الثقافات والحضارات البشرية.. بين أفق الحوار وواقع الصراع

نبيل علي صالح

 

بدا العالم - منذ بداية نشوء الحياة على الأرض، وتشكّل الحضارات الإنسانية - أقرب ما يكون إلى حالة "منتدى" حضارات عالمي متميز تشترك أممها في عضوية هذا المنتدى. ومن ثم فإنّ فيها من هو "مشترك حضاري عام".

وأيضاً فإن هذه الأمم تتمايز حضارياً. الأمر الذي يستدعي الوقوف طويلاً أمام مسألة الحفاظ على الهويات الحضارية المتميزة، لا لمجرد الحفاظ عليها رغم أهمية ذلك، إنما لأسباب وطنية، وعقدية، تلعب دورها الحاسم في إنهاض أمم كثيرة من كبوتها.. باعتبار أن هناك قدرات غير منظورة مختزنة في داخل هذه الخصوصيات يمكن أن تعمل على شحن شعوب هذه الأمم بالكبرياء المشرع، والطاقات المحركة في معركة الإبداع بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه التعددية الحضارية -في هذا المجال- من دور كبير في إثراء مصادر العطاء العالي.

والذين يعايشون حياة الشعوب والأمم ذات الحضارات الغنية، والتاريخ القديم، والتراث العريق -أو يغوصون في تراث هذه الأمم، وفلسفتها، ومذاهبها، وعاداتها، وتقاليدها، وأعرافها- يدركون أن العالم الإنساني به أمم متعددة، تتميز كل منها بشخصيتها القومية، والحضارية الخاصة والمميزة.

ونحن إذا ما نظرنا في مذاهب هذه الأمم وأعرافها، وفي معايير الحق والباطل، والحلال والحرام، والمشروع والممنوع لدى أنبيائها، وفي موازين الأذواق والحاسة الجمالية، وفي تصوراتها لمكان الإنسان من الكون، وتصوراتها لمصيره بعد الموت، وتصوراتها الفلسفية لهذا الكون، وما وراء المادة والطبيعة، إذا نحن نظرنا إلى مذاهب هذه الأمم –في هذه القضايا- أدركنا السمات التي تمايز بينها جنباً إلى جنب مع سمات تشترك فيها فتجمع بينها. ولا يخفى أن الباحث الذي يسبر أغوار المواريث الفكرية لهذه الأمم، ويتتبع خيوط هذا التمايز الحضاري، يجد أنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. حيث كان البابليون، والآشوريون، والفينيقيون، والمصريون، وغيرهم ممن أسهموا في الفكر الإنساني، وكان لهم تمايز حضاري(1).

ولعل نظرة فاحصة إلى أمم مثل الفرس، والصين، والهند، واليابان ستفضي بالباحثين إلى الاجتماع على حقيقة تميّز الشخصيات القومية، والمواريث الحضارية، وطرائق العيش، والحياة، وفي النظرة للكون والوجود والحياة، وتصورها، لدى شعوب وأمم هذه الحضارات.

وكذلك الحال إذا ما نحن تأملنا الحضارة الغربية منذ اليونان وحتى نهضتها الحديثة، والحضارة الإسلامية منذ تبلورها كثمرة لإدماج المواريث القديمة للشعوب التي دخلت الإسلام، بحيث عمل المسلمون على تطويرها وفقاً لمعاييرهم وتصوراتهم.. ولذلك أمكن لنا القول هنا بأن التأثيرات الحضارية، والاستعارات الثقافية، والأفكار، والآراء، والنظريات المتبادلة بين الأمم والشعوب إنما هي ظاهرة صحية طبيعية وسليمة، لا خطر فيها ولا خوف منها(2).

من هنا يعبّر الحوار – في لحظة تشكّله الأولى– عن وجود خلل واضطراب عام في داخل منظومة العمل الخاضعة لضبط حركة هذا الموقع الإنساني أو ذاك. سواء كان هذا الموقع سياسياً أم فكرياً.. الخ. فالبشرية وصلت – في طبيعة الحضارة المادية الحديثة، و بعد كل هذا التقدم الهائل على مستوى العلم، والتقنية، والتطور الكبير في حركة الثقافة على المستوى العالمي – إلى نتائج كارثية كان من شأنها أن ساقت الإنسان نفسه ليعيش بائساً، ومحبطاً، ومحتاراً على امتداد القرن العشرين بأكمله، وجعلته ممزقاً بين منجز علمي ضخم غير متصور، وهمجية مريعة قاتلة، الأمر الذي أفقد هذا الإنسان الطمأنينة والراحة والهدوء، لأنه افتقد أساساً للحكمة والهدف من وجوده على هذه الأرض. فهو ضحّى بكل شيء ليصبح مطمئناً، ولكن النتيجة كانت غير ذلك، والواقع الذي تعيشه الحضارة حالياً هو الواقع الذي بدأ يكشف أزماتها الحقيقية الناجمة –كما ذكرنا– عن فقدان الجانب الروحي(الغائي) في منطلقاتها، وفي خلفياتها، وفي أبعادها المختلفة بالمستوى الذي جعل مواقفها تصطدم ببعضها البعض بحيث تخلق مشاكل كبيرة تجعل الإنسان يقف أمام الجدار المسدود في حركته النفسية والشعورية، وفي كل علاقاته ومصالحه.

وبالإضافة إلى ذلك فقد ازدادت الفجوة اتساعاً بين أطراف كثيرة شملت كل مناحي الحياة. وتشكّلت بسببها ثنائيات عديدة لا تواصل فيها. وانطلقت أزواج وفيرة من المصطلحات المتنافرة لتغطي مساحة كل هذا الواقع المرتبك مثل: الغرب والشرق، والشمال والجنوب، المركز والهامش، الغنى والفقر.. الخ. ثم جاءت العولمة لتعطي هذا الواقع –من خلال سيطرة القطب الواحد، وهيمنته على الواقع العالمي كله– صورة سوداء داكنة تنذر بأخطار تفوق حد التصور وتهدد الوجود البشري نفسه.

 

إزاء وضع شاذ كهذا الوضع - لا مكان فيه لقيم الحق والأخلاق وقيم العدل والمساواة إلا فيما ندر- بدا أنه لا مناص من العودة إلى مسألة "حوار الحضارات" وتلاقي الأمم حول قضايا إنسانية ومشتركات عامة أساسية، باعتبار أن هذا النوع من التحاور – المبني على ركائز الوعي، والانفتاح، والعقلانية، والمسؤولية الإنسانية، والاعتراف بالآخر– يمكن أن يساهم (ولو جزئياً) في إعادة وصل ما انقطع بين الأمم والشعوب، وبالتالي يمكن أن يعيد العالم إلى توازنه المفقود منذ زمن طويل، وإلى الإنسان تماسكه واطمئنانه (بعد أن حولته الشعارات والإيديولوجيا الزائفة إلى كائن مهمّش) بعيداً عن واقع الهيمنة، والتبعية، وسلب الشعوب مقدراتها، وإرادتها، وطاقاتها، وثقافاتها، وسلامها، وأمنها، ومصائرها. كما بدا أن حوار الحضارات وحده –بما تمتلكه هذه الحضارات من طاقات روحية خلاّقة– يستطيع أن يزود الأمم بمبادرات تتجاوز بها ذاتها، وجغرافيتها، واقتصادها، ونظمها، وقومياتها، وأعراقها نحو أفق يكون فيه الآخر، والانفتاح عليه ضرورة وجود.

من هنا - وفي مواجهة هذه الصراعات الإقليمية والدولية المتزايدة، حول قضايا متعددة، سياسية واقتصادية وجيو/إستراتيجية، وبالأخص منها مفاهيم الهوية وأيديولوجياتها، وكذلك في مواجهة افتقار الحضارة الغربية للبعد الروحي (الميتافيزيقي) الذي جعلها تصطدم بجدار المعنى(3)- تكتسب فكرة الحوار أهمية كبرى، خصوصاً بعد اتساع جمهورها في أوساط النخب الثقافية، بل والسياسية.

ولذلك يأتي هذا الطرح الحواري ـ في هذه الظروف التي يعيش فيها العالم حالات استقطاب حادة متعددة ـ ليشكل فرصة، وأسلوباً مناسباً للتعبير عن الأمل بوجود المعنى والحكمة في أصل الخلق، وللتبشير أيضاً بقدرة الإنسان على جعل الحياة جميلة ومعطاءة وذات معنى لكل إنسان. ولكن ذلك لا يكون إلا بتفاعل الإنسان مع الإنسان. أي بأن يعترف الإنسان بوجود تعددية ثقافية، تأخذ شكلها المطلوب وعنوانها المميز، وأسلوبها الخاص من الحضارة التي تنتمي إليها. لكن الذي يجب ألا يخفى على أحد هو تعرّض معظم ثقافات العالم لانسحاق وتهديد حقيقي بالتفكك والدمار نتيجة الصعود الكاسح للثقافة الغربية المركزية – وخصوصاً الثقافة الأمريكية – وتمحورها حول ذاتها. فهي الذات والمركز، وغيرها الهامش والطرف.

ولذلك فإننا نؤكد على أن الحوار الحضاري المطلوب لن تكون له أية قيمة تذكر إلا إذا انتقل من كونه حواراً بين الثقافات أو الحضارات إلى حوار بين الجماعات على إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية (أي الثقافية) بما يستجيب للحد الأدنى من معنى العدالة كما تستبطنه اليوم الأغلبية الساحقة من الساكنة البشرية. خصوصاً وأن هذه الأغلبية الساحقة تلتقي مع غيرها من الجماعات البشرية المتقدمة على تشجيع الإبداع الفكري، والبحث العلمي، والتفكير العقلاني، والتسامح الأخلاقي. لكن هذه الجماعات لا تملك جميعاً الإمكانيات والوسائل اللازمة لتطوير هذه القيم الحديثة المطلوبة والمرغوبة.

وبالنظر إلى ذلك يمكن أن يكون الحوار والتقارب بين الجماعات، معنىً جديداً، وروحاً جديدة واعية ومسؤولة خصوصاً إذا ما توسعت دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها – من ثم– من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية. أي بإيجاد فرص أكبر وأوسع لتنويع هذه المرجعيات بحيث يظهر أمامها أن الحوار بين أصحاب الثقافة المختلفة يمكن أن يتحول – على الرغم من سِمَته الإنسانية الواضحة – إلى وسيلة للتغطية على الأسباب الحقيقية للصراعات الدولية بمستوياتها وخلفياتها المتعددة. وهذا الوعي الفعال لمسألة الحوار هو الذي يمكن أن يُظهر – لتلك الجماعات – أنّ الانفتاح على الآخر إثراء للنفس، وليس إفقاراً لها. ويبدو لي أن هذا الأمر لن يحصل ما لم يتحرر أطراف الحوار من عقدة التنظير المعرفي، وينزلوا إلى الأرض، ويعملوا على تأسيس الحوار الحضاري المطلوب على نظام فكري وعلاقات سياسية جديدة تقوم على قواعد التحرر والندية والتكافؤ، وليس على قواعد النهب والسيطرة والإقصاء والتهميش كما هو موجود حالياً. وهذا الأمر يستلزم وجود "رؤية حوار الحضارات" في إطار حق الأمم كلها في الاختلاف والتعددية في المفاهيم والرؤى و التصورات بحيث يتحرك ذلك كله ضمن عدالة إنسانية تتيح للثقافات كلها فرصة النمو والتطور والازدهار في ظل عالم إنساني واحد.

إننا نعتقد أن مقولات القوة والصراع والهيمنة والتحكم - التي لا تزال ترسم وتقود وتتحكم في العلاقات بين الحضارات - وتعزّز أنماطاً جديدة من علاقات السيطرة والهيمنة - لا يمكن أن تبقى هي العناوين السائدة على ساحة الحياة الإنسانية على امتداد الزمن المستقبلي كله، بل لا بد لمقولة الحوار في المستقبل (القريب أو البعيد، إذ أن ذلك رهن إرادتنا) أن تهيمن على العلاقات الداخلية، داخل كل المجتمع بعينه، وداخل كل حضارة بمفردها.

فعلاقات الحوار – التي تنطوي على تأصيل قيم (ومعاني) التعددية، والانفتاح، والتواصل، والاعتراف بالآخر، والتسليم بضرورة التداول السلمي للسلطة السياسية، والتعامل بشفافية وإنسانية – هي التي يمكن أن تؤسس على المستوى الداخلي ذاتيةً حضارية كلية، أو جماعية، أو روح موحدة نسبياً، يمكننا – بالاستناد إليها– أن ننتقل من الحوار الداخلي بين التيارات والقوى والمواقع السياسية والثقافية السائدة في داخل اجتماعنا الديني والسياسي العربي والإسلامي إلى ساحة الحوار، واللقاء، والتنافس الحضاري الخارجي، في سياق انفتاح الذات وخروجها من دائرتها الخاصة إلى الفضاء الإنساني الأرحب والأوسع.

وإذا كان هذا يدل على التفاعل الخلاّق بين النقد والإبداع، فإن حوار الحضارات يجعل أيضاً من هذا التواصل أسّاً رابطاً بين الحرية والمصير، والوجود، والمعرفة والفهم. لكن اعتقادنا الجازم بأهمية تعميق هذا التواصل والانفتاح بين الثقافات، والتعددية الثقافية، لا يعني – بأي حال من الأحوال– أن هناك مساواة مطلقة بين الثقافات، كما ولا يعني بأن حوار الثقافات قد أضحى مسألة حتمية أو ضرورية. ذلك أن الثقافة ليست هي التي تحاور، بل المجتمعات، ومن ضمنها الأفراد المجتمعون بالحوار أو المسؤولون عن شؤون الجماعة. والعلاقة الطبيعية بين متعددين هي بالضرورة علاقة صراع وتواصل معاً: صراع مع الآخر الغريب، وتواصل مع القريب، فلا قرابة من دون صراع يبني الآخر، ولا صراع من دون هوية تبين حدود الذات والقريب والصديق. وموضوع الصراع بين الثقافات -أو بين الجماعات في الميدان الثقافي- هو السيطرة على الرأسمال الرمزي الذي يشكّل رصيد كل ثقافة، أو هو التثقّف الذي يستدعي السيطرة على مواقع إستراتيجية في شبكة العلاقات والموارد الثقافية العالمية.. فالحق أن الصراع الثقافي (أو الصراع على الثقافة) يقوم على وسائل تختلف عن تلك التي تستخدمها الحرب، وهو يجري كل يوم من دون أن يدرك الناس أنفسهم ذلك أحياناً، وذلك من خلال توسع دائرة نفوذ اللغات والأفكار، والإشارات، والرموز، والأسماء، والصيغ، وأنماط الاستهلاك والتسلية، والآداب، والفنون، والأذواق، وأساليب التنظيم والتأهيل والإدارة، والسلوك.. الخ، وهو صراع مستمر سواء أدخلت المجتمعات المختلفة الثقافة في نزاع دولي مسلح أم لم تدخل فيه.

وفي هذا المجال عرفت الأوساط والأدبيات منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق -وبروز عوامل موضوعية أخرى تتعلق بتطور المسار التاريخي للتجربة الغربية- مساهمتين لافتتين تمثلان الموضوع الأقرب لإشكاليات العلاقة مع الغرب، ويمكن أن توفرا لنا بعض الكفاية المعرفية والسياسية لوعينا بالغرب المعاصر:

 الأولى: مقولة "نهاية التاريخ" (نهاية الأيديولوجيا)، وتقول: بأننا إنما نشهد انبثاق عالم متناسق نسبياً الآن يقوم على قاعدة الديمقراطية الغربية بمعناها الفكري والسياسي والعملي. "وإننا-على الأغلب- لا نشهد نهاية الحرب الباردة أو أية مرحلة تاريخ ما بعد الحرب، بل نهاية التاريخ كما كان، أي النقطة الأخيرة من نقاط التطور الأيديولوجي للبشرية وتصميم الليبرالية الديمقراطية الغربية كشكل أخير من أشكال إدارة المجتمعات البشرية، وهذا لا يعني (حسب فوكوياما صاحب هذه النظرية) أنه من الآن فصاعداً لن تقع أحداث جديدة تشغل صفحات الدوريات الصاخبة. لأن انتصار الليبرالية حدث بشكل رئيسي في مجال الأفكار أو الوعي. وإلى الآن لم يتحقق في العالم المادي الواقعي. لكن تتوفر لدينا أسس جوهرية للافتراض أن المَثَل الأعلى سوف يصبح سريعاً هو الموجه الأول لتطور العالم المادي"(4).

الثانية: مقولة "صدام الحضارات": وهي عبارة عن أطروحة "فكرية-سياسية" كتبها "صموئيل هنتنغتون" على شكل مقال في العام 1993 تحت عنوان "صدام الحضارات" (ما لبث أن وسّعها وأخرجها في كتاب حمل عنوان: "صدام الحضارات"، وإعادة صنع النظام العالمي الجديد عام 1996).

يدعم هذا المقال أطروحة تقول بأن الهوية الثقافية سيكون من شأنها أن تحل في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهو واقع سيكون من شأنه أن يسفر عن مجابهات في الحضارات. وأن عالم ما بعد الحرب الباردة (وسقوط الاتحاد السوفييتي) سوف يكون عالماً منقسماً ومتصارعاً وفقاً لمركز تحالف حضارية (إسلامية، كونفوشيوسية، غربية،... الخ). وأن على صنّاع السياسة الخارجية في الغرب (المركز الحضاري الغربي، خاصة الولايات المتحدة) أن ينتبهوا إلى هذه الحقيقة، وأن يحددوا ويخططوا لسياساتهم الخارجية وفقاً لها، وبناءً على شعار عام يطلقه هنتنغتون محتواه "الغرب والبقية"، وذلك إذا أرادوا استمرار السيادة الحضارية والسياسية للغرب(5).

يتضح من سياق الاستعراض السابق للنظريتين (السياسيتين) السابقتين – ونحن هنا لسنا بصدد تقديم مناقشة نظرية وفلسفية للأسس والمبادئ التي قامت عليها الأطروحتان، ولكننا نسعى إلى فهم ماهية التوظيف المعرفي والسياسي الآني لهما، بما يساعدنا على توضيح صورة وعي الغرب لذاته، وتمظهرات هذا الوعي في تشكيل السياسة الغربية تجاه العوالم الأخرى، في نصّيهما الفكريين، وما يعكسانه من دلالات وسمات ومعالم وملامح الحضارة المعرفية والعملية التي تنتسب إليها أفكار النظريتين معاً– يتضح أن كلا الكاتبين، فوكوياما وهنتنغتون، يصلان تقريباً إلى نتيجة واحدة معدة مسبقاً، وإن اختلفت الطريق إلى هذه النتيجة، ألا وهي ضرورة "سيادة الغرب". هنتنغتون يصل إلى هذه النتيجة عن طريق "يجب"، وذلك حين يقسم حضارات العالم إلى "المركز: الغرب، والهامش: بقية العالم"، وضرورة أن يقوم متخذو القرار في الغرب بأخذ هذه "الحقيقة" في الاعتبار، والعمل على استمرار هيمنة الغرب وسيادته عن طريق تحالفات "حضارية" مع دول حضارة الغرب ذات "الثقافة" المشتركة مع الولايات المتحدة خاصة(6).

أما فوكوياما فيصل إلى تلك النتيجة عن طريق "الضرورة" وذلك حين يفلسف تاريخياً انهيار المعسكر الشرقي، وانتصار الديمقراطية الليبرالية. ويعلن –كما ذكرنا– أن التاريخ قد وصل إلى نهايته بذلك. وأن سيادة الغرب الديمقراطي –من خلال تعميم نموذجه الثقافي الديمقراطي في السلطة وآلية الحكم– قد أصبحت مسألة قطعية ونهائية، ولا عودة عنها مطلقاً، ولا مجال –بالتالي– لتغيرات جذرية جديدة في تاريخ الإنسان على هذا المستوى.

