زمن التسطح الفكري

فهد عامر الأحمدي
 

لا يوجد شعب أذكى من شعب ولكن هناك “متوسط ذكاء للشعوب” يمكن قياسه بأخذ متوسط ذكاء 100 مواطن من كل بلد.. وبهذه الطريقة يمكن القول إن متوسط ذكاء الناس في هونج كونج أكبر من كوريا، وفي كوريا أكبر من اليابان، وفي اليابان أفضل من ماليزيا وفيتنام.. وهكذا..

واليوم أصبح مؤكداً أنه كلما ارتفعت جودة التعليم في بلد ما كلما ارتفع متوسط الذكاء فيها..

وبفضل التعليم المجاني والانفجار المعرفي ارتفع متوسط الذكاء عموماً لدى جميع الشعوب هذه الأيام.. غير أن أوربا (ربما بحكم أسبقيتها الحضارية) ثبت فيها متوسط الذكاء في منتصف التسعينات (بعد أن ظل يرتفع باضطراد منذ عقد الخمسينات) حتى تثبت تقريبا هذه الأيام..

والمحير أكثر أنه بدأ بالتراجع قليلا في الدول الاسكندنافية في التسعينات قبل أن يستقر منذ بداية قرننا الحالي.. ففي النرويج مثلا درس جون سندت من جامعة أوسلو درجات ذكاء 960000 مواطن بين عامي 1957 و2002 واتضح له متوسط الذكاء الإجمالي ارتفع حتى منتصف التسعينيات قبل أن يبدأ بالتدهور عام 1994 ثم يستقر مجدداً بدءاً من عام 2002..

وهذه النتائج تتوافق مع اختبارات البرنامج الدولي لتقييم مواهب الطلاب التي تجريها منظمة (OCDE) وتؤكد وجود حالة استقرار في النتائج بدأت مع القرن الحادي والعشرين واستمرت حتى اليوم..

السؤال الذي يهمنا (بعد أن عرفنا عن مسؤولية التعليم والانفجار المعرفي في رفع متوسط الذكاء) هو ما الذي دعاه ليثبت اليوم ويهدد بتراجعه مستقبلا؟

.. الجواب قد يتضمن أسبابا كثيرة ولكن المؤكد أن “السطحية” أهمها.. فالسطحية أو الضحالة الفكرية حسب تعبير خبير الانترنت نيكولاس كار (الذي ألّف كتابا بعنوان سطحية الويب) خلقت جيلا مدمنا على الانترنت سطحيا في تفكيره واتكاليا في بحثه عن المعرفة.. ويعتقد نيكولاس أن أرشيف جوجل السريع واللامحدود يمنعنا من التفكير والتأمل العميق -بعكس قراءة الكتب العادية- وهذا بحد ذاته قد يؤثر فعلياً على تركيبة أدمغتنا الداخلية.. ويستشهد كار باختراعات معرفية سابقة مثل الخريطة، والآلة الكاتبة، والمكتبات العامة وكيف أثرت على طريقتنا في التفكير والإبداع.. وللسبب نفسه يقول إن محفزات الإنترنت والحشو المجنون فيها رفعا نسبة القراءة الخاطفة والتعلم السطحي والتفكير الضحل..

كما يستشهد بدراسة أجريت عام 2011 في جامعة كاليفورنيا أكدت وجود فروقات واضحة بين أدمغة مدمني الانترنت (وتحديدا في المنطقة التي تتعامل مع الذاكرة وصنع القرارات) ومن يقومون بأبحاث علمية وميدانية جادة في الجامعات العريقة..

.. وأنا شخصياً أتفق مع السيد نيكولاس بخصوص دور الانترنت في نشر الثقافة الضحلة، ولكن في نفس الوقت لا ننسى أن المعرفة “الضحلة” خير من عدم الاطلاع أو القراءة نهائياً (حيث يحجم معظم الناس أصلاً عن قراءة الكتب العميقة، في حين يقبلون بشغف على الانترنت ويتعلمون من خلالها)..

أما عن دورها في تغيير أدمغتنا من الداخل، فهذا أيضاً صحيح ولكنني أعتقد أن تغيرات كهذه أمر طبيعي ومعروف كون تعلمنا (لأشياء جديدة) يعيد تنظيم الأطراف العصبية والخلايا المعنية في الدماغ.. بل سبق وكتبت مقالاً في صحيفة الرياض تساءلت فيه عن إمكانية توليد المعرفة في الدماغ بطريقة معاكسة – من خلال حث بعض الخلايا وترتيب الروابط العصبية فيه!!

.. على أي حال؛

إن كان خبراء المعرفة يتهمون النت بتعليم الأجيال الجديدة السطحية والضحالة الفكرية فماذا نقول نحن عن مناهج دراسية مقولبة ومسبقة الصب بحيث لا يجوز نقضها أو تعديلها أو حتى الإضافة إليها!!

المصدر: http://hewarpost.com/?p=1714

الحوار الداخلي: