حتى نعذر بعض السياسيين

عبد الرحمن جعفر

قد يفكّر المعارض في ثورتنا أحيانا أن ينتقل من ساحة الثورة السياسية إلى الميدانية لأسباب عديدة، أهمّها أن الإنجازات والمكاسب العسكرية واضحة، والنظام المجرم الذي يحكمنا لا يفهم بخبثه ودجله غير هذه اللغة، إضافة إلى أن قتال ومواجهة  النظام عسكريا يعطي للمعارض قيمة ومنزلة أخلاقية ووطنية ودينية وقاعدة شعبية، في مقابل أن اختلاط وتعقيد الأوراق سياسيا وتداخلها  يجعلها تستثير غضب ونقمة الرأي العام من السياسيين والعمل المعارض برمّته.

لكن مع هذا فلكل ميدانٍ رجاله، فكما أن هروب المقاتل -الذي لا يجيد السياسة- من الميدان العسكري للعمل السياسي هو جبنٌ وانهزام، كذلك فإن أجبن قرار ممكن أن يتخذه السياسي النزيه الكفء في زماننا هو النزول إلى ساحة المعركة العسكرية هارباً من المعركة السياسية وضراوتها وخطورتها وتبعاتها، تاركا إياها لغيره الذي ربما يسير بها إلى الهاوية، خيانة أو جهالة أو عدم مسؤولية، إذ قد يترك العمل السياسي المعارض نهائيا أو يتجه إلى العسكري، لكونه يرى المواجهة ميدانيا أيسر للأسباب آنفة الذكر، ولأن معطيات المعركة الميدانية أشدّ وضوحاً؛ ففيها يدرك عدوّه أمامه، وقد لا يتردد في اتخاذ قراره، وإن استشهد في ساحة المعركة يكرّم ويعلو شأنه، بل يعلو شأن عائلته ومدينته لعظمة تضحيته التي يستحقّ الثناء والتقدير عليها في الدنيا، والمنزلة العالية الرفيعة عند الله تعالى.

أما السياسة فقد يلقى في يمّها مكتوفا لا طاقة له فيها بمواجهة موجات العداء العاتية التي يتلقّاها من كل حدب وصوب، والمتمثّلة في ثورتنا بضغط الداخل الذي يريد الوصول إلى شاطئ النجاة، وسياسة النظام وأعوانه، وسياسة المجتمع الدولي وأياديه الممتدة بوجه الثورة وثوارها.

وقد يهرب السياسي الكفء من معركته السياسية لأنه يرى في المسؤولية الميدانية أقل تأثيراً أحيانا، في مقابل ثقل ما يحمله من همّ وغمّ معاركه السياسية التي لا يدرك الشارع حقيقة ضراوتها وخطورتها على الثورة؛ لأن السياسي يدخل في صراعات مع أشخاص وتيارات قد تقفز على الثورة وتبيعها، وتفاوض، وتقدّم وتؤخر، وتتلوّن أمام ذلك المخلص الذي تواجهه في معركته خياراتٌ أحلاها مرّ؛ فقد يُخوَّن، ويُتّهم ممن لا يعرف طبيعة المعركة والمعتركين، وقد يجتهد أحياناً مرغما وهو يعلم أن لاجتهاده أعداؤه ومنتقدوه الذين إما أساؤوا فهمه لغياب الحقيقة عنهم، أو لأنه وقف عثرة أمامهم لتحقيق مرادهم أيا كان دافعه.

والمشكلة بعد هذا كلّه أنّه -وبعد كلّ معاناته- قد لا يفهمه إلا أهل السياسة المطلعين على وقائع الأمور على حقيقتها، أما العوام والبعيدون عن المعطيات والأحداث التي قد تفرض عليه، فلا ينتظر منهم -ربما- غير قولهم: أنت خائن، وأنت جاهل، وأنت عميل، إلى غير ذلك من الصفات التي قد تجعل الهروب وتقديم الاستقالة أفضل من غيرها عند الكثيرين.

إن تولي شؤون الثورة السياسية -كما هي الميدانية والعسكرية-  مسؤوليةٌ وهمُّ وجهادٌ، وثغرٌ لا يستهان به من ثغور الثورات، لا يعلمه إلا من يعيشه ويمارسه، تتداخل فيه الأمور، وتتعدّد فيه المخاطر، وتختلف فيه وجهات النظر، وقد يترتب على القرار المتخذ فيه خطأً ضعف أو انهيار الثورة، أو دخولها في نفق مظلم لا يُعلم مصيره.

لكن مع كلّ المصاعب والمعاناة التي يواجهها السياسي قد يخفف عنه أن يتفهّمه الثائر الميداني والعسكري ويعذره، وينتقل نقده له من النقد السلبي المتمثّل بالتخوين والتسفيه، إلى النقد الإيجابي الموضوعي البناء.

ولعلّ هناك أسئلة كثيرة تدور في خلد السياسي الكفء النزيه، تخفف الإجابة عنها بعض معاناته في الثغر الخطير الذي يقف عليه؛ إذ يتساءل في كل لحظة:

–       هل يدرك الثوّار خطورة المعارك السياسية وكيف يمكن لعدوّنا أن يلتفّ على الثورة سياسيا؛ فتضيع دماء أهلنا وتضحياتهم هدرا؟!

–       هل يعي الثوّار أنه لولا ثبات المخلصين في المعارك السياسية، لرأينا أمثال بشار الأسد وعصابته يخرجون إلينا بحصان طروادة، ينتظرون عودتنا من ثورتنا لينقضّوا عليها وعلى من ثار بها؟!

–       هل يعلم الثوّار أن معاقل الثورة السياسية هوجمت مرات ومرات من أنظمة عربية متواطئة، ومجتمع دولي ناقم، وتمّ صدّها من مخلصي الثورة السياسيين؟!

–       هل يعلم الثائر أن الثورة كشفت لنا عن أن سورية كانت مباعة للمجتمع الدولي، وأن نظام الأسد لم يكن بها إلا حارسا لمصالحهم بها، وأن أي إسقاط لهذا النظام، واختيار أي بديل عنه لن يرضى عنه هذا المجتمع إلا بحمايته لتلك المصالح، وأن سبب سخط المجتمع الدولي على المعارضة كونها متمسّكة بمبادئ الثورة التي تنصّ على إسقاط النظام بجميع رموزه وأركانه، وبالسيادة الكاملة لسورية وشعب سورية على كامل أراضيها؟!

–       هل يعلم الثوار أن كلا من النظام والمجتمع الدولي زرع بين المعارضين عملاء وفتح لهم قنوات الإعلام والاتصال لكي يخرقوا جبهات المعارضة ويضللوا الرأي العام؟! وأن المجتمع الدولي ينتظر الفرص السانحة لتسليمهم مقاليد الحكم؟!

–       هل يعلم الثوار بأن الأسلحة السياسية والإعلامية التي تواجه بها ثورتنا من أخبث الأسلحة التي صاغها بل قد يعجز عنها إبليس، وأن سهامها أشدّ فتكا وتأثيرا بالثورة من عشرات الصواريخ البالستية؟!

–       هل يعلم الثائر أن السياسي لا يستطيع التحرك دون تضحيات العسكري، ولا العسكري دون السياسي؟!

–       هل يدرك الثوار أن التخوين وشتم الآخر وتهجّمه عليه والتنازع والتفرّق بين الثوار على كل الجبهات، هي سياسةٌ زرعها فينا الاستعمار، قبل أن يثبتّها ويوطّد أركانها نظام الأسد الذي استعبدنا على مبدأ “فرّق تسد”؟!

 

وختاما أرجو أن لا يفهم من كلامي أنني أنتقص من قدر المقاتل في الميدان، لأنه بالرغم من كل ما ذكرت؛ فإنه لا يستوي المقاتل الميداني -الذي يجاهد بماله وروحه- مع غيره، “فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى” [النساء: 95].

ولكن ما قصدته الإنصاف ثمّ الإنصاف؛  فالثورة كلّها ثغور، ومُهمّة كل واحد منا أن لا يؤتى من قِبله أيا كان موقعه، وأن يخلص في موقعه أياً كان، مدركاً أن قيمته كثائر هي في إخلاصه أولاً لهذا الوطن وهذه الثورة، ومن ثمّ اتقانه لمهمّته التي تخدم الثورة، في الموقع الذي يراه مناسبا، سياسياً كان أو اقتصاديا أو عسكريا أو إغاثيا.

المصدر: https://alfajrmg.net/2013/05/05/%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%86%D8%B9%D8%B0%D8...

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك