صعود الشعبوية: لم يعيش الغرب في أزمة؟

فريد زكريا

ترجمة: إبراهيم محسن

 

قد يتفق محبو ومنتقدو “ترامب” على شيء واحد وهو أنهمختلف، يصفه “نيوت غنغريتش” –وهو من أبرزداعميهالجمهوريين الأساسيين– بأنه: “حالة فريدة واستثنائية.” ,وبالطبع فإن “ترامب” متميز بنجوميتهومرونته مع الحقائق ،   ولكن في المقابل ، لايسري هذا التميز هذا  إلى جوانب أخرى من شخصية ترمب ، فهو جزء من صعود “شعبوي” يجتاحالعالم الغربي، يُلاحظ هذا الصعود بعدة بلدان رغماختلافأوضاعها، من سويسرا الثرية إلى اليونان المثقلةبالأزماتعامة، تبقى الشعبوية حركة معارضة، رغم أنهااليومتزداد قوة، ففي بلاد كهنغاريا تُعد هي الأيدولوجيا المهيمنةلقداستطاعت الشعبوية الحصول علىاهتمام العامة في كل مكانتقريبا.

ما هي الشعبوية؟  يتباين تعريف  الشعبوية أشياء لدى  بين المجموعات البشرية  ،   وقد يكون الجامع المشترك بين هذه التعريفات  أن الشعبوية – في كل المجتمعات البشرية –تتشارك بالشك والعداء للنخب،والسياسة السائدة والمؤسسات القائمةترى الشعبوية أنها تتكلم باسم الناس “العامة المنسيين   متخيلة نفسهاأنها صوت الوطنية الحقيقية.  على سبيل المثال ؛ يقول “ترامب” بعدد أبريل 2016 من مجلة “ذاوولستريت “: ” يكمن   الترياق الوحيد لإنهاء عقود من الحكم المدمر لمجموعة قليلة من النخب  يتحقق فيضخ دم جديدمن الرغبة الشعبيةففي كل موضوع مهم يؤثر على هذه الدولة، الشعب على صواب والنخبالحاكمة على خطأ.”  ..   يذكرنا هذا  بكلام   “نوبرت هوفر، الذي    اختار شعار  “النمسا أولاً  لحملتةالإنتخابة  اليمينية في عام 2016،  قاللمنافسه  مرشح الخضر آليكسندر بيلين  –الذي كان بروفيسورا سابقا -: ” تملك المجتمع النخبة ؛ وأنا معي الشعب“.1

جاءت الشعبوية تاريخيا بأشكال يمينية ويسارية، وكلا الشكلين ينشطان اليوم، من “بيرني ساندرز” لـترامب” ومنسيرزا” –الحزب اليساري الحاكم في اليونان  لحزب الجبهة الوطنية في فرنساإنالشعبوية اليسارية اليوم ليستبالمختلفة ولا المحيرةلقد كان في الدول الغربية قوى يسارية متعصبة تنتقدسياسات الأحزاب اليسارية   السائدة كونالأخيرة   تميل للأسواق وتستوعب الشركات الكبيرة، وفي أعقابالحرب الباردة تحركت الأحزاب اليسارية الوسطية بشكلأكبر باتجاه الوسط – مثال ذلك بيل كلينتون فيالولايات المتحدة وتوني بلير في بريطانيا– وبهذا أصبح هناك فجوة يمكنملؤها بالشعبويينلقد بقيت هذهالفجوة فارغة حتى الأزمة المالية في العام 2007-2008. لقد كان الكساد العالمي سبباً فيخسارة ملاكالبيوت في أمريكا تريليونات من الثروة وأدت إلى ارتفاع معدلات البطالة في دول كاليونان وإسبانيا لأعلىمن20 % وثبات هذه النسبة إلى الأن،   تلى هذا عودة   اليسار الشعبوي     ليست مستغربةعلى خلفية أكبرأزمة اقتصاديةمنذ “الكساد الكبير“.

إن الأجندة اليسارية الجديدة لا تختلف كثيرا عن تلك القديمة، ولو كان هناك اختلاف فهو أن أحزاب اليسارالشعبوية اليومأقرب إلى الوسط عما كانت عليه قبل30 عاما في عدد من الدول الأوروبيةفعلى سبيلالمثالحزب “سيرزا”   في اليونانليس اشتراكيا كما كان عليه الحزب الإشتراكي الرئيس في اليونانباسوك” في الـ 1970 و1980، حيث وُضعت  بعضالإصلاحات السوقية  المغايرة   للأحزاب اليسارية الآقدم . 

يسري هذا على   حزب “بديموس” النسخة الإسبانية من “سيرزا”   الذي فاز بالسلطة – بعد أن حصل فقطعلى 20% منالأصوات في أحدث انتخابات البلاد  ، ومن المحتمل  أن يجد الحزب  وضعية مشابه لسيرزا“.

بالمقابل، تمر الأحزاب اليمينية الشعبوية بمرحلة تقدم جديدة في دولة تلو الأخرى في أرجاء أوروباحزبالجبهة الوطنيةالفرنسي مؤهل للفوز بالجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، وفي النمسا اقترب “حزبالحرية” جداً من الفوز في الانتخاباتالرئاسية هذا العام، الأمر الذي ما زال ممكناً بعد ما ألغيت الانتخاباتوأجلت لشهر ديسمبر 1لم تستسلم كل الدول لهذاالتقدم، فإسبانيا، بتاريخها القريب الذي عانت فيه مندكتاتورية اليمين، أظهرت شهية ضعيفة لمثل هذه الأحزاببالمقابلتمتلك ألمانيا اليوم، الدولة التي يلاحقهاتاريخ من التطرف أكثر من أي دولة أخرى، حزبا شعبويا يمينيا يزداد قوة ويسمىالخيار لألمانيا“.وبالتأكيد   لاتعدم  ألمانيا  “ترامبها “.

يرى بعض الأمريكيين  أن “ترامب” ظاهرة فردية لا يمثل أجندة طويلة الأمد،  إلا أن الأدلة المتراكمةتشيء بغير ذلك.استخدم العالم السياسي “جاستن جيست” البرنامج الانتخابي للحزب البريطاني الوطنياليميني، وسأل الأمريكيين البيضعما إذا كانوا سيدعمون حزبا سيقوم بإيقاف الهجرة الجماعية، توفيرالوظائف الأمريكية للأمريكيين، المحافظة على التراثالمسيحي لأمريكا وإيقاف التهديد الإسلامي، أجاب65% بأنهم سيدعمون مثل هذه التوجهات، الأمر الذي جعل جيستيستنتج أن “الترامبية” ستستمر بعدترامب“.   

لماذا الغرب، ولماذا الآن؟

 حتى نفهم البحث مصدر الشعبوية الجديدة، يجب على الشخص أن يتبع نصيحة “شارلوك هولمز2” في أنينتبه للكلب الذيلا يعوي، فالشعبوية غير موجودة بشكل كبير في آسيا، حتى في الاقتصاديات المتطورةكاليابان وكوريا الجنوبية، وهي أيضا تتقهقر في أمريكا اللاتينية، حيث قادت الشعبوية اليسارية، في كل منالأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا، دولها للسقوطخلال العقد الماضيفي ورقة بحثية مهمة من كلية كيندي للحكمفي جامعة هارفرد، توصل “رونالد انغليهرت” و “بيبانورس” إلى أنه ومنذ عام 1960، استطاعتالأحزاب الشعبوية اليمينية مضاعفة حصتها في الأصوات، فيما تضاعفتحصة الأحزاب الشعبوية اليساريةإلى خمس مرات في الدول الأوروبيةوفي العقد الثاني من هذا القرن، ارتفع معدل حصةاليمين الشعبويمن المقاعد إلى 13.7% بالمقابل ارتفعت حصة اليسار الشعبوي إلى 11.55 %.

إن أكثر النتائج الصادمة لهذه الورقة هو ضعف دور الاقتصاد كمحرك للسياسةما زالت الطريقة التي يفكرفيها بالسياسةاليوم تتشكل من خلال التقسيم الأولي للقرن العشرين اليمينياليساري، فاليسار يرتبط دائماًبزيادة الإنفاق الحكومي، دولةالرفاهية وقيود أكبر على الشركاتبالمقابل تريد أحزاب اليمين حدّ الحكومة،شبكات أمان أقل وسياسات السوق الحر.  لقدكان نمط التصويت السائد يدعم هذا التقسيم الأيديولوجي،فكانت الطبقة العاملة تفضل اليسار فيما تفضل الطبقة المتوسطةوالعليا اليمين، كان مستوى الدخل المؤشرالأفضل للخيارات السياسية للناسأشار “انغليهرتو “نورس” على أن هذاالنمط يشهد تراجعاً من عدةعقودفقد كتبا: ” مع العام 1980، تراجع التصويت الطبقي إلى أدنى مستوياته في بريطانياوفرنسا والسويدوغرب ألمانيا … في الولايات المتحدة، قد وصل إلى مستويات دنية مع حلول 1990 تاركاً لا مجاللنزولأكبر.” تعد الحالة الاقتصادية للأمريكي مؤشر ضعيف عن ميوله التصويتية، فتوجهاته في القضاياالاجتماعية –علىسبيل المثال الزواج من ذات الجنس  مؤشر أدق على إن كان سيدعم الجمهوريين أوالديمقراطيينلقد حلل “انغليهرت” ونورس” أيضاً البرامج الانتخابية للأحزاب وتوصلا إلى أنه ومنذ عام1980 أصبحت الجوانب الاقتصادية أقل أهمية، فيماازدادت أهمية القضايا الغير اقتصادية كتلك المتعلقةبالجنس والعرق والبيئة.

ما الذي قد يفسر هذا التغيير ولماذا يحدث بشكل حصري في الدول الغربية؟ إن أمريكا الشمالية وأوروبا فيهاالكثير منالدول التي تختلف في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكنهم جميعاً يشتركون فيتحدي واحد وهو الركودالاقتصاديومع اختلاف السياسات التي اتخذتها هذه الدول، تشهد جميع الدولالغربية هبوطاً في النمو منذ السبعيناتلقدكانت هنالك بعض الانتعاش إلا أن هذا التحول المدني حقيقيحتى في الولايات المتحدةما الذي قد يسبب مثل هذاالانحدار؟ في كتابه الجديدازدهار وسقوط الأمم، يقولريشر شارما” أن الأنماط العامة لمثل هذا الركود يفسرها سببعام، يحدد الكاتب سبب واحد يتفوق علىكل الأسباب الأخرىالديموغرافياتعاني الدول الغربية من الولايات المتحدةلبولندا، ومن السويد لليونان،تعاني من تدني معدلات الخصوبة، تختلف الحدة ولكن في كل مكان هنالك أسر أصغر، أيديعاملة أقلومعدلات التقاعد ترتفع كل عام، إن لهذا تأثير أساسي وسلبي على النمو الاقتصادي.

إن هذا النمو البطيء مقترن أيضاً بالتحديات المرتبطة بالاقتصاد العالمي الجديد، لقد أصبحت العولمة اليومنافذة وقوية، وإنأسواق الغرب (بشكل عامهي الأكثر انفتاحا للعالمأصبح من السهل تصنيع السلع فيالاقتصادات ذات الدخول المتدنيةوتصديرها للدول الصناعية المتقدمةومع أن زيادة التجارة العالمية لهادور إيجابي على الاقتصاديات ككل، إلا أنها تؤديلبلاء بعض القطاعات ولأعداد ضخمة من البطالة أوتدني التوظيف في العمالة التي لا تملك المهارات أو تملك القليل منها.

إن النمط الآخر الموجود في العالم الغربي هو الثورة المعلوماتية، إن هذا ليس مكان للتناظر فيما أن كانتالتكنولوجياالحديثة تزيد من الإنتاجية، يكفي القول إنها تزيد من آثار العولمة، وفي حالات عدة تتجاوز ماتفعله التجارة في إلغاء بعضالمهنخذ على سبيل المثال التكنولوجيا الجديدة والباهرة التي تصنعها شركاتكأوبر وجوجل التي تجعل من السيارات بلاسائق أمراً ممكناً، مهما كانت الآثار الإيجابية لمثل هذا الاتجاهالسائد، فليس من الممكن أن يكون إيجابيا لثلاثة ملايين سائقشاحنات أمريكي (إن المهنة الأكثر امتهانا منقبل الذكور الأمريكيين هي قيادة السيارات والحافلات والشاحنات، حسبديريك ثومسون” من صحيفةالأتلانتيك“).

إن التحدي الأخير هو التحدي الماليفجميع الدول الغربية تقريبا تواجه أعباء مالية ضخمة، إن صافي نسبةالدين للناتجالإجمالي المحلي في عام 2015 للاتحاد الأوربي 67%، أما في الولايات المتحدة فهي 81%.لا تؤدي هذه الأرقامللتعطيل لكنها تفرض محددات على قدرة الحكومات على العملإن الديون يجب أنتسد ولكن مع ازدياد المصاريف علىكبار السن من خلال رواتب التقاعد والقطاع الصحي، تزداد أعباءالديونوإن كان الطريق الأكثر أماناً لنمو أكبر هوالاستثمار – الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والعلوموالتكنولوجيا– فهذا الطريق أصعب مع وجود نمو كبير في الأعباءالمالية لشعوب مسنة.

هذه العقبات – الديموغرافية والعولمة والتكنولوجيا والميزانية– تعني أن هنالك خيارات محدودة لصناعالقرارإن الحلولالمعقولة لهذه لمشاكل الاقتصاديات المتقدمة تكون من خلال مجموعة متتالية من الجهودالموجهة التي ستستطيع بالنهايةتطوير تلك الاقتصادياتاستثمار أكثر، إعادة تأهيل الأيدي العاملة،وإصلاحات في النظام الصحيلكن هذه التدرجيةتصيب المصوتين بخيبة أمل حيث أنهم يحتاجون لحلولسريعة وقائد جريء يستطيع تحقيق هذه المطالبفي الولاياتالمتحدة وفي غيرها هنالك ازدياد في دعممثل هؤلاء القادة، الذين يستطيعون الاستغناء عن ضوابط وموازين الديموقراطيةالليبرالية.

 

من الاقتصاد إلى الثقافة  

سببت المؤثرات الموجودة على العمل في الاقتصاد العالمي جزئيا بتقارب السياسات الاقتصادية حول العالمفي العقودالأخيرة، في الستينات، كان هناك فرق شاسع ما بين اليسار واليمين، فكان اليسار يعمل لتأميم كافةالصناعات، أما اليمينفكان يسعى لإخراج الحكومة من الاقتصادفحينما جاء “فرانسوا ميتيران” في بداياتالثمانينات في فرنسا، وضع العديد منالسياسات التي كان قابلة لأن تحدد بأنها اشتراكية، بالمقابل فقد أرادرونالد ريغان” و “مارغريت تاتشر” أن يقللوا منالضرائب وأن يخصصوا الصناعات والخدماتالحكومية وأن يحرروا القطاع الخاص بشكل جذري.

أفقدت نهاية الحرب البارد مصداقية الاشتراكية بكافة أشكالها، مما جعل الأحزاب اليسارية تتحرك في كلمكان باتجاهالوسط، وكان الأكثر نجاحاً في ذلك “كلينتون” في الولايات المتحدة و “بلير” في المملكةالمتحدةومع أن سياسيي اليمين مازالوا يسعون لتحرير الاقتصاد، إلا أنه شيء نظري بشكل كبيرفيالسلطة، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية العالمية،تكيف المحافظون مع الاقتصاد المختلط، كما فعلالليبراليون في الأسواقلقد كانت الفروق ما بين “بلير” و “كاميرونموجودة إلا أنه وبالنظر للتاريخ تعدهامشيةفي الأثناء، تتضمن خطط “ترامب” الاقتصادية زيادة الإنفاق على البنيةالتحتية، زيادات جمركيةومستحقات جديدة للأمهات العاملات، لقد استخدم “ترامب” الكلام الخطابي الاعتيادي عنتخفيضالضرائب والضوابط، ولكن ما وعد به –دع عنك ما سيستطيع فعله– كان أقل اختلافا عن خطط “هيلاريكلينتونعما قد يتوقعه الشخصبالحقيقة فقد تباهى بأن برنامجه للبنية التحتية هو ضعف برنامجهيلاري“.

ساهم هذا التقارب في السياسات الاقتصادية في خلق وضع يكون الاختلاف الحقيقي اليوم بين اليسار واليميناختلاف ثقافي،بالرغم مما يسمعه الشخص أحيانا، فإن معظم التحليلات للمصوتين الذين صوتوا لـبريكست، “ترامب” أو المرشحينالشعبويين عبر أوروبا وجدت أن العوامل الاقتصادية (وازدياد عدمالمساواة وتأثيرات التجارةليست هي المحركاتالأساسية لدعم مرشح ما، ولكنها القيم الثقافيةبدأ هذاالتغيير، كما لاحظ “انغليهرت” ونورس، في السبعينات حينما بدأالشباب في تبني سياسات ما بعد الماديةوالتي كانت تدور حول حرية التعبير وقضايا الجندر والعرق والبيئةلقد تحدواالسلطات واستطاعوا تأسيسمؤسسات وأعراف، لقد كانوا ناجحين في تقديم أفكار جديدة وإعادة صياغة السياسة والمجتمع،ولكنهم أيضاًخلقوا ردة فعل، فالجيل القديم، خصوصاً الرجال، قد تأثروا بما قد رأوه تعدي على مبادئ وحضارةترعرعواوكبروا عليهاقد كان هؤلاء الناس يصوتون لأحزاب ومرشحين ظنوا أنهم يستطيعون صد قوىالتغيير الثقافيوالاجتماعي 

أدى هذا في أوروبا لنشوء أحزاب جديد، فيما أدى في الولايات المتحدة لأن يصوت الجمهوريون على أساسالقضايا الثقافيةلا الاقتصادية، لقد استمر الحزب الجمهوري بصعوبة كاندماج ما بين المحافظينالاقتصاديين والثقافيين والصقور فيالسياسة الخارجية، ولكن بعد ذلك تحرك الديموقراطيين تحت إدارةكلينتون أكثر إلى الوسط بإضافة عدد من الخبراءوالطبقة العاملة إلى الحزببالمقابل، إن الطبقة العاملةمن البيض وجدت نفسها غريبة بين الديموقراطيين المتنوعين،وأحسوا براحة أكبر للجمهوريين الذينوعدوهم أن يعبروا عن رأيهم في مواضيعالسلاح والدين والمثليةفي الفترةالرئاسية الأولى لأوباما،ظهرت حركة يمينية جديدة تسمى “حزب الشاي” والتي يبدو بأنها ردة فعل لمحاولات الإنقاذالحكوميةلنتائج الأزمة الاقتصادية ولكن استنتجت “ثيدا سكوكبول” و “فينسا ويليمسون” في دراسة شاملة، قابلتا فيهامئاتالتابعين لهذه الحركة، بأن دوافعهم لم تكن اقتصادية بل ثقافية، إن العداء لأوباما قد أظهر أن العرقأيضا لعب دوراً في ردةالفعل الثقافية تلك.

بقي تركيز المؤسسة المحافظة في واشنطن على الاقتصاد لأعوام تلت ذلك، خصوصاً أن السبب هو أن أكبرالداعمينالماليين لها يميلون لليبراليةولكن خلف الكواليس كان هنالك فجوة ما بينها وبين قاعدة الحزب،ونجاح “ترامب” جاءليظهر هذه الفجوةعبقرية “ترامب” السياسية كانت بإدراكه أن العديد من المصوتينالجمهوريين لم تحركهم خطاباتالحزب الاعتيادية عن التجارة الحرة وتقليل الضرائب وتحرير الأسواق أوإصلاح الرواتب، بل سيستجيبون بشكل جيدلخطاب مختلف قائم على مخاوفهم الثقافية والعاطفة الوطنية.

الأمة في مقابل الهجرة

لعله ومن غير المفاجىء أن أول المواضيع التي استغلها “ترامب” وأهمها كان موضوع الهجرة، إن شعوبيياليمينمنقسمين على عدة مواضيع اجتماعية كحقوق المثليين، ويعلمون أن التيار ضدهم، قليل منالمحافظين يدعون لإعادة تجريمالمثلية ولكن فيما يتعلق بموضوع الهجرة فالشعبويين متحدين فيما بينهمضد معارضيهم النخبويين.

هنالك حقيقة خلف ذلك الخطاب وهي أننا نعيش فعلاً في زمن الهجرة الجماعيةلقد تغير العالم على إثرعولمة البضائعوالخدمات والمعلومات وكل ذلك قد كان له حصته من الألم والمعارضة، إلا أننا نشهد اليومعولمة للبشر وردة الفعل العامةعلى هذا أقوى وأعمق وأكثر عاطفيةلقد تفهمت الشعوب الغربية تدفقالبضائع والأفكار والفنون والأطعمة الأجنبية، ولكنرغبتهم في قبول وتفهم تدفق الأجانب أقل بكثيرويُلاحظ اليوم العديد من هؤلاء.

في معظم التاريخ البشري، عاشت وعملت وتنقلت الناس في مسافة لا تتجاوز عدة أميال عن مكان ولادتهم،بينما في العقودالأخيرة، عاشت المجتمعات الغربية حالة من التدفق الكبير لأناس من أماكن مختلفة وثقافاتغريبةفي عام 2015، كانهنالك حوالي 250 مليون مهاجر عالمي و65 مليون نازحين قصراً في العالم،كان لأوروبا الحصة الأكبر في ذلك بـ  76مليون مهاجر علما بأنها القارة الأكثر تخوفاً من ذلك أيضاهذاالتخوف هو مؤشر أفضل على اتجاه المصوتين قضايا مثلعدم المساواة والنمو البطيءوكمثال مضادهنالك اليابان وهي دولة تعاني منذ 25 عام من النمو البطيء وتشيخ حتىأسرع من غيرها، لكنها لا تملكالكثير من المهاجرين وكنتيجة جزئي جعلتها لا تصاب بحمى الشعبوية.

إن مستويات التخوف المجتمعي ليست مربوطة ربطاً مباشر بأعداد المهاجرين في بل أو حتى كثافةالمهاجرين في مناطقمعينة، حيث أن استطلاعات الرأي تظهر نتائج مفاجئةففي فرنسا نسبيا هناك اهتمامأقل بالرابط ما بين الإرهابوالمهاجرين مقارنةً مع الأوربيين الآخرين، وفي ألمانيا تراجعت نسب وجهةالنظر السلبية عن المسلمين خلال العقدالماضي.  لكن يبدو بالفعل أن هناك علاقة ما بين التخوف الشعبيومستوى الهجرة، الأمر الذي يُظهر أن العامل الرئيسيفي هذا الخليط هو السياسةحيث شهدت الدول التيفشلت فيها السياسة السائدة في أن تهتم وتكترث لطلبات المواطنينصعودا للشعبوية بحافز من السياسيينالذين ينشرون الخوف ويبطنون التحامبينما الدول التي أدارت الهجرة وعملية الدمجبشكل جيد مع وجودقيادة متفاعلة، واثقة وعملية لم تشهد صعودا في التعصب الشعبويكندا شكلت قدوة في هذا المجال،مععدد كبير من المهاجرين وعدد جيد من اللاجئين مع ذلك قليل من الاعتراض.

في الكثير من الأحيان، شوه الشعبويون أو حتى ابتدعوا ابتداع الحقائق من أجل تأكيد قضيتهمففي الولاياتالمتحدة علىسبيل المثال، صافي الهجرة من المكسيك في صفرا منذ عدة سنوات، وبذلك فإن مشكلة الهجرةالغير شرعية في تناقص لاتزايدوبالمثل، استخدم دعاة “بريكست” الكثير من الإحصائيات الغير صحيحةوالتضليلية حتى يخيفوا العامةولكن منالخطأ أيضا إنكار على أنها ببساطة كذبة الدهمائيون (مقابل أنهامجرد استغلت من قبلهم). فأعداد المهاجرين الذين يدخلونأوروبا مرتفعة تاريخيا، وفي الولايات المتحدة،ارتفع عدد الأمريكيين الذين ولدوا في الخارج من أقل من 5% في عام1970 إلى 14% الآن، وما زالتمشكلة الهجرة الغير شرعية في الولايات المتحدة حقيقية مع أنها أخذت تتقلص فيالفترة الأخيرةتعطلتفي عدة الدول الأنظمة الموضوعة لإدارة الهجرة وإدماجهم، ومع ذلك رفضت الحكومات إصلاحهابالغالبأما بسبب المصالح الاقتصادية التي ستستفيد من وجود عمالة رخيصة أو لخوف المسؤولين من أن يظهرواغيرمهتمين أو كارهين للأجانب.

الهجرة هي الجبهة الأخيرة للعولمة، وهي الأكثر تدخلاً وإزعاجاً، لأنه وبسببها لا يتعامل الناس فقط معأشياء وأمورتجريدية بل يأتون وجها لوجه مع بشر آخرين يبدون ويُسمعون ويحس بأنهم مختلفين، ويولدهذا الأمر الخوف والعنصريةوالكره للأجانب، ولكن ليست جميع ردود الفعل ضارةيجب معرفة أن وتيرةالتغيير قد تمشي بسرعة أكبر من أن يستطيعالمجتمع هضمهاإن الأفكار التمزيقية والتدمير الخلاق يحتفىبهما بشكل كبير حتى أصبح من السهل نسيان أنهما يبدوانبشكل مختلف للناس التي جري تمزيقمجتمعاتها.

على الشعوب الغربية أن تركز بشكل مباشر على مخاطر التغيير الثقافي السريع، الأمر الذي قد يحتاج وضعحدود لمعدلاتالهجرة وتحديد للناس الذين سيسمح لهم بالدخولويجب أن تشمل جهودا وموارد أكبرمسخرة لدمجهم واستيعابهم،بالإضافة لشبكات حماية أفضلمعظم الدول الغربية بحاجة لبرامج إعادة تأهيلأقوى للعمال النازحين بحجم قانون الشأنالحكومي “GI bill”: متاح بسهولة للكل وتشارك فيه الحكومةوالقطاع الخاص والمؤسسات التعليميةويجب أن تسخرأيضا جهود أكبر لإجلاء حقائق الهجرة حتىيتعامل العامة مع حقائق لا مخاوفولكن بالنهاية لا غنى عن القيادة مستنيرة،التي بدل من أن تنقاد خلفغرائز الناس السيئة، تجذب أفضل ما فيهم.

بالنهاية سنتعدى هذه الجبهة كذلك، إن أكثر الانقسامات أهمية في موضوع اللاجئين هي جيلية، فالشباب همالأقل تخوفاً منالأجانب في أي مجموعة من المجتمع، فهم يفهمون أن عبر العيش في بلد متنوع وديناميكيإثراء لهم اقتصاديا واجتماعياوثقافياحيث يجب العيش في عالم منفتح ومترابط أمر مفروغ منه بالنسبةلهم، فهو المستقبل الذي يسعون لهإن التحديالذي يواجه الغرب هو أن يتأكدوا بأن الطريق لهذا المستقبللا تملؤه العقبات التي قد تؤدي إلى كوارث.

المصدر: http://hekmah.org/%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A...

الحوار الداخلي: