل هذا الأدب الرفيع، وهذه النفس الكبيرة، وذلك القلب المفعم بالحب، والعدل، والإحسان؛ لم يقل: ألم تسمع ما قال ذلك الأشقى، أو الألد، أو غيرها من الألفاظ التي تليق بعبدالله بن أبي، بل لم يُسَمِّه باسمه المجرد، ولم يقل: ابن أبيٍّ، وفي ذلك عدل، وإقساط.

وإنما ارتقى؛ ليفصح عما هو أعظم من ذلك، وليبين مدى تسامحه، ورقته، ورأفته، وسلامة صدره، وترفعه؛ فَكَنَّاه بكنيته وقال: =أبو حباب+.

والتكنية المحببة إلى الإنسان هي مما يسره؛ ولا يقولها من في نفسه غضب أو غضاضة، ومع ذلك كناه بكنيته المحببة إليه، مع أن ابن أبيَّ ناداه بـ: يا أيها المرء _كما مر_.

ثم تأمل ما كان من ذلك السيد الألمعي الصحابي الجليل سعد بن عبادة؛ حيث لمح تأثر النبي" وأدرك سَعَةَ نفسه، وكِبَرَ قلبِه بتكنيته ابن أبي، فأراد تسليته، وطلبَ العفو منه؛ فطابت نفسه _عليه الصلاة والسلام_ وعفا عن ابن أبي.

وهل صار لذلك الحوار، وتلك الإساءة من ابن أبي أثر في نفس النبي" وهل قطع إحسانه عنه؟ أو جعلها ذريعة للوقيعة فيه؟.

وهل توقف ابن أبي عن مخازيه؟ لا؛ فهو الذي آذى النبي أيما أذية؛ حيث آذاه في بيته كما في قصة الإفك _ فهو الذي تولى كبره، وأشاع قالة السوء عن عائشة _رضي الله عنها_.

وهو الذي رجع بمن تبعه من الطريق يوم أحد، فخذل النبي"في أحرج أوقاته، وهو الذي قال _كما أخبر الله عز وجل عنه_: [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] (المنافقون:8).

وهو صاحب المواقف المشهورة بالخزي والشنار.

هذا الرجل الذي كان من شأنه ما كان لما مات طلب ابنُه من النبي قميصه؛ ليكفنه فيه؛ تطهيراً له؛ فأعطاه قميصه كفناً لزعيم المنافقين !

أرأيت أكرم من هذا الصنيع؟ وهل وقف الأمر عند هذا الحد؟

لا، بل مشى _ عليه الصلاة والسلام _ إلى قبره، فوقف يريد الصلاة عليه، فوثب إليه عمر بن الخطاب ÷ وقال: أتصلي على ابنِ أُبَيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ يعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله" وقال: =أخِّر عني يا عمرُ+.

فلما أكثر عليه قال: =إني خيِّرت فاخترت؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها+.

وذلك إشارة إلى قوله _تعالى_ في المنافقين: [اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (التوبة:80).

ففي الخيار بين أن يستغفر أو لا يستغفر نزعت به طبيعته الرحيمة إلى الاستغفار لأعدائه.

قال عمر بن الخطاب في نهاية الحديث: =فصلى عليه رسول الله " ثم انصرف؛ فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: [وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)] (التوبة).

قال: فعجبت بَعْدُ من جرأتي على رسول الله " يومئذٍ، والله ورسوله أعلم+.([14])

فهذه مواقفه مع زعيم المنافقين؛ فما ظنك بمن دونه؟

ولا ريب أن لتلك الحوارات والمواقف أثرها البالغ على الموافق والمخالف؛ فالموافق يأخذ العبرة؛ فيصبر على جفاء المسيء، وينتظر حسن العاقبة.

والمخالف يُقْصِر عن التمادي، ويراجع نفسه، وربما رجع عن غيه؛ لأن النار إنما تُذكى بالعودين.

والمتأمل للسيرة النبوية يلحظ أن النبي" لم يكن ليستعديَ أحداً من الناس كائناً من كان، بل كان يخطب الود في كافة حواره، وفي أي فرصة تسنح له.

رابعاً: حواراته مع المشركين: لقد خرج _عليه الصلاة والسلام_ في بيئة عم فيها الشرك، والتقرب للأوثان؛ فكانت قبيلة قريش على الشرك.

وقد جاء بتلك الدعوة الطاهرة التي تأمر الناس بتوحيد الله، وتنهاهم عن الشرك به؛ فما كان من أولئك القوم إلا أن كذبوه، وناصبوه العداء؛ فكان يعفو، ويصفح، ويلقاهم بالجميل، ويعرض عليهم الدعوة بوضوح وجلاء.

ومما كان يأخذ به إبان دعوته _ مبدأ الحوار، فكان يبتدرهم بالحوار، وكان يجيب عن إشكالاتهم، وكان ينصت لهم، ويصغي لما يقولون، ويأخذ بكل ما تقتضيه أصول الحوار وآدابه.

وقد مر في فصول ماضية نماذج من ذلك، ومن أجلاها حواره العظيم مع زعيم من زعماء قريش وهو عتبة بن ربيعة.

ومما كان يأخذ به حال حواره معهم أنه يحسن استقبالهم، ويرغِّبهم في الإسلام، ويُقبل على من يرغب بالدخول فيه، ويشعرهم بعظيم مغفرة الله، وجزيل ثوابه، وعفوه عما سلف.

وإذا دخلوا في الإسلام لم يذكرهم بماضيهم، وما كان منهم قبل الإسلام؛ فالعبرة عنده بكمال النهاية لا بنقص البداية.

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومن أجلاها ما يلي:

أ_ ما جاء في قصة الصحابي الجليل عمرو بن العاص÷ وهو في سياق الموت؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن شِمَاسة المَهْرِي قال: حَضَرْنا عَمْرَو ابن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنُه يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله" بكذا، أما بشرك رسول الله " بكذا؟

قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نُعِد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ إني قد كنت على أطباق ثلاثٍ: لقد رأيتُني وما أحدٌ أشدّ بغضاً لرسول الله " مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي " فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: =ما لك يا عمرو؟+.

قال: قلت: أردتُ أن أشترط، قال: =تشترط بماذا؟+.

قلت: أن يُغْفَر لي، قال: =أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله+.

وما كان أحد أحبّ إلي من رسول الله " ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأَ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطَقْتُ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم وَلِينَا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مُت فلا تَصْحَبْني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشنوا عليَّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قَدْرَ ما تُنحر جزور ويُقسم لَحْمُها؛ حتى أسْتَأْنِسَ بكم، وأنظر ماذا أراجعُ رسلَ ربي+.([15])

والشاهد ههنا ما كان في حوار عمروٍ للنبي " لما أراد الدخول في الإسلام وذلك عندما قال: فقبضت يدي، فقال الرسول ": =مالك يا عمرو+؟

فإن عمرواً ههنا توقف، وأراد أن يعرف مصير أعماله التي سلفت منه في الكفر؛ فاشترط أن يغفر له.

فما كان من النبي" إلا أن أقبل عليه، ورغَّبه في الإسلام، وبَشَّره بأعظم مما كان يتصور، وبيَّن له أن الإسلام، والهجرة، والحج كل أولئك يهدم ما قبله؛ فكان ذلك دافعاً لإقبال عمرو على الإسلام.

ولما أسلم عمرو، وحسن إسلامه كان من أكابر الصحابة، وكان النبي" يُدْنيه، ويتطلَّق له، ولا يذكِّره بماضيه؛ فملكت تلك المعاملةُ شِغَافَ قلب عمرو، فانقلبت تلك البغضة إلى محبة، بل إنه _كما يقول_ لا يستطيع وصف رسول الله؛ لأنه لم يملأ عينيه منه؛ إجلالاً له.

وهكذا ملك _ عليه الصلاة والسلام _ قلب هذا الرجل الداهية العظيم، وإنما ملكه بحسن حواره، ولطف معاملته؛ فصار أحب الناس إليه.

ب _ ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك÷ قال: نهينا أن نسأل رسول الله" عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية؛ فيسأله، ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم، فقال: يا محمد، أتانا رسولك؛ فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: =صدق+.

قال: فمن خلق السماء؟ قال: =الله+.

قال: فمن خلق الأرض؟ قال: =الله+.

قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: =الله+.

قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: =الله+.

قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع، الله أرسلك؟ قال: =نعم+.

قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: =صدق+.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: =نعم+.

قال: وزعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا؟ قال: =صدق+.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: =نعم+

قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا؟ قال: =صدق+.

قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: =نعم+.

قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: =صدق+.

قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: =نعم+.

قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن.

فلما مضى، قال: =لئن صدق، ليدخلن الجنة+([16]).

وهكذا اتسع صدر النبي" لهذا السائل وهو ضمام بن ثعلبة، وأجابه عن أسئلته كلها بحلم، وصبر، وعلم؛ فكانت سبباً لدخول ضمام في الإسلام.

ج _ ما كان منه _عليه الصلاة والسلام_ في فتح مكة؛ فالنبي " لا يتخلى عن عادته الجميلة، وأخلاقه الكريمة في الحوار حتى في حال الحرب، التي _غالباً_ ما يزهو فيها المنتصر، ويحاور خصومه بلغة التعالي، والشماتة، والفخر، والإعجاب بالنفس.

وإذا أردت مثالاً يثبت فؤادك فانظر إلى ما كان منه _عليه الصلاة والسلام_ يوم فتح مكة الذي حصل بعد صراع مرير، وبعد أن فعلت قريشٌ بالنبي" وأصحابه ما فعلوا.

فعندما انتصر عليهم، وأحاط بهم إحاطة السِّوار بالمِعْصم، وظنت قريش الظنون؛ لعلمهم بسوء صنيعهم السابق، وحسبوا أنه سيدخل مكة دخول الجبابرة والطغاة مزهواً منتقماً _ فاجأهم بأن جاء متواضعاً متخشعاً لربه، غير مَزْهوٍّ بنصره، ولا شامت بأعدائه.

وعندما رأى قريشاً وهم يتوقعون الإجهاز عليهم، ورأى جموع الصحابة وهم يتلمظون تَلَمُّظَ الحيَّات وهم ينتظرون أدنى إشارة منه حتى يبيدوا خضراء قريش _ قال النبي _عليه الصلاة والسلام_ مخاطباً قريشاً: =ما تظنون أني فاعل بكم+؟

قالوا: أخ كريم وابن أخٍ كريم.

قال: =فاذهبوا فأنتم الطلقاء+.([17])

أين هذا الحوار الراقي من كثير مما نراه في حروب اليوم، من الغطرسة، والكبر، وظلم الضعفاء، وإذلالهم؟!

خامساً: حواراته مع الزعماء والملوك: لقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يدعو الناس جميعاً إلى دين القَيِّمة.

ومن أولئك الناسِ الزعماءُ والملوك؛ فقد كان يحاورهم بالتي هي أحسن، إما حواراً مباشراً، أو عبر الكتب التي يكاتبهم بها، أو يرسل إليهم رسلاً، ويعلمهم كيف يحاورون أولئك.

وكان في ذلك كله يأخذ بالحكمة مع أولئك؛ فيحاورهم بما يليق بهم من مراعاة أحوالهم، وتنزيلهم منازلهم، ومخاطبتهم بما هو أدعى لهدايتهم، وأقرب إلى جلب المصالح للمسلمين، ودفع الغوائل عنهم.

وقد مر في فصول مضت شيء من ذلك كما في مكاتباته لهرقل عظيم الروم، وكما في حواره مع ثمامة بن أثال _وهو من زعماء قومه_ وكما في حواره مع عدي بن حاتم.

قال ابن القيم × في فصل من فصول كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد: =فصل في كتبه ورسله " إلى الملوك+.

قال: =لما رجع من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض، وأرسل إليهم رُسَلَه، فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوماً؛ فاتخذ خاتماً من فضة، ونقش عليه ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع+. ([18])

ثم شرع ابن القيم × في تفصيل ذلك، وبيَّن ما دار بين أولئك الرسل الذين بعثهم النبي " ومن أرسلوا إليه من الملوك، وأن أوَّلَ أولئك الرسل عمرو بن أمية الضمري بعثه النبي " إلى النجاشي؛ فعظم كتاب النبي" وأسلم، وشهد شهادة الحق.

وثاني أولئك الرسل: دحية الكلبي الذي بعثه إلى قيصر ملك الروم، وقد مضى الحديث عنه، وأنه همَّ بالإسلام، وكاد ولم يفعل.

وثالثهم: عبدالله بن حذافة السهمي الذي بعثه إلى كسرى؛ فمزق كتاب النبي" فمزق الله ملكه، وملك قومه.

ورابعهم: حاطب بن أبي بلتعة بعثه إلى المقوقس، واسمه جريج بن ميناء، ملك الإسكندرية، عظيم القبط، فقال: خيراً، وقارب الأمر، ولم يسلم، وبعث إلى النبي" بهدايا.

وخامسهم: شجاع بن وهب الأسدي بعثه إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني ملك البلقاء.

وسادسهم: سليط بن عمرو إلى هَوْذَة بن علي الحنفي باليمامة+.

ثم تكلم ابن القيم × عن آخرين أرسلهم النبي " إلى ملوك وزعماء آخرين في كلام يطول ذكره، وليس هذا مجال بسطه، وإنما المقصود به الإشارة إلى أن النبي" لم يهمل تلك الطائفة من الناس من حواره، بل جعل لها الاهتمام الأكبر؛ لعلمه بأن هداية أولئك سيترتب عليها خير كثير، وسيدفع بسببها شر مستطير.([19])

وبالجملة فإن محاوراته مع المخالفين عموماً يطول وصفها، وقد اعتنى المُحَدِّثون، وأهل السير، والفقهاء بتلك المعاملات مع المخالفين من الذميين، أو المستأمنين، أو المحاربين أو غيرهم، والمقام ليس مقام بسط لذلك.([20])

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ مسلم (315).

[2] _ انظر تاريخ الجدل للشيخ محمد أبو زهره ص49، والحوار للمغامسي ص141.

[3] _ البخاري (125 و 4721 و 7297 و 7456 و 7462) ومسلم (2794).

[4] _ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10/407 _ 408 وقال: =رواه البزار، ورجاله ثقات+.

وكذا ذكره ابن كثير في صحيح السيرة النبوية ص74 _ 75 وقال: =هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه+.

وقال الألباني في صحيح السيرة النبوية لابن كثير ص75: =إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات+.

[5] _ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/551.

[6]_ انظر تفسير ابن كثير 1/551_552، وانظر صحيح البخاري (4380 و 4381) ومسلم (2420).

[7]_ زاد المعاد 3/639.

[8]_ أي آخذ ربع الغنيمة، وكذلك كان يفعل الرؤساء في الجاهلية.

[9]_ السيرة النبوية لابن هشام 4/166_167.

[10]_ الظعينة: المرأة في الهودج.

[11]_ انسحلت: أخذت تلوم.

[12]_ السيرة النبوية 4/167_168.

[13] _ البخاري (4566) ومسلم (1798).

[14] _ انظر صحيح البخاري (1366).

[15] _ مسلم (121).

[16] _ البخاري (63) ومسلم (12).

[17] _ انظر سنن البيهقي الكبرى 9/118، وفتح الباري لابن حجر 8/18.

وما مضى من أحكام الحرب وآدابها إنما هو نزر يسير مجمل، أما تفاصيل ذلك، واستثناءاته وأحكامه فهي مبثوثة في التفاسير، وكتب الفقه، وشروح الحديث، والكتب التي أفردت في الحرب، والجهاد وما إلى ذلك.

انظر المبسوط للسرخسي 10/5، وشرح فتح القدير لابن الهمام 4/90، والمغني لابن قدامة 9/326، وروضة الطالبين للنووي 10/150، وآداب الحرب في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين، وقواعد الحرب في الشريعة الإسلامية للشيخ عواض الوذيناني.

[18] _ زاد المعاد 1/119.

[19] _ انظر تفصيل ذلك في زاد المعاد 1/119_124.

[20] _ انظر المبسوط للسرخسي 10/5، وشرح فتح القدير لابن الهمام 4/90، وروضة الطالبين للنووي 10/150، والفروق للقرافي 3/14، وآداب الحرب للشيخ محمد الخضر حسين، وأهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي لنمر محمد الخليل ص127_161، وأهل الذمة في الحضارة الإسلامية لحسن المِمِّي ص101_105، وحقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية د. علي الطيار.

***

الفصل الخامس: الأماكن التي يجري فيها الحوار النبوي تمهيد

حوارات النبي " تجري في أماكن عديدة، وفي أزمان مختلفة، وقد مر في فصول البحث الماضية أنه كان يحاور كافة الطبقات، ومن خلال ذلك يُلحظ أنه كان يحاور أصحابه وغيرهم في البيوت، وفي الطرقات إذا كان يسير فيها، وفي حال السفر، وعلى ظهور الدواب، حيث يحاور رديفه أو من بجواره، إلى غير ذلك من الأماكن.

أما مكان جلوسه المعتاد الذي يلتف حوله فيه أصحابه، وتدور فيه أغلب حواراته، وتجري فيه معظم أعماله في شؤون المسلمين فهو في مسجده، وأن ما عداه من الأمكنة التي ورد في الآثار حلوله فيها إنما هي مقاعد كان يحل فيها قبل البعثة، وبعدها قبل الهجرة، وبعدها قبل أن ينتظم أمر المسلمين، أو بعد ذلك فيما بعد الهجرة؛ لعوارض تعرض من زيارة، أو ضيافة، أو عيادة، أو قضاء مصالح، أو نحو ذلك؛ فقد جلس قبل البعثة وهو بمكة في دار ابن جُدعان، وفي المسجد الحرام، وأوى إلى غار حراء يَتَحَنَّث بإلهام من الله _تعالى_ استئناساً بالوحي، وجلس بعد البعثة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفي شعب أبي طالب مدة القطيعة، وسكن دار أبي أيوب الأنصاري عند مَقْدَمِهِ المدينةَ، وجلس بمسجد قباء قبل بناء المسجد النبوي، ولم يلبث أن بنى مسجده؛ فكان مجلسه بَعْدُ في ذلك المسجد فيما عدا أحوالاً تعرض مثل خروجه إلى بني عمرو ابن عوف؛ للإصلاح بينهم([1]).

والحديث في هذا الفصل سيدور حول ورود ذلك المجلس في القرآن، وصفة ذلك المجلس، وتحقيق مكانه، وكيفية التئامه، وخروج النبي " إليه.

كما سيدور حول هيئة ذلك المجلس، وما كان يجري فيه، ووقت المجلس الرسولي وآدابه.

ومما يبين أهمية البحث في ذلك أمور كثيرة منها ما يلي:

1_ أنه موضوع نادر لا تجد من أفرده بالبحث والتقصي لا من المتقدمين ولا من المتأخرين إلا العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور× 1296_1394هـ حيث كتب بحثاً عنوانه مجلس رسول الله"([2]).

2_ أنه موضوع لطيف يخدم ما نحن بصدده من البحث في جوانب الحوار؛ حيث يُجلِّي ذلك غاية التجلي، ويمثِّله أحسن تمثيل.

3_ أن مجلس رسول الله"ميدانٌ لِتَسَابُقِ الآداب، وجوٌّ لِتَرَفْرُفِ الكمالات.

4_ أن للناس مجالس يرتادونها، وحوارات يتجاذبون أطرافها، ولكل من المجالسة والحوار آداب يحسن مراعاتها، ويجمل الأخذ بها.

ولا ريب أن الوقوف على مجلس رسول الله"وأحاديثه من أعظم ما يرتقي بالحوارات والمجالس؛ فإلى مباحث هذا الفصل.

 

 

المبحث الأول: في ورود المجلس الرسولي في القرآن، وصفة ذلك المجلس

 
 
 

 

أولاً: ورود المجلس الرسولي في القرآن:

لقد وردت الإشارة في القرآن الكريم إلى مجلس رسول الله" وذلك في قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا...] (المجادلة:11).

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور×: =قال جمهور العلماء من السلف ومن بعدهم: المراد بالمجلس في الآية هو مجلس رسول الله، وسأذكر ذلك في المبحث المناسب له.

ثم إني لم أر لأحد من الباحثين في السيرة مَنْ ذكر هذا المجلس سوى عياض في كتاب الشفاء؛ فإنه ذكره بكلمة واحدة في غرض آخر؛ إذ قال في فصل زيارة القبر الشريف هذه العبارة: (قال إسحاق بن إبراهيم([3]) الفقيه: ومما لم يزل مِنْ شأن مَنْ حجَّ المرورُ بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله" والتبرك برؤيته، وروضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه)([4]) ا _هـ.([5])

فكان حقَّاً علينا أن نخصه بمقال أتقصَّى فيه ما تناثر في خلال كتب الحديث والسيرة؛ فيجيء بحثاً أُنُفاً([6]) يبهج من كان بسيرة رسول الله كلفاً+.([7])

ثانياً: صفة مجلس رسول الله":

لقد جاء مجلس رسول الله" على غاية ما يكون من البساطة، والتواضع، والخلو من مظاهر الأُبَّهة؛ لأنه أعظم المصلحين وأفضل المرسلين، فأراد الله _عز وجل_ أن يكون ذلك النبي مقصوراً على التأييد بالدلائل الحقة الباقية على الزمان، وأن يجرده عن وسائل الخِلاَبة والاسترهاب؛ فتكونَ دعوته أكمل الدعوات، وعظته أبلغ العظات كما هو أكمل الدعاة والواعظين.

وذلك _كما يقول ابن عاشور([8])_ لحكم جمة، منها ما يلي:

الحكمة الأولى: أن لا يكون جلالُ قَدْرِه في النفوس، ونفوذُ أمره في الملأ محتاجاً إلى معونة بوسيلة من الوسائل المكملة للتأثير الذاتي النفساني، بل يكون تأثيره الذاتي كافياً في نفوذ آثاره في قلوب أتباعه؛ إذ كانت نفسُه الشريفةُ أكملَ نفسٍ برزت في عالم الوجود الحادث، فتكون أغنى النفوس عن التوسل بغير صفاتها الذاتية؛ إذ لا نقص في تأثير نفسه.

من أجل ذلك ادَّخَر الله لرسوله التأييد بأوضح الدلائل، وأغناها عن العوارض التي تصطاد النفوس، وتسترهب العيون؛ حتى لا يكونَ شأنه جارياً على الشؤون المألوفة.

ولعل هذا مما يُلوِّح إليه قوله _تعالى_: [وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] (الكهف:29).

أي هذه دعوة الحق المحض الغَنِيَّةُ عن البهرجةِ الزائلة والله أعلم؛ فيكون هذا من المعجزات الخفية التي هي آيات للمتوسمين على كُرور الأيام والسنين.

 الحكمة الثانية: أن يكون الرسول غيرَ مشارك لأحوال أصحاب السيادة الباطلة من الجبابرة والطغاة؛ حتى لا يكون من دواعي إيمان بعض الفرق به وطاعتهم له_ما بهرهم من تلك الزخارف، كحال الذين استكبروا من قوم نوح؛ إذ قالوا: [وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ] (هود:27).

وهذا معنى قول رسول الله ": =خيرت بين أن أكون نبيَّاً عبداً، أو نبيَّاً ملكاً، فاخترت أن أكون نبيَّاً عبداً+.([9])

 الحكمة الثالثة: أن يحصلَ له _مع ذلك_ أعظمُ جلال في نفوس أعدائه بله أوليائه؛ فيكون فيه دليل على أن جلاله مستمد من عناية الله _تعالى_ وتأييده.

روى أبو داود، والترمذي أن قيلة بنت مَخْرمة جاءت رسول الله في المسجد وهو قاعدٌ القرفصاءَ قالت: =فلما رأيت رسول الله المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق+.([10])

فقولها: المتخشع في الجلسة أَوْمَأَ إلى أن شأن المتخشع في المعتاد ألا يرهب، وهي قد أَرْعَدَتْ منه؛ رهبة.

ووصف كعب بن زهير رسول الله حينما دخل عليه المسجد في أصحابه مؤمناً تائباً، وكان كعب يومئذ أقرب عهداً بالشرك، وأوغل في معرفة مظاهر ملوك العرب وسادتهم؛ إذ هو الشاعر ابن الشاعر؛ فإذا هو يقول بين يدي رسول الله يصف مجلسه:

لقد أقوم مقاماً لو أقوم به

 
 أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل

 
لظل يرعد إلا أن يكون له

 
 من الرسول بإذن الله تنويل

 

ثم يقول في صفة الرسول:

لذاك أهيبُ عندي إذ أُكَلِّمُه

 
 وقيل: إنك منسوب ومسؤول

 
من خادر من ليوث الأسد مسكنه

 
 من بطن عَثَّرَ غِيلٌ دونه غيلُ([11])

 

وجاء في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص ÷ _وهو في سياق الموت_ أنه قال: =وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله " ولا أجلَّ في عينِي منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينَيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأُ عينَيَّ منه+.([12])

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر صحيح البخاري (684) ومسلم (121).

[2] _ وذلك في مجلة الهداية الإسلامية، الجزء العاشر، المجلد العاشر، ص578_597 في ربيع الثاني 1357هـ _ 1938م، وقد أفدت منه كثيراً في هذا الفصل، وانظر الرحمة والعظمة في السيرة النبوية ص161_198.

[3]_ هو إسحاق بن راهويه.

[4] _ التبرك بهذه الأشياء بإطلاق يحتاج إلى دليل.

[5] _ الشفا للقاضي عياض 2/669_670، وانظر شرح الشفا للقاضي عياض للملا علي قاري 2/151.

[6]_ أُنُفاً: أي جديداً.

[7] _ الهداية الإسلامية 10/581.

[8] _ الهداية الإسلامية 10/581_582، وانظر شرح الشفا للقاضي عياض للملا علي قاري 2/151.

[9] _ رواه أحمد في المسند (7160).

[10] _ أبو داود (4847) والترمذي في سننه (2814) وفي الشمائل (120).

[11] _ عثَّر: مكان مشهور بكثرة السباع، والغيل: الشجر الكثير الملتف. انظر السيرة النبوية لابن هشام 4/114_115.

[12] _ أخرجه مسلم (121).

***

المبحث الثاني: مكان مجلس الرسول " وكيفية التئامه وخروجه إليه

أولاً: مكان مجلس الرسول:

إن من مارس الحديث والسيرة لا يَشُكُّ في أن مجلس رسول الله الذي يلتف حوله فيه أصحابه، وتجري فيه معظم أعماله في شؤون المسلمين _ إنما كان بمسجده.

وقد أرشدنا إلى ذلك أحاديث، منها ما جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أنه قال: =توضأت يوماً وخرجت من بيتي فقلت: لألزمن رسول الله يومي هذا، ولأكونن معه، فجئت المسجد فسألت عنه، فقالوا: خرج... إلخ+.([1])

فقوله: =فجئت المسجد، فسألت عنه+ ينبئ بأن مَظِنَّةَ لقاءِ الرسول هو المسجد.

وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ضمام بن ثعلبة الذي رواه أنس ابن مالك÷ يقول أنس: =بينما نحن جلوس مع النبي " في المسجد+ الحديث وسيأتي([2]).

فقوله: =في المسجد+ يدل على أن مكان مجلسه _ عليه الصلاة والسلام _ في المسجد.

ثم إن تعيين مكان جلوسه من المسجد لم يَجْرِ له ذكر في كلامهم.

والذي يظهر أنه كان يلزم مكاناً معيناً للجلوس؛ لينتظره عنده أصحابه والقادمون إليه.([3])

والظاهر أن هذا المكان المعين هو ما بين المنبر وحجرة عائشة _رضي الله عنها_ وهو الملقب بالروضة، ويدل لذلك ثلاثة أدلة:

 الدليل الأول: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله" قال: =ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة+.([4])

وللعلماء في معنى ذلك تأويلات أظهرها والذي مال إليه جمهورهم أنه كلام جرى على طريقة المجاز المرسل؛ فإن ذلك المكانَ لما كان موضع الإرشاد والعلم كان الجلوس فيه سبباً للتنعم برياض الجنة؛ فأطلق على ذلك المكان أنه روضة من رياض الجنة بإطلاق اسم المسبب على السبب.

أو جرى على طريق الاستعارة بأن شَبَّه ما يصدر في ذلك المكان من الإرشاد والتشريع والعلم والموعظة والحكمة المنعشة للأرواح بما في رياض الجنة من الثمار والأزهار والأنهار ذات الإنعاش الخالد، فأطلق اسم المشبه به على المشبه.

وفي هذا إنباء بأن موضع الروضة مجلس رسول الله الذي كان فيه معظم إرشاده وتعليمه الناس.

 الدليل الثاني: أنا نجد أحاديث كثيرة روتها عائشة _رضي الله عنها_ تتضمن ما دار بين رسول الله وبين سائليه، ولم نجد مثل ذلك لبقية أمهات المؤمنين؛ فعلمنا أن ذلك انفردت به عائشة؛ من أجل قرب بيتها من مجلس الرسول، وقد كان بيتها بقرب الروضة.

 الدليل الثالث: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: =لقد رأيتني وإني لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله وحجرة عائشة؛ فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنوناً وما بي جنون، وما هو إلا الجوع+.([5])

مع ما رواه البخاري ومسلم من أن أبا هريرة قال: =يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإخوتي من الأنصار يشغلهم عملٌ في أموالهم، وكنت امرأً مسكيناً ألزم رسول الله على مِلْء بطني؛ فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون+.([6])

فينتج من ذلك أن مقام أبي هريرة كان في الروضة، وأن ملازمته رسول الله كانت في ذلك المقام، وأن الروضة هي مجلس رسول الله ".([7])

قال ابن عاشور×: =هذا وقد رأيت في كلام شهاب الدين الخفاجي في شرحه على شفاء عياض كلمة تقتضي الجزم بأن مجلس رسول الله هو الروضة؛ فإنه لما بلغ إلى قول عياض: =لم يزل من شأن مَنْ حج المرورُ بالمدينة والقصد إلى التبرك برؤية مسجد رسول الله وروضته ومنبره وقبره ومجلسه+ إلخ...

قال: =ومجلسه أي موضع جلوسه في الروضة المأثور ا _ هـ+.

ولم أقف على مستنده الصريح فيما جزم به+.([8])

قال الشيخ ملا علي قاري في شرح الشفا عند قول عياض: =ومجلسه+ قال: =أي محل جلوسه في المسجد، ومكان صلاته عند الاسطوانات وغيرها+.([9])

ثانياً: كيفية التئام مجلس الرسول وخروجه إليه:

كان أصحاب رسول الله إذا قصدوا مسجده يحضرون المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، فإذا قدموا قبل خروج الرسول"يجلسون ينتظرونه حتى إذا خرج رسول الله كانوا يقومون له، فنهاهم عن ذلك، روى أبو أمامة، قال: =خرج علينا رسول الله فقمنا له، فقال: =لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً+([10]) فصار القيام منسوخاً على الأصح.

 وعندما يخرج رسول الله على أصحابه يبقون جلوساً؛ فلا يرفع أحد منهم بصره إلى رسول الله إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما، كذا في الشفاء.

 وفي الشفاء أنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم.([11])

والظاهر أن معنى ذلك أنه حين يخرج إليهم لا يتخطى رقابهم، ولكن يجلس حيث انتهى به المجلس؛ ففي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان منهم إلى رسول الله، وذهب واحد، فوقفا على رسول الله، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله _أي من كلامه_ قال: =ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهما فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه+.([12])

 وفي أسباب النزول والتفسير أن رسول الله كان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، وأن ناساً منهم جاؤوا إلى مجلسه فلم يجدوا موضعاً، فقاموا مواجهين له، ولم يوسع لهم أحد، فقال رسول الله لبعض من حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان ويا فلان، وفي ذلك نزل قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ] الآية، (المجادلة:11).([13])

وسيأتي تفصيله في ذكر آداب مجلسه ".

وربما وقف الذي يحاور رسول الله "، وفي البخاري: باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، وأخرج حديث أبي موسى الأشعري: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله؟ فرفع رسول الله رأسه إليه وقال: =من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا+.

قال الراوي: وما رفع رأسه إليه إلا أن السائل كان قائماً+.([14])

وكان الملازمون مجلسَ رسول الله " أصحابَه من الرجال.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه قال: =قال النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يوماً لنفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن... إلخ+.([15])

وظاهر ترجمة البخاري لهذا الحديث أن اليومَ المجعولَ للنساء لم يكن يوماً مفرداً وحيداً، بل جعل لهن نوبة من الأيام؛ فيحتمل أنه جعل لهن يوماً في الأسبوع، أو في الشهر، أو بعد مدة غير معينة يعين لهن موعده من قبل، والله أعلم.

 

المبحث الثالث: هيئة المجلس الرسولي، وما كان يجري فيه

 
 
 

 

 

أولاً: هيئة المجلس الرسولي:

تدل الآثار على أن مجلس رسول الله " الذي كانت تجرى فيه معظم حواراته كان على صورة الحلقة الواحدة، أو الحِلَق المتداخلة كما ورد في حديث أبي واقد الليثي في الصحيحين؛ إذ قال فيه: =فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم+.([16])

وقد تقدم آنفاً، بل صرح بعض الرواة بأن أصحاب رسول الله "كانوا يجلسون حوله حِلَقاً.

أما رسول الله "فكان مجلسه في وسطهم؛ ففي الصحيحين عن أنس ابن مالك÷أن ضماماً بن ثعلبة السعدي ÷لما دخل المسجد قال: أيكم محمد؟ قال أنس: والنبي متكئ بين ظهرانيهم([17]).

وسيأتي الحديث، ومعنى بين ظهرانيهم أنه في وسطهم.

 وجاء في سنن أبي داود والنسائي عن أبي ذر وأبي هريرة: =كان النبي" يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله "أن نجعل له مجلساً كي يعرفه الغريب، فبنينا دكاناً من الطين يجلس عليه فجلس عليه، وكنا نجلس بجنبتيه+.([18])

وكانت هيئة جلوس رسول الله "في مجلسه غالباً الاحتباء، فقد ذكر الترمذي في كتاب الشمائل عن أبي سعيد الخدري ÷: =كان رسول الله "إذا جلس في المجلس احتبى بيديه+.

وقول الراوي: كان يفعل، يدل على أنه السُّنةُ المتكررة.

والاحتباء: هو الجلوس وإيقاف الساقين، فتجعل الفخذان تجاه البطن بإلصاق، ويلف الثوب على الساقين والظهر، فإذا أراد المحتبي أن يقوم أزال الثوب.

وأما الاحتباء باليدين فهو أن يجعل المحتبي يديه يشد بهما رجليه عوضاً عن الثوب، فإذا قام قالوا حلَّ حُِبوته _بكسر الحاء وضمها_.

وكان الاحتباء أكثر جلوس العرب، وربما جلس رسول الله "القُرْفُصَاء _بضم القاف وسكون الراء بالمد والقصر_ وهي الاحتباء باليدين، وربما جعلت اليدان تحت الإبطين، وهي جلسة الأعراب والمتواضعين.

وقد وُصِف جلوس رسول الله " القرفصاء في حديث قيلة بنت مخرمة _رضي الله عنها_ وقد تقدم آنفاً، وربما اتكأ رسول الله"في مجلسه في المسجد.

وفي الصحيحين عن أبي بكرة÷أن رسول الله"قال: =ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، وقال: ألا وقول الزور...إلخ+.([19])

وفي حديث جابر بن سمرة÷رأيت رسول الله"متكئاً على يساره وربما اتكأ على يمينه.([20])

وفي حديث حنظلة بن حِذْيَم قال: =أتيت النبي"فرأيته جالساً متربعاً+.([21])

وقد تجعل له وسادة، روى الترمذي عن جابر بن سمرة÷أنه رأى رسول الله"متكئاً على وسادة على يساره([22]).

 وعددُ جُلساء رسول الله"لا ينضبط، بل كان يختلف باختلاف الأيام وأوقات النهار، فربما اشتمل المجلس على أربعين رجلاً كما ورد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك÷قال: =أرسلني أبو طلحة الأنصاري÷أدعو له رسول الله"خامس خمسة لطعام صنعه لرسول الله"فوجدت النبي"في المسجد معه ناس فقمت، فقال: =أأرسلك أبو طلحة؟+ قلت: نعم، قال: =لطعام؟+ قلت: نعم، فقال لمن معه: =قوموا+ وكانوا نحو الأربعين+ ([23]).

وربما كان مجلسه يشتمل على عشرة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر _رضي الله عنهما_ قال: بينا نحن عند النبي " جلوس إذا أُتِيَ بجمار نخلة؛ فقال النبي": =إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم+ فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت، فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم فسكتُّ، فقال النبي" هي النخلة +.([24])

ثانياً: ما كان يجري في مجلس رسول ":

نبعت ينابيع الهدى، والحكمة، والتشريع من مجلس رسول الله " ومن منبره، ولقد كان أكثر ما رواه أصحابه عنه مما سمعوه منه في مجلسه؛ لذلك يكثر أن تجد في الأحاديث المروية عن الصحابة أن يقول الصحابي: =بينما نحن جلوس عند رسول الله "+.

وفي ذلك المجلس تتلى آيات الكتاب الحكيم _كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدري÷_.

وكان يقع التحاكم عند رسول الله " في مجلسه، وقد حكم فيه بين المسلمين كثيراً، وبين اليهود في قصة الرجم؛ إذ جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا فأمر بهما، فرجما في موضع الجنائز من المسجد.([25])

وكانت تفد عليه الوفود وهو في مجلسه، ويأتيه سفراء المشركين من أهل مكة، ويَعْتَوِرُه العُفاة، وأصحاب الحاجات.

وربما اختلف الصبيان إلى ذلك المجلس، أو دعاهم إليه رسول"فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ÷ قال: =ما رأيت حَسَناً([26]) قطّ إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن النبي"خرج يوماً، فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي، فانطلقت معه، فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع، فطاف فيه، ونظر، ثم انصرف وأنا معه، حتى جئنا المسجد، فجلس، فاحتبى، ثم قال: =أين لَكاع؟ ادعُ لي لَكاع([27])+.

فجاء حسن يشتد، فوقع في حجره، ثم أدخل يده في لحيته، ثم جعل النبي"يفتح فاه، فيدخل فاه في فيه، ثم قال: =اللهم إني أحبُّه فأحبَّه، وأحبَّ من يحبه+.([28])

وإلى ذلك المجلس يأوي الفقراء، فكان _عليه الصلاة والسلام_ يدنيهم، ويتألفهم، فعن أبي سعيد الخدري÷قال: =كنت في عصابة من المهاجرين جالساً معهم، وإن بعضهم يستتر من العري، وقارئ يقرأ علينا، فكنا نستمع إلى كتاب الله _تعالى_ فقال النبي": =الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي+.

قال: ثم جلس رسول الله"وسَطَنا؛ ليعدل بيننا نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا؛ فاستدارت الحلقة، وبرزت وجوههم.

قال: فما عرف رسول الله"منهم غيري، فقال رسول الله":

=أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل الأغنياء يوم القيامة بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام+.([29])

ثم هو _أيضاً_ مجلس أدب ينشد فيه الشعر، وتضرب فيه الأمثال.

ولقد أنشد كعب بن زهير قصيدته المشهورة، وقد مرَّ ذكرٌ لشيء من ذلك في الفصل الرابع من هذا البحث.

وروى الترمذي عن جابر بن سمرة ÷ قال: جالست رسول الله "أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، فربما يبتسم معهم.([30])

وربما أُنْشِد الشِّعرُ، فتمثل في بعض ما أُنْشِدَ أمامه، فعن الأعشى المازني قال:

=أتيت النبي"فأنشدته:

يا مالك الناس وديانَ العرب

 
 إني لقيت ذِرْبةً من الذِّرب

 
أخلفتِ الوعدَ ولَطَّت بالذنب

 
 وهن شرُّ غالبٍ لمن غلب

 

فجعل"يتمثلها، ويقول: وهن شرُّ غالبٍ لمن غلب+.([31])

وربما أنشده أحد الشعراء، فاستوقفه، وحاوره، وسأله عن مقصوده في أحد الأبيات، وربما دعا له، فعن يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة الجعدي يقول: أنشدت النبي":

بلغنا السماءَ مجدنا وجدودنا

 
 وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

 

فقال: =أين المظهر يا أبا ليلى؟+.

قلت: الجنة، قال: =أجل إن شاء الله+.

ثم قال:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

 
 بوادرُ تحمي صفوه أن يكدرا

 
ولا خير في جهل إذا لم يكن له

 
 حليمٌ إذا ما أورد الأمرَ أصدرا

 

فقال رسول الله": =لا يفضضِ الله فاك مرتين+.

ويروى أن النابغة كان أحسن الناس ثغراً، وأنه عاش مائة وثلاثين سنة، فكان إذا سقطت له ثنية نبتت مكانها أخرى.([32])

وربما استنشد _عليه الصلاة والسلام_ أحد جلاسه؛ فعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: =استنشدني النبي"من شعر أمية بن أبي الصلت؛ فأنشدته مائة قافية وبيت+.([33])

وربما تمثل بالشعر في مجلسه؛ ففي الصحيحين عن جندب بن عبدالله÷قال: أصابت أصبعُ النبي"شيئاً، فدَمِيت.

وفي لفظ: بينما نحن جلوس مع رسول الله"في بعض المشاهد إذ أصابه حجر، فعثر، فدميت أصبعه فقال:

هل أنت إلا أَصْبُعٌ دَمِيت

 
 وفي سبيل الله ما لقيت([34])

 

وعن عكرمة قال: سألت عائشة _رضي الله عنها_: هل سمعت رسول الله"يتمثل شعراً قط؟

فقالت: أحياناً إذا دخل بيته يقول: =ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ+.([35])

وقوله: =ويأتيك بالأخبار من لم تزود+ هذا عجز بيت لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة، وصدره:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

 
 ................................................

 

 

وقد ورد في الأثر أن أصحاب رسول الله " إذا دخلوا عليه كانوا لا يفترقون إلا عن ذَواق، ويخرجون أدلة _أي فقهاء_.([36])

وللعلماء اختلاف في تأويله، فحمله بعضهم على ظاهره، أي لا يفترقون إلا بعد أن يطعموا طعاماً قليلاً؛ ولذلك عبر عنه بذَواق، وهو بفتح الذال الشيء المَذُوق من تمر أو نحوه أو ماء.([37])

وقد جاء في الصحيحين حديث عبد الله بن عمر _رضي الله عنهما_ أنه قال: بينا نحن عند النبي " جلوس إذا أُتِيَ بِجُمَّار نخلة...إلخ، أي أتي به ليؤكل في مجلسه، ولذلك ترجم البخاري لهذا الحديث: =باب أكل الجمار+وقد مر هذا الحديث. ([38])

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ÷: جاء رجل إلى رسول الله "يذكر أنه وقع على أهله في نهار رمضان إلى أن قال: فبينما نحن على ذلك إذ أُتي النبي" بعرق فيه تمر([39])... إلخ.

والعَرَِق بفتح العين وفتح الراء ويجوز كسرها هو المكتل أي الزبيل.

وتأوله ابنُ الأنباري، وابنُ الأثيرِ، وغيرُ واحدٍ أنه أراد أنهم لا يتفرقون إلا عن علم تعلموه يَقُوْم لأنفسهم مقامَ الطعامِ والشراب للأجسام في الانتعاش والالتذاذ؛ فجرى الكلام على طريقة الاستعارة.([40])

وفي ذلك المجلس ينكر _عليه الصلاة والسلام_ ما يراه مجانباً للصواب مع احتفاظه بعادته الجميلة في التعريض والتعميم، حيث يأخذ في التأديب والزجر عما لا ينبغي مأخذاً لطيفاً، فلا يوجّه الإنكار إلى من صدر منه الخطأ بعينه ما وجد في الموعظة العامة كفاية من باب قوله: =ما بال أقوام+.

جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: صنع النبي"شيئاً فرخَّص فيه، فتنزه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبي"فخطب، فحمد الله ثم قال: =ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية+. ([41])

وقد بوب البخاري × لهذا الحديث بعنوان: =باب من لم يواجه الناس في العتاب+.

وشكى إليه رجلٌ رجلاً حين كان يطيل بهم صلاة الغداة، فاشتد غضبه" ولكنه احتفظ بعادته الجميلة؛ فلم يخاطب الذي كان يطيل على التعيين، بل عمم الموعظة وقال: =أيها الناس إن منكم منفِّرين؛ فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض، وذا الحاجة+. ([42])

وربما احتاج _عليه الصلاة والسلام_ إلى التعيين، إذا استدعاه المقام؛ فقد جاء في الصحيحين عن جابر بن عبدالله ÷ قال: =كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي" ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي " العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلَّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله " فلأخبرنه، فأتى رسول الله " فقال: يارسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله " على معاذ فقال: =يامعاذ! أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا+.

وفي رواية: =يامعاذ! أفتان أنت _ثلاثاً_ اقرأ: (والشمس وضحاها) و(سبح اسم ربك الأعلى) ونحوهما+.

وفي رواية: =فتان، فتان، فتان+ ثلاث مرار أو قال: =فاتناً، فاتناً، فاتناً+.([43])

وفي ذلك المجلس يجيب عن الأسئلة التي ترد عليه _كما في حديث جبريل عليه السلام المشهور_ حيث سأل النبي"عن الإسلام، والإيمان، والإحسان.([44])

وكما جاء في الصحيحين من حديث ضمام بن ثعلبة الذي رواه أنس بن مالك÷ يقول أنس: =بينما نحن جلوس مع النبي " في المسجد دخل عليه رجل على جمل؛ فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي " متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض+ الحديث([45]).

وفي هذا الحديث سأل ضمامٌ النبي" ستة أسئلة وأجابه النبي" عنها جميعاً، وقد مرَّ الحديث بتمامه عند الحديث عن محاورته مع المشركين.

والأحاديث في هذا السياق كثيرة جداً.

وربما وجَّه النبي _عليه الصلاة والسلام_ السؤال إلى من حوله، وهذا كثير جداً كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة÷قال: =كنا في قُبَّة نحواً من أربعين رجلاً مع رسول الله"فقال: =أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة+ الحديث([46]).

وقد يبتدر الحديث من تلقاء نفسه، وهذا _أيضاً_ كثيرٌ جداً كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة÷عن النبي"قال: =لقابُ قوسٍ في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب+([47]).

ومما يجري في ذلك المجلس العظيم المبارك كثرة ذكر الله، ودعائه، واستغفاره _كما سيأتي في آداب المجلس الرسولي_.

 

المبحث الرابع: وقت المجلس الرسولي، وآدابه

 
 
 

 

 

أولاً: وقت المجلس الرسولي:

لعل معظم جلوس رسول الله " للناس كان في أوقات تفرغ معظم الصحابة من العمل، فكان يجلس لهم بعد صلاة الصبح كما يشهد لذلك حديث كعب ابن مالك÷ وتوبته، قال كعب: =ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا؛ فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله _عز وجل_ منا سمعت صوت صارخ أَوْفَى على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء الفرج.

إلى أن قال كعب: حتى دخلت المسجد؛ فإذا رسول الله " جالس في المسجد وحوله الناس+ الحديث.([48])

وكذلك حديث أبي موسى الأشعري÷المتقدم إذ يقول: توضأت يوماً وخرجت من بيتي فقلت: لألزمن رسول الله"يومي هذا، وأكون معه، فجئت المسجد... إذ لا شك أن ذلك وقت صلاة الصبح.

ولا ريب أن طول فترة المجلس تعطي الفرصة لأكبر قدر من الحوار والمحاورين؛ إذ فتره الصبح أطول أوقات النهار.

وما كان رسول الله"يستغرق الصباح كله في المجلس؛ فإن أصحابه كانوا يذهبون إلى أعمالهم وحاجاتهم، ولأن رسول الله"كان يدخل بيوت أزواجه، فقد قالت عائشة _رضي الله عنها_: كان يكون في بيته في مَهْنَةِ أهله.([49])

وفي حديث علي÷من رواية الترمذي ورواية عياض: كان دخوله لنفسه؛ فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فَيَرِدُ ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئاً.([50])

أي كان له في بيته وقت يجلس إليه فيه خاصة أصحابه ومن له حاجة خاصة.

ومعنى يرد ذلك على العامة أنه تحصل منه منفعة للعامة بما يرويه الخاصة من علمه للناس، وفي هذا دليل على أن مُعْظَمَ ما عدا وقت دخوله إلى منزله كان وقت مجلسه إلا إذا عرضت حاجة يذهب إليها.([51])

ثانياً: آداب مجلس رسول الله ":

كيف لا يكون مجلس يحتله رسول الله " ميداناً تسابق الآداب فيه إلى غاياتها، وجوَّاً ترفرف فيه الكمالات راقيةً إلى سماواتها.

فإن صاحبَه هو الذي أَدَّبه ربه بأحسن تأديب، وجلساءَه هم أولئك الغُرُّ المناجيب، وناهيك بأن ورد بعض آدابه في الكتاب المجيد، قال الله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا] (المجادلة:11).

قال الواحدي، وابن عطية عن مقاتلٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلم: كان النبي" يجلس في المسجد فجلس يوماً وكان في المجلس ضيق؛ إذ كان الناس يتنافسون في القرب من رسول الله " وفي سماع كلامه، والنظر إليه، وكان رسول الله" يكرم أهل بدر، فجاء أناس من أهل بدر، فلم يجدوا مكاناً في المجلس، فقاموا وِجَاهَ النبي"على أرجلهم يرجون أن يوسع الناس لهم، فلم يوسع لهم أحد، فأقام رسول الله"أناساً بقدر من جاء من النفر البدريين، فعرف رسول الله" الكراهية في وجوه الذين أقامهم، فنزلت الآية.

فقوله: [إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ] فيما إذا كان في المجلس ضيق، فيتفسح الناس بدون أن يقوم أحد.

وقوله: [وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا] أي إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا عن المجلس فافعلوا، أي إذا أمركم الرسول"في مجلسه بالقيام فلا تتحرجوا، وهو ضرب من التفسح.

وقيل: التفسح يكون بالتوسعة من قعود أو من قيام، فهما داخلان في قوله: تفسحوا، والنشوز هو أن يؤمروا بالانفضاض عن المجلس، فإذا أمروا بذلك فلا يتحرجوا؛ لأن رسول الله"يحب أحياناً الانفراد بأمور المسلمين؛ فربما جلس إليه القوم، فأطالوا؛ لأن كل أحد يحب أن يكون آخر الناس عهداً بالنبي" وكل ذلك من فرط محبتهم إياه، وحرصهم على تلقي هداه.([52])

ومن آدابه المذكورة في الكتاب المجيد ما في قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ] (الحجرات:2).

وقوله: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً] (النور:63).

قال علماء التفسير: نزلت هاتان الآيتان بسبب محاورة جرت بين أبي بكر وعمر _رضي الله عنهما_ بين يدي رسول الله " في مجلسه، وذلك حين قدم وفد بني تميم أشار أبو بكر÷ على النبي" أن يُؤَمِّر على بني تميم القعقاع بن معبد، فقال عمر÷: بل أمِّر عليهم الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي! فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماديا، وارتفعت أصواتهما، فنزل القرآن بهذه الآية، قالوا: فكان أبو بكر ÷ بعد ذلك لا يكلم رسول الله " إلا كأخي السرار _أي كصاحب السر والمسارة_ وكان عمر÷بعد ذلك إذا كلم رسول الله"لا يكاد يسمعه حتى إن رسول الله"لَيَسْتَفْهِمه.([53])

ومن آداب ذلك المجلس أن خاصة أصحابه لا يسألون النبي"إلا إذا ابتدرهم النبي"كما في حديث جبريل المشهور؛ فإن جبريل _عليه السلام_ يسأل والنبي"يجيبه، وجبريل على هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة _كما ذكر ذلك عمر ابن الخطاب_.

ومع هذه الحالة الغريبة، والتشوف لمعرفة هذا السائل لم يسأل عنه أحدٌ من الصحابة؛ إجلالاً لرسول الله"حتى ابتدرهم النبي"وأعلمهم به.

قال عمر في آخر الحديث: ثم انطلق _يعني جبريل_ فلبث ملياً، ثم قال لي: =يا عمر أتدري من السائل؟+.

قلت الله ورسوله أعلم.

قال: =فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم+([54]).

ومن آداب مجلسه _عليه الصلاة والسلام_ أن أصحابه يكونون فيه على غاية التؤدة والسكينة؛ فقد روى أبو داود في سننه عن أسامة بن شريك قال: =أتيت النبي"وأصحابُه كأنما على رؤوسهم الطير+([55]).

ومعنى =كأنما على رؤوسهم الطير+: أي أنهم في حالة السكون؛ لأن الطائر ينفر من أدنى تحرك.

وهكذا ينبغي أن تكون عليه مجالس الحوار.

وكان رسول الله"يعطي كل أحد من جلسائه نصيبه لا يحسب أحد أن أحداً أكرم عليه منه.

وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وحياء، وخير، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحُرَمُ، ولا تثنى فلتاته.

ومعنى لا تؤبن فيه الحرم: أي لا تذكر فيه حرمات الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء، والمراد بالحرم هنا أعراض الناس، وما يحرِّمون تناوله منهم.

ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية وهي الإعادة، والفلتات جمع فلتة، وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة؛ يعني أن أهل ذلك المجلس أهل حفظ للسر، وإعراض عن اللغو، فلو صدرت من أحد فلتة لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع.

وهذا أدب عربي رفيع، وفي هذا المعنى قال ودَّاك بن ثميل من شعراء الحماسة:

وأحلام عاد لا يخاف جليسهم

 
 إذا نطق العوّارَ غربُ لسان

 

ومن آداب ذلك المجلس أن أصحابه لا يقاطعون الرسول"إذا تكلم، وإذا سكت تكلموا، وإذا تحدثوا عنده لم يختلفوا، ولم يتخاصموا، وإن تخاصموا لم يطل وقت الخصام.

ومن أراد الكلام أنصتوا، واستمعوا له حتى يفرغ من كلامه.

وكان آخر من يتكلم عند النبي"له نفس حظ أول المتكلمين من الإنصات والاهتمام.

وكان _عليه الصلاة والسلام_ يضحك مما يضحكون، ويعجب مما يعجبون إذا كان في حدود الأدب.

وكان يصبر على الغريب إذا جفاه في مقاله وسؤاله، حتى إن أصحابه قد لا يرضون ذلك، ولكنهم لا يتقدمون بين يديه _عليه الصلاة والسلام_ ولا يتجاوزون ما علمهم من الصبر، والرحمة، وإعانة طالب الحاجة على طلبه.

ولهذا كان جلساؤه يتواصون بالتقوى، ويحفظون المروءات في مجلسه، فيوقِّرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويتعَطَّفون على الغريب، ويحتملون جفوته، بل ربما علموه بعض آداب ذلك المجلس قبل دخولهم فيه.([56])

يقول الشيخ عبدالحي الكتاني×في كتابه التراتيب الإدارية: =وفي تفسير المولى أبي السعود الحنفي: كان أبو بكر÷إذا قدم على رسول الله"الوفود أرسل من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله"+ا_هـ.

قلت _أي الكتاني_: وهذا يفهمنا _أيضاً_ أن أبا بكر يشغل _أيضاً_ وظيفة مدير التشريفات+.([57])

ومن آداب ذلك المجلس إلقاء السلام في أوله وآخره؛ قال _عليه الصلاة والسلام_: =إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة+.([58])

وأعظم ما يجري في ذلك المجلس من آدابٍ وأعمالٍ وأقوالٍ كثرةُ ذكرِ الله _عز وجل_ ودعائه واستغفاره؛ فكان _عليه الصلاة والسلام_ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله.([59])

وجاء في الأدب المفرد للبخاري عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ قال: =وإن كنا لَنَعُدُّ في المجلس للنبي": =رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم+ مائة مرة+.([60])

وروى الترمذي وحسّنه عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ قال: ما كان رسول الله"يقوم من مجلسه حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: =اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مَبْلَغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا+.([61])

وإذا انتهى ذلك المجلس خُتِمَ بكفارة المجلس، فعن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله": =من جلس في مجلس، فَكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك _ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك+.([62])

وعن أبي برزة÷ قال: كان رسول الله" يقول بأَخَرةٍ([63]) إذا أراد أن يقوم من المجلس: =سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك+.

فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى.

قال: =ذلك كفارة لما يكون في المجلس+.([64])

قال ابن عبد البر×: =وروي عن جماعة من أهل العلم بتأويل القرآن في قول الله _عز وجل_: [وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ] (الطور: 48) منهم مجاهد، وأبو الأحوص، وعطاء، ويحيى بن جعدة، قالوا: حين تقوم من كل مجلس تقول فيه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك.

قالوا: ومن قالها غفر له ما كان في المجلس.

وقال عطاء: إن كنت أحسنت ازددت إحساناً، وإن كان غير ذلك كان كفّارة.

ومنهم من قال: تقول حين تقوم: سبحان الله وبحمده من كل مكان، ومن كل مجلس+.([65])

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ مسلم (2403).

[2]_ البخاري (63) ومسلم (12).

[3] _ انظر الهداية الإسلامية 10/584_586.

[4] _ البخاري (1196) ومسلم (1390 و 1391).

[5] _ الترمذي (2367) وقال: =حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه+.

[6] _ أخرجه البخاري (118 و 2223) ومسلم (2492).

[7] _ انظر الهداية الإسلامية 10/586_587.

[8] _ الهداية الإسلامية 10/587.

[9] _ شرح الشفا 2/151.

[10] _ أخرجه أبو داود (5230).

[11] _ انظر شرح الشفا 1/289، والهداية الإسلامية 10/588.

[12] _ البخاري (66 و 474) ومسلم (2176).

[13] _ انظر تفسير التحرير والتنوير 27/36_42، والهداية الإسلامية 10/588_589.

[14] _ البخاري (123) ورواه مسلم (1904).

[15] _ البخاري (101 و 1249) ومسلم (2633).

[16] _ البخاري (66 و 474) ومسلم (2176).

[17] _ البخاري (63) ومسلم (12).

[18] _ أبو داود (4698) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (3931): =صحيح+ والنسائي (4991) وقال الألباني في صحيح سنن النسائي (4618): =صحيح+.                                  =

= والغريب أن الشيخ ابن عاشور× قال: =ومن الغريب ما ذكره القرطبي في كتاب (المفهم على صحيح مسلم) عن البزار عن عمر بن الخطاب ثم ذكر الحديث السابق.

وقال: =وهذا غريب؛ إذ لم يُذكر هذا الدكان فيما ذكروه في تفصيل صفة المسجد النبوي في الكتب المؤلفة في ذلك+.

[19] _ البخاري (2654) ومسلم (87).

[20] _ أخرجه ابن عدي في الكامل 1/425.

[21] _ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1179) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (899): =صحيح لغيره+.

[22] _ سنن الترمذي (2770) وقال: =هذا حديث حسن غريب+ والشمائل للترمذي (123).

[23] _ البخاري (422 و 3578) ومسلم (2040).

[24] _ البخاري (5444) ومسلم (2811).

[25] _ انظر البخاري (7543) ومسلم (1699).

[26] _ يعني الحسن بن علي _رضي الله عنهما_.

[27] _ اللُّكع عند العرب يطلق على عدة معان، يطلق على العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل لُكع، ويقال للمرأة لكاع، وأكثر ما يقع في النداء، وقد يطلق على الصغير، وهو المراد هنا.

[28] _ الأدب المفرد (1183) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (902): =حسن+.

[29] _ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 1/351_352، والترمذي (2353) عن أبي هريرة، وقال: =حسن صحيح+.

[30] _ الترمذي (2850) وقال: =هذا حديث حسن صحيح+.

[31] _ أخرجه أحمد (6884) والبيهقي في السنن الكبرى(20904).

[32] _ انظر مسند الحارث (زوائد الهيثمي (894) وسبل الرشاد للصالحي 9/349.

[33] _ أخرجه أحمد (19474) وابن ماجه (3758) والطبراني في الأوسط (2429).

[34] _ البخاري (5794) ومسلم (1796).

[35] _ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (792) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (608): =صحيح+.

[36] _ أخرجه الطبراني في الكبير 22/157، وانظر الشفا 1/204.

[37] _ انظر أخلاق النبي"للأصبهاني ص24، والهداية الإسلامية 10/593.

[38] _ البخاري (5444)، ورواه مسلم (2811).

[39] _ البخاري (1834و 5053 و 5737 و 6331 و 6333) ومسلم (1111).

[40] _ انظر الهداية الإسلامية 10/593.

[41] _ البخاري (6101) ومسلم (2356).

[42] _ رواه البخاري (702) و(704) و(6110) ومسلم (466).

[43] _ البخاري (701 و 507 و710 و6106) ومسلم (465).

[44] _ رواه مسلم (8).

[45]_ البخاري (63) ومسلم (12) وهذا لفظ البخاري.

[46] _ البخاري (2528) ومسلم (221).

[47] _ البخاري (2793) ومسلم (1882).

[48]_ انظر حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه الطويل في صحيح البخاري (2757 و 2947 و3556 و3889) ومسلم (2769).

[49] _ انظر صحيح البخاري (676).

[50] _ انظر معجم الطبراني 22/157، وشعب الإيمان للبيهقي 2/2145، والطبقات الكبرى لابن سعد 1/423.

[51] _ انظر الهداية الإسلامية 10/594.

[52] _ انظر تفسير التحرير والتنوير 27/36_42، والهداية الإسلامية 10/594_595.

[53] _ انظر صحيح البخاري (4367 و 4845).

[54] _ رواه مسلم (8).

[55] _ أبو داود (3855).

[56] _ انظر أوصاف النبي " للترمذي ص280_282، والشفا 1/206، وشرح الشفا 1/272، وأخلاق النبي"للأصبهاني ص23_27، والهداية الإسلامية 10/596_597.

[57] _ نظام الحكومة النبوية المسمى: التراتيب الإدارية للكتاني 1/39.

[58] _ أخرجه أحمد 2/287، والترمذي (2706) والبخاري في الأدب المفرد (1007) وابن حبان (494 _ 495 _ 496) والبغوي في شرح السنة (3328) كلهم عن أبي هريرة، وقال الترمذي: =حديث حسن+ وصححه أحمد شاكر في شرحه للمسند (7839) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (757).

[59] _ انظر الشفا 1/39.

[60] _ الأدب المفرد (618) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (481): =صحيح+.

[61] _ الترمذي (3502).

[62]_ أخرجه أحمد2/494، والترمذي(3433) والبغوي(1340) والحاكم1/536، وابن حبان (594) عن أبي هريرة وقال الترمذي: =حديث حسن غريب صحيح+ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع(6068).

[63]_ بأخرة: بفتح الهمزة والخاء: آي في آخر عمره.

[64]_ أخرجه أبو داود(4859) والحاكم1/537، والدارمي2/736 (2559) عن أبي برزة الأسلمي، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود(4068): =حسن صحيح+.

[65]_ بهجة المجالس 1/53.

***

المصدر: http://mercyprophet.org/mul/ar/taxonomy/term/101?page=1