الترجمة.. حوار دائم بين الشعوب

المصطفى مرادا

 

الترجمة جسر تعبر منه الحضارات من النسيان إلى الحضور ومن الخصوصية الميتة إلى الكونية الرحبة، فالأمة التي لا تحوز مؤسساتها الثقافية والبحثية على إستراتيجية

واضحة للعمل المؤسساتي المترجم، هي أمة لا تبني حضارتها إلا على أوهام تميزها، لأنها تُفوت على نفسها فرصة الانفتاح على الآخر، في اختلافه. ومن الطبيعي أن يكون إسهامها في الكوني محدودا، إن لم يكن منعدما، على ضوء ذلك.

إذا كنا نفتخر، اليوم، بإسهام العقل العربي الإسلامي، في شتى مجالات الفكر الإنساني، فإن أزهى اللحظات في تاريخنا العربي -الإسلامي وأكثرها استنارة كان نتاجا مباشرا لترجمة مؤسساتية قوية، أتاح للعقل العربي لحظات حاسمة للانفتاح على فكر وثقافة الآخر، المختلف عنا في الزمان والمكان والعقائد، حيث تمت ترجمة أمهات الكتب في الفلسفة والمنطق والسياسة والآداب، ليبدأ العقل العربي الإسلامي توجيه نظره لهذا التراث الإنساني.

لقد أضحى المترجم والقارئ ينظران إلى اللغة كنظام يستند على بنية ذات علاقات خاصة تكشف منتوجا تعبيريا تواصليا، فعندها لم تعد الترجمة عملية آلية بل فعالية معرفية، أي أنها جزء من آلية إدراك الفكر الإنساني، أو بمعنى آخر عامل إبستمولوجي وسيط بين مكون معرفي وآخر، لا ناقل يشترط الأمانة بمعناها الحرفي بل بمعناها الدلالي، فنحن عندما نترجم لا نترجم لغة بل نترجم فكرا بسياقاته، وخصوصا عندما نريد ترجمة المفاهيم، فالعملية شاقة جدا، وربما تفوق في صعوبتها الصعوبة التي يجدها كاتبها الأصلي، فرغم تهاوي كل مقولات النظرية الماركسية، فإن مفهومها للانعكاس يبقى حاضرا بقوة في الترجمة، فلا يمكن للفرنسي، اليوم مثلا، ترجمة «الآداب السلطانية» للماوردي، ما لم يكن المترجِم على علم بتاريخ العالم العربي الإسلامي منذ ظهور الإسلام على الأقل، وله معرفة دقيقة بمشكلة الخلافة والتوجهات والمذاهب التي ظهرت عقب ذلك، ثم في المقام الثاني، أن يكون ذا معرفة وافية بالنظرية السياسية الفارسية التي استند إليها الماوردي، ناهيك عن معرفة باللغة العربية الأصيلة، في قواعدها وأعرافها في البيان والإضمار والمجاز، فحين يكون على بينة من كل هذا، يمكن آنذاك أن ينظر الباحث في ترجمته بتقدير.

الترجمة حوار وتواصل رفيعان تحاول فيه لغة محاكاة لغة، غير أن فعل الترجمة يتعدى فعل محاكاة اللغة للغة إلى قراءة فكر لفكر والسعي إلى احتضانه وحسن ضيافته وإكرام وفادته، هي حوار بين قارئ وكاتب مختلفين في كل شيء، ما دام اختلافهما لغويا، مع التسليم -مع هايدغر- بكون «اللغة مسكن الوجود»، من ثمة فالترجمة حوار بين أفقين معرفيين مختلفين وتواصل بين نسقين، يعترف فيه كل منهما بقصوره الذاتي وعدم امتلاكه الحق المطلقَ، فالترجمة تحيي الفكر المترجم وتبعثه من النسيان.

تفترض الترجمة وجود اختلاف، اختلاف زمني، كما هو الحال بين الثقافة العربية الإسلامية في عصر التدوين والثقافتين اليونانية والفارسية، أو اختلافا مكانيا، كما هو الحال بيننا نحن اليوم وبين الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة، لذلك يتوجب فحص موضوعاتها من زاوية كونها ذات طبيعة إشكالية، فالترجمة ليست فقط وصف اللغة للغة أو وصف الفكر للفكر ومحاكاته، بل هي جسر ذهاب وإياب يعبر فيه المترجِم والمترجَم معا إلى رحابة لغتيهما وقابليتها لأن تعبر العرق واللسان المخصوصين إلى الكونية، حيث قيم التبادل والاشتراك والتقاسم، فما كتبه اليونان لم يبق ملكا لهم، بل أضحى ملكا لكل الناس، فكل زمن يقرأ هذا التراث ويجد فيه أجوبة تشبع فضوله، وما كتبه مفكرو عصر الأنوار هو أفق أمامنا لا وراءنا، وما كتبه بن عربي وبن الفارض وابن سينا، خاصة في اللغة العربية، والشيرازي وعمر الخيام والسهروردي في اللغة الفارسية، ما يزال يحظى بأهمية كونية اليوم، يكفي أن نقول إن كِتاب «الفتوحات المكية»، للشيخ الأكبر، تمت ترجمته، حتى الآن، إلى ما يزيد على عشر ترجمات إلى الإنجليزية، دون الحديث عن مئات الأطروحات التي تُنجَز حوله عبر العالم، فمن الترجمة قد ينبثق الاعتراف، فإذا كان أهل اللغة غافلين، لأسباب مخصوصة، عن الانتباه إلى مؤلف ما، فإن الترجمة تعيد له اعتباره، فتوقظهم من غفلتهم.

الترجمة جسر تعبر منه الحضارات من النسيان إلى الحضور ومن الخصوصية الميتة إلى الكونية الرحبة، فالأمة التي لا تحوز مؤسساتها الثقافية والبحثية على إستراتيجية واضحة للعمل المؤسساتي المترجم، هي أمة لا تبني حضاراتها إلا على أوهام تميزها، لأنها تُفوت على نفسها فرصة الانفتاح على الآخر، في اختلافه. ومن الطبيعي أن يكون إسهامها في الكوني محدودا، إن لم يكن منعدما، على ضوء ذلك.

الترجمة كإستراتيجية للدولة في الخلافة العباسية

يعلمنا تاريخ البشرية -كما دونت لحظاتِه المفصليةَ كُبرياتُ الكتب التاريخية- أن ننكر وجود حضارة معجزة، أي حضارة وصلت أرقى مراتب الكمال العلمي، الثقافي والحضاري، لوحدها، دون أن تعتمد على حضارات غيرها، فالحضارة لا يتم بناؤها من الصفر، وأولى خطوات البناء تنطلق من شيء موجود قبلها، من منجز ثقافي وفكري وعلمي خطّتْه عقول السابقين، وهذه الخطوة هي الترجمة، فكل الحضارات تترجم تراث الآخرين وتقرؤه وتفهمه وقد تتجاوزه. وأثناء عملية التجاوز، قد يصح لنا الحديث آنذاك عن وجود خصوصية، وأي حضارة بعدها تصبح منذورة لاقتفاء العملية ذاتها: ترجمة، قراءة، فهم، تجاوز.. فكانت الحضارة اليونانية بأساطينها الكبار، في الفلسفة والعلم والسياسية، فترجم العرب تراثها، فقرؤوه وفهموه أحسن فهم، ففسروه ولخصوه وشرحوه ووضعوا له حواشيَّ، حتى صاروا أساتذة في هذا التراث. وبعد ذلك، أضافوا إليه اجتهادات في أفق تكييفه مع الخصائص العقائدية للحضارة الإسلامية، وخصوصا ما تعلق منها بالإلهيات.. بل منهم من حاول -كالغزالي مثلا- أن يؤصل تأصيلا قرآنيا لأقاويل البرهان الواردة في «أرغانون» أرسطو، ومنهم حاول البرهنة على عدم تضاد الحق الموحى به في الشريعة والحق المبرهَن عليه بالقياس الأرسطي، كابن رشد، مثلا، وإنهما الشيء ذاتُه، مقولا بصيغتين، حسب ما يقتضيه اختلاف قدرات الناس على الفهم (انظر كتاب الجابري، «بنية العقل العربي»).

إذا كنا نفتخر، اليوم، بإسهام العقل العربي الإسلامي، في شتى مجالات الفكر الإنساني، فإن أزهى اللحظات في تاريخنا العربي -الإسلامي وأكثرها استنارة كان نتاجا مباشرا لترجمة مؤسساتية قوية، أتاح للعقل العربي لحظات حاسمة للانفتاح على فكر وثقافة الآخر، المختلف عنا في الزمان والمكان والعقائد، حيث تمت ترجمة أمهات الكتب في الفلسفة والمنطق والسياسة والآداب، ليبدأ العقل العربي الإسلامي توجيه نظره لهذا التراث الإنساني.

وهذه حقيقة مهمة جدا، فالفضل يرجع في ما عرفه تاريخ المسلمين من ازدهار معرفي وعلمي لعمل جبار قبله هو عمل المترجمين، فلما فتح المسلمون العراق وجدوا لآراميين يتعاطون مع تراث الحضارة اليونانية، فكان لا بد للفاتحين أن يشتركوا معهم في التعاطي لهذا التراث، وعندما آلت الخلافة إلى بني العباس، واتخذوا من بغداد مركزا لخلافتهم، فإنهم أولوا للترجمة مكانة مهمة. وقد كان أبو جعفر المنصور أول من شجع على ترجمة علوم اليونان وفلسفتهم إلى العربية، كما أشار إلى ذلك صاحب كتاب «طبقات الأمم»، صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي، بيروت، ص. 48. غير أن هناك لحظة تاريخية اتخذت فيها الترجمة بعدا مؤسساتيا قويا، وعندما نقول «مؤسساتي»، فإننا نقصد تحول الترجمة إلى عمل لفِرق متخصصة في الترجمة، تتكون ليس فقط من خبراء في اللغة المنقول عنها والمنقول إليها، بل ومن خبراء في ثقافة وحضارة المنقول عنه، وهذا موضوع سنعود إليه عند الحديث عن الترجمة في المغرب، والتي لم ترق بعد -في اعتقادي- إلى العمل المؤسساتي، إذ تظل حبيسة أعمال فردية، بعضها محكوم بأغراض تجارية والبعض الآخر بأغراض أكاديمية، بالمعنى «الجاف» للكلمة، وما دام العمل يتم بشكل فردي، فإنه يظل منفلتا من الضبط المعرفي، بدليل أن هناك ترجمات قام بها مترجمون مغاربة لكُتّاب ومفكرين انطلاقا من ترجمات أخرى، أي أنهم «ترجموا الترجمة»... والنتيجة ابتعاد عن حقيقة المفاهيم والأفكار الحقيقية.

عندما تولى المأمون الخلافة، أنشأ «بيت الحكمة»، وهي أول مؤسسة للترجمة في العالم الإسلامي، وسلم رئاستها لحنين بن إسحاق، الذي استمر رئيسا لها طيلة مدة خلافة المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل.. وكان يساعده في ذلك ابنه إسحاق وابن أخته حبيش بن الحسن. ومن أبرز المترجمين العرب هناك، أيضا، ابن ناعمة ويحيا النحوي وأبو بشر متّى بن يونس، صاحب المناظرة الشهيرة مع السيرافي، وأبو جعفر الخازن ويحيا بن عدي وأبو عيسى بن زرعة وأبو إسحاق الكندي، وغيرهم، ففضل هؤلاء هو أنهم عرَّفوا العرب على تراث اليونان، ليبدأ العقل العربي بعد ذلك في النظر والتأمل.

ونفس الأمر يمكن قوله في ما يتعلق بتراث المصريين القدماء، ونقصد التراث العلمي لمدرسة الإسكندرية، وهي مدرسة رائدة في علم الفلك والرياضيات، فقد تمت ترجمة كتبهم، وخاصة كتب العالم الفلكي والرياضي الشهير بطليموس. ولم يكن بإمكان العرب أن يضيفوا أي شيء في مجال علمي الرياضيات والفلك لو لم يطلعوا أولا على هذا التراث، ثم بعد ذلك أسهموا إسهامات قوية ستتيح لهم توفير المناخ المعرفي والفلسفي المناسب لظهور الثورة الكوبرنيكية، فكان من أهم الذين قاموا بذلك ابن الطوسي، أبو معشر والبطروجي في مجال الفلك، والخوارزمي وجابر بن حيان في مجال الرياضيات..

أما عن إسهام العرب والمسلمين في مجال الطب، كإسهام ابن البيطار وابن زهر وغيرهما، فلم يكن ليتم ولم تتم ترجمة كتب الشرقيين، كما يسميهم ابن سينا، ويقصد الفرس طبعا، ناهيك عن ترجمة كتب الحضارتي ن الهندية والصينية.

نستنتج، إذن، أن الترجمة حولت العالم الإسلامي في أزهى قرونه، إلى مجمع معرفي وفلسفي وعلمي تلتقي فيه كل الحضارات وكل الأديان وكل العلوم، ومن الطبيعي أن تزدهر هذه العلوم وتتطور، حتى إن الحضارة الغربية إبان النهضة الأوربية لم يكن بإمكانها أن تفهم حضارة اليونان، لو لم يترجم مفكروها عن الحضارة العربية تراثها، بكل مجالاته، من الأدب والعلم، إلى الدين والفلسفة، فكما تحول أرسطو في العالم العربي الوسيط إلى سلطة معرفية، فإن ابن رشد وابن سينا والفارابي وابن باجة وغيرهم تحولوا إلى سلطة معرفية في أوربا قبيل النهضة... هكذا، يقع الاتصال والحوار والتواصل المستمر بين الحضارات، فكل حضارة تترجم، تقرأ، تفهم، ثم تتجاوز لتؤسس لخصوصيتها التي نراها منذ ما يفوق ثلاثة قرون تقريبا.

ترجمة وترجمة معاكسة

قبل أن نمر إلى النظر في حال الترجمة في المغرب، خصوصا، وفي العالم العربي، عموما، اليوم، لا بد أن نُلفت انتباه القارئ إلى حقيقة لا يعرفها أغلبيتنا، هي أن جزءا كبيرا من تراثنا لم نكن نعرفه نحن إلا من خلال الكتب المترجَمة، والتي تحتوي عليها المكتبات الكبيرة في الدول الغربية، أي أن هناك كتبا ألّفها علماء وفلاسفة وأدباء مسلمون ولم نكن نعلم نحن بوجودها، حتى وجدناها مترجَمة ومشروحة وملخَّصة في مكتبات الغرب.. وهذا دليل آخر على أن الترجمة أكبر من أن تكون نقلا من لغة إلى أخرى، بل إنها إحياء أو جعل الحياة سارية في الكتب والمؤلفات. واليوم، إذا كانت من مهمة قبل أن نبدأ في ترجمة كتب الآخرين، فهي أن نبدأ أولا بإرجاع تراثنا إلينا، عبر إعادة ترجمته إلى لغته الأصلية، أي إلى لغتنا العربية، بعد أن تمت ترجمته، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي، من طرف كبريات الجامعات الأوربية.

إن كل الذين يشتغلون في أبحاثهم على فلاسفة ومناطقة وعلماء، كالفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة والطوسي والبطروجي وأبي معشر وغيرهم، يجدون صعوباتٍ جمةً في إجراء تصنيف كرونولوجي لكتب ومصنفات هؤلاء، ويضطرون لقراءة كتبهم بلغة أخرى، كما يفعل كل الذين يبحثون في تراثنا، وكأننا أمام كتب ألَّفها عرب بلغة عربية، إذ إن جزءا هاما من هذه المؤلفات مفقود، والمذهل هو أنهم يجدونه في لغة غير عربية، فبعض كتب الفارابي وابن سينا مفقودة في أصلها العربي، ولكنها موجودة، إنما في لغات أخرى، كالفارسية والتركية والهندية واللاتينية!.. وهناك من الباحثين أمثال المرحوم جمال الدين العلوي، رحمه الله، وهو مؤسس مركز الدراسات الرشدية في فاس، من آلى على نفسه مهمة إرجاع هذا التراث العربي المكتوب بلغة غير عربية إلى أصله، وهي المهمة التي يتكلف بها اليوم بعض تلامذته المؤمنون بهذه الرسالة الحضارية الكبرى، في المركز ذاته، فرغم قلة الإمكانات المادية المخصَّصة للمركز، فإن أعضاءه يحاولون، العمل على إنقاذ التراث العربي الإسلامي من غرابة لغة الأغراب، بنهج عمل فيلولوجي دقيق لإعادة جمع التراث العربي الإسلامي وتصنيفه، فليس أسوأ من أن تكون أمة غافلة عن تراثها، والأسوأ منه أن يكون مترجَما إلى لغة الآخرين، يقرؤونه باستمرار، فيما أهل التراث يفقدونه ويفقدون الهمة لاستعادته...

 

 

الترجمة بين تأويل النص الأصلي وإكراهات اللغة المستقلة

كانت الترجمة في معانيها القديمة عملية آلية يتم من خلالها نقل وتبسيط ما « َجُم واستغرب»، لذلك فهي لا تستلزم من المترجِم معرفة واسعة بثقافة وتاريخ وحضارة المترجَم لهم، حتى إن هناك من الباحثين في التراث مَن ينسبون صعوبة قراءة بعض المؤلفات التراثية ملتبسة الدلالة إلى كون أصحابها لم يطلعوا على الأصل، بل اطلعوا على ترجمات أنجزها أناس يعرفون اللغة المنقولَ عنها ولا تزيد معرفتهم على ذلك، فتجدهم مضطربين في الفهم والتأويل، فمن يقرأ تفسيرات ابن رشد للكتب الأرسطية، سيجد اضطراب الرجل في قضايا عدة، خصوصا في قضايا النفس وعلاقتها بالعقل الهيولاني، ويعلم أهل الاختصاص هذا. وتكون الصورة واضحة أكثر عند ابن سينا في كتابه الضخم «الشفاء»، ففيه يظهر تردد الرجل بين أن يكون أفلاطونيا في مذهبه إلى النفس كجوهر، أو أرسطيا، ويقول إن النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي.. ومن ضمن العوامل التي يمكن أن يعزى إليها التباس الدلالة عن الرجلين (ابن رشد وابن سينا) عدم اطلاعهما على الفلسفة اليونانية إلا من خلال الترجمة، بالمعنى الآلي، كما قام بها إسحاق بن حنين وابن عدي وغيرهما، ونفس الأمر عند الكندي، فبضاعته في المنطق ضعيفة، لكونه لم يضطلع قط على ترجمات كتب اليونان، باستثناء بعض الكتب الشارحة، التي ترجمها متى بن يونس ومن شايعه في التعاطي لعلوم الأوائل، إذن كانت الترجمة نقلا «حرفيا» من لغة إلى أخرى، أو لنقل محاكاةَ لغة لأخرى...

غير أن الترجمة ستعرف «ثورة» حقيقية مع الثورة اللسانية الحديثة، إذ إن النص سيصبح مكونا ثقافيا تشكل فيه العوامل الثقافية، بكافة تفاصيلها من تاريخ وجغرافيا واقتصاد وعلاقات اجتماعية وسياسية بين الأفراد، بُعدا ذاتيا يعطي العلامةَ اللغوية ثوابت الوظيفة التعبيرية، في الوقت الذي تمنحها العلاقات الداخلية لتلك العلامات في وحدات النص الصغرى (السياق) متغيراتها الدلالية، وهنا تتجلى صعوبة الترجمة اليوم.

لقد أضحى المترجم والقارئ ينظران إلى اللغة كنظام يستند على بنية ذات علاقات خاصة تكشف منتوجا تعبيريا تواصليا، فعندها لم تعد الترجمة عملية آلية بل فعالية معرفية، أي أنها جزء من آلية إدراك الفكر الإنساني، أو بمعنى آخر عامل إبستمولوجي وسيط بين مكون معرفي وآخر، لا ناقل يشترط الأمانة بمعناها الحرفي بل بمعناها الدلالي، فنحن عندما نترجم لا نترجم لغة بل نترجم فكرا بسياقاته، وخصوصا عندما نريد ترجمة المفاهيم، فالعملية شاقة جدا، فربما تفوق في صعوبتها الصعوبة التي يجدها كاتبها الأصلي، فرغم تهاوي كل مقولات النظرية الماركسية، فإن مفهومها للانعكاس يبقى حاضرا بقوة في الترجمة، فلا يمكن للفرنسي، اليوم مثلا، ترجمة «الآداب السلطانية» للماوردي، ما لم يكن المترجِم على علم بتاريخ العالم العربي الإسلامي منذ ظهور الإسلام على الأقل، وله معرفة مفصلة بمشكلة الخلافة والتوجهات والمذاهب التي ظهرت عقب ذلك، ثم في المقام الثاني، أن يكون ذا معرفة وافية بالنظرية السياسية الفارسية التي استند إليها الماوردي، ناهيك عن معرفة باللغة العربية الأصيلة، في قواعدها وأعرافها في البيان والإضمار والمجاز، فحين يكون على بينة من كل هذا، يمكنه آنذاك أن ينظر الباحث في ترجمته بتقدير.

فإذا كانت كل هذه الصعوبات في ترجمة نص في الفلسفة السياسية، فلنا أن نتصور الصعوبة التي قد تفرضها ترجمة نصوص المتنبي في الشعر والجرجاني في البلاغة والشافعي في النحو وابن حزم في أصول الدين إلى لغات أخرى.. غير أننا نقف هنا لنعود إلى نقطة أثرناها في سياق حديثنا عن «بيت الحكمة» في عهد المأمون، لنشير إلى أمرين اثنين:

أولا، شكَّل «بيت الحكمة» تجسيدا لعمل مؤسساتي تتبناه الدولة، أي أن الدولة تحتضن بقوة عمل الترجمة، وهذا درس لم نستوعبه نحن بعد، ثانيا، هناك ما يمكن أن نسميه عملا جماعيا لفرق الترجمة، ف«بيت الحكمة» يعلمنا، إذن، درسين إن أردنا أن تكون عملية الترجمة عندنا في المغرب قوية وفعالة، فترجمة شعراء عالميين، كالإسباني غارسيا لوركا والشيلي بابلو نيرودا، عليه أن يستعين بعمل متخصصين في اللغة ومتخصصين في الآداب الإسبانية والبرتغالية وتاريخ هذين البلدين، بل وحتى خبراء في الجغرافيا الإسبانية، لأن هناك أماكن كثيرة ترِد لديهما تحمل دلالات لا يمكن ترجمتها إلا من طرف خبير بهذه الأماكن.

لا تطرح الترجمة مشكلة تحريف الإبداع الفكري والأدبي الأصلي فقط، بل أيضا ترسخ أخطاء تصبح شائعة عن مفكرين وأدباء، مثلا عبارة هوبز الشهيرة «الإنسان ذئب لأخيه الإنسان»، فهي ترجمة سيئة ومفارقة، فلا يمكن أن يكون الإنسان ذئبا وأخا في نفس الوقت، إذ السليم هو «الإنسان ذئب للإنسان». وهناك أخطاء أخرى أصبحت -من فرط تكرارها- سليمة، فمثلا يستعمل مذيعو النشرات الجوية عندنا مفهوم «الاضطراب الجوي»، وهو ترجمة حرفية لمقابله الفرنسي، ففي فرنسا، الماطرة سماؤها في ثلثي السنة، يسمى المطر اضطرابا، أما عندنا، نحن العرب، حيث ننظر إلى لمطر على أنه غيث، فيجب تسميتها كما يقول الأستاذ طه عبد الرحمان «الاستمطارات»...

انتبه الأستاذ طه عبد الرحمان في مشروعه، أيضا، إلى أن عدم الدراية بثقافة اللغة الأصلية تجعل عملية الترجمة محدودة التأثير على اللغة المستقبلة، معطيا دلائل على ذلك من خلال ترجمة مصطلح «إيديولوجيا»، فهو يرى أن ترجمته بهذا الاسم يحمل معاني سلبية، لأن أصل الكلمة «أدلج» أي مشى ليلا، فتحمل كلمة إيديولوجيا معانيَّ التخبط والمشي على غير هدى، لذلك فهو يقترح مصطلح «الفكرانية»، والأمر نفسه في ترجمة العبارة الشهيرة عن ديكارت «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، فهو يرى أن هذه الترجمة لا تفيد العقل العربي الإسلامي في إحداث التأثير ذاته، الذي أحدثته في الفكر الفلسفي الغربي، لذلك فهو يقترح «انظر، تجدْ»، والأمر ذاته نجده عند الأستاذ عبد الله العروي، في ترجمته «الإيديولوجيا» ب»الأدلوجة»، للأسباب التي يوردها، بتفصيل، في كتابه الذي خصصه لهذا المفهوم... بغض النظر عن الجدل المصاحِب لاجتهاد الأستاذين، يبقى الأهم هو تنبيه عموم المترجمين إلى ضرورة بذل جهد أكبرَ من عملية التعريب الحرفي للمفاهيم، فالمترجم يواجه واحدة من أكبر إشكاليات الترجمة، ألا وهي فهم الآلية الدلالية للنص أو معرفة وتأويل ثقافة النص، إذ لا تنحصر مهمة المترجم، وبالأخص من يتعامل مع النصوص الأدبية، في كشف الرابط القاموسي للعلامة اللغوية ضمن ضوابط وقوانين اللغة، بل تتعدى ذلك إلى كشف العلاقة الجمالية بين الدال والمدلول، ضمن مفهوم المجاز والبلاغة والصور البيانية، من تشبيه واستعارة وكناية، إذ يتعين على المترجم، في هذه الحالة، أن يفكك النظام الدلالي للنص، وهذا ليس عملا سهلا، بل هو عمل مزدوج شاق تجاه النص المترجَم واتجاه اللغة المترجَم بها...

المصدر: https://www.maghress.com/almassae/124085

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: