في علاقة النحو بالمنطق من خلال بعض مقابسات التوحيدي

 فوزية ضيف الله

 

"إن البحث عن المنطق قد يرمي بك إلى جانب النحو،

والبحث عن النحو قد يرمي بك إلى جانب المنطق"

أبو حيان التوحيدي، المقابسات (م عدد24)

لا يبدو أن إمكان الحديث عن علاقة النحو بالمنطق على غاية من اليسر؛ وذلك راجع في نظري إلى تشعب هذه العلاقة تاريخيا أي تأثر المناهج اللغوية النحوية بعوامل لغوية يونانية خاصة وأخرى فقهية، وإن كان الفارابي قد أكد على أن علم اللسان كان قد اكتمل قبل ترسيخ علم المنطق في الربوع العربية؛ معنى ذلك أن المنطق اليوناني لم يبدأ إلا في القرن التاسع ميلاديا؛ أي القرن الثالث للهجرة، في حين أن اللغة ضبطت قواعدها في الكوفة والبصرة في نهاية القرن الأول واكتمال القرن الثاني، حيث إن أثر علم المنطق في نشأة علم اللسان عند العرب لم يكن واضحا إلا في بداية القرن الثالث للهجرة؛ أي مع ابن السراج وتلامذته (260ﻫ - 310ﻫ)(1).

يفضي ذلك إلى توطّد علاقة النحو بالمنطق إلى حد تبادل التأثير والتأثر؛ بمعنى أن النحو العربي صار يقتبس من المنطق جملة من البنى النحوية والقوالب الفكرية، وصار المنطقي على اطلاع بما تفرزه جملة البحوث النحوية من مناهج حديثة؛ لذلك لا تتبين الحدود الفاصلة بين العلمين نظرا للتداخل والمزج الذي وقع بين العلمين، والحال أن لكل علم أغراضه وأساليبه وإن كان الأستاذ جمال العمراني قد أرجع هذا المزج الحاصل بين العلمين إلى ابن باجة تحديدا(2).

إن تقرير الوضع الذي نشأت ضمنه إشكالية علاقة النحو بالمنطق، يفضي إلى النظر في حدود التقارب الذي صار بين العلمين، وتبين ملامح التباعد الأصلية التي لم تعد متجلية بفعل التركيز على علامات التداخل والتشابك عند القيام بعملية نقل المنطق اليوناني إلى الربوع العربية، لأن علم المنطق كان بحاجة آنذاك إلى تأييد من أهل اللغة والفكر، حتى تتيسر عملية ترسيخه إلى جانب علم قام واكتمل هو علم النحو. لذلك، تواترت المناظرات والسٌجالات التي دارت رحاها بين المناطقة والنحاة في العصر العباسي؛ وذلك لتتبع معالم هذا التقارب بين العلمين والبحث في إمكانيٌة الحفاظ على التباين الذي يوجد بين منطق يوناني ونحو عربي أو النظر في التكامل الذي قد يحصل بينهما. وقد أشار الدكتور جيرار جيهامي إلى أن هذه المجالات والمناظرات "قد انخرطت في صُلب مسار تاريخ الفكر العربي وما يوازيه من تاريخ علوم النحو، وقد عكست لنا بنتائجها التفاعل المتبادل الذي حصل بين علوم اللغة والمنطق (...) حيث طبعت حيزا أساسيٌا من المؤلفات الفلسفية والكلامية والفقهية. (3)

فما الذي جعل العلاقة بين النحو والمنطق مشكلا؟ وماهي ضروب هذه العلاقة التي تشدٌ الواحد منهما إلى الآخر؟ هل "يتعاونان بالمناسبة" أم "يتفاوتان بالفرق"؟

إنه في ضوء هذا النحو من التساؤلات، سوف نحاول أن نقدم الخطوط الأساسية لهذه الخصومة التي دارت وتدور بين المناطقة والنحاة، غير أن ديدننا هنا ليس تقصي قيام هذه الخصومة بين الأشخاص، وإنما تتبع معالم علاقة النحو بالمنطق من جهة ما هي علاقة قد أربكت المناطقة كما أربكت النحاة؛ فالبحث في العلاقة هو بحث عن أنماط التقارب والتباعد ما بين العلمين. لكن ماهي دواعي قيام هذا التناظر ما بين علم المنطق وعلم النحو؟

لما انتهى أرسطو من تأسيس علم المنطق، لم يتخذ لهذا العلم رموزا كالرموز الرياضية أو الهندسية، ولكنه صاغ القضايا المنطقية والمسائل المتعلقة بها في قوالب لغوية شبيهة بكلام الناس؛ أي في صورة ألفاظ وأصوات كالتي يألفها الناس في أحاديثهم اليومية، ومن هنا نشأت علاقة اللغة بالمنطق. "لكن الحدود متشابكة ومتداخلة؛ فهناك ناحية من المنطق تنطبق تمام الانطباق على ناحية اللغة كما أن هناك من المنطق ما لا يمُتْ للغة بصلة في صورتها المألوفة الشائعة على الألسن بصلة ما". (4)

لذلك، فإن وجه الصعوبة هو هذا: بأي معنى يكون لعلم المنطق نفس الموضوع الذي لعلم النحو (اللغة)؟؛ فقد لبث المنطق يغزو ببحوثه بعض مناطق النحو كما ظل اللغوي يقتحم ببحوثه بعض مناطق المنطق؛ فالنحوي والمنطقي يتنافسان على نفس الموضوع ألا وهو اللغة. وقد أرخ التوحيدي لهذه الخصومة بين المناطقة والنحاة في كتابه الإمتاع والمؤانسة(5)، حيث أورد المناظرة التي دارت بين أستاذه أبي سعيد السيرافي، أحد النحاة المشهورين ومتى بن يونس المنطقي، في حضرة الوزير ابن الفرات. وقد ظهر منها ميل أبي حيان لمسلك النحاة غير أن رسالته في العلوم(6) تؤكد تحيزه إلى جانب علم المنطق وتجعله في مرتبة أعلى من علم النحو، إذ يقول: "فكل من تكامل حظه في اللغة وتوفر نصيبه من النحو، كان بالكلام أمهر وعلى تصريف المعاني أقدر وازداد بصيرة في قيمة الإنسان المفضل على جميع الحيوان، وعرف عُوار المتكلمين ووقف على عادة الفقهاء في أمر، فإن شدا بعد ذلك شيئا من المنطق، فقد سبق جميع الناظرين"(7) وتشير هذه القولة أيضا إلى الترتيب التفاضلي بين اللغة والنحو والمنطق ويعلل التوحيدي تفوق علم المنطق على علم النحو بقوله في نصٌ الرسالة "النحو مقصور على تتبع كلام العرب في إعرابها ومعرفة أخطائها وصوابها واعتياد ما تواطأت عليه وألفت استعماله(8)".

أما نص المقابسات، فإنه يكشف عن اقتناع التوحيدي بالعلاقة الفاعلة التي تربط بين العلمين، وإن كان تعلقه بالمنطق لا يزال ظاهرا وتظهر في هذا النص رؤية أبي حيان التكاملية. لذلك، يحدد الصورة التي ينبغي أن يكون عليها كل من المنطقي ومن النحوي، ويبين مدى خصوصية الرابطة بين النحو والمنطق، وهي اللغة العربية.

إن قصدنا ينحصر في النظر في علاقة النحو بالمنطق، انطلاقا من نص المقابسات، وإن كان نص الإمتاع والمؤانسة قد تطرق لهذا الموضوع من جهة التأريخ للمناظرة التي دارت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس، فإنه عالج علاقة النحو بالمنطق بما هي خصومة بين النحاة والمناطقة. فلم تكن الظروف الحافة بالمناظرة وبالمجلس عامة لصالح علم المنطق، بل لصالح علم النحو، غير أنه في الحقيقة كان لصالح علم المنطق، وهو ما أثبته التاريخ، إذ استطاع الفارابي تجاوز هذا الإشكال بأن وضع العلاقات الممكنة بين علم النحو وعلم المنطق في كتاب الحروف، وقد كان على بيٌنة من أن علم اللسان كان قد اكتمل قبل ظهور علم المنطق(9).

لذلك رفض جلال العمراني رد النسق النحوي العربي إلى المنطق الأرسطي، كما رفض رد اللغة العربية إلى القرآن والشعر، وإن كان اعتزاز العرب بهذين المنبعين ظاهرا وجليا، وهو لا يدعو إلى إقامة علاقات الفصل ما بين النحاة والمناطقة فقط، بل يتمثل الأمر بالنسبة إليه في التفريق الجذري ما بين علم النحو وعلم المنطق، عندما يفكر كل من النحوي ومن المنطقي على أرضية مشتركة، ألا وهي اللغة العربية(10). فالمآزق التي وقع فيها كل من السٌيرافي ومتى بن يونس هي مآزق راجعة إلى عدم التمييز بين النحو والمنطق؛ فالسيرافي لا يرى في المنطق سوى النحو، وبالتالي فهو نحو للغة قوم ما، وذلك راجع إلى كونه يخلط بين المنطق اليوناني واللغة اليونانية، كما يخلط بين العقل والمنطق؛ فكلا الطرفين عارف بمجاله وجاهل بالمجال الآخر. فما يميز نص المقابسات عن نص الإمتاع والمؤانسة هو كون نص المقابسات يكشف عن الرؤية التكاملية ما بين علم النحو وعلم المنطق، وهو ما توضحه المقابسة الثانية والعشرون، والتي يظهر أن أبا حيان قد كتبها فيما بعد؛ لأنها توحي بمصالحة بين المناطقة والنحاة، إذ يقول: "النحو منطق عربي والمنطق نحو عقلي" كما يرى أن النحو يساعد المنطق كما يعين المنطق النحو، وإذا اجتمع المنطق العقلي والمنطق الحسي فهو الغاية والكمال. أما النحو، فهو عند أبي سليمان نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتحيله وتأباه وتذهب عنه وتستغني بغيره(11). ويتفق مفهوم أبي سليمان هذا مع مفهوم أبي حيان؛ فكلاهما يرى أن النحو يجمع كل ما يتعلق باللغة من جوانبها المختلفة الصوتية والصرفية والنحوية، كما يتضمن هذا التعريف إيضاحا لوظيفة النحو الذي يتحكم في بناء الكلام وسلامته من الأخطاء. أما المنطق، فهو "آلة" يقع بها الفصل والتمييز بين ما يقال هو حق أو باطل في ما يعتقد وبين ما يقال هو خير أو شر في ما يفعل وبين ما يقال هو صدق أو كذب في ما يطلق باللسان وبين ما يقال هو حسن أو قبيح بالعقل(12)" هذا في نص المقابسات. أما نص الرسالة، فإنه يعرف النحو بأنه "قصور على تتبع كلام العرب في إعرابها ومعرفة خطئها وصوابها واعتياد ما تواطأت عليه وألفت استعماله".(13) أما المنطق "فهو اعتبار معاني الكلام في اعتدالها وانحرافها واختلافها وائتلافها وإيهامها وإيضاحها وإغماضها وإفصاحها وتمييزها والتباسها وإطراحها وانعكاسها واستمرارها واستقرارها وبه تُفصل الحجة من الشبهة وتنقي الشبهة عن الحجة، وتعرف حيلة المغالط ونصيحة المحقق، وهو آلة عند أربابه كالميزان يزنون به كل مختلف فيه ومتفق عليه وليس فيه كفر ولا جهل ولا دين ولا مذهب"(14) وهذا التعريف الذي يقدمه الفارابي في الفصل الثاني من إحصاء العلوم، إذ يقول: "فصناعة المنطق تعطي بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل في المعقولات والقوانين التي يمتحن بها في المعقولات ما ليس يؤمن أن يكون قد غلط فيه غالط"(15).

ونستطيع أن نتبين أوجه اتفاق تجمع بين المنطق والنحو، اقتنع بها أبو حيان فنقلها عن أستاذه أبي سليمان، وذكرها في مقابساته، وتتمثل هذه الأوجه أن كلا من النحو والمنطق أداة تحقق السلامة من الأخطاء كل منهما في مجاله الخاص به، كما يشتركان في الوظيفة، فالنحو يرتب اللفظ لذلك "ينظر النحوي فيما حلاه اللفظ دون الإخلال بالمعاني التي هي كالحقائق والجواهر" (المقابسة رقم 22) والمنطق يرتب المعنى لذلك "ينظر المنطقي فيما حلاه العقل دون الإخلال بالألفاظ التي هي كالحُلل والمعارض" (م - عدد22)، ومن وظائفها أيضا تحقيق المعنى فالنحو يحقق المعنى باللفظ والمنطق يحقق المعنى بالعقل. غير أن النحو يرتب اللفظ ترتيبا يؤدي إلى المعنى المعروف أو إلى العادة الجارية في حين أن "المنطق يرتب المعنى ترتيبا يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة" (م - عدد22)، وذلك عائد إلى كون دليل النحو هو دليل طباعي؛ فالنحو شكل سمعي وإلى كون دليل المنطق دليل عقلي، فالمنطق شكل عقلي، فالبرهان المنطقي مأخوذ من العقل في حين أن شهادة النحو طباعية مأخوذة من عادات العرب أي من سنن المشافهة عند العرب.

إن ذلك يؤدي إلى ربط علم النحو بالبديهة و"البديهة منوطة بالحس وإن كانت معانة من جهة العقل" (م - عدد22) وربط علم المنطق بالروية و"الروية منوطة بالعقل وإن كانت معانة من جهة الحس" (م - عدد22) لذلك يصف أبو سليمان النحو بكونه منطقا حسيا لارتباطه بالفكرة والطباع، ويصف المنطق بكونه نحوا عقليا فيربط النحو بحد البلاغة والخطابة، ويربط المنطق بحد الإفهام والتفهم والواقع أن "حد البلاغة والخطابة موصوف (م - عدد22 ص 109) في حين يكون "حد الإفهام والتفهم معروف" (م - عدد22 ص 109).

لذلك، فإن النحو يصير علما "مقصورا" على أمة ما في حين يكون المنطق علما "مبسوطا"، وهو ما ذهب إليه الفارابي أيضا لما قارن بين صناعة المنطق وصناعة النحو، إذ رأى أن "نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ، فكل ما يعطيه علم النحو من قوانين في الألفاظ يُعطي علم المنطق نظائرها في المعقولات ويُفرق بينهما في أن قوانين المنطق عامة، لأنها قوانين عقلية لا تختلف باختلاف المكان والزمان واللغات. أما قوانين النحو، فتخص لغة كل أمة (...) فالمنطق يعطي القوانين في القوانين جميعا، وهو يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ ويفارقه في أن علم النحو، إنما يعطي قوانين تخصٌ ألفاظ أمة ما. وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعمٌ ألفاظ الأمم كلها، فإن للألفاظ أحوالا تشترك فيها أحوال كل الأمم"(16).

 

لذلك، فإن النحو يعتريه الاختلاف وذلك راجع إلى كون "النحو يتبع ما في طبائع العرب" (م -عدد22 ص 111) والطبائع مختلفة متبدٌلة ومرتبطة بالأهواء والوشائج. لذلك، "فقد يعتريه الاختلاف". أما المنطق، فمستمرٌ على الائتلاف (م - عدد22 ص 111) وذلك راجع إلى كونه "يتبع ما في غرائز النفوس"(17) أي أن المنطق هو قوة مركوزة في النفس؛ لذلك فهو يوزن بميزان العقل لأن "العقل أشدٌ انتظاما للمنطق"(18). أما النحو، فهو كيل بصاع اللفظ(19) أي أن النحو ميزانه ومعياره اللفظ؛ لذلك فهو أشد التحاما بالطبع(20) إذ يتبع ما في طبائع العرب، لذلك يقول أبو سليمان رادا على أسئلة التوحيدي ومتحدثا عن يحيى بن عدي أن النحو والشعر واللغة ليست بعلم، والدليل على ذلك هو "أنك لو لقيت في البادية شيخا بدويا قحا محرما لم ير حضريا قط ولا جاور عجميا ولم يفارق رعية الإبل وانتياب المناهل، وهو على عنجهيته التي لا يشق غباره فيها أحد منا، وإن تكلف فقلت له: هل عندك علم؟ فقال لا هذا وهو يسير المثل ويقرض الشعر ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرين وعاه واتخذه أدبا ورواه(21).

وبما أن النحو أشدّ التصاقا بالطبع منه بالعقل قبل فيه الشاذ والنادر و"رُد في المنطق ما جرى مجراهما"(22)؛ لكن ألا يمكن أن يكون مرتبطا بالعقل؟ بمعنى ألا يمكن للإنسان أن يكون منطقيا بالطبع الأول؟ يعتبر أبو سليمان أن الإنسان منطقي بالطبع الأول، ولكن "يذهب عن استنباط ما عنده بالإهمال "وذلك راجع إلى كون "الحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق"(23) ولكن ذلك لا يجعل أبا سليمان متأكدا من كون النحو قوة أصلية في الإنسان ففي نظره "ليس كل إنسان نحويٌا في الأصل" وإن كان "النحو أول مباحث الإنسان" و"المنطق آخر مطالبه"(24).

إن أبا سليمان لشدة ربطه للمنطق بالطبع الأول للإنسان يكاد يجعله قريبا في معناه من الإلهام أو الوحي الذي يرتكز في النفس لوجود القريحة؛ فالعرب في نظره وإن كانت أرضهم ذات جدب وقحط ... و"إن كانوا أصحاب فقر" (...) فقد زادتهم جزيرتهم سرا لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة والبيان البديع والتصرف المفيد والاقتدار الظاهر؛ لأن أجسامهم نُقيت من الفضول ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول وصار المنطق الذي باينوا به غيرهم بالاستخراج مركوزا في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات متميزة، بل بشيء كالإلقاء والوحي لسرعة الذهن وجودة القريحة(25).

إن ما يؤكد عليه التوحيدي في مناقشة لأبي سليمان للبحث في علاقة المنطق بالنحو وإدراك ما بينهما من تشابه أو من تباين هو: أولا؛ إدراك أن الفروق القائمة بين المنطق والنحو لا تلغي إمكانية وجود تعاون بينهما، فهما يتكاملان و"يتعاونان بالمناسبة"(26)، وإن كانا يتفاوتان بالفرق "فالنحو يدخل المنطق لكن مزينا له والمنطق يدخل النحو لكن محققا له"(27) بمعنى أن النحو يُزين المنطق؛ لأنه ترتيب للألفاظ والمنطق يُحقق النحو، لأن المنطق ترتيب للمعاني واللفظ متى زال، فإن "المعنى بحاله لا يزول ولا يحول"(28) وإن كان زوال المعنى من شأنه أن يُغير المعقول ويرجع إلى غير ما هو عليه في الأول.

ثانيا: تبيان أن النظر في المنطق قد يرمي بنا إلى النظر في النحو فـ "البحث عن النحو قد يرمي بنا إلى جانب المنطق"(29) وذلك راجع إلى التكامل الحاصل بينهما فعلا، لذلك يختم التوحيدي المقابسة الرابعة والعشرين بالتركيز على ضرورة أن يكون المنطقي نحويا وأن يكون النحوي منطقيا؛ إذ يقول أبو سعيد السيرافي مخاطبا أبا حيان التوحيدي: "تابعت، حاطك الله، بين هذه المقابسات الثلاث، لأنها متواخية في بابها، أعني أنها في حديث اللغة والنحو والمنطق والنظر. وبهذا، تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمي بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو قد يرمي بك إلى جانب المنطق. ولولا أن الكمال غير مستطاع. لكان يجب أن يكون المنطقي نحوي، والنحوي منطقيا، خاصة واللغة عربية، والمنطق مترجم بها، ومفهوم عنها، والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح"(30).

ثالثا: لا ينبغي تفضيل المنطق على النحو أو وضع واحد منهما في مرتبة أو مقام أشرف من المقام الذي للعلم الآخر، فإذا كان المنطق راجع إلى الروية والنحو راجع إلى البديهة، فإن الروية والبديهة كلاهما قوتان على غاية من الشرف(31) إذ يقول أبو سليمان: "والروية والبديهة تجريان من الإنسان مجرى منامه ويقظته أو حلمه وانتباهه، وغيبته وشهوته، وانبساطه وانقباضه، فلا بد من هاتين الحالتين، ومتى ضعف فيهما فاته الحظ المطلوب من الحياة، والثمرة الحلوة من السعي"(32) لذلك "لا يوجد الإنسان غاية في البديهة، غاية في الروية، لأن إحدى القوتين، إذا استعملت قمعت الأخرى، وحاجزتها عن بلوغ غايتها القصوى"(33) غير أنه لا بد من وجود القوتين معا، لأنه وجد فينا "شيء لا يبرز إلا بالروية والفكر والتصفح والقياس وشيء بالخاطر والبديهة والإلهام والوحي والفلتة"(34)؛ وذلك راجع إلى أن الروية تُحيل دائما على الجانب البشري في الإنسان في حين أن البديهة تحيل دائما إلى الجانب الإلهي فيه.

ينبغي إعادة النظر في علاقة المنطق بالنحو، بحسب الدور الذي قد يلعبه المنطق في بناء علم النحو؛ أي أن تحديد هذه العلاقة يحتاج إلى تعيين جهة النظر التي تحدد مقاما خاصا بكل علم في علاقته بالعلم الآخر، فإما أن يكون النحاة قد تأثروا فعلا بمنطق أرسطو، وإما أنهم قد استفادوا منه دون أن يُعولوا عليه كثيرا، وإمٌا أنٌ كلا العلمين مختلفين، وإن كانا "يتكاملان بالمناسبة"؛ بمعنى أن المنطق علم لا يمكن الاستغناء عنه، وإن كان الفرق بين العلمين ظاهرا جليا، وهو الموقف الذي يتبناه الفارابي(35). إن ذلك لا يُفضي إلى ضبط المواقف التي تبناها الناظرون في أمور النحو والمنطق، فانطلاقا من تباين وجهات النظر تباينت المواقف، وتعددت الإحداثيات التي ترغب في مسايرة نمو هذه الإشكالية في الحضارة العربية تحديدا، ومن ذلك تأكيد الدكتور إبراهيم مدكور على تأثر النحاة العرب بمنطق أرسطو، حيث يقول: "وقد أثر فيه المنطق الأرسطي (يقصد النحو) من جانبين: أحدهما موضوعي والآخر منهجي، فتأثر النحو العربي عن قرب أو عن بعد بما ورد على لسان أرسطو في كتبه المنطقية من قواعد نحوية وأُريد بالقياس النحوي أن يُحدد ويُوضٌح على نحو ما حُدد القياس المنطقي (...) فعُرف أرسطو المنطقي قبل أن يُعرف أرسطو الميتافيزيقي، وتُرجم الأورغانون قبل أن يترجم كتاب الطبيعة أو كتاب الحيوان"(36).

غير أن المستشرق أ- مركس (A.Merx) لا يكتفي بافتراض تأثر النحو بالمنطق اليوناني، بل ُيرجع كل نحو وكل لغة إلى المنطق والفلسفة كما يرى أن أصل النحو العربي ليس النحو الإغريقي أو المنطق الرواقي، وإنما المنطق الأرسطي تحديدا(37). وإن كان مركس قد دعم هذه النظرية بإحالته على جملة من المصطلحات والقواعد والبنى المشتركة بين العلمين(38)، فإن كارتر (M.Carter) يرفض هذه النظرية، ويعتبرها مفتقرة إلى الأدلة والمراجع الواضحة، إذ لا وجود لنصوص تاريخية تُبين هذا التأثر الواضح بين العلمين(39). كما رفض تروبو (G.Troupeau) الموقف القائل بتأثير المنطق الأرسطي في نحو سيبويه وتمسك أرنالديز (Arnaldes) بضرورة رد اللغة العربية إلى القرآن(40) كما لو أن "موقف المدافع عن النحو ضد المنطق، هو موقف المدافع عن الإسلام وعن الملة (...) كل ذلك يجعل النحاة محترزين احترازا كبيرا أمام هذا الدخيل الذي كأنما هو يريد أن يؤسس لغة في لغة قائمة بين أهلها"(41).

إن النظريات المتعلقة بدراسة علاقة علم النحو بعلم المنطق مُترددة بين الادعاء بمزج أصول النحو العربي بأصول المنطق اليوناني، وبين التحدث عن أصولية علم النحو؛ أي القول باستقلاله عن علم المنطق. لذلك، يعتبر جيرار جيهامي أن كلا الموقفين لا يفيان بالغرض في تحديد الملامح الحقيقية لإشكالية النحو والمنطق؛ وذلك راجع في نظره إلى "أن الادعاء بمزج أصول النحو العربي بأصول المنطق اليوناني بعيد عن محجة الصواب نظرا إلى قيامه على تأويلات جزئية، وليس على نصوص وشواهد ثابتة. كذلك الكلام على أصولية النحو بشكل قاطع، إنما هو تجاهل لما حصل عند المتأخرين من تشابك وتفاعل بين العلوم اللسانية وتلك الإنسانية"(42).

متى تبينا ذلك، فإن انعطاف المُساءلة يُفضي إلى تقرير وجود فروق بالطبيعة بين علم المنطق وعلم النحو، من حيث إن الفرق هو فرق في الذهنية، لذلك ينبغي إدراك خصائص كل علم على حدة؛ فالعلاقة بين المنطق والنحو تحيل على اختلاف في الذهنية: الذهنية المنطقية اليونانية والذهنية النحوية العربية. ذلك ما أكد عليه جاك لوﻧﭭاد (Jacques Longhade) نفسه مُشيرا إلى أن هذه الثنائية نجدها أيضا داخل الذهنية العربية في حد ذاتها، إذ يتجاذبها فكر نحوي وآخر منطقي، لذلك اتضح لدى الفارابي في مقدمة كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق (الفقرات 2 و3 و7)، أن النحاة والمناطقة لا يفكرون بنفس الكيفية في المعطى المفهومي، ولا يتكلمون نفس اللغة، وذلك راجع إلى كون المنطق هو لغة صناعية أحدثت ضمن لغة متداولة أو هو "ميتالغة" (métalangue). أما النحو، فينتج عن اللغة المشتركة والمتداولة عبر سنن المشافهة ويكون خاصا بأمة ما بعينها، لذلك فمهما كان وضع العلاقة بين النحو والمنطق على درجة من الاختلاف، فهو لا ينفي إمكانية وجود تكامل بينهما، فلا هما يتناقضان، ولا هما يستغنيان عن بعضهما البعض(43).

إذا كان جاك لوﻧﭭاد قد تحدث عن فرق في الذهنية: أي بين الذهنية المنطقية اليونانية والذهنية النحوية العربية، فإن جيرار جيهامي يُشير إلى نفس الفكرة مُؤكدا أن العقل العربي له خاصياته التي تميزه عن العقل اليوناني وعن اللغة اليونانية، التي تتميز بالتجريد والنظر المعمم في حين تكون اللغة العربية لغة الشعر والخيال، إذ يقول: "إنها اللغة الحسية التي قامت على أساس المعاينة بالحس والمشاهدة وليس على ما ورائهما من معان مستشفة، فهي قليلة العمق في المقولات العقلية (...) فضعف التحليل والتعليل الذي عكسته اللغة العربية في تركيباتها الأولى يعود إلى طبيعة، فإذا تبصر مثلا في أمر أو استكشف حاله لا يذهب إلى حد الاستغراق الفكري، إنما يقف على مواطن خاصة أو جانبية استثارت إعجابه أو دغدغت مخيلته(44).

نتبين إذن أن السؤال عن النحو والمنطق يُرجعنا إلى السؤال عن اللغة؛ فالمشاكل التي واجهت النحاة والمناطقة راجعة إلى عدم تمييزهم بين المنطق اليوناني واللغة اليونانية. كذلك، فإن الأزمة التي تعالجها مقابسات التوحيدي هي "أزمة في اللغة"، بمعنى أن اللغة في حد ذاتها تتجاذبها ثنائية المبنى والمعنى، "فلا تعشق اللفظ دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ"(45). غير أن الدكتور عبد السلام المسدي لا يكتفي بحصر الأزمة في اللغة فقط، بل يجعلها "أزمة فيما وراء اللغة"(46) أساسا، بمعنى أن التوحيدي يضع نفسه موضع "امتحان مع المجتمع" هو "امتحان المقبولية لديه"(47) لذلك اعتمد على الطريقة الحوارية، لأن هذه الطريقة تنشط عملية النقل كما تجعل المشاكل النظرية تنتظم وفق مناظرة فلسفية ترتقي بالمعطيات الفكرية عن الجزئيات أو المعطيات الموضوعية الحافة بالحوار.

بيد أنه، وإن تعددت المناظرات التي عالجت إشكالية علاقة النحو بالمنطق، فإن الخصومة بين المناطقة والنحاة لم تخفت، وذلك راجع إلى أن المدافعين عن النحو ضد المنطق، يصدرون عن خلفيات إيديولوجية وعقدية أساسا(48). لذلك، فإن استئناف النظر في هذه المسألة، مدعو إلى استيعاب المضاعفات التي أدت إلى انتشار النصوص المتعلقة بهذه المسألة، والتصدي لكل محاولة في طمس التفاعل الذي حصل بين علم النحو وعلم المنطق، بتحويل المنطق إلى محور للصراعات النظرية العقيمة، على ألا يتم اقتلاعه من أرضه التي نبت ترعرع فيها(49).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بيبليوغرافيا نقدية

● A.ELAMRANI Jamel, logique aristotélicienne et grammaire arabe (Etudes et documents) J.Vrin, 1983.

● A.ELAMRANI Jamel, «Grammaire et Logique d’après le philosophe arabe chrétien Yahya Ibn AdI», (280-64 H / 893-971) in ARABICA, Revue d’Etude Arabe (fondé par E.Lévi, provençal), E.J.Brill, Editeurs, Leiden, 1982.

  • Langhade Jacques, Du coran à la philosophie, la langue arabe et la formation du vocabulaire philosophique de Farabi, (préface de Jean Jolivet, Damas, 1994, (Troisième partie).

● Langhade Jaques, «Mentalité grammairienne et mentalité logicienne au IVème siècle», in Journal de Linguistique Arabe, N°15, 1985, (pp104-117).

  • ابن باجة، التعاليق المنطقية، تحقيق وتقديم ماجد فخري، دار المشرق، بيروت، ط1، 1994.
  • بن ساسي محمد، "النحو العربي والمنطق الفلسفي"، ملاحظات حول بعض المناظرات في العصر الوسيط، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 30/31، السنة 17، (ص ص 15-27).
  • جيرار جيهامي، الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، دار المشرق بيروت، ط2، 1992
  • التوحيدي (أبو حيان)، المقابسات، تحقيق وتقديم محمد توفيق حسن، دار الآداب، بيروت، ط2، 1989
  • التوحيدي (أبو حيان)، الإمتاع والمؤانسة، تصحيح وضبط أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت، صيدا.
  • التوحيدي (أبو حيان)، رسالة في العلوم، منشورات مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد، الظاهر.
  • الفارابي (أبو نصر)، إحصاء العلوم، تحقيق وتقديم الدكتور عثمان أمين، دار الفكر العربي، مصر، 1949.
  • الفارابي (أبو نصر)، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم محسن مهدي دار المشرق، بيروت، 1990.
  • الفارابي (أبو نصر)، كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق وتقديم محسن مهدي، ط2، دار المشرق، بيروت، 1991.
  • المسدي (عبد السلام)، "التوحيدي وسؤال اللغة"، فصول، م 14، عدد3، خريف 1995، (ص ص 126 - 157).
  • السائح (أحمد عبد الرحيم)، "العلاقة بين اللغة والمنطق عند الفارابي"، الباحث، عدد 16، بيروت، مارس-أفريل 1981.
  • نصر الدين (صالح سيد)، "الرؤية اللغوية عند أبي حيان التوحيدي"، فصول، م 15، عدد1، الجزء 3، ربيع 1996، (ص ص 205-221).

(1) انظر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم محسن مهدي، ط2، دار المشرق، بيروت، 1991، المقدمة، (ص ص 44 -47)

(2) ذكره جمال العمراني في كتابه (Logique aristotélicienne et Grammaire arabe, J.Vrin, 1983, p181) ذكره الدكتور جيرار جيهامي في كتابه الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، دار المشرق بيروت، ط2، 1992، ص 137

(3) جيرار جيهامي، الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، الفصل الثالث، ص 129

(4) أحمد عبد الرحيم السايح، "العلاقة بين اللغة والمنطق عند الفارابي"، الباحث عدد 16، بيروت، مارس – أبريل 1981، ص 72

(5) انظر "الليلة الثامنة" من كتاب الإمتاع والمؤانسة.

(6) انظر التوحيدي، "رسالة في العلوم"، ضمن "في الصداقة والصديق"، قسطنطينة، 1301.

(7) رسالة في العلوم (ص ص 23 – 24).

(8) رسالة في العلوم (ص 203).

(9) راجع مقال محمد بن ساسي، "النحو العربي والمنطق الفلسفي، ملاحظات حول بعض المناظرات في العصر الوسيط"، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية عدد 30-31، السنة السابعة عشر، (ص15 ← ص 27)

(10) ذكره جاك لوﻧﭭاد في «Mentalité grammairienne et mentalité logicienne au IV siècle», ZeitArab, linguistik, N°15, 1985 (p104).

(11) مقابسة عدد 22، ص 110

(12) مقابسة عدد 22، ص 110

(13) رسالة في العلوم، ص 203

(14) رسالة في العلوم، ص 203

(15) الفارابي، إحصاء العلوم، الفصل الثاني (ص 53)

(16) ذكره أحمد عبد الكريم السايح، "العلاقة بين اللغة والمنطق عند الفارابي" - مجلة الباحث عدد 16، مارس- أفريل 1981 - بيروت، ص 82

(17) المصدر نفسه.

(18) المصدر نفسه.

(19) المصدر نفسه.

(20) المصدر نفسه.

(21) المقابسة عدد 48، ص ص 170-171

(22) المقابسة عدد 22 (ص 111)

(23) المصدر نفسه.

(24) المصدر نفسه.

(25) المقابسة عدد 65 - (ص ص 221-222)

(26) المقابسة عدد 22 - (ص 108)

(27) المقابسة عدد 22 - (ص 111)

(28) المصدر نفسه.

(29) المقابسة عدد 24 (ص 117)

(30) المقابسة عدد 24 (ص 116)

(31) المقابسة عدد 55 (ص 189)

(32) المقابسة عدد 55 (ص 189)

(33) المقابسة عدد 55 (ص 189)

(34) المقابسة عدد 55 (ص 189)

(35) يقول أحمد عبد الرحيم السائح: "إن القائلين بالاستغناء عن المنطق اعتمادا على كثرة استعمال الأقاويل الجدلية واضح، لأن أولئك يزعمون الاستغناء عنه ببديل صناعي، وهؤلاء يزعمون الاستغناء عنه ببديل فطري. وحجة هؤلاء أن الله أودع في فطر بعض الناس صفاء العقل وجودة الذهن ونضج القريحة، حيث لا يخطئون الحق أصلا دون تعلم لقوانين المنطق ولا يملك الفارابي ردا على هؤلاء سوى ما ذكره من أن شأن هؤلاء كشأن من يزعم الاستغناء عن النحو اعتمادا على سلامة الفطرة من غير احتياج إلى قوانين النحو"، المصدر نفسه، (ص 81)

(36) ذكره، أحمد عبد الكريم السائح، المصدر نفسه، (ص 71، 72، 73).

(37) ذكره، جمال العمراني، "المنطق الأرسطي والنحو العربي"، (ص 23)، وذكره جيرار جيهامي في الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، (ص 124)

(38) يقول جيرار جيهامي: "كرس مركس نظريته هذه بدلالته على مجموعة من المصطلحات والقواعد المشتركة بين أصول المنطق الأرسطي وأصول النحو العربي الذي تفرع مذاهب ومدارس؛ أولها أن تقسيم سيبويه لعناصر اللغة إلى اسم وفعل وحرف شبيه إلى حد بعيد بتصريف الأسماء والأفعال والحالات عند أرسطو، ثانيها أن أرسطو لم يعرف الموضوع نحويا، إنما الصفة أو المقولة المحمول كذلك العرب الذين استبدلوها بموضوع "الخبر"، ثالثها إن فكرة "الجنس" لم ترد أصلا عند اليونانيين وانعكست عند العرب في تصريف الأسماء والأفعال وتشكيلها في حالات الرفع والنصب والجرٌ، رابعها إن تقاربا معنويا جرى بين الألفاظ العربية وتلك اليونانية كمثل لفظ "الظرف" الزماني والمكاني الذي انبثق عن معنى "الوعاء اليوناني"، المصدر نفسه، (ص 124، 125).

(39) يقول جيرار جيهامي متحدثا عن موقف كارتر (M/Carter) عن القائلين بتأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي: "رفض كارتر هذه النظرية منطلقا من افتقارنا إلى مراجع ونصوص تبين تاريخيا وواقعيا تأثر القوى العربية بالمنطق اليوناني (...) فلا دلائل كافية تقوي موقف الداعين هؤلاء إلى تبين آثار المنطق اليوناني في صلب بنية النحو العربي (...) فسيبويه بعيد كل البعد عن اللغويين اليونانيين وقصده البصرة كان لتعلم الحديث والفقه لا المنطق، فهو لا يهتم بمعاني الكلمات وأبعادها الفكرية قدر اهتمامه بدورها ومكانتها واستعمالها الصحيح، وذلك لأسباب لغوية صرفة. أما طرق بحثه في النحو، فكانت فقهية المصدر، انطلاقا من استعماله نهج التماثل أو التشابه الواردين في مفهوم "القياس الفقهي" الذي طُبق مُقربا الفرع من الأصل (...) وينهي كارتر دراسته بإصراره على طغيان المنحى الفقهي – القياسي على قواعد سيبويه وباستبعاده النظر إليها من زاوية منطقية يونانية، المصدر نفسه، (ص ص 125- 126).

(40) A.El Amrani Jamel, Logique aristotélicienne et grammaire arabe (Etude et documents), J.Vrin, 1983 (pp 23, 25)

(41) محمد بن ساسي، المصدر نفسه، (ص 19).

(42) جيرار جيهامي، المصدر نفسه، ص 126. يمكن الاطلاع على الوقائع التي يذكرها جيرار جيهامي، والتي تكشف عن النشأة المزدوجة التي لعلم النحو وتؤكد تقلباته المتعددة. (ص ص 126-127).

(43) Langhade Jaques, «Mentalité grammairienne et mentalité logicienne au IVème siècle», ZeitArab, Linguistik, N°15, 1985 (pp 105-106).

(44) جيرار جيهامي، المصدر نفسه، ص 30

(45) ذكره، عبد السلام المسدي، "التوحيدي وسؤال اللغة"، فصول عدد 3، خريف 1995، ص ص 147-148

(46) المصدر نفسه، ص 132

(47) المصدر نفسه.

(48) يقول محمد بن ساسي: "إن المسألة لم تبق في حدود الخصومة النظرية بل تجاوزتها إلى الخلفيات العقدية بل إن علماء اللغة التحموا مع الفقهاء والمتكلمين ليصفوا الفلاسفة والمناطقة أقطاب المدرسة البغدادية خاصة بالزندقة - "من تمنطق فقد تزندق" - المصدر نفسه، ص 26

(49) لذلك ما قام به كل من ابن باجة وابن رشد نظرا لاقتناعهم بأن المنطق هو منطق الفلسفة.

المصدر: http://www.mominoun.com/articles/%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D...

http://nbc.net.in/map  

أنواع أخرى: