فشل الدول بين النظريات القديمة والدراسات الحديثة

الإمام محمد محمود

 

إشكالية فشل الدول هي موضوع قديم متجدد بتجدد الحياة و تطورها عبر مراحل الزمن المختلفة ،عالج الكثير من علماء الاجتماع والاقتصاد هذه الظاهرة محاولين إيجاد الأسباب والمسوغات وراء فشل الدولة أو نجاحها وما يترتب على ذالك من صعود أو انهيار.

هل تنهار الدول بسب الثقافة المجتمعية السائدة، أم بسبب الموقع الجغرافي أم بسبب ندرة الثروات الطبيعية ،أم بسبب الجهل بالسياسات السليمة والفعالة ؟ تختلف الرؤى والتفسيرات حسب المدارس الاقتصادية و كذالك الفترات الزمنية، سنحاول من خلال هذه المقالة دراسة العوامل المتسببة في انهيار الدولة وسنعتمد على حقبتين زمنين مختلفتين:

الحقبة الأولى: قراءة في ما دونه عالم الإجتماع ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر حيث يعتبر أول من كتب عن أسباب انهيار وصعود الدول وعالج القضية من مختلف الجوانب وكان إسهامه في هذا المجال أساس أعتمدت عليه الدراسات والبحوث الغربية في العصر الحديث.

الحقبة الثانية: هي قراءة في كتاب حديث بعنوان : لماذا تفشل الأمم : أصول السلطة والازدهار والفقر؟ لمؤلفيه الخبير الاقتصادي الأمريكي من أصول تركية دارون أسيموغلو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والعلوم السياسية، والخبير الاقتصادي جيمس روبنسون الأستاذ في جامعة كليرمونت للخريجين في كاليفورنيا.

فشل الدولة عند عالم الاجتماع ابن خلدون

يعتبرر ابن خلدون أول من قدم تحليلا منهجيا عن وظيفة الاقتصاد ، وأهمية التكنلوجيا ، والتجارة الخارجية والقوانين الحكومية ودورها في تثبيت السياسات من أجل زيادة الانتاج وتحفيز سوق العمل.

يرى ابن خلدون أن هناك عدة تحديات تواجه أي دولة منذ نشأتها و يجب علاج هذه التحديات بدقة وصرامة من ضمن هذه التحديات : زيادة الضرائب ، ضعف الخدمات الحكومية، غياب المحفزات ، هيكلة المؤسسات ، القوانين والتنظيمات، الانتاج ، التوقعات ، نظرية القيمة، فنجاح الدولة عند ابن خلدون يعتمد على القدرة على معالجة هذه التحديات وتذليل هذه العقبات.

وفشل الدولة يعتمد على الاخفاق في معالجة هذه التحديات ومواجهتها. هذه النظرية التى اعتمد ابن خلدون تستخدم على نطاق واسع بين الخبراء للتنبؤ بانهيار الدولة أو صعودها ولهذه النظرية جانبان نظري وتطبيقي وهي أول نظرية في التاريخ تعالج هذه المسألة وقد وثقها ابن خلدون في كتابه الشهير “المقدمة”.

مادام للدولة هذا الدور الهام والأساسي في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فإن دراسة مفهوم الدولة و تحديد مهامها ودورها في جلب الرفاهية للمجتمع يعتبر ذا أهمية كبيرة.

لذالك يعتبر ابن خلدون أن دور الدولة يتلخص في سن القوانين والتشريعات والاشراف على تطبيقاتها بشكل شفاف و نزيه ، تطبيق حقوق المكلية وحماية طرق التجارة وتوفير الأمن هذه النقاط التى تعتبر من صميم دور الدولة هي المحرك الأساسي للاقتصاد و المحفز الأول للنشاطات التجارية التى تسهم في نهوض الدولة وتطورها وأي اختلال في تطبيق هذه النقاط سيتسبب في فشل للدولة  ثم انهيارها لاحقا.

تستند نظرية ابن خلدون في تفسير أسباب انهيار الدول على الجانب الاقتصادي و دور مؤسسات الدولة في القيام بمهامها بشكل فعال وشفاف.

فشل الدولة عند اسيموغلو وجون روبنسون

خلال خمسة عشر سنة من البحث الذي اعتمد على دراسة مختلف الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من دول العالم في إفريقيا وآسيا وأمريكا ، استطاع الباحثان اسيموغلو و جيمس روبنسون بناء نظرية جديدة تسهم في معرفة ودراسة الأسباب الكامنة وراء انهيار الدول و فشلها.

توصل الباحثان إلا أن قوة وكفاءة المؤسسات السياسية و الاقتصادية هي المحرك الأساسي لنجاح الدول و تحقيق الرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي.

ويرى الثنائي اسيموغلو و روبنسون بأن النجاح في بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية وفتح المجال أمام الناس لتمارس النشاطات الاقتصادية بكل حرية وفي ظروف مريحة تحت سلطة القانون هو ما جعل كوريا الجنوبية دولة مزدهرة يعيش شعبها في رفاهية وتطور بينما يعيش شعب كوريا الشمالية في فقر وبطالة رغم أن الشعبين متجانسين بدرجة كبيرة.

ما حدث أن كوريا الجنوبية صنعت مجتمعا يخلق الحوافز، ويكافيء على الابتكار ويسمح للجميع بالمشاركة في الفرص الاقتصادية بكل حرية وشفافية وقد نتج عن هذا الوضع تطور اقتصادي و انفتاح سياسي مكن من بناء مؤسسات قوية قادرة على تحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات.

أما كوريا الشمالية فبالعكس من ذالك فهي تعيش الفقر والبطالة وضعف النشاط الاقتصادي الذي نجم عنه محدودية الانتاج، رغم أنهم شعب واحد، وأرض واحدة، وثقافة واحدة.

إلا أن ماجعل كوريا الجنوبية متطورة ومزدهرة و شقيقتها الشمالية فقيرة وتعاني الاستبداد السياسي هو نوع المؤسسات السياسية والاقتصادية و نوعية أدائها وكفاءتها وهذا حسب اسيموغلو و روبنسون هو المعيار الحقيقي الذي يمكن الاعتماد عليه في نجاح أو فشل الدولة.

فهناك دول تمتلك  موارد طبيعية وبشرية وحتى جغرافية هائلة و مع ذالك تصنف كدول فاشلة والسبب هو ضعف وفشل المؤسسات وعدم كفائتها في خلق شعب واعي قادر على تحمل مسؤولياته في تحقيق النماء والازدهار للمجتمع.

رغم تباعد الفترات الزمنية بين ابن خلدون والثنائي اسيمغلو وروبنسون ورغم التطور الهائل في وسائل البحث وسهولة الحصول على المعلومة إلا أن نظرية ابن خلدون التى اعتمد في تفسير فشل وانهيار الدولة تلتقي في عدة نقاط مع النظرية الجديدة لكل من اسيمغلو وروبنسون، حيث تجمع كلتا النظريتين على أن السبب المباشر والأساسي في فشل وانهيار الدول هو ضعف المؤسسات السياسية والاقتصادية وعدم قدرتها على أداء أدوارها في تحقيق الرفاهية للمجتمع.

المصدر: https://islamonline.net/23898

الحوار الداخلي: