الإسلام انطلاقاً من هاجر… الأم الكبرى المنبوذة

ريتا فرج

 

لقد ولد الإسلام من الغريبة في أصل التوحيد، وظلت هذه الغريبة غريبة في الإسلام.

فتحي بن سَلامة، الإسلام والتّحليل النّفسيّ، ص 191.

بقيت الكتابة عن أدوار النساء في الإسلام هامشية حتى الحقبة المعاصرة، على الرغم من توافر محاولات تاريخية في القرن التاسع عشر، سعت لاستنهاض الوجود النسائي في الاجتماع والثقافة والمعرفة الدينية. تتضمن المدونات التراثية الإسلامية أرشيفاً غنياً، يساعد على إخراج دور المرأة المنسي؛ ولعل تأخر الاهتمام البحثي والأكاديمي في الدراسات النسوية في العالم العربي، لم يسمح بتراكم الإنتاج الببليوغرافي في هذا الحقل المعرفي.

إن الدراسات الحديثة عن هاجر زوجة النبي إبراهيم “البطريرك“، وأم إسماعيل، نادرة جداً، ليس في لغة الضاد فحسب، بل أيضاً في اللغات الأوروبية. ومرد ذلك، أن هذه السيدة تُثير إشكاليات عدة، ترتبط إحداها بحيز التهميشللعنصر النسائي في تاريخ الأديان من جهة، وبالرؤية الاستعلائية الدينية التي أسست لها الرواية التوراتية من جهة أخرى، والتي تتصل إلى حد كبير بــــ “هاجر” نفسها وأصولها الاجتماعية: أمَة/ جارية أم أميرة مصرية منافسة لسارة الزوجة الأولى. هاجر التي ينظر إليها أستاذ التحليل النفسي والفلسفات النفسية علي زيعور  بوصفها “الأم الكبرى“،“الأم الأصلية“، “الأم المقدسة[i]  في الإسلام، لم يهتم بها البحث العلمي والنسوي بشكل وافٍ، ويعود ذلك إلى غياب أو تغييب اللاوعي التاريخي للحضور المؤسس لــ “الغريبة في أصل التوحيد[ii]؛ وهي التي تُعد ركناً أساسياً من أركان الإسلام  وبداياته المؤسسة.

تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على دور “هاجر” “الأميرة المنسية” أو “الأمَة المنبوذة” في تاريخ الإسلام، فمن هي؟ وما أصل اسمها؟ وماذا دونت عنها الرواية التوراتية والرواية القرآنية؟ وأخيراً ما هي القراءات التي قدمها التحليل النفسي لفهم هذا التهميش والنبذ؟ سنتطرق هنا إلى قراءتين الأولى لعلي زيعور والثانية للمحلّل النفسي فتحي بن سلامة.

هاجر: الهجرة، الهاجريون، زهرة اللوتس

اختلف الباحثون حول معنى اسم “هاجر“. ورد في “القاموس الكتاب المقدس”:  هاجر في اللغة الإنجليزية (Hagar) في  اللغة العبرية( הָגָר ) في اللغة اليونانية (Ἄγαρ)، اسم سامي معناه “هجرة” وهي جارية مصرية كانت في خدمة سارة كانت سارة قد استخدمتها أثناء وجودها مع زوجها في مصر (تك 16: 1 وقابل تك 11: 10).[iii] إن اسم “هاجر” من هاجر فعل ماضٍ من الأفعال العربية تعني الهجرة والانتقال[iv]. يربط البعض اسم هاجر بقبيلة “الهاجريين”[v](Hagarites)، وهم سكان في شرق الأردن، يُشهرون تحدرهم منها[vi]. يلفت المؤرخ العراقي جواد علي (1907-1987) في موسوعته “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” إلى أنه: ” في التوراة ذكر اسم شعب سكن في شرق الأردن، وفي شرق أرض جلعاد، وعرف باسم الهاجريين وهم من العرب، أو من بني إرم في رأي بعض العلماء، غير أن إطلاق هذه اللفظة على الإسماعيليين يدل على أن المراد بهم العرب لأن الإسماعيليين[vii] هم العرب، وأن هاجر كناية عن أم إسماعيل جد القبائل التي تحدثت عنها على رأي التوراة، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن مراد التوراة من الهاجريين، والأعراب أي البدو وهم عرب أيضاً، وقد امتدت منازل الهاجريين من الفرات إلى طور سيناء، فهي منطقة واسعة تشمل بادية الشام، وتضم عدداً كبيراً من الأعراب، وهي منازل الإسماعيليين أيضاً. وقد يكون هذا السبب في عدم تمييز التوراة بين الإسماعيليين والهاجريين”[viii].

يشير اللاهوتي الألماني (Manfred Görg) (1938-2012) [ix] إلى أن اسم هاجر أتى من الكلمة المصرية القديمة ( ẖkrt njswt,) أي “الزوجة الثانية للملك“؛ وعلى هذا النحو أمكن للسامعين فهم أن اسم هاجر يُلمح إلى العبارة العبرية (המהגר) أي المهاجر. و”قيل إن معنى الاسم بالهيروغليفية من شقين: أولهما “ها” وتعني “زهرة اللوتس“، والأخرى “جر” وتعني “أرض جب” بالمعنى التوراتي، أي اسمها يعني زهرة اللوتوس وكنايتها المصرية؛ ويرى آخرون أنها في الأصل نوبية، لأن اسم هاجر يقابله النطق نفسه في النوبية كلمة “هاقجر” التي تعني الجالس أو المتروك؛ كما أنه من الثابت أيضاً في قصتها أنها كانت تلبس ثوباً طويلاً فضفاضاً ليخفي آثار أقدامها عن السيدة سارة [الزوجة الأول للبطريرك إبراهيم] وهذا الوصف ينطبق على “الجرجار” اللباس النسائي النوبي المعروف والمستخدم حتى اليوم”[x].

من هي هاجر: جاريةٌ أم أميرة؟ثمة اختلاف حول أصول “هاجر”: “ذكر بعض اليهود أن هاجر كانت جارية، ولكن جاء في بعض كتبهم اليهودية -مدراش- أنها أميرة”[xi]. وعلى الرغم من “اختلاف الروايات إلاّ أن بعض العلماء يؤكدون أن السيدة هاجر كانت أميرة مصرية وتحديداً كانت شقيقة الملك المصري سنوسرت الأول وعندما أتى الهكسوس ليحتلوا مصر استحوذوا على بلاط الملك ومن فيه فقتلوا الرجال واستبقوا النساء”.[xii]

في “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور” تخصص الأديبة والمؤرخة زينب فواز (1860-1814) حيزاً للسيدة هاجر في كتابها فتقول: “كانت جارية مصرية ذات هيئة جميلة، قد وهبها فرعون، ملك مصر، لسارة زوجة إبراهيم – عليه السلام – حينما كانت عنده، وقد وهبتها سارةُ لإبراهيم – عليه السلام  وقالت له: إني أراها امرأة وضيئة؛  فخذها لعل لله يرزقك منها ولدًا، فتزوجها إبراهيم. وقد زرقه لله منها إسماعيل – عليه السلام – وذهب بهما إلى مكة؛ لسبب أن إسحاق ابن سارة اقتتل مع إسماعيل ذات يوم كما تفعل الصبيان.  فغضبت سارة على هاجر وقالت: لا تساكنيني في بلد!  وأمرت إبراهيم بعزلهما عنها.  وقد أوحى الله إليه أن يأتي بهما مكة، ففعل وأنزلهما موضع الحجر، وأمرها أن تتخذ عريشًا ثم قال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم، 37) ثم انصرف، فاتبعته هاجر فقالت: إلى مَن تكلنا؟ فجعل لا يرد عليها شيئًا، فقالت:  الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا”[xiii]. “ثم انصرف راجعًا إلى الشام، وكان مع هاجر قربة فيها ماء، فنفد الماء فعطشت وعطش الصبي، فنظرت إلى الجبال التي أدنى من الأرض، فصعدت إلى الصفا وتسمَّعت لعلَّها تسمع صوتًا أو ترى أنيسًا، فلم تسمع شيئًا ولم ترَ أحدًا، ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل، فأقبلت إليه بسرعة لتُؤْنسه، ثم إنها سمعت صوتًا نحو المروة فسعت – وما تدري السعي – كالإنسان المجهد، فهي أولُ مَن سعى بين الصفا والمروة[xiv].

“ثم صعدت المروة فسمعت صوتًا كالإنسان الذي يكذب سمعه منه حتى استيقنت، وجعلت تدعو: اسمع إييل -يعني يا لله – قد أسمعتني صوتًا؛ فأغثني فقد هلكت ومن معي. فإذا هي بجبريل – عليه السلام – فقال لها: مَن أنت؟ فقالت: سرية إبراهيم – عليه السلام – تركني وابني ها هنا، قال: وإلى مَن وَكَلكما؟ قالت: وَكَلنا إلى لله تعالى، قال: فقد وَكَلكما إلى كافٍ. ثم جاء بهما وقد نفد طعامهما وشرابهما حتى انتهى بهما فضرب بقدمه ففارت عين – فلذلك يقال لزمزم: ركضة جبريل عليه السلام. فلمَّا نبع الماء أخذت هاجر قربة لها وجعلت تستقي فيها تدَّخره، فقال لها جبريل – عليه السلام: إنها رويٌّ. وجعلت أم إسماعيل تجعلها بئرًا بحيث لا يخرج منها الماء إلى خارجها؛ خوفًا من نفادها! فقال لها جبريل: لا تخافي الظمأ على أهل هذه البلدة؛ فإنها عين لشرب ضيفان لله تعالى، وقال لها: أمَّا إنَّ أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيانِ لله بيتاّ هنا موضعه.”[xv].

هاجر في التوراة والقرآن تتحدث التوراة عن هاجر كجارية ينتهي بها الأمر إلى الطرد بسبب غيرة سارة، نورد هنا ما كُتب في سفر التكوين عن إبراهيم وسارة وهاجر وإسماعيل وإسحاق وقصة الذبيح:

1وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، 2 فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ».فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.        3فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ. 4فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا. 5فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «ظُلْمِي عَلَيْكَ! أَنَا دَفَعْتُ جَارِيَتِي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا. يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ».  6 فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: «هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ». فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا. 7 فَوَجَدَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. 8 وَقَالَ: «يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟». فَقَالَتْ: «أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَايَ». 9فَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ: «ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا».  10وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ». 11وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ: «هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ابْنًا وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ. 12وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ». 13فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «أَنْتَ إِيلُ رُئِي». لأَنَّهَا قَالَتْ: «أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟» 14لِذلِكَ دُعِيَتِ الْبِئْرُ «بِئْرَ لَحَيْ رُئِي». هَا هِيَ بَيْنَ قَادِشَ وَبَارَدَ. 15فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ابْنًا. وَدَعَا أَبْرَامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ «إِسْمَاعِيلَ». 16كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأَبْرَامَ. (سفر التكوين، الأصحاح السادس عشر).

1وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، 2فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا». 3فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَكَلَّمَ اللهُ مَعَهُ قَائِلاً: 4«أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، 5فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. 6وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. 7 وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8 وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ ».9 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ. 13يُخْتَنُ خِتَانًا وَلِيدُ بَيْتِكَ وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. 14وَأَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ الَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي ».15وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. 16وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». 17فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟ ».18وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ِللهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!». 19فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. 20وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. 21وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ». 22فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. 23فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ ابْنَهُ، وَجَمِيعَ وِلْدَانِ بَيْتِهِ، وَجَمِيعَ الْمُبْتَاعِينَ بِفِضَّتِهِ، كُلَّ ذَكَرٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، وَخَتَنَ لَحْمَ غُرْلَتِهِمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ كَمَا كَلَّمَهُ اللهُ. 24وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً حِينَ خُتِنَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ، 25وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُهُ ابْنَ ثَلاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً حِينَ خُتِنَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ. 26فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ خُتِنَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُهُ. 27وَكُلُّ رِجَالِ بَيْتِهِ وِلْدَانِ الْبَيْتِ وَالْمُبْتَاعِينَ بِالْفِضَّةِ مِنِ ابْنِ الْغَرِيبِ خُتِنُوا مَعَهُ . (سفر التكوين، الأصحاح السابع عشر).

1وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، 2فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، 3وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. 4لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، 5فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ». 6فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ». 7ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلاً رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. 8ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا . 9وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟» فَقَالَ: «هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ». 10فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ. 11وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ، وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. 12فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟» 13فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ 14هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». 15فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ». لأَنَّهَا خَافَتْ. فَقَالَ: «لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ ».16ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. 17فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، 18وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ 19لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». 20وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. 21أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ». 22وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ . 23فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ 24عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ 25حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟» 26فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ». 27فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. 28رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟» فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ». 29فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ». 30فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ». 31فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ». 32فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ». 33وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ. (سفر التكوين، الأصحاح الثامن عشر).

1وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ، وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ. 2فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ. 3وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الْمَوْلُودِ لَهُ، الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ «إِسْحَاقَ». 4وَخَتَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ. 5وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ حِينَ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ ابْنُهُ. 6وَقَالَتْ سَارَةُ: «قَدْ صَنَعَ إِلَيَّ اللهُ ضِحْكًا. كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ لِي». 7وَقَالَتْ: «مَنْ قَالَ لإِبْرَاهِيمَ: سَارَةُ تُرْضِعُ بَنِينَ؟ حَتَّى وَلَدْتُ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ!». 8فَكَبِرَ الْوَلَدُ وَفُطِمَ. وَصَنَعَ إِبْرَاهِيمُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً يَوْمَ فِطَامِ إِسْحَاقَ.  9وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، 10فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ ».14فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ، وَاضِعًا إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ. 15وَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ طَرَحَتِ الْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى الأَشْجَارِ، 16وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيدًا نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ، لأَنَّهَا قَالَتْ: «لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ الْوَلَدِ». فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ. 17فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ، وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. 18قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً». 19وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلاَمَ. 20وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلاَمِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ. 21 وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ . 22وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ أَبِيمَالِكَ وَفِيكُولَ رَئِيسَ جَيْشِهِ كَلَّمَا إِبْرَاهِيمَ قَائِلَيْنِ: «اللهُ مَعَكَ فِي كُلِّ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. 23فَالآنَ احْلِفْ لِي بِاللهِ ههُنَا أَنَّكَ لاَ تَغْدُرُ بِي وَلاَ بِنَسْلِي وَذُرِّيَّتِي، كَالْمَعْرُوفِ الَّذِي صَنَعْتُ إِلَيْكَ تَصْنَعُ إِلَيَّ وَإِلَى الأَرْضِ الَّتِي تَغَرَّبْتَ فِيهَا».  24 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «أَنَا أَحْلِفُ». 25وَعَاتَبَ إِبْرَاهِيمُ أَبِيمَالِكَ لِسَبَبِ بِئْرِ الْمَاءِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا عَبِيدُ أَبِيمَالِكَ. 26فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «لَمْ أَعْلَمْ مَنْ فَعَلَ هذَا الأَمْرَ. أَنْتَ لَمْ تُخْبِرْنِي، وَلاَ أَنَا سَمِعْتُ سِوَى الْيَوْمِ». 27فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَأَعْطَى أَبِيمَالِكَ، فَقَطَعَا كِلاَهُمَا مِيثَاقًا. 28 وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنَ الْغَنَمِ وَحْدَهَا. 29فَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَا هِيَ هذِهِ السَّبْعُ النِّعَاجِ الَّتِي أَقَمْتَهَا وَحْدَهَا؟». 30فَقَالَ: «إِنَّكَ سَبْعَ نِعَاجٍ تَأْخُذُ مِنْ يَدِي، لِكَيْ تَكُونَ لِي شَهَادَةً بِأَنِّي حَفَرْتُ هذِهِ الْبِئْرَ». 31لِذلِكَ دَعَا ذلِكَ الْمَوْضِعَ «بِئْرَ سَبْعٍ»، لأَنَّهُمَا هُنَاكَ حَلَفَا كِلاَهُمَا. 32 فَقَطَعَا مِيثَاقًا فِي بِئْرِ سَبْعٍ، ثُمَّ قَامَ أَبِيمَالِكُ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ وَرَجَعَا إِلَى أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. 33 وَغَرَسَ إِبْرَاهِيمُ أَثْلاً فِي بِئْرِ سَبْعٍ، وَدَعَا هُنَاكَ بِاسْمِ الرَّبِّ الإِلهِ السَّرْمَدِيِّ. 34وَتَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَيَّامًا كَثِيرَةً. (سفر التكوين، الأصحاح الحادي والعشرون).

1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ». 3فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ. 4وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، 5فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: «اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا».  6 فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاق[xvi] ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. 7وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: «يَا أَبِي!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا ابْنِي». فَقَالَ: «هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟» 8فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي». فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. 9فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. 10ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. 11فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» 12فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». 13فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. 14فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ «يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: «فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى ».15وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ 16 وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، 17أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي». 19ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلاَمَيْهِ، فَقَامُوا وَذَهَبُوا مَعًا إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. وَسَكَنَ إِبْرَاهِيمُ فِي بِئْرِ سَبْعٍ . 20وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أُخْبِرَ وَقِيلَ لَهُ: «هُوَذَا مِلْكَةُ قَدْ وَلَدَتْ هِيَ أَيْضًا بَنِينَ لِنَاحُورَ أَخِيكَ: 21عُوصًا بِكْرَهُ، وَبُوزًا أَخَاهُ، وَقَمُوئِيلَ أَبَا أَرَامَ، 22وَكَاسَدَ وَحَزْوًا وَفِلْدَاشَ وَيِدْلاَفَ وَبَتُوئِيلَ». 23وَوَلَدَ بَتُوئِيلُ رِفْقَةَ. هؤُلاَءِ الثَّمَانِيَةُ وَلَدَتْهُمْ مِلْكَةُ لِنَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. 24وَأَمَّا سُرِّيَّتُهُ، وَاسْمُهَا رَؤُومَةُ، فَوَلَدَتْ هِيَ أَيْضًا: طَابَحَ وَجَاحَمَ وَتَاحَشَ وَمَعْكَةَ. (سفر التكوين، الأصحاح الثاني والعشرون).

جاء في رسالة القديس بولس إلى غلاطية ” 22 فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. 23 لكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. 24 وَكُلُّ ذلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ، الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. 25 لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَلكِنَّهُ يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ الْحَاضِرَةَ، فَإِنَّهَا مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. 26 وَأَمَّا أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا، الَّتِي هِيَ أُمُّنَا جَمِيعًا، فَهِيَ حُرَّةٌ. 27 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «افْرَحِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. اِهْتِفِي وَاصْرُخِي أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلاَدَ الْمُوحِشَةِ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ».28 وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ. 29 وَلكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هكَذَا الآنَ أَيْضًا. 30 لكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ».31 إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلاَدَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلاَدُ الْحُرَّةِ.”[xvii].

لا يرد اسم هاجر[xviii] في القرآن بل “يرد ذكر إبراهيم في القرآن الكريم على أنه واحد من أنبياء الله الكرام: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} (سورة البقرة، الآية 136)؛ {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ} (سورة آل عمران، الآية 84)؛ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ} (سورة النساء، الآية 136). أما أخبار إسماعيل فقليلة ومختصرة، وليس هناك من خبر عن مولده سوى قول إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (سورة إبراهيم، الآية 39). ويلاحظ الكاتب السوري فراس السواح “أن الرواية قد قفزت فوق كل التفاصيل المتعلقة بزوجتي إبراهيم: هاجر وسارة ونزاعهما. وأخبار إسماعيل لا تتجاوز الثلاثة، وهي تتفق مع أخباره التوراتية، عدا إقامته في منطقة الحجاز وتعاونه مع إبراهيم أبيه على بناء الكعبة، على ما تبينه لنا المقارنة التالية[xix]:

في سورة إبراهيم، هناك إشارة غائمة ودون تفاصيل إلى قصة إبعاد هاجر وابنها إسماعيل إلى برية قاحلة، حيث نقرأ على لسان إبراهيم : {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (سورة إبراهيم، الآية 37). وهناك إجماع بين المفسرين استناداً إلى أحاديث متواترة على أن من أسكنهم إبراهيم من ذريته في الوادي القاحل هما هاجر وابنها إسماعيل. والقصة الكاملة تروى عن الصحابي عبد الله بن عباس وهذا ملخّصُها:

“لما وجدت سارة أنها لن تحمل من إبراهيم، طلبت منه أن يدخل على جاريتها المصرية هاجر. فحملت هاجر وأنجبت لإبراهيم غلاماً دعاه إسماعيل. ولكن سارة بدأت تغار من هاجر وطلبت من إبراهيم إبعادها. فأوحى الله إلى إبراهيم أن يأخذ هاجر وابنها إسماعيل إلى الحجاز. قاد جبرائيل إبراهيم ومن معه إلى مكة حيث كان المقام الذي بناه آدم. وكانت قبيلة العماليق أول من سكن في هذه المنطقة، حيث أقاموا في الجبال المحيطة بالمقام. هناك صنع إبراهيم لأسرته كوخاً من القش، وتركهم لكي يعود إلى موطنه. ولكن هاجر نادته قائلة: إلى من تتركنا؟ فقال: أترككم إلى الله. فقالت: هل طلب منك الله أن تفعل ذلك؟ قال: نعم. ثم مشى إبراهيم خطوات والتفت إلى الوراء وقلبه يتمزق على زوجته وابنها، ثم تابع طريقه وهو يقول: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} (سورة إبراهيم، الآية 37)”.[xx]

يتناول القرآن رواية الفداء “فداء إسماعيل” (دون تسمية الاسم مباشرة)[xxi] على النحو التالي:  وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِين (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ  قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ  سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ  وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) (سورة الصافات الآيات 99- 122).

يخلص السواح إلى “أن الرواية القرآنية قد جعلت من إسماعيل موضوعاً للقربان بدلاً من إسحاق في الرواية التوراتية، وذلك على الرغم من عدم ذكرها لإسماعيل بالاسم. ونستدل على ذلك من قوله تعالى في نهاية القصة: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} (سورة الصافات، الآية 112). أي إن إسحاق لم يكن قد وُلد حينئذٍ، وبطل القصة هنا هو إسماعيل. كما نلاحظ أن إسحاق كان في الرواية التوراتية طفلاً غافلاً عمّا يجري من حوله، وقد استسلم للربط على المحرقة دون مساءلة أو توقع لما سيحدث له، أما في الرواية القرآنية فقد كان إسماعيل فتىً يافعاً وضرب مثلاً في الخضوع للمشيئة الربانية عندما قال لأبيه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ( سورة الصافات، الآية 102).[xxii]

هاجر في التراجم الإسلامية

تطرقت التراجم الإسلامية: “تاريخ الرسل والملوك” للطبري؛ “الكامل في التاريخ” لابن الأثير؛ “تاريخ القصص والملوك” لابن الكثير إلى  هاجر وابنها إسماعيل. جاء في تاريخ الرسل والملوك للطبري: ” قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وكانت هاجر جارية ذات هيئة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: إني أراها امرأة وضيئة فخذها، لعل الله يرزقك منها ولداً، وكانت سارة قد مُنعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنت، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له من الصالحين، وأخرت الدعوة حتى كبر إبراهيم وعقمت سارة، ثم إن إبراهيم وقع على هاجر، فولدت له إسماعيل عليهما السلام. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن الزهرى، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً“. حدثنا ابن حميد، قال حدثنا، سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال سألت الزهرى: ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم”.[xxiii]

تُجمع كل الروايات التي وردت في التراجم الإسلامية على أن إسماعيل هو الذبيح[xxiv] وليس إسحاق وجعل القرآن إسماعيل موضوعاً للقربان بدلاً من إسحاق في الرواية القرآنية، وذلك على الرغم من عدم ذكره لإسماعيل بالاسم. ولكن نجد في “تاريخ الرسل والملوك” روايتان، الأولى: “حدثنا القاسم، قال، حدثني، حجاج عن ابن جريج، قال، أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الحبائي، قال: ألقِي إبراهيم في النار وهو  ابن ست عشرة سنة، وذبح اسحق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة، تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين، فلما علمت سارة بما أراد بإسحاق مرضت يومين، وماتت اليوم الثالث، وقيل ماتت سارة وهي ابنة مائة وسبع وعشرين سنة”؛ والثانية، “حدثتا ابن حميد، قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له يا بني: خُذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذه الشعب ليحطب أهلك منه، قبل أن يذكر له شيئاً مما أمر به، فلما وجه إلى الشَعب اعترضه عدو الله إبليس ليصده عن أمر الله في صورة رجل، فقال، أين تريد أيها الشيخ؟ أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، فقال: إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بنيك هذا، فأنت تريد ذبحه، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني، أي عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي فيه، فلما يئس عدو الله إبليس اعترض إسماعيل وهو وراء إبراهيم يحمل الحبل والشفرة، فقال له: يا غلام أتدري أين يذهب فيك أبوك؟ قال يحطب أهلنا من هذا الشعب. قال: والله ما يريد إلاّ أن يذبحك. قال: لِما. قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه سمعاً وطاعة (…) فلما خلا إبراهيم بابنه  (…) قال له يا بني إني أرى في المنام أنني أذبحك قال: يا أبت افعل ما تؤمر به ستجدني إن شاء الله من الصابرين. قال ابن حميد، قال سلمة: قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: إن إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يُصبك مني شيء فينقص أجرى (…) قال: يقول إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. قال: فربطه كما أمر إسماعيل فأوثقه ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتقى النظر في وجهه (…) فنودي أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء ابنك فاذبحها دونه.[xxv]

يرد في “قصص الأنبياء” لابن الكثير ذكر لهاجر وابنها إسماعيل (الذبيح) و”ذكر مهاجرة إِبْرَاهِيم بِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ إِلَى جِبَالِ فَارَانَ”: “وَهِيَ أَرْضُ مَكَّةَ، وَبِنَائِهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ – هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدثنَا معمر، عَن أبوب السختيانى وَكثير بن كثير ابْن الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ من قبل أم إسماعيل، اتَّخذت منطقاً لتعقى أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ. فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ. ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ بِهِ أنيس  وَلَا شيء؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهؤلاء الدَّعْوَات وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ” رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يشكرون”.[xxvi]

هاجر و“أبرام الشباعة”: نقد الرواية التوراتية 

يطرح المؤرخ اللبناني كمال صليبي (1929-2011) في كتابه “خفايا التوراة وأسرار الشعب اليهودي” مقاربة جديدة في نقد الرواية التوراتية، وقد عمل على التمييز بين “أبرام الأرامي” (بالعبرية أي إبراهيم بالعربية)، و”أبرام العبراني” و”أبرام التكوين” و”أبرام الشباعة” و”أبرام اليمن”، وربط بعض الأسماء بالأماكن والقبائل. ما يعنينا هنا أنه حين تحدث عن “هاجر” يلفت إلى “الإله رُئي والإله يشمع”. يقول: “نعود هنا إلى مسألة بئر لحيْ رئي وهي بدون أدنى شك واحة الرُوية الحالية بمنطقة بيشة (المملكة العربية السعودية). وفي التكوين (14:16) أن بئر لحي  رئي تقع بين “قادش (قدش) وبارد (برد)”. والواقع أن الروية الحالية تقع بين واحتين أخريين من منطقة بيشة هما الجداس والباردة. وفي التكوين (16-7) إشارة إلى أن بئر لحي رئي كانت “العين التي في طريق شور”. ولعل شور هذه هي اليوم بلدة بني سار، وهي ملتقى طرق على الجانب الشرقي من سراة زهران، ومنها طريق يأتي من منطقة بيشة. وقد سبق أن بئر لحي رئي كانت من مساكن الإله يصحاق ابن أبي رُهم. لكن المكان ذاته يظهر في سفر التكوين كمسرح لقصة أخرى هي قصر هاجر (هجر) وابنها إسمعيل (يشمعل). وفي هذه القصة أنها هاجر كانت جارية مصرية (مصريت، نسبة إلى قرية مصر بمنطقة بيشة، وليس إلى بلاد مصر المعروفة). وكانت هاجر هذه تقوم بخدمة ساراي زوجة أبرام (وهو هنا أبرام الشباعة). وكانت ساراي عاقراً لا تلد، فأوعزت لزوجها أبرام أن يدخل على هاجر علّه يرزق بنين منها. فما لبثت هاجر أن حبلت من أبرام ولم تعد تظهر الاحترام لمولاتها العاقر. فشكت ساراي الأمر إلى زوجها الذي أجاب: “هذه جاريتك في يدك افعلي بها ما يحسن في عينيك[xxvii]. فصارت ساراي تذلها، حتى اضطرت هاجر إلى الهرب إلى البرية حيث تاهت. فلاقاها ملاك يهوه أو يهوه بالذات “على العين التي في طريق شور”، فطلب منها أن تعود إلى مولاتها وتظهر لها الخضوع. وبشرها في الوقت ذاته أنها ستلد ابناً وتدعو اسمه إسمعيل (يشمعل، أي يشمع ءل، وبالعربية سَمَعُ الإله). هذه هي القصة كما يرويها سفر التكوين، وقد أُدخل عليها اسم الرب يهوه الذي لم يكن هناك في الأصل. والدليل على ذلك أن هاجر اعتبرت بأن الإله الذي ظهر لها عند بئر لحي رئي (أي بئر الروية) لم يكن يهوه بل الإله الذي أسمته إيل رُئي (إله الرؤية أو إله البصر) (…) كان هناك في القدم، إذاً، مقام خاص في منطقة بيشة، وفي واحة الروية بالذات، لإله يختص بالرؤية، وإسمه إيل رُئي. والإله هذا طلب من هاجر أن تسمي ابنها يشمع ءل أي “سمع الإله” وهو لا شك من أسماء آلهة شبه الجزيرة العربية في القدم. وما زالت هناك قريتان تحملان اسم هذا الإله، وهما قرية آل شمعة (ءل شمع) بمنطقة الطائف في الحجاز وقرية آل سميعة (ءل سمع) بسراة عسير. أضف إلى قرية ثالثة اسمها آل إسمعيل بجوار مدينة أبها بعسير (…) خريطة الجزيرة العربية لا تبخل علينا بالمعلومات اللازمة للوقوف على حقيقة الأسرار الكامنة في نصوص التوراة عن طريق أسماء الأماكن والقبائل. فهناك إلى اليوم قرية بمنطقة ظهران الجنوب من مرتفعات عسير تدعى “بني هاجر”. ولا بد أن اسم هذه القرية هو لقبيلة اسمها هاجر كان موطنها هناك من القدم. وبنو هاجر اليوم من قبائل شرق الجزيرة العربية بجوار الظهران القائمة هناك (…) ويبدو أن بني هاجر كانوا قد نزحوا أصلاً إلى منطقة ظهران الجنوب من قرية مصر، بوادي بيشة. ولذلك يصف سفر التكوين هاجر بأنها مصريت، أي “مصرية”. ومن فروع بني هاجر في الظهران اليوم، بمنطقة الحسا، قبيلة المصارير، والاسم هذا هو جمع تكسير بالنسبة إلى مصر. ومن فروع بني هاجر أيضاً قبيلة الشباعين، أي أهل الشباعة التي كانت موطن أبرام الشباعة، وهو زوج هاجر ووالد إسمعيل حسب سفر التكوين”.[xxviii]

هاجر: “الأم الكبرى” و”الغريبة” في التحليل النفسي

نحاول في القسم الأخير من هذه الدراسة تقديم أبرز خلاصات التحليل النفسي حول قصة هاجر التي توصل إليها علي زيعور وفتحي بن سلامة، وقد خرجا بنتائج هامة تكشف النقاب عن اللاوعي التاريخي والديني في التعاطي مع هذه “الأمَة/ الأميرة المهمشة” في الذاكرة الدينية.

يقرأ زيعور حضور هاجر من زوايا تحليلية عدة في المتخيل واللاوعي. يقول بخصوص استقرار هاجر المصرية في مكة: ” مجيء هاجر المصرية العربية وعائلتها إلى وادٍ غير ذي زرع مجيء لقبائل، وظهور لمعتقد جديد، ونشوء لتجمع سكاني وعمران… نفهم هاجر بقدر ما نضع أمامنا صورة للمرأة في ملحمة جلغامش، وللنصوص البابلية المطورة جداً لما سبقها من نصوص سومرية، والمطورة جداً عبر إعادة إنتاجها عند العبرانيين. هاجر بما هي من أبطال تأسيس الكعبة، رمزنةٌ للديني والعقدية؛ وبالتالي لنشوء التجمع السكاني في ذلك المكان، ولتطوير التقاليد التي حكمت مسعى هاجر وطوافها، أو جهادها وجهودها. وفي عبارة مراكمة توسيعية، إن هاجر رمز انتقال الحضارة الترحلية البدوية إلى الحضارة الزراعية، ثم المستقرة، العمرانية، القاطنة حول الماء (زمزم) وبسببه، وقبل أو بعد اكتشافه أو تثميره. هاجر رمزنةٌ للماء، والأرض المزروعة، والحياة المستقرة، وللتطور أو تقدم الحضارة، وتهذيب الرجل والذكورة، ومن ثم السلوك والعنف عموماً. إنها فاعلة في تطوير مبدأ التضحية نفسه، والوأد”.[xxix]

يتساءل زيعور: “لماذا زوَّجت سارة زوجها إبراهيم من امرأة غريبة ووضيعة أو مجهولة؟  إنه تقليد أو عادة قد تتفسَّر بتحويلها إلى حلم. سرعان ما سوف يشجر الخلاف بينهما؛ ولا سيما بعد إنجاب المرأة الثانية لولد. هذه المرأة، كزوجة ثانية، هي المرأة الأخرى. وهي تأتي حُضناً وحناناً: أي كتعويض ومكافأة، وغسلاً ثم محواً للمظلم والمؤلم والحياة الجدباء، للمحْل والقحط، لمرحلة القحْل والزمان العاقر. وهذه المرأة هي ما سوف يُسمى الضرة نسبة إلى الجانب القاتم من المرأة الثانية؛ وكممثلة للجانب الإيجابي الإسهامي في المرأة، للجانب “الرحماني”.[xxx]

يصف زيعور هاجر بــــ “أُمنا الكبرى” ويرى أن سيرتها “كسيرة بطل شعبي. إنها سيرة بطل مأساوية تنتقل فيها الشخصية الأساسية من حالة ومرحلة وقانون إلى حالة أخرى، ومرحلة أخرى، وقانون آخر، وبنية مختلفة داخل معراج التحقق والرحلة إلى الخلاص النعيمي المطلق”.[xxxi] يحلِّل صاحب “التحليل النفسي للذات العربية” ثنائية ” هاجر والملاك“: “تتميز هاجر بالملاك الذي يسطع في الأنبيائية– من المهم الإشارة هنا إلى أن اسبينوزا لفت إلى أن هاجر، خادمة إبراهيم، كانت لديها هبة النبوة؛ والنبوة عنده لا تشترط العلم والعقل، فكلما زاد الخيال قل الاستعداد لمعرفة الأشياء بالذهن والعقل[xxxii]– ثم في الأوليائية الصوفية العرفانية  وبأنها أسست شعائر الحج الجاهلية والبعثوية (السعي بين الصفا والمروة)، وانتصرت على الشيطان والإغراءات والتجارب المريرة. وتتميز أيضاً بالتغلب على الصعاب؛ فقد نصرها الملاك وأيّدها، خاطبها وركل الأرض بقدمه كيما يفجر الماء لأجلها”.[xxxiii]

يتناول زيعور حالة “الزوجتان المتنافستان داخل البيت الأبوي-البطركي الواحد” التي تتفسر عنده “باستكشاف التجربة الأقدم، أي بالحالة المؤسسة والصدمة أو ذكرى الصدمة الطفولية للعائلة، للأب إبراهيم، وزوجتَيْه هاجر وسارة[xxxiv] المتحكمة المتعجرفة؛ أي لدوري المرأة اللصيقين المتكاملين: الدور أو الوجه الوديع الرقيق التعميري، والدور أو الوجه القاسي المتشدد والمتعصب. يُستدعى الآن للاستزادة توضيحاً وانتفاعاً: الزوجة الأولى التي دعا إبراهيم (هو في اللاوعي: العجوز، الحكيم، ظلّ الشخصية أو جانبها غير المتمايز) إلى تغييرها مرمزَنةً إلى عتبة البيت”.[xxxv] وفي قراءته للعائلة الهاجرية (إبراهيم وهاجر وإسماعيل) يلفت زيعور إلى الطابع المبارك لهذه العائلة “وهي النواة، وهي التجارب الأولى في العمر والعواطف والعلائقية؛ ففيها ينشأ الحب والعطف، الحسد وحب الأم والأب، وهي مركز التدين الأقدم، والتعاملية والترابط العائلي والاجتماعي، كما التعاون والتنافس أو العداوة وأنماط التكيف السلبي والإيجابي وما إلى ذلك. فهنا، كمثل: أصل الغيرة كما العداوة بين الأخوين، كراهية الأب، العقدة الأُختية، التعلق بالأم، الصدمات والهوامات”.[xxxvi]

أشرنا في الهامش (25) من الدراسة إلى أنه حسب زعم العلماء فإن هاجر أول امرأة خُفِضت بسبب غيرة سارة منها، فهي التي حلفت “لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فخاف إبراهيم أن تجدع أنفها وتقطع أذنها، فأمرها بثقب أذنيها وختانها، وصار ذلك سنة في النساء”[xxxvii]. وفي هذا السياق يرى زيعور أنه “ربما يكون اليهود قد أخذوا الختان عن المصريين، وختان الأنثى المصري نقلته هاجر، الجارية المصرية، إلى اليهود عبر زواجها من إبراهيم. وربط الخفض الأنثوي بغضب سارة قد يكون أواليةً في التغطية للتأثر بالعقائد المصرية عند قوم سارة؛ دون أن يعني هذا إمكان أن يكون الختنُ تطوراً ما للطقس التضحوي الإسماعيلي كما الإسحاقي، والأنوثي كما الذكوري، وبيولوجياً جنسياً كما اعتقادياً وإيمانوياً”.

ينظر زيعور إلى هاجر “المتروكة” كــــ “حدث تأسيسي“: “هاجر هي الناقلة للحضارة والمعتقدات المصرية إلى الحضارة التي أسسها إبراهيم. هي التي ترجمت المصريات إلى لغة وثقافة وتاريخ إبراهيم، أبي الأنبياء. هل هي جارية مصرية؟ إنها أُمَّة، وليست أَمَة مصرية؛ إنها دين وعقائد، تاريخ وحضارة، أهي غريبة مطرودة مهجورة، منبوذة غير مرغوبة؟ إنها أمٌ عظمية؛ إنها موسى الذي أخذ عن المصريين ما أخذته عنهم، هم أنفسهم، هاجر، فهي المؤسسة والمترجمة والناقلة الحاملة. وهي الينبوع والأصل والأم الكبرى والزوجة كما الأم المنقذة، والبطلة المضحية والحاملة الرامزة (…) هي والدة الابن المسيَّب المُشاع، والابن المنذور، المُضحى به، أو الأضحية المرفوعة لله. وهنا، أيضاً، هي رمز للتضحية، وجعل ابنها يفدي بنفسه كل نفس؛ وليس فقط أهل الكعبة”.[xxxviii] يذهب زيعور في تحليله لمركزية هاجر في المتخيل الديني والعقائدي إلى القول: “ليست هاجر أمَة ملحقة تابعة، أو جارية مملوكة. هاجر أُمَّة ومؤسسة هي الأبرز لدين أو عقيدة، لطقس أو شعائر، لمقدس وفضاء مبارَك ومبارِك. فهي مصرية، أي الحاملة لعقائد هي أم العقائد، وأصل الأديان. وبذلك هي رمز التفاعل والتأسيس لمعتقدات عربية أثرت كثيراً، إن لم تكن الأصل والمكوّن للرواية الإسرائيلية الإسحاقية (يعقوب وابنه اسحاق) عن عائلة إبراهيم وسارة والمنافسة الضرَّة لها، أي هاجر”[xxxix].

يعتبر زيعور أن “الإسلام، تنقيباً في الأصول، مؤسس على أركان ثلاثةٍ هاجر ركنٌ منها” (وهذا يفترض أن الأصول الأولى للإسلام تنهض على الثلاثي إبراهيم، هاجر، إسماعيل، والرسول محمد يعود نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم[xl]). يتساءل زيعور لماذا “رفضها العربي (أي هاجر) أُماً له، أو بخس موقعها، بسبب ذلك (كونها جارية) الأصل والموقع؟ (…) وماذا نقول في أنها بنت ملك أُخذت أسيرة؟ لقد كانت عظيمة، بلا شك وفي جميع الأحوال”.[xli]

في كتابه “الإسلام والتحليل النفسي”[xlii]يخصص أستاذ علم النفس العلاجي في جامعة باريس (7) فتحي بن سلامة عدداً من الفصول للحديث عن هاجر، سنتطرق إلى بعض النتائج التي وردت  في الفصل المعنون “التكوين: انطلاقاً من هاجر“؛ كما سنعرض لفرضية أساسية تطرق إليها “حول نبذ هاجر في الإسلام“.

يستند ابن سلامة في تحليله إلى الأرشيف التوراتي مشيراً إلى أن “الأرشيف غير الذاكرة، وأن دريدا هو الذي نبهنا إلى الجدوى من التمييز بينهما، بل سنرى أننا لن نتمكن من فهم ما تم نقله من قصة التكوين إلى الإسلام إذا أغفلنا هذا التمييز”[xliii]. يعلق صاحب “ليلة الفلق” على رواية الهبة وأزمتها- أي حين ذكر الشراح أن هاجر الأمة المصرية كانت في الأول لفرعون، وأن فرعون هو الذي وهب ساراي إياها عندما أرجع ساراي إلى أبرام عندما قام بمصر- يقول: ” هذا الرجل يهب رجلاً آخر زوجته، وهذا الآخر يعيد هبته إليه، واهباً مع الزوجة امرأة أخرى. وعندما عجزت الزوجة عن هبة زوجها طفلاً، وهبته المرأة التي وهبها إياها الرجل الآخر، حتى تهبه هذه الخادمة ما لم يهبه الوهاب (يهوه) بعد. الباعث على العجب في هذه القصة ومنذ الوهلة الأولى، هو أن هاجر توجد في آخر سلسلة الهبات، وردود الهبات والاحتجاز، وهي كلها تدور بين الأسياد والملاك، وتفضي إلى وضعية هذين الزوجين العجوزين الراغبين في الإنجاب. ثم يُطلب من الأمَة أن تقدم الهدية التي تنهض بالبطريرك، ففي حال غيابها لا أب ولا أصل ولا ذاكرة. وعلينا أن نتساءل عن السبب الذي يجعل الأرشيف التوحيدي يضمن أول كتاب من إنتاجه حديثاً عن مأزق الهبة، وكتابة مفادها أن مستقبل الأصل لولا رحم هذه الأمة لم يكن بالإمكان افتتاحه”.[xliv]

يتناول ابن سلامة ما ورد في الرواية التوراتية “وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا” ويرى أن ”  … وقاحة الخادم وغيرة السيدة منها لحملها من البطريرك ما كان ليبلغا مبلغهما من ساراي لولا المحل الذي أرادت هي بنفسها إحلاله لهاجر، عندما رفعت من منزلتها ونسبت إليها القدرة الواسعة التي للمرأة المطلقة (LA femme)، المرأة التي تهب الأب الأصل، في الوقت الذي أمسك فيه يهوه عن الهبة. ونحن إذا لم ندرك هذا البعد المتمثل في نقل القدرة الإنشائية التي يملكها الإله إلى المرأة الغير (l’autre femme) بحيث تتحول هذه المرأة إلى المرأة الأخرى (L‘Autre femme)  بعد أن كانت مجرد أمَة، غفلنا عن المنعرج الذي يجعل سفر التكوين ينتقل من الافتقار الأول للأصل إلى المتعة الأنثوية في علاقتها بتأسيس الأب. إن تحطم أمل ساراي في الحصول على ابن من الرب جعلها تضع “غيراً” محل الآخر، متخذة من هاجر رجماً مقترضاً يُقتلع منه الابن الذي سيجعل أبرام أباً”.[xlv]

ينتقل ابن سلامة في تحليله إلى مستوى آخر من الرواية التوراتية أي بعد طرد هاجر وابنها إسماعيل فيقول: ” فعلت هاجر ما لم تفعله أي امرأة مذكورة في التوراة: منحت الإله اسماً هو “الرئي“. هذا الاسم الذي يعني “إله الرؤية” يبدو وكأنه ردّ هبة يأتي بعد هبة اسم إسماعيل: أنت سمعتني وأنا أراك، أو على وجه الدقة: أنت أسبغت على ابني اسم سمعك، وأنا هاجر أسبغ عليك اسم رؤيتي. وربما حظيت عين هاجر بسلطة خاصة، بما أنها سترى في قلب الصحراء العين التي ستنقذها وابنها. لقد رأت هاجر أعالي السماء كما رأت الثغرة المفتوحة في بطن الأرض“.[xlvi]

هذه الرؤية أي رؤية الرب كانت “سبب اعتبار اسبينوزا هاجر نبية  في “رسالة في اللاهوت والسياسة” إلاّ أن لموسى الميموني (القرن الثاني عشر) في “دليل الحائرين” رأياً مغايراً تماماً يرجع فيه إلى تقليد ممتد تاريخياً. فقد رأى أن المصرية هاجر لم تكن نبية. إنها لم تكن منذورة إلى ذلك، ولذلك فإن رؤيتها تدخل في باب الخيال الجامح والخادع. واسبينوزا على حد علمنا – كما يوضح ابن سلامة-، هو الكاتب الوحيد الذي رفع من شأن هاجر نوعاً ما، لأن هذه المرأة لقيت (…) مصير التحقير والشطب والنسيان، وكأن تطليقها (أي طرد إبراهيم لها) لم يطفّ عن ملاحقتها في ثنايا الذاكرة التوحيدية. في حين أن الأرشيف التوحيدي يكشف عن كتابة عنها أقل جزماً وصرامة، ذلك أن صورة هاجر مرتبطة في هذا الأرشيف بمسألة التأسيس التي تحدد إمكان الأصل وإمكان كتابته في اتجاه سفلي“.[xlvii]

لقد تعرضت هاجر إلى المحو من النصوص التأسيسية في الإسلام؛ هذا المحو دفع ابن سلامة لطرح سؤالين: ما مضاعفات هذا المحو في عملية بناء النظام الرمزي للإسلام، وإلى أي حدّ يمكن الربط بينه وبين منزلة المرأة في المجتمعات الإسلامية؟ يعتبر صاحب (La Virilité en Islam) أن الإسلام في العالم القديم لا ينفرد بتهميش الموقع الأنثوي في مؤسسته الروحية، وبإقصائه من هيئات السلطة العامة، وبالحط من شأن المرأة، فمن وجهة النظر هذه لا يختلف الإسلام بصفة جذرية عن الأديان التوحيدية الأخرى التي لا تعترف بكرامة رمزية المرأة إلاّ من خلال إنجابها الابن (…) إلاّ أن محو صورة الجدة – الأم، ومحو اسمها ووجودها من النص التأسيسي، أي القرآن، في حين يستقبل هذا النص كل الأطراف الماثلة في القصة المتعلقة بها، يجعلنا نذهب إلى أن الإسلام تأسس في أصله على نبذ هاجر،مهما كانت بعد ذلك توابع وضعيتها الموروثة عن التوراة، ومهما كانت محاولات مراجعة هذا النبذ داخل التقليد الإسلامي، وهي محاولات يحكمها التناقض والازدواج. فما حذفه في لحظة البدء لا يمكن أن يستعاد بيسر، بل إنه يظل محاصراً للمؤسسة، ويظل هاجساً بالنسبة إليها على مدى التاريخ، طالما ظل غير مفكر فيه”.[xlviii]

الخاتمة

إن الكتابة عن هاجر تستقي أهميتها من عاملين: الأول، ضرورة بناء الرمزية الدينية والتاريخية التي تمتعت بها عبر تكثيف الدراسات العلمية حولها، بهدف قراءة الدور الأنثوي في النصوص التأسيسية التوحيدية الذي تحتل فيها هاجر ونساء كثيرات مواقع مسكوت عنها؛ والثاني، إن الكتابة عن هاجر إنما تندرج في الاهتمام الذي بدأ يحظى به “المهمشون” في التاريخ العربي والإسلامي على المستويات كافة، من قبل المؤرخين والباحثين المعاصرين، بحيث ظهرت مؤلفات عدة في العقدين الأخيرين يمكن تصنيفها في خانة “تاريخ المهمشين“.

شكلت هاجر شخصية نسائية استثنائية في التاريخ، لكن السرد الديني التوحيدي –خصوصاً القرآني- أبعدها عن ذاكرته؛ أما السرد التوراتي فقد تعامل معها بازدواجية واضحة يمكن ملاحظتها في سفر التكوين، فبين ازدراء ساراي لها كونها “جارية” –وفقاً للرواية التوراتية- والرؤية المتناقضة لإله العبرانيين لها: الردع والإشفاق (الحنو)، تحولت هاجر إلى “امرأة منبوذة/ متروكة“، إلاّ أن الرمزية القوية التي حظيت بها جعلتها عن حق “أمَّاً مؤسسة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[i]  انظر: زيعور، علي، حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2016.

[ii]  بن سلامة، فتحي، الإسلام والتحليل النفسي، ترجمة وتقديم: رجاء بن سلامة، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008.

[iii]  قاموس الكتاب المقدس، دائرة المعارف الكتابية المسيحية، موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الإسكندرية، على الرابط التالي:

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/26_HA/HA_02.html

[iv]  همو، عبدالمجيد، هاجر بين الحرية والعبودية، منشورات دار معد للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 1993، ص 135.

[v]  تجدر الإشارة إلى أن الأدبيات الأوروبية والحوليات والوثائق المعنية بالدين الإسلامي، كانت حتى القرون الوسطى تستخدم مصطلحات مثل: الإسماعيليون أو السراسنة (Sarrasins) أو الهاجريون، حين كانت تتحدث عن المسلمين، ولم تستعمل عبارتي “مسلم” أو “إسلام” قبل القرن السادس عشر.

الجدير بالذكر أن اسم “السراسنة” أتى من اليونانية واللاتينية القديمة، وهو أكثر أسماء المسلمين شيوعاً. أطلق على العرب قبل مجيء الإسلام بقرون عدة. عُرف به في القرن الميلادي الأول قبائلُ عربية شمال غرب الجزيرة العربية، وصار فيما بعد اسماً عاماً على كل العرب داخل وخارج الحدود الرومانية. وبعد انتشار الإسلام كان الاسم يحمل في طياته مشاعرَ الكره والاستخفاف بالمسلمين خاصة أيام الحروب الصليبية. و بدأ اللفظ بالأفول في أوروبا الغربية في أواخر العصور الوسطى. لكن بقي مستعملاً في أماكن أخرى حتى القرن العشرين. أصل اللفظ في اللاتيني(Saracenus)  مأخوذ من اليوناني(Sarak+ ēnos)  وقد اختلف في تفسيره إلى أقوال عدة ، فرأى البعض أنه مشتق من الكلمة العربية (shark) أي: الشرق، إذن فالسراسنة هم الشرقيون. وقيل: من   (sawārik) أي: قبيلة.  وقيل:السراسنة أناس عاشوا في شمال غرب الجزيرة العربية، حيث عاش النبط. فالاسم كان يطلق على قوم بأعيانهم وليس عاماً.  ذكر بطليموس في جغرافيته أن هناك منطقة اسمها ( Sarakēnē ) تقع في المكان الذي عرف بـ  (Arabia Petraea) أي: العربية الحجرية. أما ستيفنس البيزنطي في كتابه ( Ethnika ) فيتحدث عن مدينة اسمها (Saraka) تقع بعد منطقة النبط كان أهلها عرفوا بالسراسنة .(Sarakenoi) ولعل ما يرجح كفةَ التفسير الذي يربط اللفظ بالمنطقة أو الإقليم هو أن ēnos لفظ يضاف إلى نهاية الكلمة ليشكّل الصفات العرقية من الأسماء الجغرافية. وهناك تفسير آخر يرى السراسنة مشتقة من سارة زوجة زوجة إبراهي.  والسبب في هذا الانتساب لسارة هو أن العرب من نسل إسماعيل بن هاجر أمة إبراهيم، ولذا عرفوا “بالهاجريين” الاسمِ الذي حاول العربُ التخلصَ منه و نفيه عنهم-هكذا زُعم- لأنه يدل على أنهم أبناء غير شرعيين لإبراهيم لأنّ أمهم هاجر إنْ هي إلا أمةٌ. وهروباً مما كانوا يعيرون به انتسبوا إلى سارة. و لم أقف على خبرٍ ما يؤيد هذا التفسير المرجوح. انظر: بشار، بكور، أسماء عُرف بها العرب والمسلمون في الغرب، مدونة الوراق، 29 ديسمبر (كانون الأول) 2013، على الرابط التالي:

http://fw-b.forumarabia.com/t45-topic

[vi]   Hester Thomsen, Hagar. God’s Beloved Stranger, Review and Herald Pub Assoc, 2003, p. 195.

[vii]  شأن لفظ الهاجريين كشأن السراسنة حُمّل معاني الاستخفاف والحط من أمر العرب والمسلمين، إذ هم لا يعدون أن يكونوا “أبناء الجارية” المستبعدين من وعد الخلاص الإلهي بخلاف أبناء الحرة “سارة”. ويستند أولئك الذين سموا المسلمين بأبناء الجارية إلى نصٍ من العهد الجديد مأخوذ من “رسالة بولس إلى أهل غلاطية”، الإصحاح الرابع: 22-31.  انظر: بشار، بكور، أسماء عُرف بها العرب والمسلمون في الغرب، مرجع سابق.

[viii]  علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الأول، ص 461، نقلاً عن: همو، عبدالمجيد، هاجر بين الحرية والعبودية، مرجع سابق.

[ix] Manfred Görg, « Hagar, die Ägypterin », Biblische Notizen, no 33,‎ 1986, p. 17-20.

[x]  حسن، رباب، هاجر.. زهرة اللوتس التي سكنت أرض الحجاز، موقع عمرو خالد، على الرابط المختصر التالي:

http://cutt.us/C4q4

[xi]  المرجع نفسه.

[xii]  السيدة هاجر أم إسماعيل عليه السلام، جريدة البيان الإماراتية، 30 ديسمبر (كانون الأول) 2005، على الرابط التالي:

http://www.albayan.ae/across-the-uae/2005-12-30-1.130954

[xiii]  فواز، زينب، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2014, ص 849.

[xiv]  المرجع نفسه، ص 850.

[xv]  المرجع نفسه، ص 850.

[xvii]  رسالة القديس بولس إلى غلاطية الإصحاح الرابع: 22-31.

[xix]  السواح، فراس، التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 3- إسماعيل، موقع ألف لحرية الكشف عن الإنسان والكتابة، 21 يوليو (تموز) 2014، على الرابط التالي:

http://www.aleftoday.info/article.php?id=11464

[xx]  المرجع نفسه.

[xxii]  المرجع نفسه.

[xxiii]  انظر: الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق، محمد أبو الفضل إبراهيم، الجزء الأول، دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية، د.ت، ص 249، 272.

[xxiv]  يشير ابن الكثير في قصص الأنبياء إلى أن إسماعيل هو الذبيح ومن قال إن إسحاق هو الذبيح فقد تلقاه من نقلة بني إسرائيل. يقول: وَقَدْ كَانَ لِلْخَلِيلِ بَنُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّ أَشْهَرَهُمُ الْأَخَوَانِ النَّبِيَّانِ الْعَظِيمَانِ الرَّسُولَانِ، أَسَنُّهُمَا وَأَجَلُّهُمَا: الَّذِي هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ – إِسْمَاعِيلُ بِكْرُ إِبْرَاهِيمَ [الْخَلِيلِ] مِنْ  هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنَ الْعَظِيمِ الْجَلِيل. وَمن قَالَ: إِن الذَّبِيح هُوَ إِسْحَق، فَإِنَّمَا تَلقاهُ من نقلة بني إِسْرَائِيل الذي بدلُوا وحرفوا وَأولُوا التَّوْرَاة والانجيل، وخالفوا مَا بِأَيْدِيهِمْ فِي هَذَا مِنَ التَّنْزِيلِ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ الْبِكْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْوَحِيدِ. وأياما  كَانَ فَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بِنَصِّ الدَّلِيلِ، فَفِي نَصِّ كِتَابِهِمْ: إِنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعُمُرِ سِتّ وَثَمَانُونَ سنة. وَإِنَّمَا ولد إِسْحَق بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِ الْخَلِيلِ، فَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الْبِكْرُ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ الْوَحِيدُ صُورَةً وَمَعْنًى عَلَى كُلِّ حَالَةٍ. أَمَّا فِي الصُّورَة، فُلأنُهُ كَانَ وَلَده أَزِيد من ثَلَاثَة عشر سَنَةً، وَأَمَّا أَنَّهُ وَحِيدٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ وَمَعَهُ أُمُّهُ هَاجَرُ، وَكَانَ صَغِيرًا رَضِيعًا – فِيمَا قِيلَ – فَوَضَعَهُمَا فِي وِهَادِ جِبَالِ فَارَانَ، وَهِيَ الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ نِعْمَ الْمَقِيلُ، وَتَرَكَهُمَا هُنَالِكَ لَيْسَ مَعَهُمَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ. فَحَاطَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فَنِعْمَ الْحَسِيبُ وَالْكَافِي وَالْوَكِيلُ وَالْكَفِيلُ. (انظر: ابن الكثير، قصص الأنبياء، الجزء الأول، ص 292، نسخة إلكترونية).

[xxv]  الطبري، تاريخ الطبري، مصدر سابق، ص 247-248.

[xxvi]  ابن الكثير، قصص الأنبياء، مصدر سبق، الجزء الأول، ص 292.

[xxvii]  زعم العلماء أن هاجر أول امرأة خفضت وكان ذلك بسبب غيرة سارة منها، فهي التي حلفت “لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فخاف إبراهيم أن تجدع أنفها وتقطع أذنها، فأمرها بثقب أذنيها وختانها، وصار ذلك سنة في النساء”. لقد عرف عرب الجنوب وأهل مكة والأحباش الخفاض، وتشير أخبار أخرى أن العرب كانوا يفتخرون بخفاض بناتهم ويعيرون من كانت بظراء. (انظر: قرامي، آمال، الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، دراسة جندرية، دار المدار الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 2007،  ص 86).

[xxviii]  الصليبي، كمال، خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل، دار الساقي، بيروت، الطبعة السادسة، 2006، ص 147 وما بعدها.

[xxix]  زيعور، علي، حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية، مرجع سابق، ص 128.

[xxx]  المرجع نفسه، ص 131.

[xxxi]  نفسه، ص 131.

[xxxii]  اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم: حسن حنفي، مراجعة: فؤاد زكريا، دار التنوير، بيروت، طبعة 2008، ص 141.

[xxxiii]  زيعور، علي، حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية، مرجع سابق، ص 132.

[xxxiv]  يلاحظ زيعور أن سارة تمثل رمز المرأة الحسودة “وهي الضرة المنتقمة والعنيفة. وهي رمز التعصب والحقد، ورمز “المرأة القضيبية” المتسلطة والمتحكمة في زوجها والأخلاق العامة كما الأعراف”. المرجع نفسه، ص 140.

[xxxv]  المرجع نفسه، ص 133.

[xxxvi]  نفسه، ص 133.

[xxxvii]  راجع: الجوزية، ابن القيم، تحفة المودود بأحكام المولود، تحقيق عثمان بن جمعة ضميرية، دار عالم الفوائد، مكة، 1431 هــــ، الطبعة الأولى.

[xxxviii]  زيعور، علي، حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية، مرجع سابق، ص 148.

[xxxix]  المرجع نفسه، ص 149.

[xl]  راجع: ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول، علق عليها وخرج أحاديثها وصنع فهارسها، عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1990، ص 13 وما بعدها.  (هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن عدنان بن أد بن أود بن ناحور بن يعور بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارخ …إلخ).

[xli]  المرجع نفسه، ص 155.

[xlii]  بن سلامة، فتحي، الإسلام والتحليل النفسي، مرجع سابق.

[xliii]  المرجع نفسه، ص 149.

[xliv]  نفسه، ص 150.

[xlv]  نفسه، ص 151 -152.

[xlvi]  نفسه، ص 153.

[xlvii]  نفسه، ص 153-154,

[xlviii]  نفسه، ص 191. يمكن العودة إلى الكتاب من أجل التعرف على التحليلات الأخرى التي طرحها فتحي بن سلامة لا سيما ما يتعلق بإبراهيم  (أب التكوين) وإسماعيل وسارة وقصة التطليق والفداء.

أنواع أخرى: