الولايات المتحدة الأمريكية والصين: ماذا وراء الحرب الاقتصادية الصامتة؟

 

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات منزعجة من تنامي نفوذ الاقتصاد الصيني، ونموه المتسارع الذي تسبب في منافسة شديدة لها، أدت إلى سيطرة الصين على أسواق عديدة في إفريقيا وآسيا وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

أخذت الحرب الصامتة ذات الطابع التجاري بين البلدين في التصاعد، عقب أزمة الديون الأمريكية وما سببته من مشاكل للاقتصاد الأمريكي، وقد تجلت مظاهر التوتر الصيني الأمريكي في عدة أوجه، شملت فرض رسوم جمركية متبادلة على بعض السلع من كلا الدولتين، حيث قررت الإدارة الأمريكية فرض رسوم جمركية بقيمة 60 مليار دولار على منتجات صينية، وذلك للحد من تأثير هذه المنتجات في السوق الأمريكية.

كما قامت الصين في خطوة تصعيدية ضد الولايات المتحدة الأمريكية بفرض رسوم جمركية على 130 سلعة أمريكية بقيمة ثلاث مليارات دولار، وأكدت الناطقة بإسم الحكومة الصينية نية الصين اتخاذ تدابير ردعية لما تصفه بالاستفزازات الأمريكية لها.

وقامت الصين أيضا بتقديم شكوى إلى منظمة التجارة العالمية تشكو فيها الولايات المتحدة وتتهمها بخرق قوانين التجارة الدولية المتعارف عليها، وتتجه الأمور نحو التعقيد أكثر في حال فشلت المنظمة الدولية في احتواء الأزمة التي اندلعت منذ عدة أشهر، بعد اتهام الولايات المتحدة الأمريكية للصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية للعديد من المنتجات الأمريكية.

نجاحات الاقتصاد الصيني المقلقة

خلال السنوات الماضية استطاعت الصين أن تحقق نجاحات اقتصادية كبيرة تعكس قوتها وهيمنتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم، فقد نجحت الصين في الحصول على عضوية منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2001، وذلك بعد مفاوضات شاقة وحرب ساخنة شهدتها أروقة المنظمة العالمية بين الصين وغريمتها التقليدية الولايات المتحدة الأمريكية، نجاح الصين في اختراق المنظمة العالمية زاد من قوتها وسيطرتها على الأسواق مستفيدة من قوانين المنظمة وإجراءاتها.

استطاعت الصين كذلك أن تحقق نجاحا مهما حيث اعتمدت العملة الصينية اليوان لتكون ضمن سلة العملات العالمية لدى صندوق النقد الدولي، وجاءت الخطوة بعد مفاوضات مضنية بين الصين والمؤسسة الدولية، حيث اجتازت الصين كافة العقبات واستوفت كافة الشروط لتجعل من عملتها عملة عالمية تعانق الدولار بل وتزاحمه في الأسواق العالمية، بعد اعتماد اليون الصين ضمن سلة عملات صندوق النقد الدولي حولت الصين تعاملاتها الدولية من الدولار إلى اليوان، وقد تسبب هذا الاجراء في حرج كبير للولايات المتحدة وشكل تهديدا حقيقيا لسيطرة ابنها المدلل الدولار على التعاملات الدولية.

تتويجا لما حققته الصين من نجاحات باهرة خلال السنوات الماضية وهي نجاحات شكلت هواجس وقلق للولايات المتحدة الأمريكية، ورأت فيها تهديدا جذريا لسيطرتها على الاقتصاد العالمي، أطلقت الصين مؤشر شنغهاي لتسعير عقود النفط الآجلة، وتعتبر الخطوة التى طال انتظارها في الصين تهديدا حقيقيا للدولار الأمريكي وهيمنته على السوق العالمية. كما ستمنح الخطوة المستثمرين الراغبين في شراء عقود النفط باستخدام اليوان الصيني لتمرير صفقاتهم.

الاقتصادان: الصيني والأمريكي، تكامل حذر

رغم تداعيات الأزمة وإمكانية تطورها للأسوأ خلال الفترة القادمة إلا أن الاقتصاد الصين والأمريكي يشكلان دورا تكامليا يعتبر أحد ركائز الاقتصاد العالمي، ومن الصعب ضرب هذا التكامل لما سيتسبب فيه من خسارة وانهيار للاقتصاد العالمي، وهذا ما يؤكده حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث وصل فائض الميزان التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين 375 مليار دولار خلال العام 2017، وتعكس هذه النسبة مستوى حجم التكامل بين اقتصاد قطبي التجارة العالمية وهو تكامل حذر محفوف بالهواجس.  ومن أوجه التكامل الاقتصادي الصيني الأمريكي أن الصين تعتبر أكبر دائن للخزينة الأمريكية  حيث تبلغ حصة الصين من الديون 1.15 تريليون دولار وفق ما نشرته وزارة الخزانة الأمريكية، وهكذا فإن الدَّيْنَ يربط أكبر اقتصادين في العالم ارتباطا وثيقا.

رغم تداعيات الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وغريمتها التقليدية الصين وهي الأزمة التى بدأت تأخذ أبعادا خطيرة إلا أن حجم التكامل الاقتصادي ومستوى الترابط بين اقتصاد البلدين ربما يكون له تأثيرات في كبح نار حرب تجارية بدأت دخانها يتصاعد.

تخوفات من آثار خطيرة على الاقتصاد العالمي

أبدت العديد من الدول تخوفاتها من آثار سلبية محتملة على اقتصاداتها بسبب تنامى التصعيد بين قطبي التجارة الدولية الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث شهدت البورصات في عدة دول آسيوية انخفاض في مؤشراتها بسبب التخوفات من تطورات الحرب التجارية، الهزات الارتدادية للتوتر الأمريكي الصيني لم تسلم منها أيضا البورصات الأوربية وحتى الأمريكية، حيث شهد مؤشر داجونز الأمريكي هبوطا بنسبة 2% خلال الأسبوع الماضي، وتسبب هذا الهبوط في تأثر أسهم شركات التصنيع وتجارة الحبوب و صناعة الرقائق الإلكترونية .

تأثيرات الحرب التجارية المعلنة من الرئيس الأمريكي ترامب على الصين ستكون بالغة على الاقتصاد الأمريكي حيث ذكر تقرير لــــ Financial Times أن 2.6 مليون وظيفة في الولايات المتحدة الأمريكية توجد في مشاريع أمريكية- صينية مشتركة، الصين أكبر مستورد للحديد الأمريكي حيث تشكل الصادرات الأمريكية للصين نسبة معتبرة من الدخل القومي الأمريكي، كما تشهد البضائع الصينية إقبالا ورواجا كبيرا من قبل الأمريكيين حيث وصلت قيمة هذه البضائع (باستثناء المواد الغذائية والسيارات) ما قيمته 233.8 مليار دولار 2015.

وفي حالة تم وضع العوائق على التجارة مع الصين فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستخسر ما قيمته 60 مليار دولار سنويا تستوردها الصين من قطاع الإلكترونيات الأمريكية.

تبدوا الولايات المتحدة الأمريكة اليوم بين خيارين أحلاهما مر، فإما تعليق العلاقات التجارية مع الصين وكبح نشاطها التجاري من خلال القيود الجمركية والضرائب، وهو ما سيفقد الولايات المتحدة الأمريكية سوقا كبيرا ذات عائدات كبيرة على الاقتصاد الأمريكي، وإما العمل مع الصين في إطار اتفاقيات التجارة الدولية وهو ما سيزيد من قوة الصين وسيطرتها ونفوذها في الاقتصاد العالمي.

المصدر: https://islamonline.net/25170

 

أنواع أخرى: