هل كان العرب يتكلّمون الفصحى؟

طه لمخير learn more here

more info  

-«أنا مش طبيب، أنا دكتور في النحو»

-«هو النحو دا يستاهل حد ياخد فيه دكتوراه؟»

-«نعم وبفرع واحد بس من النحو، حرف جر من ثلاثة حروف اسمه «حتّى»، أصلك ما تتصورش أهميته في اللّغة العربيّة»

كان هذا طرفا من حوار دار بين الفنانَين أحمد مظهر(البرنس شوكت حلمي) وصلاح ذو الفقار( محمود دكتور في علم النحو) في مشهد من فيلم «الأيدي النّاعمة» عن قصّة الأديب توفيق الحكيم حاول فيه الدكتور محمود ـ الحاصل على دكتوراه في (حتّى) ـ أن يردّ على تهكّم وسخريّة البرنس شوكت، ويحاول جهده أن يُبيّن مدى أهميّة هذا الحرف في النّحو، ووجوه استعمالاته المتشعّبة… طبعا كلّ جهوده بإقناع البرنس ذهبت أدراج الرّياح، بل إنّه حين ضرب له مثلاً: “يعني مثلاً لما أقول لك: أكلت السمكة حتّى رأسها، بالك (حتّى) هنا لها كم معنى؟ أجابه البرنس: ودا يهمّني في إيه؟ اللي يهمني إنّي آكل السمكة كلّها وخلاص”.

سؤال الفصحى لطالما أثار في نفسي جدلا وأسئلة متشعّبة، هل كان العرب حقّا يتكلّمون اللّغة العربيّة الفصحى؟ تبدو هذه اللّغة مدقّقة وكاملة زيادة عن اللّزوم، تطغى عليها صناعة لغوي تحرير أكثر من لغة طبيعية نشأت بين خيام البدو وركاب الإبل، وتجعل للكلمة الواحدة عشرات الاشتقاقات، وتعيّن للمترادفات خصائص دقيقة تميّز كلّ لفظ عن قرينه، كيف نصدّق أنّ بدويا يأكل فيمسح يديه بأقدامه ثمّ ينطلق مع الرّيح في الصّحراء، أن ينطق بكلام معرّب بأدقّ الحركات و يدقّق النّطق في مختلف أوضاع اللّغة كما صاغها اللّغويون في كتبهم بكلّ أحوالها وتفرعاتها الموسوعيّة، تجعل بعضهم يعدّ رسالة دكتوراه في حرف (حتّى) مثلا ويضيع في إعراب جملة (أكلت السّمكة حتّى ذيلها) على سبعين قول واحتجاج، ويموت سيبويه وهو يقول أموت وفِي نفسي شيء من (حتّى)؟

كيف لهم بتلك الألفاظ الغزيرة الّتي تحمل معاني أكبر بكثير من قدراتهم العلميّة و نشاطهم الفكريّ المحدود في مظاهر معيشتهم البسيطة؟، كيف يمكن لنا أن نصدّق أنّ العرب كانوا يتحدّثون في بيوتهم ومع أزواجهم وأطفالهم بلغة أدبيّة مصنوعة صناعة لتكون لغة القلم والتأليف الأدبي البورجوازي، لا لغة السّوق، والغضب، والضحك، والتّنكيت، والجوع، والمرض، ورعي الإبل؟

كيف تخاطب الأمّ ابنتها بأدواة الجزم والنّفي والنّهي والشّرط وجواب الشّرط وتخفض المجرور وترفع الفاعل وتنصب المفعول به وتعرف النّعت والحال والمفعول المطلق… حتّى قبل أن تحدّد هذه المصطلحات وترسم القواعد بقرنين من الزّمن، وتعرف أثر المعنى على الإعراب؟

تناولْ ما تريد من لغات الشّعوب، الصينيّة واليابانيّة والفرنسيّة والألمانيّة والنيباليّة… لن تجد هذا التّشدّد والصّرامة والعلميّة المبالغ فيها إلى درجة تثير الاستغراب، وعلينا نحن أن نؤمن بما تخبرنا به كتب الجاحظ وابن المقفع والثّعالبي وابن قتيبة؛ أنّ العرب أخذوا اللّغة بالسّليقة الفطريّة، ورضعوا الإعراب والنّحو الصّحيح الّذي يشيّب الرؤوس، مع أوّل نفس في الحياة…

هل كانت تلك الأمّ البدويّة تعلم أنّ «حتّى» مثلا تفيد انتهاء الغاية الزمانيّة أو المكانيّة، وهنا تعتبر حرف جرّ وما بعدها يكون اسما مجرورا مثل «سهرت حتّى الفجر. سرت حتّى البيت».

وتفيد الجمع والمشاركة، وهنا تعامل كحرف عطف وما بعدها يكون اسما معطوفا «قرأت التّقارير كلّها حتّى القديمة».

كما تفيد الابتداء، فيكون الاسم بعدها مبتدأ «سمح للجميع بالدّخول حتّى الأطفال».

وأيضا تفيد التّعليل، إذا سبقت فعلا مضارعا، فتكون حينئذ أداة نصب والفعل بعدها منصوبا «آكل طعاما طبيعيّا حتّى أحافظ على صحتي».

وما تكون هذه السّليقة إلّا كلاما مرسلا ولفظا فارغا إلّا من سفسطة الأدباء واللّغويين العرب، ولماذا هجم اللّحن على الألسنة بعد الإسلام وليس قبله؟

سيقولون لأنّ دخول الأمم الأخرى من الفرس والتّرك والديلم  والرّوم والأمازيغ في الإسلام؛ أفسد تلك السّليقة، فاضطر أبو الأسود وجماعته أن يضعوا كتبا لتقويم اللّسان وحفظ سلامة النّطق العربيّ وأنّ أبا الأسود الدؤلي قرّر وضع كتاب في النّحو عندما قالت له ابنته: ما أجْمَلُ السّمَاءِ؟ فقال: نجُومُهَا، قالت: أنا لا أستفهِمُ يا أبتاه بل أتعجّب. فقال: إذا أردتِ أن تتعجبي فافتحي فاكِ وقولي ما أجمَلَ السّمَاءَ !.

وهذا تبرير ساقط، فالعرب كانوا بالفعل يختلطون بالأمم الأجنبيّة، لأنّهم ببساطة كانوا على أطراف امبراطوريتين عظيمتين (السّاسانيّة في الشّرق والبيزنطيّة في الشّمال) ودخل في العربيّة ما لا يقلّ عن 25  في المائة من اللّغة السوريانيّة الّتي كانت تعدّ اللّغة الشّائعة lingua Franca  في الشّرق الأوسط لأكثر من ألف عام قبل أن تحتلّ مكانها اللّغة العربيّة ابتداء من القرن 7م، وفِي التراث أحاديث تشير إلى أنّ الرّسول كان يأمر زيد بن ثابت بتعلّم السوريانيّة والعبريّة لإطلاعه على كتابات اليهود وغيرهم…

لقد كانت الآرامية/السوريانيّة لغة الثّقافة والكتابة في المنطقة الّتي نبت فيها القرآن، في الوقت الّذي لم تكن فيه اللّغة العربيّة لغة مكتوبة ولم يكن لها حرف يميّزها، وكان المثقّفون العرب يستعملون السوريانيّة كلغة الكتابة، وعندما بدأ يظهر الخط العربي في القرن السّابع الميلادي، كانت حروفه مستوحاة من شكل الحرف السورياني/ الآرامي، والقرآن نفسه مليء بالمفردات والتّعابير الآراميّة/ السوريانيّة والرومانيّة وغيرها من اللّغات الساميّة القديمة، يتّضح ذلك من خلال الإحصاء الّذي قدّمه ألفونس مينغالا(1874-1931) في كتابه (التّأثير السورياني في أسلوبيّة القرآن) لمقدار اللّغات الأجنبيّة في لغة القرآن، فعلى سلّم 100، قسم هذا المقدار كالآتي: 5٪‏ إثيوبية، 10٪‏ عبرية، 10٪‏ إغريقية-رومانية، 5٪‏ فارسية، وزهاء 70٪‏ سوريانيّة (=سيروآراميّة)، هذه اللّغات يتوزّع مجال استخدامها في القرآن على المجالات الآتية: (أ) أسماء الأعلام (ب) مصطلحات دينيّة، (ج) تعابير لغويّة اعتياديّة، (د) الإملاء (ه) بناء الجمل (و) مراجع تاريخيّة أجنبيّة.

فكيف يقال إنّ العرب لم يخالطوا غيرهم من الأمم، وكأنّهم تنزّلوا تنزيلا مع آيات الذّكر الحكيم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ اللّغة العربيّة لها أن تتطوّر وتتحوّل إلى أبعد مدى يمكن أن تبلغه لغة مّا، إلّا أنّنا لا يمكن أن نصدق أن هؤلاء البدو وحتى ساكنة المدن، الذين نسمعهم اليوم يتكلمون في الجزيرة العربية؛ كان أجدادهم يتخاطبون بلغة القرآن ولغة قصائد المعلّقات، فهم أبعد ما يكون عن الفصحى.

رغم أنّ هؤلاء البدو، يمكن أن نقول ونحن مطمئنون؛ أنّهم إلى اليوم لا يختلفون كثيرا عن أولئك في زمن مّا قبل الإسلام وليس هناك سبب منطقي أو تاريخي يجعل لسانهم يميل عن الفصحى بطريقة أقلّ ما توصف به أنّها مشوّهة ومطموسة الملامح، ومعظمهم لم يخالط أجنبيا في حياته ولم تطرق الحضارة رتاج خيمته، وظلّ هؤلاء البدو يعيشون في الصّحراء يرتحلون من مكان إلى آخر داخل الجزيرة العربيّة دون أن تتأثّر لغتهم بأيّ وافد أجنبي أو محتلّ مُعمّر، وحتّى مع احتلال الدّولة العثمانيّة فإنّ وجودها اقتصر على المدن ومن خلال الحاميات العسكريّة، فكيف تتبدّل لغتهم من الفصحى الّتي نقرؤها في الكتب الكلاسيكيّة للأدب العربي، إلى لهجة ورطانة ليس لها من بلاغة الجاحظ وشعر الملك الضليل وخطب بني ذبيان إلّا ما للمومس في دير العابدات.

كما أنّ أولئك الّذين وضعوا القواميس والمعاجم اللّغوية مثل الخليل وابن منظور جاؤوا بعد أكثر من قرنين من وفاة الرّسول، ولم يكونوا على دراية باللّغة الآراميّة الّتي تحدّث بها القرآن في ما لا يحصى من المواضع، لذلك نجد كثيرا من شروحهم اللغويّة وتفاسير القرآن لكثير من المصطلحات القرآنيّة لا تنسجم مع ما يعطيه النّص القرآني، وتبقى كثير من النّصوص الغامضة في القرآن تجد وضوحها وتتكشّف معانيها إذا أرجعنا مفرادات النّص إلى أصلها في اللّغات الأصليّة، وليس إلى المعاجم العربيّة، ولا شكّ أنّ الشّكل والإعراب الطّارئ على اللّغة، والّذي لم تكن تعرفه البدو، قد أحال اللّغة العربيّة وجرسها الصوتي؛ إلى شيء آخر غير المنطق الحقيقي لساكنة الجزيرة العربيّة.

المصدر: https://www.alawan.org/2017/11/18/%D9%87%D9%84-%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7...

أنواع أخرى: