المجتمع المدني في الوطن العربي جمعيات التطوع

المجتمع المدني في الوطن العربي جمعيات التطوع
محمد أمين فرشوخ*

1- تعريف الجمعية:
الجمعية، المؤسسة، الرابطة، النادي، الاتحاد، الهيئة. هي مؤسسة قانونية ينتظم فيها ومن خلالها عمل مجموعة من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، وقد عرّفتها المادة الأولى من قانون الجمعيات اللبناني بأن: «الجمعيات هي مجموع مؤلف من عدة أشخاص لتوحيد معلوماتهم أو مساعيهم بصورة دائمة ولغرض لا يُقصد به اقتسام ربح».

والجمعية تؤدي دوراً أساسياً ومباشراً في تفعيل اهتمام الفرد بالشأن العام وتنظيمه وصقله، وفي دفعه نحو المشاركة الهادفة، كما تؤمن الغطاء القانوني لانتظام العمل على نحو مؤسسّي، الأمر الذي يؤمن استمرارية الفكر والموقف والممارسة السلوكية، كما تساهم الجمعيات في نشر وتعزيز مبادئ الديمقراطية وثقافتها، عبر تطبيق هذه المبادئ داخل الجمعيات نفسها، كما في المجتمعات حيث تنشط هذه الجمعيات عبر تفعيل مشاركة المواطن في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من خلال ممارسة حقوق الاطّلاع والمراقبة والمحاسبة والانتخاب والترشح لتأمين مصالح المجموعات التي تمثّلها هذه الجمعيات، أو لتأمين حقوق الفرد والأداء الديمقراطي السليم(1).

2- مفهوم التطوّع:

تقوم هذه الجمعيات على العمل التطوّعي، وتعريف التطوّع أنه: كل عمل يقوم به فرد أو مجموعة أو جمعية بدون مقابل، على أن تكون غايته خدمة الإنسان والإنسانية بغضّ النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، وكل تمييز آخر بين البشر، وبهذا المعنى يكون التطوّع هو العمل الذي يسهم في تقارب الإنسان من الإنسان، وهو الذي يحاول إحلال التعاون والحوار والتكاتف والتساعد بين البشر.

وتشير الدكتورة نعمت كنعان إلى أننا في لبنان: «بأمس الحاجة إلى الالتزام بمفهوم التطوّع، لأنه الطريق الوحيد المؤدي إلى إحلال سلام حقيقي ووحدة عيش بين أبنائه ومجموعاته، بحيث تصبح التعدّدية اللبنانية التي يجري التغنّي بها مفهوماً له مضمون وقواعد ومعايير».

إنَّ مفهـوم التطوّع قديم، عبر التاريخ، وهو يتطوّر مع الزمن، فبعد أن كان إحساناً، ومروءة، وعمل خير ينبع من أريحية وأخلاق سمحة وضروريات بيئية تفرضها ظروف ومجتمعـات معينة، صار مقنناً، تقوم به مجموعات تنتظم سلوكاً معيناً، وتحدد أهدافاً بعينها، وقد تنضوي هذه المجموعات في إطار مؤسساتي، يمثّل حبة في عقد اجتماعي عام يخدم مصالح المجتمع كله.

لـذا لابدَّ من توحيد مفهوم التطوّع بين الجمعيات المعنية بذلك ليسهل عملها، وتتيسّر سبلها لتحقيق أهدافها.

3- ثقافة التطوّع:

إذا كان التطوّع هو الانخراط في عمل بمطلق الإرادة ودون سعي لجني مقابل مادي، فهو إذا مشاركة إرادية في عمل، غالباً هو للصالح العام(2)، والكلمة العربية تعني الطوعية، وتركّز على غياب الإكراه الاجتماعي، بينما هي في اللغات الأجنبية تشدّد على الإرادة الفردية، أي على المبادرة وقدرة الفرد الحرّ.

هذان العنصران: الفردية والجماعية أساسيان في فهم فلسفة التطوّع الذي يُفترض أن يكون حراً ومستقلاً ومبادراً، ومن ثم إدراك الجماعة معنى الالتزام بقضية تتجاوز مصلحة الفرد. والمبالغة في الفردية هي عائق للتطوّع، أمّا المبالغة في الجماعية فتحوّل التطوع إلى «تعبئة أيديولوجية» لا تخلو من مخاطر التسلّط، لـذا تفترض ثقافة التطوّع تحقيق الانسجام بين الفردية والجماعية، وما نراه اليوم من تنامي الفردية في موازاة ضعف العلاقات العضوية بين الناس، يؤكد أننا أمام معضلة قيم نعاني منها.

فالقيم الداعمة للتطوّع هي قيم سامية، لا تقتصر على مفهوم قانوني لحقوق الإنسان ولا على الأخلاق الحسنة، إنها قيم المسؤولية بين الناس، والثقة بالمواطنية، والإيمان بالإنسان قيمة ذاتية مطلقة والإيمان بالمستقبل، بالحياة، وبالرسالة الإنسانية.

4- في حقوق الإنسان:

وفي مجال حق الإنسان في الحياة، يندرج حقه في التعلّم، وحقّه في الابتعاد عن الجوع والعطش والتشرّد، أي حقه في العيش في أسرة دون تعرّضه لعنف أو حجز حرية أو انتهاك لحق في بيئة صحيّة ترعى أمنه الشخصي وصحته الجسدية والنفسية.

هـذه الحقوق، تعتبر المحافظة عليها واجباً على الدولة أي على المؤسسات المنبثقة عنها، ولما كانت، في لبنان– وفي بلاد أخرى– غير تامّة، لأسباب عديدة، قامت مؤسسات المجتمع المدني «بمشاركة» الدولة في رعايتها.

إنّ تمتّـع المواطن بحقوقه كاملة هو واجب لا يقبل التنازل أو الاختزال، إلاّ أن عوامل عديدة قد تتداخل هنا لتفرّط في بعضها، وتعزو ذلك إلى قلّة الموارد المالية. هذا فضلاً عن أن التوجهات العالمية اليوم قد تؤثر في رسم استراتيجيات وطنية تنعكس على رعاية بعض هذه التي ندعوها حقوقاً.

تصاحب العولمة التي تجتاح كل شيء اليوم، سلبيات كثيرة تصيب الإنسان– المواطن في حقوقه الأساسية، ممّا ينعكس تشرّداً وفقراً ومرضاً وهجرة، بل وإعاقة وسلباً لأمن نفسي واجتماعي وخصوصية تميّزه. فإذا تبنّت الدولة شراكة عالمية، أو دخلت في اتفاقات دولية تلغي حدوداً وتفرض إنتاجا وتنتهج سياسة ملائمة للقوى العظمى المستفيدة الأولى، تكون قد فرّطت بحقوق مواطنيها، أو بعضهم على حساب بعض آخر، فتزداد التأثيرات السلبية على المواطن وعلى المجتمع.

ولن أتساءل عن ذلك، فالجميع يعرف أنّ مبدأ العدالة في العالم مهدّد بفعل هذه العولمة المجتاحة، فنما الفقر هنا وتعاظمت الثروة هناك، واتسعت الهوّة بين غني وفقير وشمال وجنوب وصاحب قرار ومهمّش، علماً أنني لا أقصد أبداً زيادة الدخل أو توزيعه مقياساً نهائياً لمفهوم التنمية أو مرتكزاً أساسياً وحيداً لحفظ حقوق الإنسان– المواطن- إذ إن ذلك يشتمل على خيارات أخرى مثل الصحة الجيدّة والتعليم والرفاه والثقافة والديمقراطية ونوعية الحياة، ممّـا يحمـل على الاستنتاج بأنّ الفصل بين حقوق الإنسان وقضاياه مسألة صعبة، وهي تشكّل، مجتمعة وحدة حياتية، فلا يمكن الفصل بين الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي والأمن الشخصي والأمن السياسي والأمن البيئي. وحتى البعد المحلّي لبعض هذه الأبعاد غير صحيح بعد أن يندمج أو يتأثر بالقومي والعالمي أيضاً.

5- مراحل العمل التطوعي في لبنان:
في استعادة تاريخية سريعة لمسار العمل التطوعي المؤسسي في لبنان نرى أنه منذ أواسط القرن التاسع عشر ارتدت الجمعيات الأهليّة في لبنان طابع الخيرية، في علاقة مباشرة مع المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية.

ثم صدر قانون 1909 والذي سمح بتأسيس الجمعيات، وللسلطة العثمانية آنذاك الفضل في إقراره، وقد استمر خلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان، متشكلاً مع تطور الحياة الاجتماعية، والصراع السياسي الطبقي فيه.

وبعد عام 1943، عام الاستقلال، برزت شخصية كل طائفة من الطوائف اللبنانية في تمثيلها السياسي والرعائي لمؤسسات عمل الخير، إلاّ أن رؤية الدولة، في مرحلة الستينات، على أساس إشراك المؤسسات في التخطيط الإنمائي وتنفيذ بناء دولة متطورة، أدى إلى بروز فئات اجتماعية وأفكار قومية، وأسس لمجموعة من الهيئات غير الحكومية عمّقت الوعي الاجتماعي وسعت لبناء دولة العدالة والمساواة والحرية وإحقاق حقوق المواطن، رغم التفاوت بين مناطق البلد وطبقاته الاجتماعية(3).

أما النزاع الداخلي الذي كان في لبنان على سبيل المثال بين 1975– 1990 فقد أضعف النسيج الاجتماعي اللبناني، وتسبّب في تدهور مستوى المعيشة، مع تدمير للبنية التحتية الضرورية لتوفير نوعية حياة مقبولة، كما أثّر سلباً على توزيع الثروات وعمّق الهوة بين الفئات الاجتماعية، فساهمت الجمعيات الأهلية في ردم ما أحدثته هذه الحرب، ومن الأمثلة على ذلك، إن كل حزب أو فريق سياسي أو عسكري كان لديه جناح اجتماعي وآخر صحّي يعنى بالجرحى والمرضى والمحتاجيـن وأهالي المقاتلين، بل وما كان أسرع ما يبني الذي تهدّم بيته أو جزء منه في أيام، فيستعيد المواطن حياته بفضل مساعدات عينيّة ومالية، يقدمها هذا الفريق أو ذاك، بواسطة متطوعين، كما أن من الأمثلة ما حدث لجميعات كانت قائمة، إذ انضمّ إليها كثير من المتطوعين لاتساع رقعة خدماتها خلال هذه الحرب، كما زادت الجمعيات، فقبل الحرب هذه كان يوجد عشرون جمعية تعنى بالمعاقين فأمسى عددها في أوائل الثمانينات تسعين جمعية، والمستوصفات كانت مائتين وخمسين مستوصفاً، فأمسى عددها ثمانمائة وستين مستوصفاً.

«لقد جسّدت الهيئات الأهلية التطوعية خلال هذه الفترة الصورة النقيضة لواقع القتل والتدمير والتهجير، فكانت تبلسم الجروح، وتقدّم المساعدة،»(4) بل وتتعاون فيما بينها، فهذا الحوار الذي قامت به والدور التاريخي الذي لعبته يؤكد نيّة اللبنانيين الخيرية والتطوعية والرغبة العامة في بناء المجتمع والدولة.

6- الإطار القانوني:

صدر قانون الجمعيات في 3 آب (أغسطس) 1909م، أي قبل إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920م، وقد كرّس الدستور اللبناني مجموعة من مواده تتعلق بالحريات العامة، وخصّ المادة 13 منه بحرية إنشاء الجمعيات أو العمل من خلال تجمعات. ومنذ تاريخ هذا القانون ما زالت الجمعيات في لبنان تعمل به، وهو يمثل الإطار القانوني لها. وهذا نصّه:

الفصل الأول:

المادة الأولى: الجمعية هي مجموع مؤلف من عدة أشخاص لتوحيد معلوماتهم أو مساعيهم بصورة دائمة ولغرض لا يقصد به اقتسام الربح.

المادة الثانية: إنَّ تأليف الجمعية لا يحتاج إلى الرخصة في أول الأمر، ولكنه يلزم في كل حال بمقتضى المادة السادسة إعلام الحكومة بها بعد تأسيسها.

المادة الثالثة: معدّلة وفقاً لقانون في تاريخ 26/5/1928م:

لا يجوز تأليف جمعيات مستندة على أساس غير مشروع مخالف لأحكام القوانين والآداب العمومية أو على قصد الإخلال براحة المملكة "العثمانية" وبكمال ملكية الدولة أو تغيير شكل الحكومة الحاضرة أو التفريق سياسة بين العناصر المختلفة. ويرفض إعطاء العلم والخبر بها وتحل بمرسوم يصدر في مجلس الوزراء.

المادة الرابعة: من الممنوع تأليف جمعيات سياسية أساسها أو عنوانها القومية والجنسية.

المادة الخامسة: إنَّ عضو الجمعية يشترط فيه أن يكون سنه دون العشرين وأن لا يكون محكوماً عليه بجناية أو محروماً من الحقوق المدنية.

المادة السادسة: يمنع منعاً قطعياً تأليف الجمعيات السرية، فبناءً عليه يجب حالاً عند تأليف الجمعية أن يعطي مؤسسوها إلى نظارة الداخلية إذا كان مركزها في دار السعادة، وإلى أكبر مأموري الملكية في المحل إذا كان مركزها في الخارج، بياناً ممضياً ومختوماً منهم يحتوي على عنوان الجمعية وبيان مقصدها ومركز إدارتها وأسماء المكلّفين بأمور الإدارة وصفتهم ومقامهم، ويعطي لهم مقابلة لذلك علم وخبر ويربط بهذا البيان نسختان من نظام الجمعية الأساسي مصادق عليهما بخاتم الجمعية الرسمي، وبعد أخذ العلم والخبر تعلن الكيفية من قبل المؤسسين. ويتحتم على الجمعيات أن تعلم الحكومة في الحال بما يقع من التعديل والتبديل في نظامها الأساسي أو في هيئة إدارتها. وهذا التعديل والتبديل إنما ينفذ حكمه على شخص ثالث من يوم إعلام الحكومة به. وينبغي أن يرقم في دفتر مخصوص وأي وقت طلبته الحكومة العدلية أو الحكومة الملكية ينبغي إبرازه لها.

المادة السابعة: يشترط أن يوجد في مركز كل جمعية هيئة إدارية تؤلف من شخصين على الأقل وإن كان لها شعب فيكون أيضاً لكل شعبة هيئة إدارية مربوطة بالهيئة المركزية، ويشترط على هذه الهيئات أولاً أن تمسك ثلاثة دفاتر تسطر في الأول منها هوية أعضاء الجمعية وتاريخ دخولهم وفي الثاني مقررات الهيئة الإدارية ومخابراتها وتبليغاتها (أمانة السر) وفي الثالث ما يعود للجمعية من الواردات ومفردات المصارفات ونوعها ومقدارها (المالية)، وأن تبرز هذه الدفاتر إلى الحكومة العدلية والملكية في أي وقت طلبتها.

المادة الثامنة: كل جمعية أعطت بياناً وفقاً للمادة السادسة يمكنها أن تتقدم إلى المحاكم بالواسطة بصفة مدّعٍ أو مدّعى عليه على ما سيأتي في المادة التاسعة وأن تدير وتتصرف فيما عدا الإعانات التي تقع من قبل الدولة لدى الإيجاب:

أولاً: بالحصص النقدية التي تعطى من الأعضاء.

ثانياً: بالمحل المخصص لإدارة الجمعية واجتماع أعضائها.

ثالثاً: بالأموال غير المنقولة اللازمة لإجراء الغرض المقصود وفقاً لنظامها الخامس. ويمتنع على الجمعيات أن تتصرف فيما سوى ذلك من الأموال غير المنقولة.

المادة التاسعة: إن المراجعات والمطالبات التي ترفع باسم الجمعيات لأجل المصالح العائدة للجمعية إلى المأمورين والمحاكم والمجالس الرسمية لا يمكن أن تجري إلاَّ بواسطة استدعاء ذي تمغة يمضيه ويختمه المدير أو الكاتب العمومي بإمضائه وختمه الذاتي وهوية مثل هؤلاء الأشخاص العاملين باسم الجمعية يصرح بها في نظام الجمعية الأساسي.

المادة العاشرة: يمكن لعضو الجمعية أن ينفصل عنها أي وقت أراد ولو شرط في نظامها الأساسي عكس ذلك. ولكن بعد أن يؤدي الحصة النقدية العائدة إلى السنة الحالية وقد حل أجلها [الاشتراك].

المادة الحادية عشرة: كل نوع من الأسلحة النارية والجارحة يمتنع على الجمعيات إدخاله وحفظه في أماكن اجتماعها، غير أنه يمكن أن يوجد بمعرفة الضابطة في المنتديات التي تخصص لتعلم الصيد ولعب السيف ما تحتاجه من الأسلحة وبقدر احتياجها.

المادة الثانية عشرة: معدلة وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 41 تاريخ 28/9/1932م.

إنَّ الجمعيات التي لا تعلن أمرها وتنبئ الحكومة بإعطائها البيان وفقاً للمادتين 2 و6 فكما أنه بعد منعها من قبل الحكومة يجازى مؤسسوها وهيئة إدارتها وصاحب محل اجتماعها أو مستأجره بالجزاء النقدي، وكذا إذا كانت هذه الجمعية قد تألفت لغرض من الأغراض المضرة والممنوعة المبيّنة في المادة 3 أو في قانون الجزاء يحكم أيضاً على حدة بالجزاء المعين في القانون المذكور.

كل من يشترك على أي وجه كان في جمعية أو لجنة أو هيئة ترمي مباشرة أو بالواسطة إلى عرقلة سير المصالح العامة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة نقدية من 25 إلى 200 ليرة لبنانية سورية أو بإحدى هاتين العقوبتين.

المادة الثالثة عشرة: من خالف أحكام المواد 4 و5 و7 و9 وما لا تعلق له بالإخبار والإعلان من أحكام المادة السادسة يجازى بالجزاء النقدي.

المادة الرابعة عشرة: إنَّ الأموال العائدة لجمعية منعتها الحكومة أو فسخت برضاء أعضائها واختيارهم أو بحكم نظامها الداخلي تأخذ الحكومة أموالها وتضبطها.

المادة الخامسة عشرة: إنَّ المنتديات (كلوب) أيضاً هي من قبيل الجمعيات المحكي عنها في هذا الفصل.

المادة السادسة عشرة: إنَّ الجمعيات الموجودة الآن يحتم عليها في مدة شهرين اعتباراً من تاريخ نشر هذا القانون أن تعطي البيان وتوفي شرط الإعلان وفقاً للمادتين 2 و6 وأن توفق العمل على أحكام سائر المواد.

المادة السابعة عشرة: إنَّ عَدّ الجمعية خادمة للمنافع العامة يتوقف على مصادقة الدولة بقرار من شورى الدولة. ويمكن لمثل هذه الجمعية أن تجري جميع المعاملات الحقوقية غير الممنوعة بنظامها الأساسي. والأسهم والتحاويل التي تتملكها ينبغي في كل حال أن يرقم ويحول باسمها ما كان منها عائداً لحامله.

المادة الثامنة عشرة: للضابطة أن تفتش الجمعيات والمنتديات، فعليها من ثم أن تفتح محال اجتماعها في كل وقت لمأموري الضابطة ولكن حتى يثبت مأمورو الضابطة لدى الحاجة أنَّ دخولهم محل الاجتماع كان مستنداً إلى لزوم حقيقي يلزمهم إبراز ورقة رسمية تتضمن الأمر أو الإجازة بدخول ذلك المحل تعطى لهم في دار السعادة من ناظر الضابطة وفي الولايات من أكبر مأموري المحليين أو من وكيله.

المادة التاسعة عشرة: إنَّ نظارتي الداخلية والعدلية مأمورتان بإجراء هذا القانون.

7- مراحل تأسيس جمعية:

يمر إنشاء جمعية وفق قانون عام 1909م بالطرق والمراحل التالية:

1- اجتماع عدد من الأشخاص على فكرة/ مجموعة أفكار وتوافقهم على غايات/ أهداف تحقيقها.

2- وضع نظام أساسي للجمعية.

3- إصدار ختم رسمي للجمعية (غير شرطي).

4- كتابة بيان لإعلام الحكومة لأخذ علم وخبر بتأسيس الجمعية، ويرفق بالبيان نسختان من النظام الأساسي المصدّق للجمعية.

5- تقديم البيان ونسختي النظام الأساسي إلى نظارة الداخلية (وزارة الداخلية في بيروت) أو إلى أكبر مأموري الملكية في المحل (المحافظة إذا كانت خارج نطاق بيروت).

6- «يعطي لهم مقابلة لذلك علم وخبر».

7- إعلان التأسيس من قبل المؤسسين (الذي درجت العادة على نشره في الجريدة الرسمية).

8- المقارنة بالدول العربية الأخرى:

بدأت مظاهر «معركة التشريعات» بين أغلب الدول العربية منذ مطلع التسعينات، فيما خصَّ الجمعيات الأهلية، وقد أثمر ذلك عن متغيّرات أسهمت في «صحوة» المجتمع المدني الذي أصبح أكثر نضجاً وإدراكاً لانعكاسات التشريعات المقيّدة للحريات على فعالية المنظمات الأهلية.

وقد شهدت فلسطين (عام 2000م) واليمن (عام 2001م) والمغرب (عام 2001م) ومصر (عام 2002م) قوانين جديدة للجمعيات، بعد ضغوط مارسها المجتمع المدني هناك، إلاَّّ أنَّ هذه التشريعات استمرت مصدراً للصدام والتوتر، والدول التي تشهد اليوم مناقشات واسعة ومطالبات للتغيير هي: الأردن، البحرين، وموريتانيا، والسودان، والكويت. أمَّا المدن التالية فلا نقاش فيها حول مثل هذه التشريعات، ولا يطرح القطاع الأهلي فيها قضية، والقوانين السارية هي قديمة نسبياً، وذلك في: سوريا (قانون 1958م) وليبيا (قانون معدّل حتى 2001م) وقطر (قانون 1974م وتعديلاته حتى 1998م) والإمارات (قانون 1971م).

ويبيّن الجدول التالي مواقف التشريعات العربية من الاتجاهات الحديثة لقوانين المنظمات الأهلية(5).

م
الدولة
تاريخ القانون
حرية التسجيل والإشهار
حق الحل
فتح النشاط
التمويل

1
مصر
2002
نعم
الحكومة
نعم
موافقة الحكومة

2
سوريا
1958
لا
الحكومة
لا
موافقة الحكومة

3
لبنان
1909 وتعديلاته
نعم
القضاء
نعم
مفتوح

4
الأردن
1966
لا
الحكومة
نعم
موافقة الحكومة

5
فلسطين
2000
لا
الحكومة
لا
موافقة الحكومة

6
السودان
1995
لا
الحكومة
نعم
مفتوح

7
تونس
1992
لا
ـ
لا
ـ

8
الجزائر
1990
نعم
القضاء
نعم
مفتوح

9
المغرب
2001
نعم
القضاء
نعم
مفتوح

10
موريتانيا
1964 وتعديلاته
لا
الحكومة
لا
مفتوح

11
ليبيا
2001
لا
أمانة مؤتمر الشعب العام
لا
موافقة الحكومة

12
اليمن
2001
لا
القضاء
نعم
موافقة الحكومة

13
البحرين
1959
لا
الحكومة
لا
موافقة الحكومة

14
الكويت
1962 وتعديلاته
لا
الحكومة
لا
موافقة الحكومة

15
قطر
1998
لا
الحكومة
لا
ـ

16
الإمارات
1974
لا
الحكومة
لا
ـ

9- تنظيمات القطاع الأهلي:

تتباين الأشكال البنيوية للجمعيات ولمؤسسات العمل الاجتماعي ويتراوح هذا التباين ما بين الجمعية الخيرية، والمؤسسة الاجتماعية، والهيئة الشبابية والحركة الاجتماعية، والتجمّع، والمجلس الثقافي والاجتماعي، والنادي الرياضي والمستوصف الصحي- الاجتماعي، ومركز الخدمات، وبين مؤسسة الرعاية الاجتماعية والمجلس النسائي، والنقابة، والرابطة الاجتماعية، والفرع المحلّي لمنظمة دولية أو اتحاد وطني أو صندوق اجتماعي أو مؤسسة للتدريب...

كما ترتكز هذه الجمعيات في العاصمة وفي المدن الأخرى في الدرجة الثانية، مما يعكس خللاً في كيفية ومستوى تلبية هذه الجمعيات لحاجات المناطق لا سيما الريفية وتمكين أبنائها، ويبرز عجزها عن تشكيل أداة فاعلة لتحريك الوضع الاجتماعي وتفعيل حركة المجتمع المحلي من أجل تنميته، كما تنوّع الغايات والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، فبعضها يعمل لتقديم الخدمات الرعائية للفئات الضعيفة وتوفير المساعدات لها، وأخرى من أجل التصدي لمشكلة معنية بذاتها أو لتنظيم نشاطات ثقافية أو توعوية أو رفع الوعي الجمالي أو الفني أو الصحي أو السكاني، أو التوجه للاهتمام بالبيئة، أو لحماية حقوق الإنسان والحيلولة دون انتهاكها، أو لتنظيم النشاطات الرياضية والكشفية، أو التدريب على اعتماد اللاعنف والحوار، أو التعاطي مع مشكلات الأسرة أو المرأة والسعي لتحسين شروط حياتها القانونية والمهنية والتعليمية والأسرية.

ونلحظ تفاوت المنطلقات النظرية التي تشكل خلفيات العمل ومرجعيته بالنسبة لهذه الجمعيات، فمنها ما تدفعها الرغبة الفطرية لعمل الخير أو الاستجابة للقيم الإنسانية أو الدينية للإحسان ومساعدة الفئات المحتاجة، أو تقديم الخدمات والمشاركة بأعمال الرعاية أو امتلاك مفاهيم متطورة للعمل الاجتماعي فتنطلق من رؤية حديثة للتنمية والمشاركة والتمكين والسعي لإرساء علاقات اجتماعية ومؤسسية جديدة تشكل القاعدة الصلبة لديمومة التطوير المجتمعي والسير به باتجاه التحديث والنهوض والتنمية.

كما نلحظ التباين في حجم المؤسسات من حيث مراكزها وتجهيزاتها وعدد أعضائها وبالتالي قدرتها على اختراق مجتمعاتها المحلية وخدمتها وتأطير أبنائها بعد اجتذابهم للمشاركة في نشاطاتها. فبعض الجمعيات يصل إلى مستوى إقامة فروع، منتشرة وفاعلة، وبعضها لا يتجاوز عدد أعضائها عدد أصابع اليد الواحدة، وجميعها منشغلة بتأكيد تمثيلها للمجتمع وتعبيرها عنه، سواء كانت تملك مقومات هذا التمثيل أو الرؤى المحرّكة له أو المفاهيم والصلات المحقّقة لنتائجه، أو التمويل اللازم لتنفيذ بعض الأنشطة أو عدم امتلاكها له.

وأخيراً لابدَّ أن نشير إلى ضعف أشكال التنسيق ومحدودية مواضيعه ومناسباته، وعلى الرغم من مرور حوالي عقدين من الزمن على إطلاق أول صيغة تنسيقية بين الجمعيات، إلاَّ أنَّ هذه الأطر التنسيقية جميعها لم ترق لتصبح كيانات فاعلة ذاتياً ضمن ميادين عملها، ولم تتمكن من إيجاد آليات عمل دائمة، بل تمكّنت من التوافق أحياناً، في المناسبات والوطنية والمحلية، على قرارات وإجراءات ينبغي اتخاذها أو مطالبة الدولة باتخاذها، واختلفت دائماً على تسمية من يمثلها(6).

10- الجمعيات ومفهوم التنمية:

إذاً، في بداية عمل الجمعيات كانت الأنشطة لرعاية الأيتام والمحتاجين، ولإسعاف المرضى، وهي برامج إغاثة، ترتبط بالمال المتوافر، وبالظروف الطارئة، فذهنية الخدمات كانت طاغية، مستمدة من أخلاق دينية وأخرى توافقية اجتماعية، تقصد التكافل، وتهدف ألاَّ تكون هناك هوة سحيقة بين الطبقات، فيترف الشبع ويعاني الجائع، ويُطبب الميسور، ويموت الفقير في علّته.

وفي العقد الأخير من القرن الماضي بات لمفهوم التنمية دوره في ذهنية المجتمع المدني، علماً أنه تأسس منذ وقت أطول، فهو لم يأتِ من فراغ، إلاَّ أنَّ برامج الأمم المتحدة، وإطلاق مفهومها للتنمية المستدامة، طوّر مفهوم التنمية، وصار في أدبيات التسعينات بارزاً ومحورياً.

«والتنمية في العالم العربي، كانت تعبّر عن مجموعة متداخلة من الأهداف والطموحات العربية في مراحل الاستقلال، وتشكّل الدولة القومية، والتوق إلى الوحدة والتكامل العربيين. فالتنمية -على سبيل المثال لا الحصر- كانت تعني تحقيق النمو والتقدم الاقتصادي ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادرها، والتخلّص من تركة الاستعمار، وتحقيق الإصلاح الزراعي والسعي إلى التكامل العربي.

إنَّ التنمية اليوم هي الخيار الشامل لمجتمعنا، يتضمن مشروع استعادة النهضة العربية، ولكنه استعادة وفق صيغة معاصرة»(7).

واستدامة التنمية يعني عدم توريث الأجيال القادمة ديوناً اقتصادية أو اجتماعية، وعقلنة استثمار الموارد الطبيعية، وتعديل أنماط الاستهلاك المبدّدة للموارد الطبيعية، وتحقيق العدالة والإنصاف في العلاقات الحالية.

هاجس التنمية هذا، شغل جمعيات أهلية كثيرة، جادة ورصينة، هدفها: «علّمني كيف أصطاد سمكة بدلاً من أن تعطيني سمكة»، فلحقت جمعيات عديدة بهذا الركب العصري، وما زادها تمسّكاً به اشتراط منظمات واهبة ومنظمات دولية رؤيةً وأهدافاً تنموية مقابل مساعدات مالية تحقّق هذه الأهداف.

وهكذا راحت جمعيات لبنانية تتطلع إلى مخارج من مآزقها الإغاثية والطارئة، موجهة أنظارها، إلى المؤسسات الكبرى الدولية.

وفي ذلك نلفت إلى علاقات الشراكة التي تفرضها دول الشمال على دول الجنوب، ورغبات البنك الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة، على الحكومات، كما على الجمعيات الأهلية، وقد شارك ممثلون للمجتمع المدني في كثير من النقاشات الدولية حول هذه الشراكات وباتوا جزءاً منها، بل خصّصت لهم قمم عالمية استوعبت ما يمثّلون، فبات الجميع في دائرة واحدة.

إنَّ الخطوط العريضة التي تميّز برامج جمعياتنا التنموية- اليوم- هي: الشمولية، الاستدامة، والمحافظة على البيئة.

هذا الواقع الجديد هو أداة التغيير، أي الذي سيسهم في التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي معاً. فتبنّي رؤية تنموية يحقق المجتمع الديموقراطي المنشود.

لذا كان لابدَّ من توجيه للسياسة الاجتماعية، التي تتنازعها في لبنان قوى سياسية متنوّعة، تمثلها وزارة الشؤون الاجتماعية بحكم دورها، إلاَّ أنها لا تنفرد بذلك، إذ تجد إلى جانبها وزارة الصحة العامة، ووزارة التربية، في وقت نفتقر فيه إلى وزارة التصميم التي ألغيت منذ عقود قليلة، والتي كان يمكن أن تخطط وتضع المعلومات الأساسية في تصرّف المنفّذين.

من هنا كان دور الجمعيات الأهلية كبير، فهو مشارك فعّال في صنع هذه السياسة، وفي تنفيذها.

11- الشراكة المثلثة:

ويرى القطاع الأهلي أن التنمية لا تقوم إلاَّ بشراكة مثلثة متكافئة بين الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. وهو يدعو كلاً من الحكومة وممثلي القطاع الخاص إلى مشاركته هذا الاقتناع، والعمل باتجاه بناء هذه الشراكة المثلثة التي تتيح وحدها تجنيد إمكانيات المجتمع في إطار استراتيجية تنموية تفتح الآفاق أمام مستقبل أفضل.

إنَّ القطاع الأهلي يدرك تماماً واجباته وحقوقه، ويدرك إمكانياته الواقعية والأدوار التي يفترض أن يقوم بها في دفع عملية التنمية، في إطار من التكامل مع الأدوار التي يفترض بالدولة والقطاع الخاص أن يقوما بها. وتتمثل الخطوة الأولى دون شك في اعتراف كل من الدولة والقطاع الخاص بدور القطاع الأهلي وحقه الكامل في الشراكة المشار إليها. وهذا الحق اكتسبه القطاع الأهلي في لبنان عن جدارة من خلال تجربته الطويلة التي سبقت قيام الدولة اللبنانية نفسها في بعض المجالات، كما أثبت جدارته أيضاً خلال سنوات الحرب الطويلة حيث حلَّ محل الدولة في تأمين عدد غير قليل من الاحتياجات، وساهم إسهاماً فعالاً في الحفاظ على الحد الأدنى من الروابط الاجتماعية على مستوى قاعدة المجتمع في زمن التفكك الشامل.

كما أنَّ هذا الدور وهذا الحق والواجب في آن قد كرسته القمم العالمية التي نظمتها الأمم المتحدة والتي شارك لبنان فيها في النصف الأول من التسعينات. وقد جاء في قراراتها وبرامج العمل الصادرة عنها ما يشدد على مشاركة القطاع الأهلي في العملية التنموية على مختلف المستويات.

وتأسيساً على فكرة الشراكة المثلثة، فإنَّ فهم القطاع الأهلي يقوم على القول بتكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والقطاع الأهلي. ولدينا تصورنا الخاص للخطوط العامة لهذه الأدوار.

فمن جهة أولى يعتبر القطاع الأهلي أن لا بديل عن الدولة ومؤسساتها وأجهزتها في رسم الإطار العام للتنمية في البلاد. وهو يخالف وجهة النظر التي تبالغ في تقليص دور الدولة، كما وجهة النظر الأخرى التي تبالغ في دورها إلى حد إلغاء ما عداها. وفي الحالة اللبنانية، فإنَّ خطر التقليص يُهرّب الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية، سواء أتى ذلك بشكل تنازل عن وظائف اقتصادية واجتماعية تحت عنوان الخصخصة؛ أم أتى ذلك تحت عنوان دور القطاع الأهلي الذي ينظر إليه فقط باعتباره بديلاً للقطاع الحكومي في إنتاج وإيصال بعض الخدمات الاجتماعية بكلفة أقل مما لو أنتجت هذه الخدمات من خلال القطاع العام. إنَّ دور الدولة أساسي، وهو يتضمن التخطيط العام للعملية التنموية وضمان الحد الأدنى من التوازن في تمثيل المصالح بين مختلف فئات السكان، وتأمين الحد اللازم من التدخل الاجتماعي.

أما القطاع الخاص فهو لا يزال حتى الساعة على هامش العملية التنموية، ولكنه المستفيد الأول من الإنفاق العام الاستثماري، ومن مجمل النشاط الإعماري والتشريعي الذي عرفته البلاد بعد توقف الحرب. ولكنه في المقابل لا يتحمل أية مسؤولية اجتماعية وتنموية عامة، حتى في الميادين التي يلعب فيها دوراً حاسماً، ولا سيما الميادين ذات الطابع الاجتماعي. إنَّ القطاع الخاص هو المهيمن في مجالات الرعاية الصحية، والتعليم، والإعلام، والثقافة والترفيه، ولا يعقل أن يبقى أسير منطق الربح السريع، والحفاظ على مصالحه الفئوية، في الوقت الذي يستفيد فيه من الإنفاق العام الذي يتحمل وزره الشعب اللبناني بأسره، دون أن يقابل ذلك بتحمل مسؤوليته الاجتماعية والتنموية.

12- في الواقع الاجتماعي اليوم:
1 – إن مستوى معيشة فئات واسعة من الأسر هي دون المقبول اجتماعياً.

2 – لا تزال كثر من الدول العربية ومنها لبنان تتميّز بظاهرة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الشديد بين المناطق حاملة لعناصر شديدة الخطورة في ما يتّصل بوحدة المجتمع والاندماج الوطني والاجتماعي.

3 – معظـم السكان غير مشمولين بأي من أنظمة التأمين الصحـي أو الاجتماعـي (58٪)، ممّا يجعلهم معرضين للتأثيرات السلبيّة للتقلبات الاقتصادية، ومن دون أية حماية إزاءها.

4 – خدمات الرعاية الصحيّة والتعليم لا تزال تؤمن بالدرجة الأولى بواسطة القطاع الخاص، وهي تخضع لمعاييره (أي معيار الربح)، على الرغم من حساسيتها وارتباطها المباشر بحياة الناس اليومية.

ويلاحظ أن تراجع دور الدولة في هذا المجال هو من العوامل الأساسية المولدة للتفاوت في تقديم هذه الخدمات ونوعيتها، مقارنة بمؤشرات الخدمات العامة المتصلّة بالبنى التحتية (المياه، والكهرباء، والصرف الصحيّ).

5 – مع تسجيل بدايات من تخصيص الاهتمام بالمعوقين، والحالات المشمولة بالرعاية الاجتماعية كالأيتام، والنساء ربّات الأسر والأرامل منهنّ على نحو خاص، والأطفال الذي يعيشون في ظروف صعبة.

6 - ومع التأكيد على عدم وجود سياسات فعّالة قيد التنفيذ خاصة بالفئات السكانية الكبيرة، كالنساء، والشباب، والأطفال، والمسّنين.

7- ضرورة إيجاد سياسة عادلة للأجور.

وفي موازنة الأسرة نُلاحظ أنّه رغم السياسات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الوطني فإن الأسرة ما زالت تعاني من عجز ناتج عن عدم تناسب انفاقها مع مداخيلها(8).
13- دور الجمعيات ونقد ذاتي لها:

رغم عدد الجمعيات الأهلية في لبنان، والذي يناهز ثلاثة آلاف جمعية (عام 2001م) تأسّس 219 جمعية منها 10 جمعيات نسائية، و3 منظمات حقوقية، و19 رابطة عائلية ومنظمة سياسية واحدة، و5 جمعيات إعاقة، بينما سجلت الجمعيات الخيرية رقماً أعلى: 54 جمعية خيرية و47 جمعية ثقافية. فإنَّ عدداً قليلاً منها ينشط ويترك أثراً واضحاً في المجتمع المدني اللبناني.

ومع الاعتراف الرسمي والشعبي بالطاقات الكبيرة التي يملكها القطاع الأهلي، إلاَّ أنَّ لبنان يفتقد إلى آليات في الأجهزة الرسمية، وفي رسم السياسة الاجتماعية، لتلبية الحاجات الملحّة.

ونسجّل إيجابيات لحظها تقرير وضعه الدكتور هاشم الحسيني بتكليف رسمي- أهلي(9) منه:

1- «يدور نقاش تشريعي لتقنين العمل الأهلي في لبنان، فقد صدر مرسوم ينظم الجمعيات الشبابية والثقافية والترويحية والتدريبية، وهو يستند إلى منح ترخيص وليس إلى طريقة «العلم والخبر» المعهود.

2- صدور مرسوم جديد لمساعدة المعوقين يضمن حقوقهم في كسب العيش والاندماج الاجتماعي.

3- صدور قانون خاص بالأحداث، لحماية هؤلاء من المنحرفين.

4- سجلت السنوات الأخيرة تنامياً لعلاقات إيجابية بين القطاع الأهلي واللجان النيابية، على مستوى قضايا المرأة وحقوقها، وحقوق الإنسان، وتفعيل العمل النقابي، ولبنان هو بين الدول التسع الذي يُنفذ فيه مشروع تدريبي دولي لمكافحة العنف ضد المرأة.

5- أصدرت الدولة اللبنانية «شرعة المواطن» لترشيد العلاقة بين المواطن والإدارات الرسمية بالتنسيق مع قطاعات متخصصة من المجتمع المدني اللبناني.

6- كما بدأ تفعيل العلاقة بين القطاعات الحكومية والقطاع الأهلي في «مشروع التنمية الاجتماعية» عبر مجلس الإنماء والإعمار، بتمويل من البنك الدولي، لتأمين فرص للمهمشين وتحسين الوضع الاقتصادي خاصة في المناطق المحرومة».

ألا إنَّ تطلع القطاع الأهلي إلى لعب دور الشريك الكامل في التنمية، ومطالبته الحكومة بالاعتراف بدوره هذا، يتطلب منه القيام بمراجعة نقدية لأدائه وبرامجه، من ضمن تصور بعيد المدى يهدف إلى تطوير قدراته من أجل القيام بدوره هذا.

ذلك أنه على الرغم من بدايات اعتراف بالمنظمات غير الحكومية شريكاً في عملية التنمية المستدامة، وفي صناعة القرارات والرأي العام، وبالرغم من مساهمة هذا القطاع في تقديم العديد من مشاريع القوانين والعديد من القضايا ورفعها إلى مستوى الاهتمام العام والرسمي، إلاَّ أنه لا يزال يواجه صعوبات ومعوقات للقيام بالدور المفترض، أهمها:

· تحول تعدد الاتجاهات والاختصاصات إلى تجزئة مبالغ فيها للقضايا التنموية المتداخلة والمترابطة أصلاً (المرأة، البيئة، الطفل، المعوقون، حقوق الإنسان، «تنمية»... الخ)، ولا يتعلق الأمر في تخصص الجمعيات، وهو سمة إيجابية بذاته، بل بظاهرة عزل مجال العمل المتخصص عن المجالات الأخرى للعملية التنموية، وعدم وجود رؤى ومناهج تفكير وعمل على درجة من التكامل والشمولية لدى قسم من الجمعيات، مما يضعف الأثر التنموي الإيجابي لعملها.

· ضعف الآليات والممارسات الديموقراطية الحقيقية داخل المنظمات نفسها، بالرغم من مطالبة هذه الأخيرة بتحقيق هذا المطلب داخل المجتمع مؤسساته الرسمية.

· غياب الرؤية الشاملة والإستراتيجية العامة لدى عدد من الجمعيات، مما يجعل عملها يتخذ شكل حملات ظرفية ومؤقتة وغير مكتملة دائماً، لا تحدث تغيراً بنيوياً في المجتمع وفي قضاياه.

· جنوح بعض المنظمات والجمعيات نحو الفردية، واتخاذ بعض مناحي عملها شكل العمل السائد في الشركات الخاصة التي تبغي الربح، وتراجع اعتمادها على العمل التطوعي باسم المهنية والاحتراف.

· تخلّي بعض الجمعيات عن نفَسها النضالي، وإعطاء أولوية في عملها للتوجه لفئات اجتماعية محدّدة، والاستجابة لمتطلبات العمل القاعدي معهم. وبدل ذلك يلاحظ وجود جنوح نحو إعطاء الأولوية للتوجه نحو الجهات المانحة، واستسهال القبول بأولويات الممولين وشروطهم، دون اعتبار كافٍ لاحتياجات مجتمعاتنا.

· اقتصار عمل بعض الجمعيات أحياناً كثيرة على التعامل مع نتائج المشكلات الاجتماعية، وعدم بذلها جهوداً كافية للتعامل مع الأسباب، ولا سيما ما يكمن منها في السياسات المتبعة، وذلك استسلاماً منها للمقولة الخاطئة التي تتصور أن السعي لتعديل السياسات هو شأن «سياسي» خارج عن نطاق عمل الجمعيات.

14- التشبيك والتنسيق:

تأكيداً لوعي القطاع الأهلي اللبناني، راحت الجمعيات تعتمد صيغة الاتحادات والمظلاّت أي الصيغ الجامعة، على صعيد المنطقة، أو نوع النشاط، أو توافق الأهداف... وهي صيغ تؤسس لمبدأ الشراكة وتمثيل الحقول الرئيسية للعمل الأهلي والمهني والمنظمات المختصّة، والأكاديميين، ومراكز الأبحاث، فإذا ما تحقّق ذلك اكتسبت الشبكة طابع المؤسسة الكبرى، ومدّت علاقاتها الدولية والمحليّة لتزيد من نشاط أعضائها وتفعّل دورهم، ورغم الإشارة السابقة إلى ضعف أشكال التنسيق، الذي ما زال في بداياته، فإننا نلحظ من الاتحادات العاملة بنشاط اليوم: الاتحاد اللبناني لرعاية الطفل، الاتحاد الوطني لجمعيات أهالي ومؤسسات التخلّف العقلي، تجمّع الهيئات الأهلية التطوعية في لبنان، المجلس النسائي اللبناني، ملتقى الهيئات الإنسانية غير الحكومية في لبنان، الاتحاد اللبناني للبيئة والتنمية، الهيئة الوطنية للطفل اللبناني.

15- الشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية:

إضافةً إلى التشبيك أو التنسيق، وهو خطوة إيجابية يمر بها القطاع الأهلي اللبناني، فإنه يشارك وزارة الشؤون الاجتماعية في تصميم متابعة سياسة الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان للفئات الضعيفة والمعرّضة، وذلك من خلال اللجان الوطنية:

1- اللجنة الوطنية لمحو الأميّة.(10)

2- مشروع الإعلام والتثقيف والاتصال في الصحة الإنجابية.

3- مشروع بناء قدرات للحد من الفقر.

4- اللجنة الوطنية الدائمة للسكان.

5- المجلس الأعلى للطفولة.

إضافةً إلى ما تقوم به من المشاريع المشتركة مع المنظمات الدوليّة، وهو دور رعائي، ودور تنموي محليّ في الوقت نفسه، إلاَّ أنَّ هذه المسؤولية كما أوضح «مشروع تحسين أحوال معيشة الفقراء في لبنان»(11)، لا تتم إلاَّ بعد أربعة مبادئ إصلاحية ضرورية لتنظيم الوزارة هي: أن تكون الأولوية لخدمة المواطن مما يتطلب مرونة في الأنظمة والإجراءات، ثم لامركزية العمل الاجتماعي، لتبسيط إيصال الخدمة إلى المواطن وتمكين الفروع القريبة من الميادين من اتخاذ القرارات المناسبة، ثم ضرورة إيجاد مرونة في نظام العاملين في الوزارة فهم على تواصل دائم مع المواطنين ومؤسسات الرعاية والقطاع الأهلي، وعلى مواصفاتهم أن تتلاءم مع ذلك، وأخيراً، لابدَّ من عصرنة الإدارة ومكنتها.

أضف إلى ذلك أنَّ وزارة الشؤون الاجتماعية تدير ما مجموعه 120 مركزاً للخدمات الإنمائية في المناطق، معظم هذه المراكز يعمل بصفة فروع، ومن المقترح أن يتم وضع خطة لإعادة هيكلية عمل هذه المراكز من أجل إعادة توزيع وتنظيم أفضل للعمل بين المراكز الرئيسية والفروع بالتعاون مع الجمعيات غير الحكومية المتعاقدة مع الوزارة، وتقوم الفكرة الأساسية على دمج المراكز الفرعية مع الجمعيات غير الحكومية المتعاقدة بهدف تعزيز ومأسسة الشراكة بين الجمعيات والمراكز، بالإضافة إلى تلافي الازدواجية في العمل بين المراكز وهذه الجمعيات.

خاتمة:

لمَّا كان النمو الاقتصادي والتقدّم الاجتماعي والقضاء على الفقر من العوامل المساعدة لإيجاد مناخات ملائمة لاتساع نطاق التطوع، فإنَّه حتماً في لبنان سينمو ويتضاعف عدد المتطوعين في مؤسسات المجتمع المدني، هذا المجتمع الآخذ دوره أيضاً بالتعاظم، مع ازدياد مشاركته في صنع السياسة الاجتماعية وتنفيذها، ورغم المعوقات فإنه يقارع في سبيل دور أكبر وأفعل. ولقد أكّدَ عدد من وزراء الشؤون الاجتماعية المتتالين أنَّ واجب الوزارة هذه لن يكون مستقبلاً أكثر من رعاية الأعمال التي تقوم بها الجمعيات الأهلية، والإشراف على حسن تنفيذها لأهدافها.

وقد جاء في كلمة أحد وزراء الشؤون الاجتماعية ممثلاً فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية «أن مؤتمراً للسكان في القاهرة أورد أن المنظمات غير الحكومية هي ناطق هام باسم الشعب وتوفر رابطاتها وشبكاتها وسيلة فعالة وكفئا لتركيز المبادرات المحلية والوطنية على نحو أفضل، وتابع الوزير: وهيئاتنا الأهلية في لبنان مؤكدة لذلك، ومدركة ضرورة توحيد الحلقات الثلاث: الدولة والقطاع الخاص، والجمعيات الأهلية لتحقيق الغد الواعد المنشود لنا جميعاً».(12)... وهي دائماً تشبه لبنان.. كما هو.. وكما يرغب.

******************

الهوامش

*) أستاذ في الجامعة اللبنانية ومنسق عام لتجمع الهيئات الأهلية في لبنان.

1- تراجع مقدمات «الإدارة الداخلية للجمعيات الأهلية في لبنان»: وزارة الشؤون الاجتماعية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2004م.

2- أنطوان مسرّة، اللجنة الوطنيّة للتطوع، مداخلة في ورشة عمل، قصر الأونسكو، بيروت 2001م.

3- كامل مهنّا، دراسة تعود إلى 2001م، اعتمدت في اللجنة الوطنية للتطوّع.

4- المرجع السابق نفسه.

5- من التقرير السنوي للمنظمات الأهلية العربية 2002م صادر عن الشبكة العربية للمنظمات الأهلية- القاهرة.

6- انظر: كتيّب المؤتمر الوطني الأول للهيئات الأهلية في لبنان، كانون الأول/ديسمبر 1999م.

7- التقرير الأهلي اللبناني حول التنمية المستدامة، جوهانسبرغ آب/ أغسطس 2002م، ص: 11.

8- محمد أمين فرشوخ، من مداخلة في مؤتمر السياسة الاجتماعية- وزارة الشؤون الاجتماعية، تشرين الأول/ أكتوبر 2004م.

9- نشرته الشبكة العربية- القاهرة- وهو التقرير السنوي الثاني لعام 2002م.

10- وقد أفادت- مؤخراً- اللجنة الوطنية لمحو الأمية أنّها تتطلّع إلى تحقيق خفضٍ هام في معدلات الأميّة مع إطلالة عام 2015م، وذلك بالتعاون مع الأونيسكو واليونيسيف ومنظمة العمل الدوليّة والمركز التربوي والمؤسسة العسكرية. أمَّا وضع الأميّة اليوم فهو 8٪ للسكان البالغين عشر سنوات بانخفاض تدرجي لاحظناه خلال السنوات السابقة. وهو تراجع يُسجّل مؤشراً إيجابياً على صعيد الأسرة مع أنَّ النسبة هذه تمثل النساء ثلثيها.

11- وقد أصدر كتابه عن عام 2004م بالتعاون مع UNDP ووزارة الشؤون الاجتماعية.

12- من التقرير النهائي للمؤتمر الوطني الأول للهيئات الأهلية في لبنان، 1999م.

المراجع الإضافية:

- اتحاد المنظمات الأهلية: دليل الجمعيات الأهلية في لبنان- لا طبعة- بيروت، 1987م.

- حداد، أنطوان: الفقر في لبنان، لا ت، عمان، 1995م.

- فرحات، عباس: العمل التطوعي في ميدان الخدمة الاجتماعية، لا طبعة، بيروت، 1964م.

- كريم، حسن: التنمية البشرية في العالم العربي، لا مكان نشر، 1994.

- كيوان، فاديا: تشكل المجتمع المدني في لبنان، بيروت، المركز اللبناني للدراسات، 1993م.

- كنعان، نعمت: الخدمة الاجتماعية في لبنان، بيروت، 1980م.

- الوضع الاجتماعي الاقتصادي في لبنان، واقع وآفاق 2004م.

- لبنان: إعداد مشروع تحسين أحوال معيشة الفقراء في لبنان. ومركز الأبحاث في العلوم الاجتماعية- الجامعة اللبنانية.

- الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، إطار للمعالجة. المجلس الاقتصادي الاجتماعي، 2000م.

- التقرير الأهلي حول التنمية المستدامة لقمة الأرض جوهانسبورغ، 2002م.

- التعليم العالي في لبنان، عدنان الأمين، بيروت، 1994م.

- تقرير التنمية الإنسانية البشرية، المجلس الاقتصادي الاجتماعي، 2002م.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=170

الأكثر مشاركة في الفيس بوك