إذاً نحن نقف الآن أمام فلسفة تاريخ يقوم منطقها على عناصر التفوق، والقوة، والسيادة. وما أقدم عليه فوكوياما –في الإطار التاريخي المعاصر لمعالجته– هو تعميم هزيمة وتهاوي النموذج الاشتراكي، وتحويلها إلى هزيمة وتهاوٍ شاملين لكل النماذج الأخرى خارج المنظومة الحضارية الغربية(7). لقد ركز فوكوياما على سيادة الليبرالية وانتشارها، إلا أنه لم يسع لقراءة دلالات عودة الدين بقوة إلى حيز الفاعلية الاجتماعية، وعلى الأخص الدين الإسلامي الذي بات ركيزة الدينامية الاجتماعية، ومادة التغيير السياسي في معظم المجتمعات الإسلامية. وفيما لو سلمنا بالوجهة التي ساق فوكوياما تحليله إليها حول عدم اكتراث الشباب الأوروبي والأمريكي، والمجتمعات غير الإسلامية بالإسلام تدليلاً على عدم قدرته على امتلاك أهمية شاملة، فإن ذلك لا يلغي كون المجتمعات الإسلامية - في سعيها الدؤوب لأسلمة هياكلها السياسية وخياراتها الاجتماعية والاقتصادية - ستؤدي دوراً تلقائياً في مواجهة جموح الليبرالية الديمقراطية التي يتسبب بها الاحتياج الحضاري الغربي. وهذا ما من شأنه أن يفسد على الغربنة الشاملة مطامحها، ويعطل شمولية التاريخ الكوني الذي يتنبأ به فوكوياما. إن الرفاه الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والقدرة التكنولوجية الفائقة يجب ألاّ تغيّب أشكالاً أخرى من التناقضات الحادة الناتجة عن تطور الرأسمالية نفسها، والتي تشكل المادة الأيديولوجية للسجال الغربي الراهن، مثل ارتفاع معدلات البطالة، وازدياد حدة التفاوت الطبقي، وتنامي معدلات الجريمة، وانتشار المخدرات، وتفكك الأسرة، وازدياد العزلة الفردية، ويقظة الانقسامات العرقية، تفاقم أزمات الأصوليات الدينية...الخ.

لقد ركزّت طروحات "فوكوياما وهنتنغتون" على الجانب السياسي على حساب الجانب الثقافي والحضاري، وبَنَتْ مجمل نظرتهما التحليلية على معلومات تفصيلية غنية ببعدها الكمي، لكنها تفتقر للمعنى التاريخي في سياق المدى الطويل للتحليل العام لمسار حركة التاريخ. وهنا كان الخلل في آلية تناول ومعالجة الأحداث السياسية التي عصفت بالعالم مؤخراً، ومن ثم في النتائج التي وصل إليها الكاتبان. فقد انطلق الكاتبان –في تحليلهما– من حدث سياسي معين وهو سقوط المشروع الشيوعي، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وخرجا منه بنتائج عامة مطلقة سيطر عليها تفكير "رغبوي" خاضع لتصورات ورؤى ذهنية سياسية محدودة تتصل بطبيعة اتخاذ القرار السياسي في الولايات المتحدة التي يعمل الكاتبان في مراكزها دراساتها الاستراتيجية ذات الصلة المباشرة والوثيقة بمراكز القرار السياسي في الداخل الأمريكي.

إن الأفكار والأجواء (الصراعية) التي أوصلت الكاتبين إلى نتائجهما السابقة لا تصلح أبداً أن تتخذ كمقولات رئيسية مصائرية ومستقبلية ذات بعد دلالي إنساني عام. على الرغم من أننا لا نستطيع أن نغض النظر عن حقيقة وجود صراعات سلمية (وحتى دموية) بين ثقافات الشعوب والأمم، ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن الديمقراطية الغربية قد انتصرت في معركتها الأخيرة.. لكن المسألة هنا هي أن الصراع عمل دائم يجري كل يوم –كما أكدنا سابقاً– وهو حقيقة قائمة لها نماذجها، وتشكيلاتها، وأبعادها، ورموزها المختلفة. والمشكلة الجوهرية لا تكمن هنا – كما تشيع نظرية "صراع الحضارات" ونقيضها المؤكد لها "حوار الحضارات" من الوجود المتصور والموهوم لثقافات متمايزة، ومتغايرة، ومتخاصمة، لا تاريخية بعضها علمي وعلماني وعقلاني وإبداعي. وبعضها سحري، وديني، وعاطفي، وتقليدي. وبعضها سلمي، وتسامحي، وتعددي، وبعضها عدواني، ومتعصب، وأحادي كما يزعم– بقدر ما تكمن في طبيعة التفاوت الكبير والمتزايد في الوصول إلى الموارد الثقافية، وفي مقدمتها الموارد الثقافية الحديثة من علوم وإبداعات عقلية وأدبية وفنية، وإمكانات وطرائق للتدريب والتأهيل والتكوين الإنساني.

من هذا المنطلق – ونظراً إلى أن مسيرة التحول الراهنة التي تقودها الرأسمالية التقنية والمعلوماتية، أو العلمية الجديدة ستعمّق منطق التفاوت الثقافي والعلمي بين الأمم والشعوب مما سيشكّل محوراً للانقسام والتمايز والشعور بالدونية والتراتبية والتهميش والتشريد والتفكك- فإن نظرية "صراع الحضارات" ستعمل أكثر فأكثر على شرعنة التفاوت وقوننته، وإكسابه بعداً سياسياً وحضارياً عالمياً.

إننا نعتقد أن هذه الأطروحة لا تزال أطروحة أيديولوجية بامتياز، تتضمن (من حيث كونها وليدة نظرة الغرب إلى العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد) أخلاقية عنصرية، تجعل من اجتماع وتفاهم الناس (المنتمين إلى طوائف واثنيات وأديان مختلفة) أمراً صعباً، بل وشبه مستحيل.. ليكون المناخ الحاكم هنا هو مناخ الاستتباع والقهر والهيمنة، مموهاً بغطاء "الحضارة". ونحن عندما نصف تلك النظرية بأنها أيديولوجية، فهذا يعني أن وظيفتها الجوهرية هي مساعدة الاستراتيجيات الصناعية الراهنة على التحقق، لا تقديم مبادئ صوغ هذه الإستراتيجية. أما الاستراتيجيات السائدة فإنها تستند -في صياغتها- على رؤية جديدة للاندماج بين المصالح الوطنية، هدفها تمكين الدول الصناعية الرئيسية من الحفاظ على حصتها الراهنة في الموارد الطبيعية، والثروة العلمية والتقنية. وهذا الحفاظ هو شرط الاحتفاظ بمستوى المعيشة الراهن للسكان، وبالتالي بمستوى كبير من الاستقرار السياسي، وبالتالي من إمكانيات التنمية المستمرة والازدهار والمجد(8).

 

في مقابل هذا التوجه اللاإنساني نؤكد بأن الحضارة الإنسانية قد تشكلت عبر العصور، ونتجت - باختلاف الأمكنة والبقاع، وعلى تنوع صُنّاعها- عن شراكة إنسانية غير مباشرة، أسهمت كل أمة أو شعب فيها بمقدار، إلى أن بلغت ما بلغته في عصرنا الراهن.. فكانت حالات التداخل والتعايش والتفاهم والتعاون في ما بينها (بين الحضارات) هي الحالات الأساسية الأطول والأكثر تجذراً من حالة النزاع أو الاختراق.

نعم هناك تعددية ثقافية في هذا العالم، وهذا أمر واقعي نعترف بوجوده، وقد يتصارع أصحاب هذه الثقافات مع بعضهم البعض في فترة ما -كما ذكرنا- ولكن هذا لا يعني ن الصراع هو القضاء والقدر، أو هو خاتمة المطاف وجوهر العلاقات بين الشعوب التي وضعها القرآن الكريم بالقول:  يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…  (الحجرات:13).. والتعارف هنا هو الحوار ذاته. وهذا الصراع أو التدافع الذي قام -ويمكن أن يقوم دائماً بين الوجودات الثقافية المختلفة- يكون دائماً منطلقاً أو ممزوجاً بدوافع سياسية آنية، لا تصلح للعيش الطويل في امتداد ساحة الحياة والزمن. أما الذي يبقى ويستمر فهو منطق التواصل والتحاور والتفاعل والتداخل بين هذه الثقافات. لأنه المنطق الأكثر قوة وقدرة على التعبير عما يجول في داخل نظرة كل إنسان.

ولكننا لا يمكن أن نستمر في تعميق هذا المنطق العقلاني ما دامت هناك قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية  كثيرة عالقة لم تحل بشكل كامل، ولنا في القضية الفلسطينية مثال صارخ على ذلك.. وكذلك ما دامت الفوارق الحضارية المجحفة موجودة بين عالم الشمال الغني المتقدم وعالم الجنوب الفقير المتخلف، والذي يفتقر للحد الأدنى من الحياة والمعيشة الكريمة(9).  

ولذلك فإن تحقيق الحوار بين الحضارات يتطلب باستمرار العمل على بذل الجهود والمحاولات الحثيثة الدائمة لتأسيس وجود وحضور الآخر في ثقافتنا وسلوكنا، لأنه مهدد ومعرض للسقوط نتيجة استمرار وجود المخاطر والمنزلقات والتحديات المختلفة. وهذا أمر يجب أن يدفعنا للعمل المتواصل من أجل صيانة الحوار المتوازن، وحمايته من مسببات عطالته الذاتية والموضوعية الكبيرة.

ــــــــــــــــ

(1) د. أحمد السايح، أضواء على الحضارة الإسلامية، ص78، دار اللواء-الرياض 1981م.

(2) انظر د. محمد عبد الرحمن مرحبا، أصالة الفكر العربي، ص152، منشورات عويدات – فرنسا1982م.

(3) وصلت الحضارة الغربية إلى درجة عالية من حالة الإشباع المادي المحسوس، فقد أصبحت الحياة أسرع وأسهل وأيسر وأكثر رفاهية وإسعاداً وتغطية للجانب الحسي البشري، وأصبح الإنسان أطول عمراً (كمياً وكيفياً )، ولكن بالرغم من كل هذا التقدم، والغنى، والثراء المادي يبقى هناك جانب يشكل ثغرة هائلة فيها، ألا وهو الجانب والمعنى الميتافيزيقي. ولعل في قول أحد العلماء المعاصرين (من أن الإنسان ليس شيئاً سوى آلة "بيو-كيميائية"، مشحونة بجهاز احتراق، يمنح الطاقة للكمبيوترات) أفضل تعبير عن الحالة المأساوية الخطيرة التي وصلت إليها حضارة الإنسان المعاصر. (راجع: مقالة كاظم جهار، قراءة لمفهوم التمركز الغربي بين كلود ليفي ستراوس  ودريدا، مجلة الوحدة ، العدد 4، ص 47-59، 1985 م).

(4) فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ ودراسات أخرى، ترجمة: يوسف جهماني طه، دار الحضارة الجديدة، بيروت 1993، ص13.

(5) انظر: samuel.p.huntington  , ''the civilization ? " , in  the summer 1993,  issue of  forign  affairs

(6) تركي الحمد، الثقافة العربية في عصر العولمة، ص 76، ط: 1، بيروت-لندن. دار الساقي 1999م.

(7)  صدام الحضارات، نصوص نقدية في المنهج والمضمون لمقولة "هنتنغتون"، ص231، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، بيروت1999م.  

(8) صدام الحضارات، م.س، ص405.

(9) كيف يمكن أن نتحدث عن الحوار المتكافئ هنا مع وجود أكثر من ثلثي سكان العالم يعيشون بأقل من دولارين ونصف الدولار في اليوم، وفي ظل وجود أكثر من (800) مليون من البشر لا ينعمون بحياة صحية أساسية، فضلاً عن (850 ) مليون أمي من فئة الكهول فقط، وعن تفشي ظاهرة البطالة في كل بقاع الأرض (800 مليون عاطل عن العمل). ويضاف إلى ذلك  أن هناك ما نسبته 20% من البشر تتنعم بـ80% من ثروات وموارد العالم؟!!.  

المصدر: https://www.wahdaislamyia.org/issues/153/nalisaleh.htm

الحوار الخارجي: