محنة الوسطية الإخوانية في مستقبل العمل السياسي

أنـور أبـــو طه

 

 

ما أن يفتح صندوقاً للانتخابات حتى يطلّ الإسلاميون برؤوسهم، تلك حقيقة سياسية باتت جلية، ولكن السؤال أيُّ إسلاميين هم؟ فالإسلاميون اليوم طرائق قدداً وجماعات شتى، ويتوزعون على أحزاب وجماعات وحركات وتيارات تتعدد أوصافها بقدر تعددها، فمنها المعتدل، والجذري، والوسطي، والحداثي، والتقليدي، والمحافظ، إلى غير ما هنالك من أوصاف، غير أن هذه التعددية يمكن إجمالها في اتجاهين رئيسيين جامعين:

الأول: اتجاه جماعة الإخوان المسلمين بتشكيلاته في مختلف البلدان، وهو الاتجاه الذي ينعت نفسه بالوسطية والاعتدال.

والثاني: الاتجاه ألجهادي الذي يضم حركات المقاومة، وأشهره اليوم تنظيم القاعدة، وهو الاتجاه الأكثر تنوعاً وثراءاً في تشكيلاته. أما الاتجاهان الأهلي الدعوي الخيري، أو المؤسسي الرسمي فهما اتجاهان لا يتعاطيان الشأن السياسي وإن استُثمرا سياسياً.

واتجاها الحركية السياسية الاخواني والجهادي يتخذان موقفين مختلفين تجاه العملية الديمقراطية، ففي حين يتجه الأول إلى الدعوة للمساهمة في العملية الديمقراطية، فإن التيار الثاني لا يرى جدوى من هذه العملية سواء لرفض البعض منه الديمقراطية من منطلق ايماني وتشريعي، أو لاعتبار البعض الآخر أنها ملهاة تَحُول دون التغيير الحقيقي للنظم العربية والاحتلالات الغربية.

ولكن وبالرغم من موقف التيار الأول المتصالح مع العملية الديمقراطية والداعم لها، إلا أن محاولته لسلوك هذا الطريق بقيت معاقة بفعل الاستبداد الرسمي للنظم العربية، وهو استبدادٌ حظي بالدعم الدولي، وتم التواطؤ عليه إقليمياً باتفاقات الأمن العربي المشترك، إلا أننا نشهد بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، والتي كان خلفها بعض ممثلي التيار الثاني، وتحديداً بعد فشل الإدارة الأمريكية في القضاء على

هذا الاتجاه ورموزه، وبعد تعثّر حملات الغزو العسكري في تحقيق الأهداف الأمريكية، اتّجهت -الإدارة الأمريكية- بمراكز قرارها ودراساتها إلى إعادة دراسة سبل تغيير أو "تحديث العالم الإسلامي"، لترسو على نهج قوامه الاستمرار في ملاحقة وحصار التجمعات الجهادية، وتشجيع جماعات "الاعتدال" السياسي الإسلامي، وهو الأمر الذي أشار إليه بشكل صريح تقرير مؤسسة "راند". وتهديد النظم والمجتمعات العربية بما عرف بـ"الفوضى الخلاقة". والدعوة إلى تغيير المناهج الدراسية.

في هذه الأجواء وبُعَيد أحداث الحادي عشر من أيلول بدأت أوساط من النظم السياسية والمؤسسات الرسمية وبعض جماعات الحركية السياسية عمليات تظهير لصورة المسلمين أمام العالم على مثال من التسامح والاعتدال والبراءة من العنف الأعمى وفي ظنهم أن المشكلة هي سوء فهم وقلة وعي غربي بأمة الإسلام وقيمها وحضارتها.

وزاد في هذا الإطار حراك جماعات التيار ألإخواني مستفيداً من أجواء الحصار الدولي والإقليمي للتيار ألجهادي، والرغبة الأمريكية في التغيير، وانسداد أي أفق للتحول الحقيقي داخل نظم الاستبداد، فبدأ عارضاً نفسه بديلاً معقولاً وعقلانياً على مأزق المواجهة بين المجتمعات الإسلامية والقوى الغربية، متفهماً القلق الأمريكي والغربي من توجهات العنف الراديكالي وخطرها على العلاقات الدولية والاستقرار والأمن، فأعاد إنتاج مواقفه السابقة من الديمقراطية، والتداول السلمي على السلطة، ومسألة الحريات، وقضايا المرأة، وذلك في سياق توائمي مع الحداثة الغربية، وسياسات الضرورة، وواقعية السياسة، وليختصر مشهد الانتخابات النيابية المصرية الأخير جدل الصراع والتدافع بين الأطراف الثلاثة: النظم، والولايات المتحدة، وتيار الاعتدال ألإخواني.

وفي السياق نفسه ولكي نفهم مستقبل هذا التدافع نود أن نسجل أن الاستقطاب داخل الحالة الإسلامية بين جماعات الإخوان المسلمين، وجماعات الجهاد من ناحية، وجمود التقليدية الإسلامية المؤسسية من ناحية أخرى، أفقد الفكر الإسلامي، والحالة الإسلامية المجتمعية بأبعادها المختلفة ثراء التعددية الفكرية والسياسية، التي يمكن أن يولد على أثرها اتجاهات فكرية وسياسية جديدة، تقود قطاعاً من المجتمعات الإسلامية، والاتجاه "الوسطي" ألإخواني، يحتكر تمثيل هذه "الوسطية" بفعل الاستقطاب السابق، وبفعل الظروف الدولية ممثلة بخيارات القوى الدولية راهناً، وتشكّك جمهور المسلمين من جدوى المواجهة المسلحة مع الغرب، يضاف إلى ذلك ما تتمتع به جماعات الإخوان المسلمين من احتياطي مجتمعي تاريخي مالي علائقي كبير يُبقى أمل بروز اتجاهات وسطية جديدة تفارق تجربة الإخوان المسلمين أمراً صعباً، ولكن ما يبدو صعباً الآن سيغدو محتملاً في مستقبل العمل الإسلامي لأسباب تاريخية وواقعية وفكرية من أهمها:

* أن أي تحوّل في طبيعة الأنظمة القائمة من أنظمة استبداد وتبعية ترفض مشاركة الإسلاميين في السلطة، إلى أنظمة ديمقراطية مستقلة، تسالم الإسلام كدين والإسلاميين كاتجاهات حزبية سياسية، وفي مناخ من حرية التعددية السياسية سيفتح آفاق مرحلة مختلفة من تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية. وحينها فإن ساحة العمل السياسي لن تقتصر على الجماعات الإخوانية بل ستتقاسمها معها تيارات إسلامية وسطية ومعتدلة أخرى.

* أن التعددية الإسلامية الداخلية لا تنهض إلا بضعف قوى التطرف العلماني، ليبرالية كانت أو يسارية، وهو أمر بدء بانهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع حركات اليسار، وهو آخذ في التصاعد في ظل السياسات الغربية الليبرالية المتوحشة بالقوة عسكرية، والاقتصاد المعولَم، لأن التطرف العلماني يحول دون تعددية إسلامية داخلية تحظى بالقبول الايجابي، إذ سيَبقى الاستقطاب على الدوام بين الحالة الإسلامية في العموم،

والحالة العلمانية في العموم، ومعلوم أن التيار الحركي الأقدم وهو تيار الإخوان المسلمين كان يمثل هذه الحالة الإسلامية، ولذلك فإن الإخوان حين يرفعون شعار «الإسلام هو الحل» في ظل أُحادية إسلامية في مواجهة العلمانيين يظل شعاراً مقبولاً يتمتع بالشرعية الدينية الجماهيرية، ولكنه سيغدو شعاراً مشكوكاً في مدى تمثيله للإسلام حين تتحقق التعددية الإسلامية داخل المجتمع الواحد، ولامعنى له في

مواجهة أحزاب إسلامية أخرى ، لأن الكل يدعي وصلاً بالإسلام. وإن التنافس والصراع حينئذ لن يكون بين الإسلام والعَلمانية، بل بين البرامج المختلفة التي تقدمها كافة الأحزاب على أرضية الإسلام نفسه. ولنتصور على سبيل المثال مأزق جماعة الإخوان في الكويت مع التيار السلفي الديمقراطي، وجماعة حماس الإخوانية في الجزائر مع حزب ..... التابع للشيخ عبد الله جاب الله في الجزائر، فضلا عن جبهة الإنقاذ، وصورة المشهد السياسي للمغرب إذا قررت جماعة العدل والإحسان خوض الانتخابات على منوال جماعة العدالة والتنمية الاخوانية، ومحنة الإخوان السودانيين التاريخية مع حزب الترابي.

* أن المواجهة بين الغرب والجماعات الجهادية ستغدو أكثر ضبطاً، وأضعف إيقاعاً، في حال استمرت رياح التغيير في العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي سيدفع قطاعاً من هذه الجماعات في ظل انفراجات ملموسة إلى التحول للعمل السياسي الرسمي، ويمكننا هنا أن نستحضر مثالا على ذلك جماعة الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية المصرية بعد المراجعات الفكرية والسياسية التي قاموا بها، واستعداديهما للعمل السياسي السلمي .

* أن بروز اتجاهي "الدعاة الجدد" وتجمعات "المثقف الإسلامي المستقل" كرد فعل على غلبة التسييس في الحالة الإسلامية، وفشل الحركية الإسلامية في إقامة نموذج للحكم الإسلامي الصالح، سيدفع إلى طرح اجتهادات جديدة ستفارق في جزء منها نماذج العمل الحركي التقليدي واتجاهاته.

إن الكثير إن محنة مستقبلية ستواجه جماعات "الوسطية" الإخوانية في ظل مجتمعات إسلامية مستقرة على نظم ديمقراطية حقيقية، تسمح بالتعددية داخلها

ولنتصور مثلاً ثلاثة أو أربعة أحزاب إسلامية تتنافس في انتخابات تشريعية داخل إحدى الدول. إنها صورة على مثال غير سابق ولا شك.

وسنشهد حينذاك التقسيمات التقليدية على أرضية الإسلاميين نفسها بين يمين ووسط ويسار، ومحافظ وحداني، وتجديدي وتقليدي وغير ذلك، وإصلاحي ومحافظ.

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=271&idC=3&idSC=12

الحوار الداخلي: